دلف "عدى" الغرفة مرة أخرى بعدما تخطى الوقت منتصف الليل ليأخذ ثيابه ويبدل ملابسه التي يرتديها منذ الصباح، ظنًا منه بأنها قد ذهبت في سبات عميق. وما إن دلف حتى وجدها لا تزال مستيقظة، شاردة، جالسة على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها، وقد انتفخت جفونها أثر بكائها وانهيارها الشديد بعد خروجه. فأخذ نفسًا طويلًا وتجاهلها، وكأنها سراب، مولياً ظهره لها، متجهًا ناحية الخزانة مخرجًا له ملابس.
وما لبث أن يخرج خارج الغرفة حتى نادت عليه بنبرة غير مألوفة بالنسبة له. فاستدار بهدوء شديد، مضيقًا عينيه بتساؤل عما تريده بعد ذلك الحديث الذي حدث بينهم. فنهضت من مكانها وعيناها معلقة عليه، لا تفارقه، ولا يرمش لها جفن، ووقفت أمامه وقالت بهدوء مزيف، مبتلعة تلك الغصة المريرة المعلقة بحلقها: -قولي إنه كل اللي قولته كدب ومش حقيقة يا عدى، وإنك قلت كده عشان بس تضايقني عشان أهملت نفسي وأهملتك.
جز على أسنانه وتشنجت عضلات وجهه، ودفع الملابس التي كانت بين يديه بغضب، وعيناه تطلق شرارًا صارخًا عليها. -لأ يا حورية مش كدب، أنا فعلًا مبقتش بحبك. أنا اتجوزت يا حورية عليكي، والبني آدمة اللي اتجوزتها متتصوريش مريحاني إزاي ومهتمة بيا إزاي. صمت قليلًا يتطلع عليها بغضب، غير مدركًا بأن كلماته كانت كالسكين الحاد الذي ينغرز بقلبها، ممزقًا إياه دون أي رحمة أو شفقة.
-مش معنى إنك خلفتي إنك تهمليني وتهملي نفسك بالشكل ده يا حورية، وما الستات كلها بتتجوز وبتخلف ومحدش بيعمل اللي بتعمليه. انتِ بإهمالك ده خليتيني أحب غيرك، خليتيني محسش بأي حاجة ناحيتك، كل مشاعري بقت معاها، معاها هي وبس يا حورية. كانت عيناها تدمي بشدة أمامه، تطلع عليه بعدم تصديق، ورغمًا عنها وجدت نفسها تصرخ به هستيريا وهي تضربه على صدره بعنف وغضب، تشعر باشمئزاز شديد يسيطر عليها تجاهه.
-لو كل الرجالة فكروا نفس تفكيرك ده كانوا كلهم اتجوزوا على مراتتهم. مكنش ينفع تجوز عليا من غير ما تعرفيني، كان لازم تقولي وتسبلي القرار، وأنا اللي أقرر مش انت، مش انت اللي تقرر يا عدى. أنا أقرر، مش تحطني قدام الأمر الواقع. أنا بكرهك، بكرهكككككك. دفعه "عدى" تجاه الحائط بعنف، مكممًا فمها قائلًا بفحيح الأفاعي: -صوتك هيصحى كل اللي في البيت. دفعته بغضب وبقوة، لم تعلم من أين أتتها. -هو ده اللي همك مش كده؟
مش عايزهم يعرفوا بعمل فيكي وبوس***. صفعة قوية نزلت على وجهها جعلتها تبتلع حديثها، فوضعت يديها على وجهها ونظرت إليه بخذلان وخزي، ورفع سبابته محذرًا إياها. -أوعي تنسي نفسك. حذرتك قبل كده من صوتك العالي ومليش فايدة فيكي، ولو اتكرر تاني يا حورية هتشوفي تصرف أسوأ من ده، انتي سامعة يا بنت الحواري.
قال كلماته الأخيرة وخرج من الغرفة، دافعًا الباب خلفه، وما إن خرج حتى وجد "حسام" يقف أمامه، عاقدًا يديه أمام صدره، وتطلع عليه بنظرات ساخرة. فقطب "عدى" جبينه وقال: -انت بتعمل إيه عندك يا حسام؟ اقترب "حسام" منه وهو يصفق له بسخرية مغمغمًا: -برافو يا عدى، حقيقي برافو. اتجوزت على حورية يا عدى؟ اتجوزت على البنت اللي كنت من أربع سنين بس بتحفي وراها، ونفسك تبصلك. لو كنت ناسى أفكرك.
