تحميل رواية «تعويذة غرام» PDF
بقلم نوران أسامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
فتح شرفته ونظر نحو شرفتها التى يخرج منها صوت الأغانى الصاخبة. تمعن فيما تفعله بتعجب وأستغراب شديدان، فهى مختلفة كلياً بل وغريبة الأطوار حقاً. فمن هى الفتاة التى تفعل مثلما تفعل؟ لم يرى مثلها فى حياته كلها. كانت ترتدى شورت أبيض قصير و كنزة الى منتصف بطنها بالون الأزرق وشعرها الطويل البنى مفرود على ظهرها بعشوائية. كانت ترقص على تلك الأغنية الشعبية. كل هذا ليس بالشئ الغريب. فما المشكلة بفتاة ترقص وتفتح نافذتها على أخرها ويراها الجميع؟ سيقول عليها أنها سيئة وغير مهذبة وسينفض عنها. ولكن الجدير بالذكر...
رواية تعويذة غرام الفصل الأول 1 - بقلم نوران أسامة
فتح شرفته ونظر نحو شرفتها التى يخرج منها صوت الأغانى الصاخبة.
تمعن فيما تفعله بتعجب وأستغراب شديدان، فهى مختلفة كلياً بل وغريبة الأطوار حقاً.
فمن هى الفتاة التى تفعل مثلما تفعل؟
لم يرى مثلها فى حياته كلها.
كانت ترتدى شورت أبيض قصير و كنزة الى منتصف بطنها بالون الأزرق وشعرها الطويل البنى مفرود على ظهرها بعشوائية.
كانت ترقص على تلك الأغنية الشعبية.
كل هذا ليس بالشئ الغريب.
فما المشكلة بفتاة ترقص وتفتح نافذتها على أخرها ويراها الجميع؟
سيقول عليها أنها سيئة وغير مهذبة وسينفض عنها.
ولكن الجدير بالذكر والغريب حقاً أنها ترقص وهى تبكى بقوة.
تبكى بكاء يقطع نياط القلوب، شهقاتها تصل اليه بالشقة التى أمامها.
بالتأكيد يتوارى قدر الأمكان عن أنظارها عندما يشاهدها.
وليس فقط البكاء الذى يجعلها غريبة.
الغريب أيضاً أنها تصرخ وتصيح وهى ترقص.
كيف لا يسمعها أحد من بيتها ويمنعها عما تفعله؟
كيف هذا الذى يجعله يفكر ليلاً ونهاراً بها؟
لديها أخ وأم وأخاها يسكن تحتهما.
ولكن ولا مرة منعها مما تفعله ولا حتى أمها.
وليس الرقص فقط الغريب، بل تلك الرسومات التى ترسمها على الحائط أيضاً.
رسومات غريبة لا يفهمها.
أغلق الشرفة مجدداً وجلس على فراشه يفكر.
هو لا يعلم من هى ولا يعلم من هم أهلها.
هو جديد فى هذه المنطقة لا يعرف الكثيرون.
منذ أن جاء الى هنا وهو يراها بذلك الوضع لا يتغير.
غريبة الأطوار حقا.
تنهد بقوة وأرجع رأسه الى الخلف قائلاً بتفكير:
يا ترى أيه حكايتك؟!!
هو يونس أبراهيم على البحيرى، مهندس مدنى يعمل بشركة هندسة خاصة.
طويل القامة وعريض المنكبين ذا وسامة كبيرة.
فعيناه الرمادية الواسعة تزينها أهداب كثيفة ولكنه يخفيها خلف تلك النظارة الطبية التى تشبه الدائرة.
ذا ملامح رجولية جداً.
ليس له أهل، توفى أباه وأمه جراء حادث أليم لا يحب تذكره فهو كان معهما.
رباه جده الى ان قابل وجه الكريم وتوفى ويونس فى المرحلة الثانوية.
ليس بالثرى وليس بالفقير هو متوسط الحال.
جاء الى هذه المنطقة لأنها أقرب الى عمله.
يا غلبى ياااانى منك!
صاحت بها تلك السيدة الخمسنيه بغيظ شديد وهى تمسك جلبابها المنزلى بضيق.
الى تلك الفتاة التى تعطيها ظهرها وتجلس على الفراش.
شعرها الطويل البنى يغطى ظهرها كله.
لم ترد عليها بل لم تلتفت لها من الأساس وكأنها لا تحدثها.
خبطت الأم كف بكف وهى تقول بضيق:
أرحمنى يا رب!
أنهت جملتها وخرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بغيظ.
أما هى فظلت كما هى بوضعيتها الأولى التى لم تغيرها تنظر الى الحائط أمامها بقوة وكأنه أنسى تحدثة.
زيتونتها تائهة.
وجهها الجميل البريئ خالى من الروح والألوان.
شعرها الطويل الناعم مشعث قيلاً يتناثر على وجهها ورقبتها بفوضاوية.
ولكنها مثل البدر فى تمامه.
وضعت كفها الصغير على قلبها فجاءة ثم بدأت بالصراخ بأعلى صوتها دون سابق أنذار.
صياح يصم الأذان ويقطع نياط القلوب من ألألم الذى به.
تبكى وتبكى ولم تكف عن الصراخ للحظة.
لم يدخل أحد غرفتها ليطمئن عليها ولا حتى أمها.
لم يلتفت لها أحد من الأساس رغم أنهم يسمعونها.
لا أحد.
فتح شرفته بسرعة وفزع ظناً منه أن أحدهم يضربها أو ما شابه.
ليجدها جالسه على الفراش بتلك الوضعية وتصرخ بقوة وتبكى كذلك.
حاول التصرف أو فعل أى شئ لأجلها ولكنه عجز تماماً.
وفجاءة وبدون أى مقدمات بدأت بالضحك بصوت عالى عالى جداً.
ولكن دموعها لم تكف على الأطلاق وكأنها سيل منهمر كأنها نهر فياض.
صدم مما حدث فكيف كانت تبكى بتلك الحرقة ثم فجاءة بدأت بالضحك.
سمع صوت أمها ولم يراها بعد لأنها واقفة خلف باب النافذة.
فأختبأ بسرعة خلف تلك الستارة وأغلق الأنوار.
رأى أمها وهى تقترب منها بحذر وتردد آيات القرأن بفزع.
وهى تحمل بيدها أشياء غريبة.
وخلفها رجل ذا لحية طويلة شديدة السواد سواد غير طبيعى بالمرة ويرتدى جلباب بنى اللون وبيده سبحة ويتمتم بكلمات غير مفهمومة.
مظهره يبعث الخوف فى القلوب غير مريح بالمرة.
أحدى عيناه بيضاء والأخرى سوداء كنهايته.
أقتربت منه أمها وشوشته ببعض الكلمات ليبتسم هو أبتسامة خبيثة لتبرز أسنانه الصفراء القذرة وهو ينظر الى الفتاة بنظرات لم تفهمها أمها.
ولكن يونس فهمها فهمها جيداً أيضاً بل وأحترقت دمائة فى عروقة.
أرتفع صوت الرجل وهو يقول كاذباً بتمثيل:
حــــي متخفيش يا حاجة هخرجه من عليها أن شاء الله حـــي!
قال كلمته الأخيرة بصوت عالى فأجفلت الأم وقالت وهى تضع يدها على قلبها برعب:
اللهم أحفظنا!
أتسعت حدقتى يونس بصدمة غاضبة.
ماذا تفعل تلك السيده بأبنتها.
ظل يراقب ما يفعلون وجد الرجل يقترب من الفتاة وعلى وجهه ملامحه الخبيثة التى لم تتغير.
وضع يده على كتفها وقال بغموض مريب:
متخفيش يا ندى!
راقب ردة فعلها بتمعن لم تكن خائفة بل نظراتها شاردة يشك أنها تراه من الأساس.
نظراتها شاردة ولكنها تنظر اليه فى أن واحد.
ألتفت الدجال الى أمها وأمرها:
روحى هاتيلى كوباية مايه مغليه على النار ووطى النار على الأخر ومتجيش منغيرها!
أومأت السيدة عدة مرات وقالت بلهفة:
حاضر حاضر يا سيدنا!
هرولت السيدة بسرعة من الغرفة لتجلب له ما طلب.
فهم يونس أن ذلك الدجال يحاول ألهائها عنه حتى تتثنى له الفرصة لفعل ما يريد.
سبها يونس غاضباً فى سره فتلك السيدة الجاهلة ستتسبب بكارثة لأبنتها دون أن تعلم.
أزدادت نظرات يونس عدائية نحو ذلك الملعون ليجده يقترب من الفتاة جداً ويجلس بجوارها على الفراش.
ثم وضع كفه على كتفها وتحسسه برغبة حقيرة وهى بعالم أخر لا تشعر بمن حولها.
شعر بدمائة تغلى بداخله يريد التصرف وبسرعة كى لا تتطور الأمور.
فجاءة حدث ما لم يتوقعة.
رواية تعويذة غرام الفصل الثاني 2 - بقلم نوران أسامة
أزدادت نظرات يونس عدائية نحو ذلك الملعون ليجده يقترب من الفتاة جداً ويجلس بجوارها على الفراش.
ثم وضع كفه على كتفها وتحسسه برغبة حقيرة.
وهي بعالم أخر لا تشعر بمن حولها.
شعر بدمائه تغلي بداخله، يريد التصرف وبسرعة كي لا تتطور الأمور.
فجاءة حدث ما لم يتوقعه.
صفعته أكثر من أربعة مرات فجاءة وبسرعة وبدون توقف.
فتفاجئ بها وقفت بسرعة وظلت تقفز في مكانها وهي تصرخ بأعلى صوتها وتبكي بقوة.
توتر الرجل جداً وخاف أن تفضحه.
فتدارك الأمر عندما أتت والدتها مفزوعة فقال خادعاً إياها: "متخفيش ده بيطلع من عليها!"
تنحت السيدة جانباً وألصقت ظهرها بالحائط تنظر إلى ما يحدث بخوف.
