الفصل 28 | من 47 فصل

رواية طغيان قلب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم فاطمة محمد

المشاهدات
18
كلمة
2,981
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

أحتلت الصدمة كياني، لا أصدق ما أستمع إليه. هل ما قاله مجدي منذ لحظات حقيقة؟ هل قتل باسم على يد كبير عائلة الهلالي؟ ذلك الرجل الذي لطالما دافعت عنه.

عقلها لا يستوعب حتى الآن ما نطق به مجدي، وما خرج من فمه. لا تصدق بأن ذلك الذئب البشري لم يعد على قيد الحياة. فمثلما قام بقتل صديقتها، قام جدها بقتله. إن الله يمهل ولا يهمل، فكل إنسان ينال جزاءه ونتيجة أفعاله في الحياة. وتلك النهاية كانت تتوقعها له، ولكن ليس بتلك السرعة، وعلى يد آخر من كانت تتوقع بأن يقوم بقتله. ترى، هل قتله لأجلها؟

لاحت شبح ابتسامة على وجهها عندما خطر بخاطرها تلك الفكرة، ولكن سريعًا ما نفضت تلك الفكرة من خاطرها. فما تفكر به من سابع المستحيلات. فمن المؤكد بأن هناك سبب آخر لقتله إياه. خرجت من شرودها على صوت مجدي، الذي كان يتابع تغيرات وتقلبات وجهها، قائلًا: -بتفكرى فى ايه يا وجد؟ بقولك باسم خلاص مات، مبقاش ليه وجود فى الحياة.

أغمضت عينيها بألم عند ذكر اسمه. فموته بهذا الوقت لم يكن أمنيتها، ولكن عليها التفكير الآن بأن باسم لم يعد له وجود. غادر حياتها... بل غادر الدنيا بأكملها. فتحت عينيها، والأفكار لا تزال تطاردها، تأبى أن تتركها. فوفاته لا تمحو ما فعله بها وسلبه شرفها. أخرجها صوت سحر المندهش، وهي تتسائل بعدم تصديق، سرعان ما تحول لفرحة وشماتة: -معقول يا مجدي، أنت متأكد بأن سيد الهلالي هو اللي قتله؟

أماء لها مجدي برأسه، وابتسامة بسيطة على محياه، متمتمًا: -أكيد طبعًا متأكد يا سحر، وبعدين عيب لما تسئليني سؤال زي ده، أنا مصادري موثوقة. خرج صوت وجد بتلك اللحظة، متحشرجًا، قائلة بهدوء وبرود مميت: -ما تعرفش قتله ليه؟

-لا طبعًا أعرف. السبب يا ستي إنه باسم السبب في تفليس عيلة الهلالي، وطبعًا الإفلاس ده كان لصالحه. بعد ما خد كام مليون من الشركة المنافسة، غير نهبه في الشركة بمعنى اصح. باسم كان معاه ملايين، بس كان مخبي عشان محدش يشك فيه. صاحت سحر، التي اتسعت عيناها مما استمعت إليه: -معقوله معاه ملايين؟ بس أنا عايزة أفهم إزاي يبقى السبب في إنهم يفلسوا ويبقى معاه ملايين ويفضل وسطهم؟ ما كان ممكن ينبسط بالفلوس اللي نهبها ويسيبهم بفقرهم.

وما كاد أن يجيبها مجدي مبررًا ما فعله باسم، حتى أجابت وجد، التي ضيقت عينيها بتفكير: -ومين قالك إنه مكنش هيعمل كده؟ ده واطي ومتستبعديش حاجة عنه. والأكيد إن اللي منعه حمل آلاء. وأكيد بعد ما كانت هتخلف كان هيوريهم وشه الحقيقي. اتسعت ابتسامة مجدي على ذكاء تلك الفاتنة القابعة أمامه، قائلًا بإعجاب ملحوظ: -مظبوط كلامك يا وجد.