أجابه "عدى" وهو يقطع تلك المسافة بينهما قائلًا بغضب مشيرًا بيديه تجاه الباب: -اللي جوه دي مش البني آدمة اللي حبيتها، دي واحدة تانية، أنا مبقتش عارفها. -ما لازم متعرفهاش. ما انت لقيت اللي مريحاك. بس يا ترى إيه اللي مخلي الهانم التانية توافق إنها تتجوزك وهي عارفة إنك متجوز، ولا هي متعرفش؟ قالها "حسام" بتفكير مصطنع، فأجابه "عدى": -خليك في حالك يا حسام، ومتدخلش في اللي ميخصكش يا بن عمي.
كانت صوت ضحكاتها تصدح بالمنزل بأكمله، لم تستطع إيقاف تلك الضحكات إلا عندما قامت "وسام" بضربها بتلك الوسادة، وبوادر الغضب على وجهها. كانت صوت ضحكاتها تصدح بالمنزل بأكمله، لم تستطع إيقاف تلك الضحكات إلا عندما قامت "وسام" بضربها بتلك الوسادة، وبوادر الغضب على وجهها. -ممكن أعرف بتضحكي على إيه؟ أنا مش شايفة حاجة تضحك يا ست وجد. كادت أن تجيبها "وجد" ولكنها لم تستطع بسبب ضحكاتها التي لم تستطع التحكم، فقالت من بين ضحكاتها:
-يالهوي بطني مش قادرة، لأ وأول ما وصلنا هنصحى وهننزل وهنخرج وهناكل، وفي الآخر قضيناها نوم. يا سلام على الإجازة يا وسام. نهضت "وسام" ووقفت أمامها، واضعة يديها بمنتصف خصرها، قائلة بغيظ وطريقة طفولية: -بطلي ضحك بقى، أنا مش عارفة راحت عليا نومة إزاي كده، منك لله يا وجد. -الله وأنا مالي يا أمي، هو أنا اللي قلتلك نامي ولا حاجة؟ انتي اللي عبيطة، نمتي زي القتيلة، ماشاء الله. تأففت "وسام" وجلست بجوارها
وهي تتنهد وقالت بلامبالاة: -مش مهم، النهارده خلينا نفكر ببكرة. بصي يا ستي بقى بكرة اليوم كله هيبقى دمار شامل يا معلم، هنروح ناكل كشري وندخل سينما وبعدين ناكل تاني، وبعدين هنطلع على مرسم افتتاحة بكرة. تنهدت "وجد" ونهضت من مكانها. -اعملي ما اللي انتي عايزاه يا وسام. -انتي رايحة فين؟ استدارت لها محركة كتفيها وقالت: -هكمل نوم طبعًا، اليوم ضرب يا حلوة. نهضت "وسام" محاولة اللحاق بها قائلة بنبرة طفولية وهي تزم شفتيها:
-نوم إيه يا وجد، انتي مبتشبعيش. وقفت "وجد" داخل الغرفة وأجابتها وهي تغلق الباب بوجهها: -لأ، تصبحي على خير. وما إن أغلقت باب الغرفة حتى جلست "وسام" على الأريكة قائلة بتنهيدة: -أنا آسفة يا وجد، بس أنا لازم أشوف حسام، وانتي لازم تتواجهي مع عيلتك. أنا آسفة يا وجد، بس أنا لازم أشوف حسام، وانتي لازم تتواجهي مع عيلتك. في صباح اليوم التالي...