"غبية خدعها بسهولة شديدة."
تركها الدجال تبكي وتصرخ وأمسك بعيدان من البخور وأشعلهم وظل يقول كلمات غير مفهومة بالمرة.
توقع أن تكون طلاسم.
لم يحدث أي تطورات عدا أنه بدأ يتشنج بطريقة درامية قد رآها في آلاف الأفلام.
ولكن أمها صدقته وأمنت به أكثر عندما فعل تلك الخرافات.
أمسك بيده مسحوق أبيض اللون ثم قال بعض الجمل وألقاه على الفتاة وهو يقول بصوت عالٍ أحد العبارات الغريبة.
فوقعت على الأرض مغشياً عليها في الحال بعد ما فعله.
صدمت أمها وهرعت تجاهها تحاول إفاقتها.
ولكنه طمأنها كاذباً: "متخفيش يا ست نجاة هو خلاص طلع من عليها شوية وهتفوق الحلاوة بقا!"
نهضت نجاة فرحة وأطلقت الزغاريد فرحاً بهذا الخبر وقالت بلهفة حقيقية وهي تركض إلى الخارج: "حالاَ يا سيدنا حالاً!"
أنهت جملتها وأطلقت الكثير من الزغاريد وهي تخرج من الغرفة.
بينما أبتسم هو بخبث، فتلك السيدة المجنونة قد صدقته.
لملم أشياءه فكانت قد أتت وأعطته حفنة كبيرة من الأموال الذي أخذها بسرعة وكأنها طوق النجاة.
وقال بتمثيل الشرف: "دول مش عشاني لا دول عشان أسيادنا!"
أومأت بفرح وقالت بتهليل: "تشكر يا سيدنا تشكر!"
رحل الدجال وبقيت الفتاة على حالها ملقاة على الأرض مغشياً عليها.
هو متأكداً أن ذلك المسحوق الأبيض مخدراً، فهو لا يؤمن بالدجل والشعوذة.
حمد الله كثيراً أن يد ذلك القذر لم تمسها بسوء وأنها أفاقت بسرعة قبل أن يتطور الأمر أكثر.
كان يراقب ما يحدث عندما توجهت أمها إلى الشباك الخاص بغرفتها وأغلقت.
فضغط على شفتيه بقوة غاضباً وقال بضيق: "ولية بنت…"
صمت ولم يكمل جملته وأغلق شرفته ليتوجه بعدها إلى فراشه لينام وهو يفكر بتلك الفتاة الغريبة.
مر يومان والحال لم يتغير، تصرفاتها مازالت غريبة وغير مفسرة.
وأمها تجلب لها كل يوم أحد الدجاليين، متأكد أن تلك السيدة ستفلس في يوم من الأيام.
كان عائداً من عمله مجهد جداً، فاليوم كان شاق حقاً.
أوقفه رجل طيب يحبه كثيراً اسمه عم أبراهيم، فهو منذ أن جاء إلى ذلك الحي وذلك الرجل يعامله كابنه تماماً.
صافحه بحرارة وقال بود: "أزيك يا عم أبراهيم!"
"الحمدلله يا بنى كله تمام أنت أيه أخبارك عامل أيه فى شقتك الجديدة!"
وجدها فرصة جيدة لسؤاله عن تلك المجهولة فسأله بطريقة غير مباشرة: "والله يا حاج مبعرفش أنام كويس الناس اللى فى الشباك اللى قدامي طول الليل يصوتوا ويصرخوا!"
خبط الحاج أبراهيم كفه بالأخر وقال بضيق: "لا حول ولا قوة الا بالله معلش يابنى هى علطول كده!"
سأله يونس بأهتمام: "هى مين ديه وأيه حكايتها!"
"تعالا نقعد على القهوة وأنا أحكيلك اللى أنت عاوزة!"
"ها يا عم أبراهيم أحكى!"
قال جملته وقد عدل من وضعية نظراته الطبية متأهباً لما سيقوله عم أبراهيم.
أرتشف عم أبراهيم من كوب الشاي أمامه ثم بدأ بالقص قائلاً: "بص يا سيدي الشقة اللي قدامك دي صاحبتها الست نجاة. الست نجاة عندها عيلين ندى وعلى. على متجوز وقاعد في الشقة اللي تحتيهم. ندى بقى لسه مخلصة الكلية بقالها سنتين. أبوها الحاج محمد مات يوم تخرجها ومن يومها وهي على الحال اللي أنت شوفته ده. يوم عزا أبوها فضلت تضحك وتزغرد ودموعها على خدها محدش فهم إيه اللي حصلها كانت غريبة قوي. قلنا من الصدمة بس الموضوع طول قوي. ملبستش أسود ولا مرة وكانت علطول تضحك وتزغرد وتصرخ وتعيت في نفس الوقت وترقص بردوا. الناس قالت أتلبست. الحارة كلها أدخلت كل واحد وداها لشيخ شكل. وأمها وديتها لأسيس وبردوا اللي عليها عليها مفيش فايدة خالص. أمها وديتها لشيخ كبير معروف أو بيقولوا عليه شيخ الله وأعلم. فضل يضرب فيها عشان يطلع الجن من عليها لغاية لما دخلت المستشفى ونزفت بس بردوا لسه زي ما هي. الظاهر أن اللي عليها تقيل قوي!"
أستنكر ما قاله الحاج أبراهيم، ألهذه الدرجة هم جهلة.
وصل بهم الأمر لدرجة ضربها.
شكر الحاج أبراهيم وصعد إلى شقته ليفكر فيما قاله.
حسناً أسمها ندى أذاً، أسمها جميل مثلها تماماً فهي مثل البدر في تمامه.
يريد أن يساعدها ولكن بأي حق وماذا سيفعل من الأساس.
ظل يفكر حتى سمع صوت الأغاني الصاخبة قد بدأت.
ففتح الشباك ليرى ما الذي تفعله تلك المرة.
كانت تسكن بالطابق الخامس وهو كذلك ولكن بالمبنى المقابل لها.
وجدها قد أقتربت جداً من على النافذة فتعجب لما تفعله.
ولكن بلمح البصر قد جلست على حافة السور معطية ظهرها له.
أتسعت حدقتاه بصدمة، ماذا تفعل؟ أستنحر!
فتح شباكه على أخره ولم يهتم بما سيحدث، هو سيحاول أنقاذها.
ناداها برعب: "ندى… ندى أدخلي هتقعي!"
لازالت تعطيه ظهرها فلم يمل وظل يناديها وهي لم تلتفت له حتى وكأنها لا تسمعه.
أرجعت ظهرها إلى الخلف فشعر أنها ستسقط.
فصاح بها خائفاً: "يا ندى هتقعي يا ندى!"
نظرت له وهي قالبة رأسها إلى الأسفل.
من يراها يعلم أنها ستقع حتماً لا محالة.
أبتسمت له ابتسامة واسعة وتركت إحدى يدها الممسكة بها بالسور وأشارت إليه.
كاد قلبه أن يتوقف وهو يتوسلها أن تعود أدراجها ثانيةً.
رواية تعويذة غرام الفصل الثالث 3 - بقلم نوران أسامة
كانت تسكن بالطابق الخامس وهو كذلك ولكن بالمبنى المقابل لها.
وجدها قد أقتربت جداً من على النافذة فتعجب لما تفعله، ولكن بلمح البصر قد جلست على حافة السور معطية ظهرها له.
أتسعت حدقتاه بصدمة: ماذا تفعل؟ أستنتحر؟
فتح شباكه على أخره ولم يهتم بما سيحدث، هو سيحاول أنقاذها.
ناداها برعب:
ندى… ندى أدخلى هتقعى!
لازالت تعطيه ظهرها فلم يمل وظل يناديها وهى لم تلتفت له حتى وكأنها لا تسمعه.
أرجعت ظهرها الى الخلف فشعر أنها ستسقط فصاح بها خائفاً:
يا ندى هتقعى يا ندى!
نظرت له وهى قالبة رأسها الى الأسفل، من يراها يعلم أنها ستقع حتماً لا محاله.
أبتسمت له أبتسامة واسعة وتركت أحدى يدها الممسكة بها بالسور وأشارت اليه.
كاد قلبه أن يتوقف وهو يتوسلها أن تعود أدراجها ثانيةً.
ظلت هكذا دقيقة أخرى وهى تشير إليه ثم أعتدلت ووقفت ثانية فى غرفتها.
فزفر بأرتياح: كادت أن تموت حقاً.
ظلت تشير له وعلى وجهها ضحكات غريبة.
شعر بالغرابة ولكنه بدل إشارتها بإبتسامة قلقة عليها.
ولكنه ما أن أشار إليها حتى بدأت تصرخ بقوة وهى تصرخ دون مقدمات.
أختبئ بسرعة خلف الشباك حتى لا يراه أحد وهو يلفظ أنفاسه مفكراً فيما فعلته وفيما تفعله.
نظر ثانية إليها ليجدها قد بدأت بالضحك مجدداً بصوت عالٍ ثم بدأت بالصراخ ثانية فى نفس اللحظة.
سمع صوت صياح جهوري رجولي يأتي من شقتها فأختبأ بسرعة ولكن أعينه ما زالت تراقبهما.
رأى رجل طويل يدلف الى الغرفة كالأعصار صائحاً بها بغضب بيّن:
كفياكي بقا يا بنت ال***!
قال جملته وصفعها بقوة على وجنتها.
ظن أنها ستصرخ وتبكي ولكنها ضحكت بقوة وهى تنظر له فتفاجئ أخاها من ردة فعلها.
فضربها ثانية وبقوة أكثر ولكن لم يلق منها غير الضحك.
ظل يضرب فيها الا أن امتلأ وجهها بالدماء التي نزفت من شفتيها وأنفها.
فتوقف عن ضربها بسرعة وأمسك بوجهها بين كفيه بقلق:
أنتى كويسة ندى أنا أسف… ندى ردي عليا!