زفرت وجد براحة، مغمضة عينيها. فاخيرًا قد انتهت منه. ولكن سرعان ما اندهشت من نفسها، فهي حتى الآن لا تعلم أهي سعيدة بوفاته أم أنها ليست كذلك. ولكن ما تعلمه جيدًا الآن، فهناك شعور من الراحة يغمرها. شعور لم تشعر به منذ فترة طويلة.

ظل مجدي يتأملها ويتأمل كل شيء بها، وعينيه تلمع ببريق مشاعره. فحبها يزيد بداخله كل يوم عن سابقه. لا يعلم ما المختلف بها، ولكنها تجذبه ويحبها كثيرًا. كم يتمنى لو كان أصغر سنًا، أو تكون هي أكبر سنًا، وتنْشأ بينهما قصة حب أسطورية. فهو كان سيكون لها عاشقًا حتى النخاع. انتبهت سحر على نظراته المصوبة تجاه ابنتها، فحركت حاجبيها بفرحة، قائلة بخبث ومكر:

-طيب بما إننا خلصنا من الزفت ده وموضوعه انتهى، يبقى نبعت نجيب المأذون ويكتب كتابكم، ولا إيه يا مجدي؟ انفرجت أساريره، وما لبث أن يجيبها، مبديًا موافقته على حديثها، حتى قاطعتهم وجد، قائلة وعيناها صوب والدتها: -انسى يا ماما، جواز مش هتجوز. حلت الصدمة على وجوههم. فتمتمت سحر بتلعثم، وهي تنظر تجاه مجدي، الذي تبدلت ملامحه لآخرى غامضة: -يا سلام على هزارك يا وجد! أنتِ. قاطعتها وجد مرة أخرى، جاعلة إياها تبتلع باقي حديثها،

قائلة: -أنا مبهزرش، أنا بكلم جد. ولو حابين تجيبوا المأذون أوي كده، يبقى مبروك عليكم انتوا الاتنين. -يعني إيه؟ قالت سحر تلك الكلمات بضيق شديد، فأجابتها وجد باستفزاز، وتولي ظهرها، تنوي المغادرة من أمامهم: -يعني اتجوزيه أنتِ، ومبروك عليكي مجدي. أثارت تلك الكلمات غضب سحر، فجذبتها من ذراعيها، صارخة بها: -يعني إيه الكلام؟ هو إحنا عيال معاكي؟ يعني إيه تبقى وعداه بالجواز وتخلفي بوعدك؟ ها، يعني إيه يا بنت محمود...

جذبت وجد ذراعيها بغضب مماثل لغضب سحر، قائلة بانفعال وصوت عالٍ: -والله ده اللي عندي. جواز مش هتجوز، أنتوا سامعين. قالت كلماتها الأخيرة، وهي ترمق مجدي بنظراتها. وما لبثت سحر أن تصرخ عليها مرة أخرى، حتى منعها مجدي، مهدئًا إياها، قائلًا: -سحر، ممكن متدخليش بيني وبين وجد. -بس يا مجدي دي...

قاطعها مجدي، مشيرًا بيديه أمام وجهها، فابتلعت سحر تلك الكلمات في جوفها. فنظر مجدي تجاه وجد، قاطعًا المسافة بينهم، واقفًا أمامها، قائلًا بنبرة محبة: -أنتِ عارفة إني بحبك. واللي بيحب حقيقي يا وجد، بيحب يشوف حبيبه مرتاح ومبسوط. وعشان كده أنا بحترم قرارك ومش هعاتبك، ومش هقولك أي حاجة، ومش هفاتحك في الموضوع ده تاني.