استيقظت "مى" من نومها وتململت في فراشها، فانتبهت لذلك الذي يتشطح بجوارها. شهقت بصدمة واضعة يديها على صدرها. استيقظ على صوتها قائلًا بغلاظة: -صباح الخير. أغمضت "مى" عينيها وقالت: -حرام عليك يا عدى، خضتني. انت جيت امتى؟ اعتدل "عدى" وأسند ظهره بظهر الفراش وقال بصوت مبحوح: -جيت بليل، وانتِ كنتِ نايمة. محبتش اقلقك. اتسعت ابتسامتها واقتربت منه وقامت باحتضانه وقالت بقلق: -حصل حاجة ولا ايه؟
نهض "عدى" دون أن يبادلها عناقها، شاعرًا ببعض الضيق. -أيوه. وقومي جهزي نفسك عشان هتتنقلي النهارده على الفيلا. اتسعت عيناها ونهضت عن الفراش بصدمة واقتربت منه قائلة: -ازاي يعني؟ ومراتك وعيلتك هتقول لهم ايه؟ رفع "عدى" يديه محاوطًا وجهها وقال: -حورية عرفت إني متجوزك. أما عيلتي بقى فدول أمرهم سهل. وبعدين إحنا معملناش حاجة حرام. انتي مراتي يا مى، ومن النهارده كل الناس هتعرف إنك مراتي وحبيبتي.
ولج "عدى" برفقة "مى" إلى غرفة الصالون، و"مى" تتشبث بذراعيه، لا تعلم كيف ستكون رد فعلهم على ذلك الخبر. شعر "عدى" بخوفها ذلك، فرفع يديه مربتًا على يديها يبثها الطمأنينة والأمان. وما أن ولج حتى وجدهم يتناولون طعام الإفطار. -صباح الخير.
رفع الجميع رأسهم، وما كادوا أن يجيبوه حتى انتبهوا لتلك الفتاة التي تقف بجواره متعلقة بذراعيه. فقام "حسام" بالجز على أسنانه بغضب، ناهضًا من مكانه دون أن يهتف بحرف واحد. وقبل أن يغادر، رمق "مى" نظرة غاضبة. فنهض الجميع عن الطاولة بعدما ثارت الشكوك بأنفسهم، فقال "سلامة": -مين دي يا عدى؟ تنهد "عدى" وقال بدون تردد: -مى مراتى يا بابا. قطب "داغر" حاجبيه واقترب منهم والدهشة تعتريه. -مراتك؟ ازاي يعني؟
انت اتجوزت على حورية يا عدى؟ زفر بضيق وأجابهم باقتضاب: -أيوه. اقترب منه "داغر" وقام بإمساكه من ملابسه. -أيوه ازاي يعني يا عدى؟ متنرفزنيش عليك. أنا صاحي، خلقي ضيق. اقترب "سلامة" وفرق بينهم صارخًا بهم: -إيه اللي بتعملوه ده؟ هو أنا إيه؟ خلاص مبقاش ليا لازمة؟ ظل "داغر" يرمق شقيقه بغضب من أفعاله الطائشة وانجرافه ذلك. فغمغمت "سعاد" بعدم تصديق: -اتجوزت على حورية يا عدى؟ وكمان جايبها هنا؟ للدرجة دي مبقاش عندك مشاعر؟
وما كاد أن يجيبها حتى جاء صوت "حورية" من خلفهم، مرددة اسم "عدى"، وكان صوتًا خاليًا من الحياة. -عدى. التفت "عدى" يرمقها بنظراته، وكذلك "مى" والتي تجاهلتها "حورية" وكأنها لا تراها أمامها. وما كاد أن ينطق "عدى" حتى سقط عليه ذلك الدلو من الماء البارد، فما نطقت به لم يكن يتخيل بأنها ستطلبه أو ستعزم عليه. -طلقني يا عدى. ازدرد ريقه، كان يظن بأنه سيستطيع السيطرة عليها بالضغط عليها عن طريق أولادها، ولكنها صدمته بشدة.
فقال بعدما ابتلع ريقه: -انتِ عارفة معنى كلامك ده إيه؟ معناه إنك مش هتشوفي ولادك تاني. قاطعته قائلة بحدة وصراخ: -بقولك طلقني! اقتربت منها "سعاد" محاولة تهدئتها وإرجاعها عما تريده. -يا بنتي استهدي بالله، ده شيطان ودخل بينكم والله. قالت الأخيرة وهي ترمق "مى" بنظراتها. أما "عدى" فكانت عيناه معلقة عليها، لا يصدق طلبها ذلك. فصرخت مرة أخرى، ولكن تلك المرة وهي تكسر وتحطم كل ما تطوله يديها. -بقولك طلقني! طلقني!