كان ردها الضحك بصوت عالٍ جداً ودموعها ودماءها تسيل على وجهها الصغير الشاحب.
تركها ورحل من الغرفة بسرعة بينما جلست هي على الأرض وظلت تضحك وهى تمسح الدماء من وجهها بيدها ثم تنظر الى يدها وتضحك بقوة وهى تبكي.
ألمه قلبها عليها، شعر أنه يريد حمايتها من هذا العالم.
شك فيها أمن الممكن أن يكون حديث الناس عنها وعن الجن الذي يسكنها صحيح أم ماذا؟!!
***
وقف في النافذة يشرب كوب القهوة الخاص به قبل أن يذهب الى العمل.
وجد نافذتها مفتوحة فتعجب، فهي عادة لا تستيقظ مبكراً هكذا.
حاول رؤية ما تفعله فوجدها جالسة على الفراش وتمسك بيدها شيئاً صغيراً ولكنه يلمع.
لم يفهم ما هذا الشيء ولكنه فهم ما هو عندما بدأ رسغها بالنزيف.
وقع قدح القهوة الخاص به من بين يديه وصاح بها بصدمة:
ندى لا يا ندى!
ألتفتت اليه وأبتسمت له ولوحت له ثم أكملت ما تفعله.
ظلت تشرط بالموس في ذراعها ويدها تنزف.
لم يستطع أيقافها بالحديث فأمسك بإحدى المشابك وألقاه عليها.
فألتفتت له ونظرت له مطولاً ثم بدأت بالصراخ والبكاء.
ثم فجأة ألقت عليه المشرط.
تفاداه بسرعة ونظر لها بصدمة قائلاً:
أه يا بنت المجانين!
عدل من وضعية نظارته الطبية التي كادت أن تسقط، ونظر اليها ثانية ليجدها قد تسطحت على التخت ونامت.
أطمئن عليها بعد أن ألقت بالمشرط أنها لم تؤذ نفسها.
أغلق نافذته وقال بقلق عليها داعياً الله:
يارب متأذيش نفسها يارب!
أنهى جملته ونظر أسفل قدمه ليرى القدح قد سُكب على الأرض فذهب الى المطبخ وأتى بقطعة من القماش ونظف ما حدث.
ثم أخذ أشياءه وأتجه الى عمله الذي أصبح يحب العودة منه مبكراً حتى يجلس ويراقبها.
***
في اليوم التالي أنتظرها حتى فتحت شباكها فناداها بصوت خافت قليلاً حتى لا يسمعه أحد من سكان الحارة:
ندى.. بس بس.. ندى!
ألتفتت اليه فتلاقت زيتونتها الخضراء بأعينه الرمادية.
شعر بأشعة تخرج من عيناها تسحبه تجاهها بها جاذبية رهيبة أكبر من جاذبية المريخ.
جميلة كمجيء شهر رمضان بعد طول انتظار، كقطعة حلوى في فم مريض السكر، كثمرة ناضجة وسط شجرة يابسة، كالشتاء بعد حر كالجمر.
جميلة ككل شيء جميل بالحياة… ولكن شاحبة ككتابوت موتى.
سرح في جمالها ولم يلحظ أنه أطال الصمت كثيراً فوجدها قد رحلت من أمامه.
حاول أن يناديها ثانية ولكنه لم تلتفت اليه ولم ترد عليه أيضاً وكأنه قد أغضبها بعدم تحدثه إليها.
تنهد بقلة حيلة: ماذا تفعل تلك المجنونة به؟
أصبح لا يستطيع مفارقتها أسبوع واحد وأصبح لا يستطيع تركها أبداً.
جلس على كرسيه الملاصق للنافذة الذي أصبحت صديقته هذه الفترة وأمسك قدحه يطالع ما تفعله بإهتمام شديد بعد أن عدل وضعية نظارته الطبية.
وجدها ترسم على الحائط رسومات غريبة، بل كانت غريبة عليه قبل أن يعرف قصتها.
الآن أصبح يفسر البعض منها.
***
بعد مرور يومان كان نائماً في غرفته عندما سمع صوت ضجيج شديد جعله يستيقظ بضيق.
نظر الى الساعة بجانبه فوجدها الواحدة فجراً.
حك مؤخرة رأسه بقوة وبغضب ثم نهض وأرتدى نظارته الطبية ليرى ماذا يحدث.
فتح النافذة ليجد الشارع خالياً.
تأفف بضيق، فمن أين أتى ذلك الضجيج الذي اختفى فور أن نهض إذن.
لا يعلم لم لاحت صورتها في ذهنه فنظر الى غرفتها ليجد شباكها مقفول ولكن النور مفتوح ويوجد حركة بالداخل.
ذهب بسرعة الى الشباك الأخر ليرى الشباك الخاص الأخر لغرفتها ليجد زجاجة فقط مقفول وليس "الشيش" ليتمكن له من رؤية ما يحدث بالداخل وليته لم يرى.
***
رأى امرأة شديدة السواد سوداء كالفحم لها طلة مرعبة وخاصة بعبائتها السوداء الداكنة.
وأربعة فتيات وشابان يرتدون جلاليب خضراء هيئتهم عجيبة ومريبة وفي يد كل واحد منهم دف "الطبل".
وأخيراً تلك المسكينة ندى، رآها ترتدي جلباب أبيض واسع وشعرها البندقي ينساب على ظهرها بفوضاوية ولكنها رائعة.
وكالعادة أعينها تائهة شاردة ولا تقاوم أي شيء.
يعلم أنها مجبرة وأنهم من ألبسوها هكذا رغم عنها وأنها لا تدري أن هناك أحد معها بالغرفة من الأساس.
تفحص الغرفة بعينيه ليجد نجاة واقفة على أعتاب الباب تنظر لأبنتها بخوف وعيناها مغرقتان بالدموع.
قفل أحد الشبان الذين مع السيدة الباب في وجه نجاة والدة ندى.
ليبدأ المجهول.
رواية تعويذة غرام الفصل الرابع 4 - بقلم نوران أسامة
رأى امرأة شديدة السواد، سوداء كالفحم، لها طلة مرعبة، وخاصة بعبائتها السوداء الداكنة.
وأربع فتيات وشابين يرتدون جلاليب خضراء، هيئتهم عجيبة ومريبة.
وفي يد كل واحد منهم "دف" الطبل.
وأخيراً، تلك المسكينة ندى، رآها ترتدي جلباب أبيض واسع، وشعرها البندقي ينساب على ظهرها بفوضاوية.
ولكنها رائعة، وكالعادة أعينها تائهة شاردة، ولا تقاوم أي شيء.
يعلم أنها مجبرة، وأنهم من ألبسوها هكذا رغماً عنها، وأنها لا تدري أن هناك أحد معها بالغرفة من الأساس.
تفحص الغرفة بعينيه ليجد نجاة واقفة على أعتاب الباب، تنظر لابنتها بخوف وعيناها مغرقتان بالدموع.
قفل أحد الشابين اللذين مع السيدة الباب في وجه نجاة، والدة ندى.
ليبدأ المجهول...!
ذهب بسرعة وأغلق أنوار غرفته كي لا يراه أي شخص، ووقف يشاهد ما يحدث بعينين قلقة عليها.
وجد الشاب يغلق الباب بالمفتاح.
والشاب الآخر أشعل الكثير من عيدان البخور.
والأربع سيدات ينظرون إلى ندى نظرات لم يفهمها.
وجد السيدة السوداء تقترب من ندى، ثم فجأة دفعتها لتسقط على الأرض.
بينهم، التفوا حولها على هيئة دائرة، وأوقفوها على أقدامها لتجد نفسها محاطة بهؤلاء المرعبين.
بدأوا بقرع الطبول بهدوء وهم يحركون رأسهم ببطء شديد للجانبين بحركة تسمى "التفقير".
ثم بدأوا يسرعون شيئاً فشيئاً، تزامناً مع دقهم للطبول بشكل أسرع.
وهي بينهم تنظر لهم وتحرك رأسها ببطء شديد تأثراً بما يفعلونه.
ثم فجأة أصبحوا يرقصون بهستريا بسرعة فائقة وهم ينشدون أغاني غريبة.
سرعتهم جعلته يشعر بالدوار، لم يفهم لم يفعلون هكذا.
وفي الوسط ندى تقف هائمة.
أتت السيدة السوداء وبيدها دجاجة حية وتصرخ، وبيدها الأخرى سكين مرعبة.
اقتربت منهم، فأدخلوها في الوسط بجانب ندى.
ثم ذبحت الدجاجة فوق رأس ندى، ليتناثر دماؤها على رأسها وعلى ملابسها البيضاء لتصبح مرعبة.
المنظر جعله يشعر بالغثيان، لما يفعلون بها هكذا؟
الآن تأكد بأنه "زار".
ظلت تصرخ وتصرخ وهي تضع يدها على أذنها، تصرخ بقوة ليس لها مثيل، تصرخ بفزع وألم أيضاً.
وبينما هي تصرخ بهستريا، وقعت على الأرض مغشياً عليها من فرط المجهود الذي بذلته.
توقفوا عن قرع الطبول ونظروا لها جميعاً، ثم ابتسموا بخبث، رآه بيّناً في أعينهم الخبيثة.
ابتعد الجميع عنها، إلا شاب واحد الذي نزل لمستواها وعيناه لم تحد عنها.
ثم بدأ يلتمس بشرتها بشهوانية مريضة.
اتسعت حدقتا يونس بفزع، أحقاً سيفعل بها ما برأسه؟
لم يفكر لثانية وانطلق بسرعة خارجاً من شقته ليركض على الدرجات بسرعة شديدة.
يجب أن ينقذها وسينقذها من أيدي هؤلاء القذريين بأي ثمن وبأي مقابل.
قفز الأربعة سلالم المتبقية ليركض بسرعة في الشارع ويدخل بنايتها ليقفز الدرجات وكأن هناك أحد يحمله لينقذها.