صدمت وجد بشدة. لم تتخيل أن يخرج هذا الحديث منه. فدائمًا ما كانت تراه ذلك الرجل الذي لم يفكر سوى برغباته وكيفية الوصول إليها. مضايقاته لها وتحرشه بها، لم يكن مثلما كانت تظن، بل كان يفعل ذلك بدافع حبه لها. ازدرقت ريقها، وقالت بهدوء والصدمة لا تزال تعتليها: -أنت بتكلم جد؟ ابتسم لها بحب، قائلًا: -طبعًا بتكلم جد يا وجد. تنهدت وجد براحة تحت نظرات سحر المشتعلة. فما الذي تفعله تلك الحمقاء؟

أتترك هذا الرجل يضيع من يدها هو ونقوده؟ فمن المؤكد بأنها مختلة. يا ليته وقع في غرامها، وليس غرام تلك الحمقاء العنيدة. فظلت تلعنها بسرها، وعينيها تطلق شرار. فقالت بعدوانية شديدة، متناسية وجود مجدي: -والهانم ناوية تقعد معايا هنا كتير من غير ما تساعدني؟ اسمعي يا بت أنتِ، أنتِ من بكرة تنزلي تشتغلي، أنا خلاص معدتش هصرف عليكي تاني، وأظن إنك مش صغيرة وتقدرى تصرفي على نفسك.

لم تفق على نفسها إلا عندما لاحظت نظرات مجدي الحادة الغاضبة. فازدرقت ريقها، لا تعلم كيف قالت ذلك الحديث بوجوده. فقالت وجد، بعدما تحولت نظراتها من الصدمة إلى السخرية: -متقلقيش يا ماما، أنتِ مش هتضطري تصرفي عليا. أنا ناوية أسافر، هخلص امتحانات وهسافر ومش هتشوفي وشي تاني. وحطي في بطنك بطيخة صيفي. ثم نظرت تجاه مجدي: -عن إذنكم. وما أن غادرت، حتى اسودت عينا مجدي، وقالت بخفوت:

-عارفة يا سحر، لو الطريقة دي اتكررت مع بنتك تاني، هعمل فيكي إيه. أجابته سحر بتوتر وكلمات متقطعة: -غصب عني والله يا مجدي، بس هي نرفزتني. -أنا لآخر مرة بحذرك يا سحر، أنتِ سامعة؟ -سامعة. تحرك تجاه الباب، فصدح رنين هاتفه، فأجابه على الاتصال، ولكن سرعان ما وقف مكانه بصدمة من ذلك الخبر الذي وصل إليه: -أنت متأكد إنه مات؟ -أيوه يا فندم، متأكد. أغلق مجدي معه، والتفت لسحر، قائلًا: -سيد الهلالي مات.

وصل حسام أمام البناية التي يقطن بها باسم، وهو ينوي على أذيته. فلن يرحمه ويجعله يندم ندم عمره. فمن لا يرحم لا يُرحم. وما أن ترجل من سيارة الأجرة، حتى رأى بعض الازدحام أمام البناية بفضل هؤلاء البوابين. فكان بواب العمارة يقص لأصدقائه ما حدث اليوم. فوصل إلى مسامع حسام حديثه، وتلك سيارة الشرطة التي لا تزال واقفة.

-يلا ميجوزش عليه غير الرحمة دلوقتي، بس حقيقي يستاهل اللي جراله. كان رافع مناخيره للسما، وفي الرايحة والجاية يشخط وينطر. والله الست آلاء دي كانت خسارة فيه. أجابه صديقه قائلًا: -يا جدع حرام عليك اللي بتقوله ده. الراجل خلاص بقى بين إيدين اللي خلقه. فأجابه البواب: -وأنا قلت إيه يعني يا عم؟ وبعدين ده حتى جد مراته مكنش طايقه. -وانت عرفت منين إنه مكنش طايقه يا حدق؟

