أزدادت نظرات يونس عدائية نحو ذلك الملعون ليجده يقترب من الفتاة جداً ويجلس بجوارها على الفراش. ثم وضع كفه على كتفها وتحسسه برغبة حقيرة. وهي بعالم أخر لا تشعر بمن حولها. شعر بدمائه تغلي بداخله، يريد التصرف وبسرعة كي لا تتطور الأمور. فجاءة حدث ما لم يتوقعه. صفعته أكثر من أربعة مرات فجاءة وبسرعة وبدون توقف. فتفاجئ بها وقفت بسرعة وظلت تقفز في مكانها وهي تصرخ بأعلى صوتها وتبكي بقوة. توتر الرجل جداً وخاف أن تفضحه.
فتدارك الأمر عندما أتت والدتها مفزوعة فقال خادعاً إياها: "متخفيش ده بيطلع من عليها! تنحت السيدة جانباً وألصقت ظهرها بالحائط تنظر إلى ما يحدث بخوف. "غبية خدعها بسهولة شديدة." تركها الدجال تبكي وتصرخ وأمسك بعيدان من البخور وأشعلهم وظل يقول كلمات غير مفهومة بالمرة. توقع أن تكون طلاسم. لم يحدث أي تطورات عدا أنه بدأ يتشنج بطريقة درامية قد رآها في آلاف الأفلام. ولكن أمها صدقته وأمنت به أكثر عندما فعل تلك الخرافات.
أمسك بيده مسحوق أبيض اللون ثم قال بعض الجمل وألقاه على الفتاة وهو يقول بصوت عالٍ أحد العبارات الغريبة. فوقعت على الأرض مغشياً عليها في الحال بعد ما فعله. صدمت أمها وهرعت تجاهها تحاول إفاقتها. ولكنه طمأنها كاذباً: "متخفيش يا ست نجاة هو خلاص طلع من عليها شوية وهتفوق الحلاوة بقا! نهضت نجاة فرحة وأطلقت الزغاريد فرحاً بهذا الخبر وقالت بلهفة حقيقية وهي تركض إلى الخارج: "حالاَ يا سيدنا حالاً!
أنهت جملتها وأطلقت الكثير من الزغاريد وهي تخرج من الغرفة. بينما أبتسم هو بخبث، فتلك السيدة المجنونة قد صدقته. لملم أشياءه فكانت قد أتت وأعطته حفنة كبيرة من الأموال الذي أخذها بسرعة وكأنها طوق النجاة. وقال بتمثيل الشرف: "دول مش عشاني لا دول عشان أسيادنا! أومأت بفرح وقالت بتهليل: "تشكر يا سيدنا تشكر! رحل الدجال وبقيت الفتاة على حالها ملقاة على الأرض مغشياً عليها.
هو متأكداً أن ذلك المسحوق الأبيض مخدراً، فهو لا يؤمن بالدجل والشعوذة. حمد الله كثيراً أن يد ذلك القذر لم تمسها بسوء وأنها أفاقت بسرعة قبل أن يتطور الأمر أكثر. كان يراقب ما يحدث عندما توجهت أمها إلى الشباك الخاص بغرفتها وأغلقت. فضغط على شفتيه بقوة غاضباً وقال بضيق: "ولية بنت…" صمت ولم يكمل جملته وأغلق شرفته ليتوجه بعدها إلى فراشه لينام وهو يفكر بتلك الفتاة الغريبة.
مر يومان والحال لم يتغير، تصرفاتها مازالت غريبة وغير مفسرة. وأمها تجلب لها كل يوم أحد الدجاليين، متأكد أن تلك السيدة ستفلس في يوم من الأيام. كان عائداً من عمله مجهد جداً، فاليوم كان شاق حقاً. أوقفه رجل طيب يحبه كثيراً اسمه عم أبراهيم، فهو منذ أن جاء إلى ذلك الحي وذلك الرجل يعامله كابنه تماماً. صافحه بحرارة وقال بود: "أزيك يا عم أبراهيم! "الحمدلله يا بنى كله تمام أنت أيه أخبارك عامل أيه فى شقتك الجديدة!