وقف أمام بابها وظل يطرقه بقوة شديدة حتى كاد أن ينكسر.
ففتحت له نجاة قائلة بتهكم: "جرا إيه يا..."
لم تكمل جملتها عندما دفعها بسرعة ليبحث عن غرفتها.
وجد غرفة واحدة فقط هي المغلقة، فتأكد من أنها هي.
فوقف أمامها ثم ركل الباب بقدمه لينكسر القفل ويظهر أمامه هؤلاء سارقي الشرف.
كانت أعينه لا تنذر بالخير أبداً، تطلق شراراً مرعباً يرعب كل من يراه.
جن جنونه، وخاصة عندما رأى ذلك الشاب قد مزق عبائتها وشرع في انتهالكها، لولا أنه أتى باللحظة المناسبة.
دلف إلى الغرفة بسرعة وأمسك بذلك الشاب وظل يلكمه ويضربه بقوة.
فحاول الشاب الآخر أن يدافع عنه، ولكن يونس كان كالثور الهائج، يضرب ويركل ويصفع كل من يجده أمامه.
أصبح كالمجنون لا يرى أمامه.
ركضت السيدة السوداء بسرعة وخلفها الفتيات يهرولن بخوف شديد.
وجد الشاب أنه لم يقدر على يونس، فهرب من المكان تاركاً الشاب الآخر بين يدي يونس وقد أوشك على مفارقة الحياة.
ظل يضرب فيه وهو جاثٍ عليه ويسبه: "يا ابن الـ **** يا *** أنا هموتك!"
ظل يضرب فيه والأخر يصرخ بين يديه بألم.
دلت نجاة إلى الغرفة أخيراً لترى ما يحدث، فهي كانت مصدومة بالخارج.
لتجد ابنتها ملقاة على الأرض، ووجهها وملابسها مغرقة بدماء الدجاجة، وجلبابها الأبيض مشقوق من عند الصدر مبرزاً مفاتنها.
لطمت نجاة على وجهها صارخة: "ينهار أسود... ينهار أسود!"
وقعت على الأرض بجانب ابنتها وأخذت رأسها في أحضانها محاولة إفاقتها وهي تصرخ: "يا حبيبتي يا بنتي، ينهار أسود عملوا فيكي إيه!!"
سمع صوتها ترد على نجاة، فنظر نحوها بسرعة ليجدها كما كانت ملقاة على الأرض لا حول لها ولا قوة.
استغل ذلك الحقير شرود يونس عنه لثوانٍ، فدفعه بسرعة وركض من تلك البناية نافداً بجلده بأعجوبة.
تركه يونس يذهب ولم يتبعه، ليطمئن على ندى.
أبعد عنها أمها قائلاً بضيق: "وسعي كده!"
تعجبت أمها من تلك الطريقة التي يحدثها بها، لم يحدثها هكذا؟!! ماذا فعلت؟!! والسؤال الأهم، من هو من الأساس؟!!
نزل لمستواها ومرر ذراعه من أسفل ركبتيها، والذراع الآخر خلف ظهرها وحملها برفق شديد، وكأنها قطعة بلور ثمينة يخشى أن تخدش.
لأول مرة يراها عن قرب، آية في الجمال حقاً، كم هي رائعة، أجمل مما كان يراها عليه من شرفته.
ولكن لسوء حظه يوم أن يراها تكون بتلك الحالة.
أي رجل غيره لكان استغل الموقف وتأمل ما ظهر منها، ولكنه ليس مثل أي رجل، هي بالنسبة له شيء أرقى من ذلك.
وضعها على فراشها برفق، ثم التفت إلى أمها وعيناه ليس بها غير غضب شديد.
إن خرج الآن سيبتلع تلك المرأة المخبولة.
حاول أن يهدأ قدر الإمكان، ولكنه ظهر غاضباً وهو يقول لها بضيق: "أنتِ لازم تبلغي عن اللي حصل ده!"
رفضت ما قاله قائلة بحنق وهي تتهمه: "وأنت مالك أنت يا أخ، إيش حشرك بنتي وأنا حرة فيها!"
لم يصدق ما تقوله، أحقاً يوجد شخص بذلك الغباء؟
شعر أنه إن بقى أكثر أمامها سيقتلها، سيقتلها بكل تأكيد.
صاح بغضب وهو يتجه إلى الباب: "أنتِ هتضيعي بنتك وساعتها هتندمي، واحمدي ربنا إني جيت وأنقذتها!"
قال جملته ونزل من الشقة صافعاً الباب بقوة خلفه.
أما هي فطرق كف على كف قائلة بضيق: "لا حول ولا قوة إلا بالله، ده شكله مجنون!"
كان حقاً سيصاب بنوبة قلبية، تلك المرأة أصابته بالجنون حقاً.
لم يصدق أن هناك أم بتلك البشاعة، لم تفعل بابنتها هكذا، لم تعرضها للخطر لتلك الدرجة.
هو بمجرد أن يتخيل ما كان سيحدث بها يشعر أنه سيجن.
كان يزرع الغرفة ذهاباً وإياباً بغضب شديد، لم يحدث هذا مع تلك المسكينة.
لاح فجأة في ذهنه شيء حدث، هو سمع صوت الطبول قبل، لهذا استيقظ.
ولكنه عندما استيقظ لم يكونوا قد دقوا الدفوف بعد، وحتى عندما دقوا الدفوف لم يكن الصوت قوياً ليوقظه من النوم، فقد كانت النافذة الزجاجية لديهم مغلقة التي رآهم من خلالها.
اتسعت حدقتاه بدهشة وعدل من وضعية نظاراته الطبية.
أمن الممكن أن يكون الله فعل ذلك لينقذها؟
قال بدهشة وقد اقشعر بدنه عندما تخيل ما قد يحدث لها أن لم يستيقظ: "سبحانك يا ربي سبحانك!"
علم أن الله أرسله إلى تلك البناية التي يقطن بها وذلك الطابق خصيصاً ليحرسها وليكون معها وليحميها من بطش البشر.
رواية تعويذة غرام الفصل الخامس 5 - بقلم نوران أسامة
كان لم ينم طوال الليل يفكر بها ويفكر فيما يحدث لها. كم هي ضحية مجتمع. فكر في الذهاب إلى أخيها وأن يقص له ما حدث، والذي بالطبع لا يعلم عنه أي شيء. ولكنه تراجع عن الفكرة سريعاً، فأن قال له ما يحدث معها سيسأله من أين علم، وبالتأكيد لن يقول له أنه يراقبها من شرفته.
حضر قدح القهوة الخاص به ككل صباح، ثم وقف في الشرفة يطالع غرفتها. وجدها تقف تنظر إليه. توتر قليلاً ولكنه ابتسم لها ابتسامة متسعة جذابة قائلاً بصوت لا يسمعه سواها: صباح الخير!
حاول قدر الإمكان هذه المرة ألا ينساق خلف جمالها الأخاذ. وجدها تبتسم له بشدة، وعيناها أيضاً ردت بها الروح لأول مرة. اتسعت ابتسامته أكثر وشعر بسعادة غامرة تسكن كيانه، فهي ولأول مرة تتجاوب حتى وإن لم تتحدث. شجعها قائلاً بفرحة لم يستطع أن يخفيها: أنا يونس وأنت؟
"ندى!" قالتها فجأة ثم ذهبت إلى فراشها ونظرت إليه. لم يصدق أذنيه، أحقاً تحدثت إليه وقالت له اسمها؟ أحقاً تحدثت؟ لم يصدق ما حدث. فناداها بلهفة: "استنى أنا عاوز أتكلم معاكي!"
لم تأتِ ثانية ونظرت له بحماس ليتحدث، ولكنه دخل من الشرفة بسرعة عندما سمع صوت أمها. عندما اختفى من أمامها، ظلت تصرخ بقوة، تصرخ بكل ما أوتيت من قوة. فقالت أمها بتذمر: "مجنونة وكل حاجة تصوت كده؟ ربنا يخدك يا شيخة!"
قالت جملتها ورحلت من الغرفة. أما هو فشعر بالحنق الشديد من تلك المرأة، فتلك المرأة لا ترحمها أبداً. بمجرد أن رحلت، ظهر ثانية لها ليكمل حديثه معها، ولكنها فاجأته بتسطحها على الفراش وإعطائه ظهرها فور أن رأته. حاول أن يناديها ولكنها لا تستجيب له نهائياً، وكأنها لا تسمعه. شعر بإحباط شديد، فيبدو أنها قد تضايقت منه لأنه اختفى. تنهد بقوة قائلاً بضيق لأجلها: "يارب!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنهى عمله أخيراً بعد يوم شاق ومتعب. ركب سيارته وكاد يتجه إلى البيت، ولكنه توقف فجأة وغير اتجاهه إلى الجهة المقابلة. وصل إلى وجهته وقرأ المكتوب فوق ذلك المبنى ثم دلف إلى الداخل. وجد الكثير من الأشخاص هناك. بشر عاديون، ولكن ما يفرقهم عن باقي البشر الظروف التي وضعوا بها. جلس معهم وتحاور وسمع من كل منهم، وبعضهم لا يتحدث، فقد فقد النطق، ولكن من يتحدث يخبره بقصته.
نادته الممرضة فدلف إلى غرفة الطبيب. فور أن رآه الطبيب، هب واقفاً واحتضنه بقوة قائلاً بحماس: "وحشتني يلا!"
بادله يونس العناق قائلاً بابتسامة: "وأنت أكتر!"
ابتعد عنه وجلس، وجلس الطبيب أمامه قائلاً باهتمام وهو يبتسم: "إيه أخبارك؟ بقالي كتير مشوفتكش؟"
"أنا تمام!"
شعر بخطب ما فيه، فيونس ذا طبيعة مرحة. فسأله باهتمام: "مالك يا يونس؟ في إيه؟"
توتر يونس أن يخبره ما قد جاء لأجله، ولكنه حسم أمره وأجابه بحذر: "بص يا محمد، أنا هحكيلك عن واحدة أعرفها. بص الحقيقة هي جارتي بنوتة حلوة أوى ساكنة قدامي بالظبط بس مش مفهومه. فبما أنك دكتور نفسي فأنا هقولك اللي بيحصل ولازم تساعدني!"