-باينه يعني. إيه اللي هيخليه يولع فيه، إلا لو كان شايله ومعبيله بقلبه. أقترب حسام إليهم بعدما استمع لاسم ابن عمه آلاء: -انتوا بتتكلموا عن مين؟ مين اللي مات؟ أجابه البواب، وهو يبتلع ريقه، فهو يعلم هويته. فدائمًا ما كانوا يترددون على المنزل: -يعني لمؤاخذة، جد حضرتك قتل أستاذ باسم. جحظت عينا حسام بصدمة، وقام بإمساك البواب من ملابسه، قائلًا: -أنت بتقول إيه؟

حاول رفاقه تحريره من قبضة حسام الفولاذية، فلم يستطيعوا، إلا عندما حرره بعدما أخبره البواب بخوف: -يا بيه، ده اللي حصل. جد جنابك طلع لأستاذ باسم وولع فيه. حرره حسام، وهرول من مكانه مسرعًا، مخرجًا هاتفه، مهاتفًا داغر. في المساء، اجتمعت النساء بمنزل سلامة، حتى يقمن بالتعزية. فكانت سعاد وهدى يجلسون وعينيهم تمتلئ بالدموع، والنساء من حولهم يحاولون وتصبيرهم على ما حدث لهم. لم يصدر منهم سوى إيماءة بسيطة من رؤوسهم.

أما بالأسفل، وخارج البناية، كان يجتمع الرجال يأخذون عزاء والدهم. وكان الحاضرين يعدون على الأصابع. وكل من سلامة ومحمود وهاني لا تحملهم قدماهم لما حدث ووفاة والدهم الذي كان سندًا لهم.

وصلت وجد أمام ذلك التجمع، بعدما رفضت أن يدلف معها مجدي وينزلها أمام المنزل. لا تريد لأحدهم رؤيته معها مرة أخرى. فجالت عينيها باحثة عنه، وأخيرًا رأته يقف أمامها بجانب عمه هاني، وبجوار رائف، وبجواره عدى. أما حسام فلم تراه أو تلمحه. فكيف سيكون موجودًا، وهو قرر ترك كل شيء ويكون بجانب محبوبته حتى يأتي أهلها لاستلام جثمانها. اقتربت منهم وجد بخطى هادئة. فكان أول من رآها رائف، الذي لكز داغر بيديه، مشيرًا برأسه تجاهها.

نظر داغر تجاه ما يشير برأسه، فرآها تتقدم باتجاههم، مرتدية ملابس سوداء، وحجابها يغطي خصلاتها. فطلع عليها بشوق شديد. فحركت عينيها تجاهه، فتقابلت عينهم بنظرة طويلة، فاق منها داغر أولًا، متذكرًا بأن أصبحت لا تحل له، وأصبحت ملكًا لآخر. وقفت وجد أمام والدها، الذي يضع رأسه بين يديه، فهناك صداع شديد يفتك برأسه. فتمتمت بهدوء: -البقاء لله يا بابا.

رفع محمود رأسه بلهفة عندما وصل صوتها إلى مسامعه، ونهض من مكانه، محتضنًا إياها بحب واشتياق شديد. وسريعًا ما ذرف الدموع من عينيه. ازدادت ضربات قلبها، وشعرت بالألم يغزوها لبكائه وانهياره ذلك. فنهض داغر من مكانه، ورائف خلفه، مبعدًا عمه، محاولًا تهدئته، فقال محمود: -وحشتيني يا وجد، وحشتيني أوي. ابتلعت وجد ريقها. فنظر داغر تجاهها، متمنيًا أن يفصح عن مشاعره الجامحة، مثلما فعل عمه. فأغمض عينيه بألم، فقالت وجد بنبرة

حاولت جعلها جامدة وباردة: -مش وقته الكلام ده. أنا بس حبيبت إني أقوم بالواجب وباللي عليا، رغم إنكم معملتوش باللي عليكم ناحيتي، بس معلش خليني أنا أحسن. قال محمود، وهو يعقد حاجبيه، محاولًا تغيير الحديث: -أومال جوزك فين يا وجد؟ رفعت وجد عينيها، تنظر لوالدها ولداغر، الذي جز على أسنانه غاضبًا من نفسه. فأجابته دون مقدمات: -أنا متجوزتش يا بابا. مجدي مش جوزي، ده بس صديق مقرب. جائتلي بعد ما بعني أهلي وناسي. ابتلع داغر ريقه،