وجدها فرصة جيدة لسؤاله عن تلك المجهولة فسأله بطريقة غير مباشرة: "والله يا حاج مبعرفش أنام كويس الناس اللى فى الشباك اللى قدامي طول الليل يصوتوا ويصرخوا! خبط الحاج أبراهيم كفه بالأخر وقال بضيق: "لا حول ولا قوة الا بالله معلش يابنى هى علطول كده! سأله يونس بأهتمام: "هى مين ديه وأيه حكايتها! "تعالا نقعد على القهوة وأنا أحكيلك اللى أنت عاوزة! "ها يا عم أبراهيم أحكى!
قال جملته وقد عدل من وضعية نظراته الطبية متأهباً لما سيقوله عم أبراهيم.
أرتشف عم أبراهيم من كوب الشاي أمامه ثم بدأ بالقص قائلاً: "بص يا سيدي الشقة اللي قدامك دي صاحبتها الست نجاة. الست نجاة عندها عيلين ندى وعلى. على متجوز وقاعد في الشقة اللي تحتيهم. ندى بقى لسه مخلصة الكلية بقالها سنتين. أبوها الحاج محمد مات يوم تخرجها ومن يومها وهي على الحال اللي أنت شوفته ده. يوم عزا أبوها فضلت تضحك وتزغرد ودموعها على خدها محدش فهم إيه اللي حصلها كانت غريبة قوي. قلنا من الصدمة بس الموضوع طول قوي.
ملبستش أسود ولا مرة وكانت علطول تضحك وتزغرد وتصرخ وتعيت في نفس الوقت وترقص بردوا. الناس قالت أتلبست. الحارة كلها أدخلت كل واحد وداها لشيخ شكل. وأمها وديتها لأسيس وبردوا اللي عليها عليها مفيش فايدة خالص. أمها وديتها لشيخ كبير معروف أو بيقولوا عليه شيخ الله وأعلم. فضل يضرب فيها عشان يطلع الجن من عليها لغاية لما دخلت المستشفى ونزفت بس بردوا لسه زي ما هي. الظاهر أن اللي عليها تقيل قوي!
أستنكر ما قاله الحاج أبراهيم، ألهذه الدرجة هم جهلة. وصل بهم الأمر لدرجة ضربها. شكر الحاج أبراهيم وصعد إلى شقته ليفكر فيما قاله. حسناً أسمها ندى أذاً، أسمها جميل مثلها تماماً فهي مثل البدر في تمامه. يريد أن يساعدها ولكن بأي حق وماذا سيفعل من الأساس. ظل يفكر حتى سمع صوت الأغاني الصاخبة قد بدأت. ففتح الشباك ليرى ما الذي تفعله تلك المرة. كانت تسكن بالطابق الخامس وهو كذلك ولكن بالمبنى المقابل لها.
وجدها قد أقتربت جداً من على النافذة فتعجب لما تفعله. ولكن بلمح البصر قد جلست على حافة السور معطية ظهرها له. أتسعت حدقتاه بصدمة، ماذا تفعل؟ أستنحر! فتح شباكه على أخره ولم يهتم بما سيحدث، هو سيحاول أنقاذها. ناداها برعب: "ندى… ندى أدخلي هتقعي! لازالت تعطيه ظهرها فلم يمل وظل يناديها وهي لم تلتفت له حتى وكأنها لا تسمعه. أرجعت ظهرها إلى الخلف فشعر أنها ستسقط. فصاح بها خائفاً: "يا ندى هتقعي يا ندى!
نظرت له وهي قالبة رأسها إلى الأسفل. من يراها يعلم أنها ستقع حتماً لا محالة. أبتسمت له ابتسامة واسعة وتركت إحدى يدها الممسكة بها بالسور وأشارت إليه. كاد قلبه أن يتوقف وهو يتوسلها أن تعود أدراجها ثانيةً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!