أنصت له محمد باهتمام: "احكي سامعك!"
عدل يونس من وضعية نظاراته الطبية وبدأ بقص ما يحدث مع ندى، والآخر يسمعه باهتمام شديد، فمهنته كطبيب نفسي تجعله مهتم بكل حرف يقال عن المريض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يشعر بالتيه وسط ضوضاء العالم. يفكر فيما قاله محمد عنها وعن حالتها التي قصها له. هي ضحية أم، وضحية مجتمع جاهل متخلف. أسند رأسه على ذراعه اليسرى الذي يسندها على الباب الخاص بالسيارة، وباليد الأخرى يقود. كان تائهاً يفكر، يفكر بها، ماذا يفعل وما الحل لتلك الفتاة؟ كيف يساعدها؟ ماذا يفعل لأجلها؟ تذكر حكايات المرضى بالعيادة، كم كانت مؤلمة. فأحداهن، حبيبها خانها مع صديقتها المقربة فأصيبت بأكتئاب. والآخر، حبيبته لفظت أنفاسها الأخيرة في أحضانه غارقة وسط دمائها عندما انقلبت السيارة بكلاهما بسببه. وأخرى تركها ولدها الوحيد وحيدة وسط جدران منزلها ولم يأت لزيارتها وكأنه لا يعلمها. وأخر يشعر بأنه منبوذ. وطفل يعاني من تنمر أصدقائه عليه بسبب وزنه الزائد. وأخرى لديها مرض السرطان وتشعر باليأس، والكثير والكثير من القصص والحكايات المؤلمة.
وصل أخيراً إلى شارعه، وصف سيارته ثم ترجل منها ناظراً إلى الأعلى حيث شرفتها ليجدها تقف بها وتنظر إليه. ابتسم إليها بحذر حتى لا يلاحظ أحد من أهالي الحي. ألقى التحية على الجالسين على القهوة ثم دلف إلى البناية ليصعد بسرعة إلى شقته ويفتح شرفته ليتحدث معها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صعد سريعاً وكأنه يسابق الزمن، متلهفاً لرؤيتها أمام عينيه والحديث معها ثانيةً. فتح الشرفة ووقف ليجدها تنتظره بالشرفة وعلى وجهها علامات الذعر التي لم يلاحظها عندما نظر إليها وهو بالأسفل. دق قلبه بخوف عليها وسألها بقلق: "مالك؟ فيكي إيه؟"
فتحت فاها محاولة إخراج الكلمات من جوفها وهو يحثها على النطق ومترقب بشدة. كانت الكلمات تأبى الخروج من فمها، ولكن ملامحها المذعورة دعته وصرخت به أنه يوجد خطر وشيك. ألتفت بسرعة ليأتي بمفاتيحه ثم هرول خارج منزله متجهاً إليها وقد ألغى عقله تماماً!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصل إلى باب شقتها وهو يلهث ليجد أمامه امرأة بدينة سوداء هيئتها مرعبة بحق تطرق الباب. لم يتردد ولم يحتاج لسؤالها، فبالطبع هي ساحرة أو دجالة كالعادة. تلك السيدة المخبولة ستضيع ابنتها. وقف أمام الباب معارضاً تلك السيدة بجسده من دق الباب مرة أخرى، فنظرت له بغضب قائلة: "جرا إيه ياراجل أنت؟ وسع كده!"
على صوته وهو يصيح بها بنبرة الرجولية: "غوري من هنا يا ولية أنت! خلاص مش عوزينك!"
هيئته وصلابته في الحديث جعلتها تهابه، فنظرت له بغل وقالت بضيق: "أنا جاية لست نجاة!"
"وأنا بقولك خلاص! إيه مبتفهميش!" صاح بها بقوة جعلتها تتراجع بخوف، ثم أخذت حقيبتها الغريبة ورحلت وهي تغمم بكلمات غير مفهومة مبرطمة.
أخذ شهيقاً طويلاً وزفره بهدوء ليهدأ من عصبيته، ثم طرق الباب بهدوء رغم غضبه المشتعل داخله. ففتحت نجاة الباب قائلة بترحاب: "حلت البركة يا أهل..." صمتت عندما رأته أمامه، فأنقلب وجهها وكأنها رأت عفريت قائلة بغلظة: "يادي النيلة! أنت تاني... عاوز إيه المرادي؟ هتضرب مين؟"
حاول التحكم بأعصابه حتى لا يطرق برأسها الباب قائلاً بهدوء: "عاوز أتكلم معاكي!"
"ليه أن شاءالله؟"
زفر بحنق: "أكيد مش هنتكلم على السلم!"
نظرت له قليلاً ثم أفسحت له المجال ليعبر بتأفف. دلف إلى الشقة وعيناه على غرفتها يتمنى ألا تخرج الآن حتى لا تسمع ما ينتوي أن يقوله لتلك المرأة المخبولة.
جلس على الأريكة وجلست أمامه نجاة تهز قدميها بضيق، فهي لا تحبه نهائياً لأنها تعتقد أن بضربة لهؤلاء الدجاليين سيحل على المنزل لعنتهم. تحدثت بنبرتها قليلة الذوق: "هاا؟ أؤمر!"
أغضبته لكنتها كثيراً، ولكنه تغاضى عنها قائلاً بهدوء حاول إظهاره وهو يعدل من وضعية نظارته الطبية: "أنا كنت عند الدكتور دلوقتي!"
خبطت باطن كفها على ظهر كفها الآخر قائلة بتهكم: "لا ألف سلامة!"
حاول أن يتحكم في غضبه ولكنه لم يقدر وخرج صوته غاضب: "كفاياكي تريقة وأتكلمي زى البشر!" زفر بحنق ثم أكمل: "أنا كنت عند دكتور نفسي وحكتله عن بنتك، ديهه مش ملبوسة زى ما أنت فاكرة، ديه مريضة نفسية ولازم نوديها لدكتور متخصص يعالجها بدل ما يحصلها حاجة أو تعمل في نفسها حاجة!"
نهضت عن كرسيها كالمسلوع قائلة بصوت عالٍ: "أنت مجنون يا راجل ولا ملبوس أنت التاني؟ مالك أنت ومال بنتي؟ بنتي وأنا حرة فيها، مالك أنت؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! إيه رمي الجتت ده؟"
نهض هو الآخر وصرخ بها غاضباً: "أنت مش فاهمه! أنت كده بتضيعي بنتك، هتموتيها بسببك، هتنتحر لازم تفهمي!"
أشارت بيدها غاضبة وهى تتحدث: "وأنت أيش دخلك؟ بنتي وأنا حرة فيها، أموتها أقتلها أنا حرة!"
"لا مش حرة!"
"دي بنتي يعني حرة فيها!"
"بنتك مش عابدة عندك!" صاح بها بغضب وهو يقذف المزهرية بجانبه لتقع متهشمة على الأرض بقوة. كان حوارهما كله صياح، ولكن بعد جملته صمتت وصمت هو يأخذان كلاهما نفسهما، كان يلهث من شدة غضبه. وجد أن لا أمل أن تفهم تلك السيدة الغبية طبيعة مرض ابنتها وبالتأكيد ستتسبب بمقتلها في يوم من الأيام. وجد نفسه لا إرادياً يقول: "أنا عاوز أتجوز ندى!"
رواية تعويذة غرام الفصل السادس 6 - بقلم نوران أسامة
صاح بها بغضب وهو يقذف المزهرية بجانبه لتقع متهشمة على الأرض بقوة.
كان حوارهما كله صياح، ولكن بعد جملته صمتت وصمت هو، يأخذان كلاهما نفسهما.
كان يلهث من شدة غضبه.
وجد أن لا أمل أن تفهم تلك السيدة الغبية طبيعة مرض ابنتها، وبالتأكيد ستتسبب بمقتلها في يوم من الأيام.
وجد نفسه لا إرادياً يقول: "أنا عايز أتجوّز ندى!"
صُدمت نجاة من طلبه للزواج من ندى، فمن ذا الذي يقبل لنفسه بواحدة بها جن، كما تزعم، كابنتها؟
لم تستطع أن تستوعب ما قاله، وظلت ناظرة إليه وفمها مفتوح على مصراعيه من الصدمة.
ضغط عليها أكثر بقوله: "أنا جاهز من كل حاجة وهعيشها ملكة!"
لم تتردد بالتأكيد، فلم تأتها فرصة مثل تلك مرة أخرى نهائياً.
قالت بلهفة واضحة: "أنا موافقة!"
زفر بارتياح لموافقتها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة فرحة.
ولكنها سألته باستغراب: "بس إيه اللي يخليك تتجوّز واحدة زي ندى؟ ده إنت مليون بنت تتمناك؟!!"
"بعشقها!" أجابها بلا تفكير.
فتعجبت نجاة أكثر، وهو أيضاً تعجب، فكيف له أن ينطقها بكل تلك السهولة؟ ألأنها خارجة من قلبه؟!!
***
رجع إلى منزله بعد أن قابل أخاها الأكبر الذي صُدم من قراره للزواج من ندى، ولم يلبث أن بدأ بالحديث معه عن التفاصيل.
كان يونس يشعر وكأن قلبه سيتوقف من الفرح، فهي ستصبح زوجته بعد أقل من عشرة أيام، ستصبح داخل قلبه رسمياً.
جلس على الكرسي المقابل للشرفة، الذي وضعه لمراقبتها فقط، ناظراً إلى شرفتها علها تقف بها ليراها، وقد تحققت أمنيته.
ليجدها تطل عليه كالقمر المضيء، ناظرة له بصفاء عكس راحتها الداخلية.
اتسعت ابتسامته لا إرادياً، ونهض عن كرسيه ليقترب من سور الشرفة قائلاً بابتسامة فرحة: "عاملة إيه؟!!"