وقال بدهشة: -متجوزتيش إزاي يعني؟ يعني إنتي... قاطعته وجد بحدة، آلمتها قبل أن تؤلمه هو: -أنا مكلمكش أنت يا ابن عمي، أنا بكلم أبويا وبس. ودلوقتي أنا عملت اللي عليا وقمت بواجبي. عن إذنكم. تحركت من أمامهم مسرعة، فتحرك داغر خلفها، يريد الحديث معها. لا يصدق بأنها لم تصبح لغيره، فهي معشوقته ووجدُه هو.

فظل يسير خلفها، منتظرًا الخروج من تلك الحارة، حتى لا يصبحون حديثهم. ولكن سرعان ما تملكه الغضب، عندما رآها تستلقي بسيارة ذلك الرجل، الذي ادعت بأنه زوجها، متحركين بسرعة من أمامه. فركل داغر الأرض بغضب، رافعًا يديه، يمسح على خصلاته بغضب ناري.

ومضى يوم بعد يوم، وداغر لا يريد الضغط عليها، تاركًا لها بعض الوقت حتى تتمكن من مسامحته، مقررًا أن يذهب إليها بعدما تنتهي امتحاناتها ذلك العام. أما محمود، فأخرج تلك الأوراق التي أعطاه إياها والده قبل موته. فرفض داغر، وكذلك رائف، تلك النقود. فهم لا يريدون شيئًا من باسم، مقررين تكوين أنفسهم بأنفسهم. أما آبائهم وعدي، فكان لهم رأي آخر. فهم رأوا بأن تلك النقود حقهم، وبدأوا يضعون خططهم حتى يؤسسوا شركة خاصة بهم من جديد، ويرفعون اسم عائلتهم مرة أخرى.

أما حسام، ورغم مرور عدة أيام، إلا أنه ظل حبيسًا بغرفته، رافضًا الغوص بأي حديث. جالسًا على فراشه، مخرجًا العديد من الأوراق، راسمًا من سلبته عقله وقلبه، معلقًا جميع رسوماته لها بغرفته.

أما ياسمين، فكم حاولت التقرب من داغر، محاولة فتح أي حديث معه، ولكن دائمًا ما كان يصدها بالحديث، متجاهلًا إياها. لتغيير خططها، متجهة ناحية رائف، الذي كان حبه لها واضحًا وضوح الشمس. فتوطدت العلاقة بينهم، راسمًا عليه دور الحبيبة. ليكرر بأنها ستكون زوجته، ولن يدخل قلبه غيرها، وسيفاتح والده بذلك الأمر. ولكن الآن سيركز بعمله مع داغر، ليكبروا تلك الورشة، مؤسسين اسمًا خاصًا بهم.

في صباح يوم جديد، استيقظ عدى من نومه، شاعرًا بتشنجات برأسه. فقام بتحريكها يمينًا ويسارًا. وسريعًا ما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه، عندما تذكر ذلك الذي جمعه بحوريته، والذي رأى نفسه بجانبها يزفان بعرسهما. فاقترب من الخزانة، وأخرج ملابس له، مرتديًا إياها على عجلة من أمره.

ناويًا على فعل شيء ما طال انتظاره كثيرًا. فنزل من منزله، متجاهلًا والدته، ذاهبًا للبناية التي تقطن بها حورية، واقفًا أمام الباب بأنفاسه اللاهثة، يهندم ملابسه، طارقًا الباب بهدوء شديد. وبعد لحظات، فتحت له ندى، الأخت الأصغر لحورية. فابتسم لها هدى، قائلًا: -حورية فين يا قمر؟ أجابته الصغيرة بامتعاض: -أنا مش قمر، أنا ندى. وبعدين بتسأل على حورية ليه؟ رفع عدى وحك رأسه، قائلًا بابتسامة مرحة: -عايزاها في موضوع.