ظلت ناظرة له ولم تجبه، فشعر أن بها شيئاً، فقد حدثته من قبل.
تحدث ثانية ولم يفقد الأمل وقال بعشق: "أنا بحبك يا ندى!"
نظرت له بمفاجأة، وابتسمت، ثم ضحكت، ثم تعالت ضحكاتها وبدأت تقهقه بصوت عالٍ.
ضحك قلبه لفرحتها، شعر لوهلة أنه يريد البكاء...!
سمع صوت، فظن أنه يتخيل، ولكنه وجد شفتيها تتحرك قائلة بسرعة: "هتاخدني بعيد؟!!"
شعر أن حياته توقفت في هذه اللحظة، كم هي ضحية.
فرح لأنه سيبعدها عن هذا التعذيب، لم يقدر على التحمل، وقد أوشك على البكاء حقاً، ولكنه تماسك وقال بحزن لأجلها وبكل صدق: "هخبيكي في قلبي منهم!"
***
مرت خمسة أيام ولم يحدث شيء جديد، فقط تصرفاتها الغريبة، ولم تحدثه أيضاً ولا لمرة واحدة.
لا يعلم لماذا، ولكنه لاحظ عدائيتها الشديدة هذه الفترة، فأصبحت تصرخ كل ليلة أكثر من ذي قبل، تصرخ وتصرخ حتى تُجرح حنجرتها.
الكثير من قطرات الدماء، فأصبحت تجرح نفسها كثيراً، حالتها تسوء ولا يعلم السبب.
أنقذها مرتان من الانتحار حتى الآن في الخمس أيام السابقة.
أصبح لا ينام تقريباً ليراقبها، فتغلق شرفتها.
تحدث مع أخيها لتقديم الزفاف حتى يستطيع الاعتناء بها، فوافق بعد محاولات عديدة أخيراً.
فأصبح الزفاف بعد يومين!
***
تم إخطار المقربين بحفل الزفاف، ومن ضمنهم أصدقاؤه الذين صُدموا بهذا القرار، فيونس كان يرفض الزواج بشدة...!
جاء اليوم الموعود، كان الحفل في إحدى الفيلات المخصصة للإيجار.
جلب لها فستاناً راقياً ورقيقاً، فهو لم يشعر للحظة أنها ليست كمثل أي عروس، بل وأحلى من أي عروس أيضاً.
عشقها حد النخاع.
نظر إلى هيئته في المرآة وهو يعدل من وضعية قميصه الأبيض وحلته السوداء، كان حقاً غاية في الوسامة كعادته بعينيه الرماديتين.
سمع صوت أحد أصدقائه يقول له بتحذير: "يا ابني اسمع الكلام وارجع عن الجوازة دي أحسن!"
نظر له شزراً بالمرآة وعنفه قائلاً: "ليه إن شاء الله؟ مشيها بطال؟"
"لأ بس مجنونة!"
ابتسم بحب قائلاً: "مفيش سبب يخليني أسيبها غير إن يكون سيرتها وحشة، ودي أنقى بني آدمة على وش الأرض. بعشقها يا حسن، عارف يعني إيه بعشقها؟ مش متخيل غيرها في حياتي، مش عارف أشوف غيرها، مش عارف أحلم غير بيها. ملكت روحي وعقلي وكياني. متكلمتش معايا غير مرتين وقالت جملتين، وكانت أحلى لحظة في عمري كله. مش عايز منها غير إنها تبقى جنبي ومعايا، ومش عايز غير أساعدها. مش حاسس بالشفقة ناحيتها، لأ أنا حاسس بالذنب، حاسس إني غلطان في اللي حصلها، حاسس إني بحبها. احتلتني يا حسن، عارف يعني إيه احتلال؟ أهي دي احتلتني!"
عيناه اللامعة بالكلام عنها والهيام والشرود الذي كان يتحدث به، أكثر وأوضح دليل على حبه لها، ولكن خطأ ما يفعله، خطأ، ولكن ما باليد حيلة.
رتب حسن على كتف يونس قائلاً بتنهد: "مبروك يا صاحبي!"
وماذا يقول غير ذلك بعد ما رآه من يونس وما سمعه.
ترك حسن غرفة يونس ورحل وهو يشعر بالضيق لأجل رفيقه.
ابتسم يونس وهو ينظر إلى نفسه بالمرآة متخيلاً كيف سيكون شكلها بفستانها الأبيض….!
***
لم تجعل شخص يمسها حتى ليضع لها لمسة جمالية، كانت تضربهم وتصرخ بهم لدرجة أن جميع أخصائي التجميل بالغرفة خرجوا خائفين منها، وأمها خرجت هي الأخرى وكأن من بالداخل ليست بابنتها.
ارتدت ندى فستانها الأبيض ووقفت أمام المرآة تطالع انعكاس صورتها بشرود.
هي لا تفهم ما يحدث الآن، بل لا تستوعبه من الأساس، هي في عالم آخر تماماً.
طُرق الباب ودلف ليرى ملاكه، فوجدها واقفة كما هي أمام المرآة بشرود.
خطفَت قلبه بطلتها البسيطة الرقيقة، كم هي رائعة حقاً.
شعرها البني الحريري منسدل على ظهرها برقة، عيناها، وآه من عيناها، تلك الصنارة التي أصطادت قلبه وعقله بلا شفقة.
رموشها القاتلة كسيوف حادة.
كانت حقاً كالملائكة…….
اقتربت منه فجأة وارتمت في أحضانه متشبثة به وبقوة.
صُدم مما فعلته، لم يتوقع ردة فعلها نهائياً، توقع أي شيء إلا أن تعانقه.
عانقها وشدد ضمه لها، يشعر بفرحة عارمة.
ظلت متشبثة به وكأنه طوق نجاتها.
ابتعدت عنه رغم انزعاجه بابتعاده، ولكنه لا يستطيع اعتراضها.
أمسك بكفها فوجده مليئاً بالندبات والجروح الغائرة القديمة والحديثة.
شعر بوخز في قلبه، ورفع كفها إلى فمه وقبلها قبلة حنونة بعمق قائلاً بعشق وكأنها أميرة: "بعشقك!"
***
نزل معها إلى أسفل، وما أن رأت الحشد بالأسفل حتى اختبأت خلفه بسرعة متشبثةً به بقوة.
تفهم خوفها ولم يتحدث، بل ابتسم أيضاً.
بدأ الحضور بالتصفيق لهما، فوضعت كفيها على أذنها وظلت تصرخ بقوة.
استدار ليحتضنها بسرعة رغم مقاومتها الشرسة وهو يشير للحضور بالتوقف.
ظلت تصرخ وتصرخ والمعازيم ينظرون لهما باستنكار لما يحدث.
بدأ الجميع بالهمزات واللمازات والتحدث عن هذه المجنونة، وأصدقاؤه ينظرون إليه بشفقة لحاله….!
وجد أن لا يوجد بد من إيقافها وأنها تشعر بالذعر الشديد، فأخذها إلى الداخل متناسياً حفل الزفاف والحضور، تاركاً إياهم ليكملوا سهرتهم ومعهم ما يتحدثون عليه……!!
رواية تعويذة غرام الفصل السابع 7 - بقلم نوران أسامة
أنتهى الحفل أخيراً ولم يخرجا نهائياً من الفيلا وكأنهما ليسا بالعريس والعروس ولكن لا بأس كل شئ يهون لأجلها.
أخذها فى سيارته وأتجه الى شقته المتواجدة فى أحدى المدن الجديدة الراقية.
طوال الطريق وهى تنظر الى النافذة بشرود فقط تستند برأسها عليها وكأنها بمنزلها وبمفردها.
لم يحاول التحدث حتى لا تحدث لها حالة من الهياج العصبى.
وصل أمام المنزل فصف سيارته وترجل منها ثم أستدار ليفتح لها بابها ويساعدها على النزول برفق.
نظرت الى يده الممدودة مطولاً ثم تجاهلتها وكأنها لا تراها لتنزل من السيارة.
لم يتضايق ولم يشعر بالحرج بل أبتسم بهدوء محاولاً الا يخيفها فهو لا يعلم كيفية التعامل مع حالتها.
ما أن دلفت الى الشقة حتى وقعت على الأرض وبدأت بالصراخ بهستيريا.
هلع فى البداية ثم تدارك الأمر و نزل لمستواها محاولاً أحتوائها وتهدئتها ولكنها ظلت تصرخ وتصرخ وهى تشد كل شئ متاح اليها لتكسره.
حاول أن يمسك بيديها ويكتفها ولكن رغم قوته الجسمانية لم يستطيع فهى فى حالة هياج عصبى شديد فقط كل ما أستطاع أن يفعله هو أن يجثو فوقها مثبتاً أيها على الأرض وهى تصرخ بقوة بكل ما أوتيت من قوة وهو ينتظرها حتى تهدأ.
يشعر بقلبه يؤلمه لأجلها لا يستطيع أن يراها بهذه الحالة ولا يستطيع أن يفعل أى شئ.
أسند رأسه على ذراعها محاولاً كبح دموعه بينما هى تصرخ بشدة وبذعر.
هدأت أخيراً مهلاً هل قلت هدأت هى أغشى عليها من فرط الصراخ.
قلق عليها وكاد قلبه أن يتوقف عندما صمتت فجاءة ولكنه تذكر محمد صديقه عندما قال له أنه من الطبيعى أن يغشى عليها أحياناً دون أية أسباب.
حملها برفق وكأنها قنينة بلورية يخشى عليها من أن تجرح ووضعها على الفراش وشرع فى تبديل ثيابها لتستطيع النوم براحة.
بدل لها ثيابها وكأنها أبنته يعتنى بها ويدللها ويخاف عليها.
أراحها على الفراش وفرد لها شعرها الطويل بجانبها ثم أخذها بأحضانة بقوة داعياً بألم:
يااارب عشان خاطرها هى ياارب!
قرر أن يأخذها لصديقه محمد الطبيب النفسى ليشرع فى علاجها.
ذهب بها وكانت هادئة تماماً وكأنها ليست هى من كانت بالأمس.
هو يفهم أن حالة الهياج التى حدثت لها بالأمس نتيجة لتغير الأمكان فهى لم تخرج من منزلها منذ فترة.
دلف بها الى محمد فنهض من مجلسة قائلاً بترحاب:
أهلاً أهلاً بالعرايس وحشتنا يا يونس مشوفتكش من امبارح!
بالتأكيد ما قاله كان مزاح لذلك بادله يونس الضحك قائلاً:
خليك فى حالك!
نظر محمد الى ندى المتشبثة بيونس بقوة وكأنه سيقتلها أو ما شابه ولكنه بالطبع يفهم ما يحدث لها.
مد يده لها برفق كى لا تخاف قائلاً بهدوء يسبب السلام وبأبتسامة عذبة:
أنا محمد صاحب يونس!
لم تبادله السلام ونظرت له بخوف فتجاهل ما حدث وسألها من جديد:
أسمك ندى صح؟!!
تفاعلت معه أخيراً وهزت رأسها أيجاباً فشعر يونس أن قلبه سيقف من فرط الفرح.
أكمل محمد قائلا:
تعرفى أن يونس بيحبك أوى وعلطول يحكيلى عنك!
نظرت ندى الى يونس مطولاً ثم أعادت أنظارها الى محمد.
تحدث محمد بأنظاره الى يونس ليجلبها حتى تجلس.
ففعل مثلما قال وجلست أمام مكتبه وبمقابلها يونس.
أنكمشت فى مقعدها عندما تركها يونس فهدأها محمد فاتحاً مواضيع حتى تستريح له:
تعرفى أنا ويونس واحنا صغيرين كنا علطول بنتخانق ومش بنطيق بعض لدرجة أن المدرسين لما كانوا يحبوا يعاقبوا حد فينا كانوا يقعدونا جمب بعض، بس لما كان حد فينا بيتخانق مع حد كان التانى بيقف معاه متعرفيش ليه بس سبحان الله بقاا هو مؤلف القلوب!
لاحظ يونس تفاعلها مع ما يقصة محمد فأبتسم بفرحة ليكمل محمد:
عارفة لما كنا فى ثانوى كانت البنات كلها بتحبه عشان عينيه ويكتبولوا جوابات بقا وهو ولا كان معبر حد فيهم كان معتكف عن النساء يا سيتى لحد ما أنت شرفتى أنا مش عارف أنتى أزاى وقعتيه فى حبك!
أبتسمت بخفه، فضحك قلبه فرحاً.
ظلوا هكذا لمدة ساعتين يتحدث محمد ويونس عن ذكرياتهم وهى تستمع لهم ومن الحين للأخر تتفاعل.
رحلوا اخيراً من عيادة الطبيب متوجهين الى المنزل.
دلفا معاً فتوقع هو أن تصرخ من جديد ولكنها خيبت ظنه ودلفت الى الغرفة وتمددت على الفراش فى وضع الجنين معطية أياه ظهرها.
تنهد براحة أنها لن تصرخ ثم أخذ هاتفه وحدث محمد مبتعداً عنها قائلاً:
ها يا محمد طمنى أيه الأخبار؟!!
-يونس ندى لازم تدخل مصحة كده غلط عليها!
-لا طبعاً يا محمد أيه اللى أنت بتقوله ده أنا مستحيل أبعدها عن عينى أبداً!
-بطل غباء وأسمع الكلام أنت كده بتضرها!
-لا يعنى لا ، أفرض حد أذاها ولا أذت نفسها ومحدش واخد باله!
-أنا قولتلك يا يونس وانت حر ندى لو مراحتش المصحة هيبقى فى خطر كبير سلام!
أغلق يونس الخط وهو يشعر بالغضب الشديد فكيف لمحمد أن يطلب منه أن يدعها فى مصحة نفسية بالتأكيد لا بالتأكيد لم يجعلها تبتعد عنه ولو لثوانى حتى ولو كلفه الأمر أن يستقيل من عمله لأجلها.
مرت ليلتان والوضع مستقر وهادئ نوعاً ولكنه كان هدوء ما قبل العاصفة.
فهى قد تحولت تماماً أصبحت عدائية بشكل يُصعب السيطرة عليها.
أصبحت تتفنن فى أيذاء نفسها بأى شئ وبكل شئ كما أصبح هو يتفنن فى أخفاء كل ما تستطيع أن تؤذى نفسها به.
أصبح يخاف أن ينام ويتركها حتى ولو نائمة ففى أخر مرة كانت بالمرحاض وظلت تطرق رأسها بحوض الأستحمام حتى نزفت ولحقها بأعجوبة.
أصبح الأمر مربك للغاية بالنسبة اليه روح الأنتحار علت لديها وأصبحت الغاية الوحيدة اليها.
يراها تنهار أمام عينيه ولا يستطيع فعل أى شئ لها لا يستطيع مساعدتها بأى شئ.
بعد أن كانت تأكل نادراً أصبحت الأن لا تأكل شيئاً نهائياً حتى هزل جسدها تماماً وأصبحت تتساقط كأوراق الخريف.
لم يمل يوماً منها ولم يغضب منها بل كان يغضب لأجلها ويبكى على حالها فمساعدتها أصبحت شبه مستحيلة.
أستعان بالكثير من الأطباء النفسيون ولكنهم جميعاً طالبوه بأيداعها فى مصحة نفسية.
آاااه لو يعلمون كم الضغوطات الذى يضعونها على أكتافه.
نظر اليها ليجدها تجلس على الفراش تضم قدميها لصدرها وتطوقهما بذراعيها بألم.
لم يستطيع أيقاف نفسه وذهب ليحتضنها بقوة باكياً فى أحضانها كم هو صعب عليه أن يرى معشوقته تنهار أمامه تتساقط كورقة خريف صفراء تذبل كزهرة صفراء تتقاذفها الرياح أصبحت مثل الرماد تتلاعب به الرياح وينثره فى كل مكان كما يريد.
تعالت شهقاته وهو متمسك بها ويقول بألم:
متبعديش عنى يا ندى أنا عشقتك بقيتى كل حاجة فى حياتى أنت كل حاجة أنا عايش ليها وبيها،عشان خاطرى خفى أنا بتعذب يا ندى بتعذب مش قادر أشوفك كده مش قادر مش قادر أسيبك ثانية واحدة بعيد عنى متسبنيش يا ندى عشان خاطرى أوعى تسبينى!
كانت تحتضنه بكلاتا ذراعيها متشبثة به بكت بكت بقوة وبحرقة وكأنها قد سمعت كلماته المؤلمة وكأنها تستوعبها جيداً.
حاولت التحدث قائلة ببكاء:
متسبنيش!
توقع أنه يتخيل ولكنها حقاً قد نطقت قبل يدها ورأسها عدة مرات بلهفة وهو يبكى بعينيه الرمادية بقوة وهو يترجاها الا تتركه أبداً وكأنها كانت طبيعيه فى هذه اللحظة فكانت تستجيب له وتبكى معه أيضاً.
لم يجد حلاً أخر غير أيداعها لمصحة نفسية كان و هو يودعها ويستمع الى صرخاتها وكأنه يقطع من قلبه شعر بألم ليس له مثيل صعب عليه فراقها فهى قد شكلت له العالم بمن فيه أغنته عنهم جميعاً لا يعلم متى وأين ولكنها سرقته.
لم يستطيع الذهاب الى المنزل الأن فبات يتمشى فى الشوارع هائماً على وجهه يبكى بألم على حالها لا يستطيع محو صراخها بأسمه لكى لا يتركها يشعر بألم لم ولن يشعر به أحداً نهائياً.
جلس على السور الخاص بنهر النيل شارداً أمامه يفكر بها عندما جلس بجانبه رجل كهل رسم الزمان خطوطة العريضة على وجهه وأكل الوقت من عظامه حتى شبع.
رفع ذلك الرجل يده العجوز ورتب على ظهر يونس بحنان قائلاً ببشاشة:
ربك خلق الكون فى 6 أيام قادر يحللك الصعب!
نظر يونس الى ذلك الرجل وعيناه الرمادية مغرقة بالدموع لا يعلم لم فاض بكل ما بجعبته لذلك الرجل قائلاً ببكاء:
بحبها بعشقها وخايف خايف تروح منى همووت!
ابتسم الرجل أبتسامة طيبة وقال:
ربك عارف وحاسس بيك!
-كل لما تصرخ بحس أن حد بيجرح فى قلبى بسكينة تلمة بحس بألم محسوش حد ولا هيحسه!
-قول يارب!
صاح بكل ألم داخل قلبه:
ياااااارب ياااارب أنت العالم بيا يارب!
رتب الرجل على كتف يونس ثم وضع كفه على رأسه وأخذ يتلو بعض الآيات من القرآن الكريم بصوت هادئ وعذب وكأنه كالبلسم هدأ يونس وشعر بسكينة لم يشعر بها يوماً شعر أنه يستطيع تحدى العالم بأكمله الأن شعر أن أقوى أنسان على وجه الأرض شعر بسلام داخلى لم يعهده.
رواية تعويذة غرام الفصل الثامن 8 - بقلم نوران أسامة
كان يزورها كل يوم يتحدث معها ولا تجيبه. يعلم أنها غاضبة منه لأنه تركها هنا وحيدة، ولكن ما باليد حيلة.
كل يوم يختلف عن اليوم الذي قبله. يوم تكون صامتة تماماً، ويوم آخر تنظر له فقط، ويوم آخر لا تنظر له من الأساس. وآخر ترد عليه بكلمة، وآخر تبتسم، وآخر تضحك، وآخر تصرخ، وآخر تبكي، وآخر تتشبث به، وآخر تلقي بنفسها في أحضانه، وآخر تضرب الممرضة.