عقدت الصغيرة يديها أمام صدرها، قائلة بنبرة طفولية: -موضوع إيه ده بقى؟ قول اعترف. تأفف عدى، وأدخل رأسه من الباب، مناديًا عليها بنفاذ صبر: -يا حورية، حورية. خرجت حورية من المطبخ، وبيديها إحدى المعالق، مقتربة منه، مندهشة من وجوده أمامها في ذلك الصباح الباكر، وقلبها يرفرف من السعادة، ولكنها لم تظهر له سعادتها تلك. -أنت إيه اللي جايبك وعايز إيه؟ ابتسم لها عدى بحب وهيام، قائلًا: -عايزك في موضوع مهم للغاية. -للغاية!

ايه غاية دي لمؤاخذه، اتكلم عدل يا حيلتها. ثم نظرت تجاه أختها: -خشي جوه يا ندى. دلفت الصغيرة إلى الداخل مهرولة، من أمامها وقفت حورية فاقترب منها بوجهه قائلًا بجانب أذنيها: -أنا عايز أتوزجك يا حورية قلبي. جحظت عينيها وابتلعت ريقها قائلة بصدمة بعدما ابتعد عنها معتدلًا بوقفته: -أنت قلت إيه؟ ابتسم عدى مقتربًا منها مرة أخرى، متحدثًا بهمس شديد تلك المرة:

-بقولك عايز أتوزجك يا حورية قلبي، جهزي نفسك قريب أوي هتبقي في بيتي وملكِ. ابتعد عنها غامزًا لها، مغادرًا من أمامها والسعادة لا تسعه ولا تسعها، فحبها ومشاعرها ناحيته متبادلة. *** وصل داغر الإسكندرية وهو ينوي بألا يتركها تلك المرة، سيقنعها، سيحاول معها بكل الطرق حتى تعود إليه ويبدأون من جديد، يعوضون كل ما فاتهم، سيتزوجها وسينسيها ما فعله وما ارتكبه بحقها، سينسيها خذلانه لها ورفضه تصديقه لها.

وصل أمام المنزل فطرق الباب، ففتحت له سحر، وما إن رأته حتى جزت على أسنانها غاضبة قائلة: -خير، عاوزين إيه تاني! أخفض داغر عينيه، فملابسها لا تستر إلا القليل من جسدها، فتمتم بصوت رجولي غليظ: -لو سمحتي عايز أتكلم، ممكن تبلغيها إني عايز. -سافرت. رفع عينيه بصدمة ونطق بصدمة: -نعم! -بقولك سافرت، وجد بنتي طفشت منكم ومعرفش راحت فين، روح بقى شوف هي فين، كل اللي أعرفه إنها سافرت...

-سافرت إزاي يعني، لو سمحتي بلغيهالي إني عايز أقابلها. قالها بصوت غاضب مكتوم، فأجابته سحر بغضب: -بقولك سافرت، ولو عايز تتأكد، اتفضل البيت قدامك. أغمض داغر عينيه والآلام تغزو قلبه وصدره، متحركًا من أمامها، وما إن غادر حتى ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهها، دافعة الباب من خلفه. فخرجت وجد من غرفتها وهي تصفق لها بإعجاب، قائلة بسخرية وحقيبتها بجانبها، فطائرتها ستقلع بعد ساعات وعليها الاتجاه للمطار:

-ولأول مرة تعملي حاجة مفيدة يا سحر هانم. *** في المساء بغرفة داغر. جالسًا على فراشه واضعًا رأسه بين يديه، يتنفس بصعوبة، فحتى النفس بات يرفض الخروج بسهولة، والدموع تنهمر من عينيه بشدة كبيرة، وكأنها تؤلمه على فعلته تلك، وهي تركه لها وقت احتياجها له. ومع كل دمعة كانت الأخرى تتتبعها بشدة، وكأنها لا ترغب بترك حبيبتها مثلما تركها هو. لا ترغب بالبعاد مثلما فعل. وكأنها تقول لها: سأكون معكِ أينما تكوني، لن أترككِ يومًا.