كانت متقلبة حقاً. ولكنه لاحظ أنها ما زالت مستمرة بالذبول حتى أصبح يخاف أن يحتضنها حتى لا تنكسر تلك الوردة الرائعة. تذبل وتذبل يوماً بعد يوم، ولكنه الله ألطف بها من عباده.
شهر كامل وكل يوم يذهب إليها ويجلس معها.
جلس أمامها قائلاً بابتسامة واسعة:
وحشتيني قوي يا ندى. البيت وحش من غيرك.
لم تنظر إليه وكأنها لا تسمعه.
استأذنت منه الممرضة لتجلب له كوباً من الماء ثم رحلت. لتستدير ندى ليونس وتحدثت:
أنا عايزة أروح.
عزف قلبه الطبول لأنها تحدثت، بل وتريد أن ترحل معه أيضاً. أمسك يدها وقال بفرح:
بجد عايزة تروحي؟
أنا بقيت كويسة متخافيش.
قالتها بابتسامة واسعة. شعر أنه يكاد أن يخشى عليه، أهو يتخيل ما يسمع أم أنها حقاً تتحدث طبيعي بل وتبتسم أيضاً.
في هذه اللحظة قرر أن يخرجها من المشفى وهو يشعر أن الدنيا لا تساعه من فرط سعادته. رفض الطبيب أن يخرجها متعللاً بأنها لم تكمل شفاءها بعد. ولكن عندما أصر يونس، جعله الطبيب يوقع أنه يحمل المسؤولية كاملة.
لم يهتم يونس بكلام الطبيب أبداً وكأنه لم يسمعه من الأساس. وذهب إلى معشوقته ليرحل بها من ذلك المكان الذي يتمنى ألا يأتي إليه مرة أخرى طوال حياته.
أدار يده حول خصرها وقربها منه بتملك وفرحة وهما يخرجان من هذه المشفى. فتح سيارته وأدخلها والسعادة لا تكفيه أبداً.
ظلت طوال الطريق من المشفى إلى المنزل تنظر إليه ولا تزحزح ببصرها عنه. ومع ذلك لا تتحدث ولا تجيب عليه حتى. ولكنه راضٍ، كل ما يريده هو رؤيتها أمامه فقط.
صف السيارة أمام المنزل ونزل منها ليستدير فاتحاً لها الباب. مد يده إليها ليساعدها. فنظرت إلى يده مطولاً ثم مدت يدها بأنامل مرتعشة ممسكة بيده. ابتسم بفرحة واحتضن كفها بعشق ثم صعد معها إلى شقتهما.
أغلق الباب فجلست على الكرسي المقابل ونظرت له قائلة بتيه:
أ... أنا... جعانة.
قبل رأسها وقال بسعادة:
هروح أجيب الأكل ثواني وأجي.
أمسك بمفاتيحه مجدداً وكاد أن يفتح الباب عندما ركضت بسرعة لتلقي بنفسها في أحضانه حاضنة إياه بقوة قائلة:
هتوحشني.
بادلها العناق دافناً رأسه في عنقها قائلاً بعشق:
مش هتأخر.
ابتعدت عنه فقبل رأسها واستدار لينزل الدرجات بسرعة مسابقاً الوقت حتى لا يتأخر عليها.
اشترى الطعام وأعطى للرجل نقوده وأكثر، فاليوم هو أسعد مخلوق على سطح الأرض. ركب سيارته واتجه إلى المنزل وهو يدندن بأغنيته المفضلة قائداً السيارة بفرح. أن وصفتي إلى غداً لن أوفيه حقه.
وصل أخيراً إلى منزله وكأن الطريق قد طال كثيراً. أم هذا من اشتياقه لها. صف سيارته وكاد يدلف إلى المبنى عندما رأى الناس متجمهرون بالجانب وأصواتهم مرتفعة.
رواية تعويذة غرام الفصل التاسع 9 - بقلم نوران أسامة
أشترى الطعام وأعطى للرجل نقوده وأكثر، فاليوم هو أسعد مخلوق على سطح الأرض.
ركب سيارته واتجه إلى المنزل وهو يدندن بأغنيته المفضلة، قائداً السيارة بفرح.
أن وصفته إلى غدٍ لن أوفيه حقه.
وصل أخيراً إلى منزله وكأن الطريق قد طال كثيراً، أم هذا من اشتياقه لها؟
صف سيارته وكاد يدلف إلى المبنى عندما رأى الناس متجمهرون بالجانب وأصواتهم مرتفعة.
ذهب ليرى ماذا يحدث ليجد ذلك السائل الأحمر الذي يكرهه على الأرض مغرقاً إياها والجميع ملتف حول المكان الذي تسيل منه الدماء.
اقترب أكثر وقلبه يدق ليجد فتاة ملقاة على الأرض وشعرها البني الطويل غارقاً بدمائها كما جسدها.
وقعت من يديه الحقائب وركض بسرعة دافعاً الناس لكي يعبر.
نزل إلى مستواها ممسكاً بها وقلبه يكاد يتوقف، يدعو ألا تكون هي.
أدار وجهها إليه ليشعر وكأن أحد طعنه ألف طعنة بخنجر مسموم بقلبه، إنها هي.
صرخ بألم وهو يناجيها قائلاً وهو يحتضنها ويلطم وجهها برفق:
ندى… ندى قومي يا ندى… أنا جبتلك الأكل… يا نــــــــــدى!
كانت تنظر له بزيتونتيها الخضراء، حاولت أن تتحدث ولكن كلما فتحت فمها تخرج الدماء تروي اليابس من أسفلها.
شعر وكأنه شل تماماً، صرخ بأعلى صوته وهو يشعر بالرعب:
أسعااااف أسعاف بسرعة بتروح مني!
ظل يهزها لتبقى معه قائلاً بعدم استيعاب:
ندى بطلي هزار يا ندي، أكيد معملتيش كده صح!
أشبكت زيتونتيها بعيناه الرمادية قائلة بوهن وصوت ناعس:
بأ… بأحبك… يونس!
قالت جملتها وهرب آخر نفس منها ليصعد إلى الخالق.
لم يستوعب ما حدث وهزها برفق قائلاً بتوهان وعيناه تذرفان الدمع بمفردها:
ندى، ندى!
"إنا لله وإنا إليه راجعون!" قالها الناس من حوله فبدأ بالاستيعاب.
فأصبح يهزها بقوة وهو يصرخ بألم يقطع نياط القلوب:
نـــدى عا لا لا يا ندى متسبنيش لاااااا!
ظل يطرق الأرض بقوة وهو يصرخ:
لاااااااا لااااااااا لاا يا ندى أااااااه ااااعااااه!
أمسك بها وظل يهزها بقوة وهو يصرخ بها علها تسمعه:
لا يا ندى مش هسيبك لا مش هسيبك أاااااااه يااااااااااارب يااااااارب أااااهه!
مسح وجهها من الدماء فتلطخ أكثر وهو يترجاها بألم:
مش هوديكى المصحة تانى صدقينى مش هوديكى، هتفضلي معايا وفى حضنى طول الوقت، هبعد أمك عنك مش هخليها تجبلك الناس ديه تانى، هبعد الناس عنك ندى أصحى بقا يا ندى متسبنيش…. ندى متهزريش أنا مقدرش أعيش منغيرك…. وأنا كمان بأحبك لا أنا بعشقك يلا بقا فوقى!
حاول أحد الرجال إبعاده قائلاً بألم:
يا أستاذ مش هينفع كده!
أنتابته حالة هياج عصبى فأبعد الرجل عنه وسقط لمستواها ثانية وأمسك بها وأصبح يهزها بقوة وهو يصرخ ويبكي بهستريا:
لا ياندى مش هسيبك تموتى مش هسيبك تبعدى عنى مش هسيبك تاخدى قلبيى لا…. ليييييه ليييييييه أااااااااااه!
وضع رأسه على جسدها وهو يحتضنها وأخذ يصرخ بألم جعل الجبال تتصدع منه، ألم ما بعده ألم.
أصبح غارقاً في دمائها وفي دموعه، أصبحت السماء بلون الدم حزناً عليها ألماً لألمه.
لا ليس بألم بل تمزق، هو تمزق أصبح أشلاء وكأن أحدهم قرر قتله ببطء، فأمسك بنصل سكين وقطع عروقه برفق ليتألم أكثر كأنه غارقاً في لهب.
أصبح لا يرى غير اللون الأحمر أمامه، حب عمره ومعشوقته الوحيدة انتهت.
ناظرة بزيتونتيها إلى السماء تترجى من الله أن يرحمها في السماء، فأهل الأرض لم يرحموها.
رحلت لتسقط ورقة صفراء من شجرة الحياة، ولكنها سقطت من جانب بأكمله من اللون الأصفر، جانب مهمش مختلف عن الباقي.
فكل يوم يمر تسقط ورقة من هؤلاء وسط جهل البشر.
كل يوم تتعذب بصمت ولا يدركون المرض النفسي هو أكثر الأمراض ألماً يكوي القلوب ويحطمها.
ماتت محطمة، ألقت بنفسها من الشرفة علها ترتاح مما يفعلونه بها أهل الأرض.
كانت تبحث عن السلام والراحة والسكينة، كانت مريضة ولا يدري بها أحد، كانت ضحية وخلفت خلفها قلب مات وتحطم.
كانت ضحية مجتمع وضحية أم جاهلة خائفة من نظرة المجتمع، أهملتها فساءت حالتها حتى أصبح العلاج مستحيلاً.
فسقطت ورقة التوتر، رفقاً بمن عانوا ويعانون بصمت، رفقاً بألم القلب والعقل، رفقاً بمرضى غير قادرين على التألم، رفقاً بأشخاص عذبتهم الحياة فأكملتم عليهم.
قالوا عليها تخاريف وتعويذة، ولكن كانت أشدهم غرامه بها، فكانت تعويذة غرام مستوحاة من واقع أليم.
مستوحاة من قصة حقيقية.
تمت.