لن أبتعد عنكِ، ولن يفرقنا أحد، سنكون معًا في السراء والضراء. بينما هو يلقي اللوم على نفسه وعلى الأيام وتركه لها بتلك الطريقة، رفع يديه يضعها على موضع قلبه الذي يتألم، وهو يتحدث معه وكأنه يتحدث معها هي، مع حبيبته الآن، تحقق من مشاعره التي كان يعلمها منذ زمن، ولكن منع نفسه بسبب ما حدث، بسبب عقله الباطني الذي صدق كل ما رآه ولم يصدقها، ولم يترك قلبه يصدق حديثها.

ازدادت النغزات في قلبه وكأنها تلومه أيضًا، فهذا القلب عاشق لها. خذلتها، خذلتها كما خذلها الجميع، ليتني استمعت إليها، صدقتها، ولكنني لم أفعل. ليت الزمن يعود يومًا ما، كنت خذلتكِ ولم أترك دمعة واحدة تفر من عيناكِ الجميلتان، ليتني أعطيتكِ الحق لتكميل باقي حديثك، ليتني صدقت ما سمعته منكِ. أعلم بخذلاني وأنني لم أكن قدوة وسند لكِ مثلما ظننتي.

لم أقف بجانبكِ مثلما حلمتي، بل إنني تركتكِ بكل قسوة وقسوة عليكِ، ولكن ما لا تعلمين أن القسوة قد قتلتني قبل أن تقتلكِ. أرغب بأن نعود لبعضنا، فتلك الأيام والذكريات بيننا ما زالت تمر أمام عيناي، تلك العينان اللتان قست عليكِ كثيرًا. أعلم بأني لا أستحق أي شفقة منكِ، ولكن فلتسامحيني، فإني أحمق، أحمق كبير.

نهض من مكانه مقتربًا من النافذة، يتطلع على تلك الأمطار التي تهطل بغزارة وذلك الجو الممطر الذي لطالما عشقته وجده وكيانه، فأين هي الآن. الآن فقط يعلم ما شعرت به، يعلم شعور الخذلان والخزي الآن. مرت أمام عينيه تلك الذكريات واللقاءات التي جمعتهم سويًا، تلك الأيام التي لم يدرك قيمتها إلا بعدما فقدها. فقدها! فكم ألمت تلك الكلمة قلبه وجعلته ينزف. يتمنى أن يعرف أين هي وأين ذهبت. ***

هبطت الطائرة بالمطار وخرجت وجد من المطار، فأغمضت عينيها متخذة نفسًا عميقًا، فأخيرًا ستبدأ من جديد، ستتناسى كل ما عاشته، لن تعود لبلدها مرة أخرى، جائت إلى هنا وستستقر هنا.

وبعد مرور بعض الوقت، ترجلت وجد من سيارة الأجرة أمام البناية التي قامت والدتها باستئجارها لها، فابتسمت ابتسامة ساخرة على محياها، فهي تعلم جيدًا بأن والدتها لن تفعل ذلك من أجلها، فبالطبع مجدي من وراء ذلك، ولكن ليس هناك مانع لديها، فهي من بعد الآن ستفكر في مصلحتها هي. فقط.

لن تفكر بالآخرين ولن تشغل عقلها بهم، فتلك بداية جديدة وستطرد جميع من كان بحياتها، ستدخل أشخاص جدد حياتها، ستتعرف على أصدقاء جدد، ولكن تلك المرة ستحسن الاختيار. عودة للوقت الحالي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...