أنا بكرهك، بكرهك يا عدى، بكرهك ومش عايزة أعيش معاك. بقولك طلقني! -إنتِ طالق. توقفت عن الحركة وهدأت أنفاسها. فاقترب منها وقد اسودت عيناه. -من النهارده متفكريش إنك تشوفي ولادك. انتِ سامعة؟ ثم التفت إلى "مى" وجذبها من ذراعيها صاعدًا بها تجاه غرفته القديمة. أما حورية فجلست على الأرض تبكي بهستيريا، فاقتربت منها "سعاد" وهي تشعر بالشفقة تجاهها. أما الباقي فكانوا لا يصدقون فعلته الحمقاء تلك واستغنائه عنها بتلك السهولة.
وبذات الوقت، كانت تلاحقها عيون شامته سعيدة بما حدث، والتي لم تكن سوى "ياسمين"، والتي كادت أن تطير من السعادة، فل طالما كرهت "حورية". بغرفة "عدى" قديمًا. -مى، دي أوضتي. هتقعدي فيها لحد ما أقول لحد من الخادمين يظبط لنا أوضة جديدة. وعلى بليل ننتقل فيها. وشنطتك هخلي الخادمة تطلعها لكِ وتغيري هدومك وترتاحي شوية. وأنا رايح الشغل وهحاول ما أتأخرش. قالها ببرود شديد، فأومأت له "مى" بهدوء.
وما أن خرج من الغرفة حتى تبدلت ملامحها وابتسمت ابتسامة خبيثة ماكرة، مخرجة هاتفها من جيب بنطالها واتصلت بأحدهم. سريعًا ما جاء الرد، فقالت بغموض: -كل اللي انت عايزه حصل، وتقدر تنفذ. العصفورة خرجت من قفصها وبقت حرة خلاص. وقف "رائف" بالسيارة أمام البناية التي تقطن بها "حورية". وما أن توقف حتى التفت بجانبه ينظر إليها متمتماً بأعتذار. -حورية أنا مش... قاطعته "حورية" وقالت بنبرة خالية من الحياة:
-متقولش حاجة يا رائف، لأني مش عايزة أسمع أي حاجة. ابن عمك كان فاكر إنه ممكن يجرح ويوجع فيا وأنا أسكت وأشيل في نفسي عشان ولادي، بس مش أنا يا رائف، مش أنا اللي هتسكت على إن جوزها يجيب لها ضرة ويحطها قدام الأمر الواقع. زفر "رائف" وهو يشعر بالخجل من تصرفات "عدي" المتهورة. وقبل أن تترجل من السيارة، لم تقل سوى تلك الكلمات: -ولادي أمانة عندكم يا رائف لحد ما ابن عمك يبعت لي ورقتي، عشان أنا مش هسيب ولادي له ولمراته.
لزم "رائف" الصمت وترجل من السيارة حاملًا لها حقيبتها. وصعدت إلى البناية وفتحت لها شقيقتها "ندى" التي صرخت بسعادة لرؤيتها أمامها. -حورية وحشتيني، أومال فين الولاد؟ مجوش معاكي ولا إيه؟ سريعًا ما انتبهت لرائف الذي ظهر من خلفها حاملًا حقيبتها. فقطبت "ندى" جبينها وقالت بتساؤل: -إيه الشنطة دي يا حورية؟
صمتت حورية وظلت ملامحها جامدة باردة أمامها. وتحركت من أمامهم والآلام تكتسحها. فالتفتت "ندى" تجاه رائف الذي أدخل حقيبتها داخل المنزل. -هو إيه اللي حصل بالظبط؟ ابتلع ريقه ولم يعلم بماذا يجيبها، ولكنها في جميع الحالات ستعلم بما حدث. فقال بأسف شديد: -مع الأسف عدى وحورية أطلقوا. اتسعت عيناها ورفعت يديها تضرب على صدرها. -أطلقوا ليه؟ إيه اللي حصل؟ -هيبقى أفضل لو حورية حكتلك، عن إذنك. ولو عاوزين أي حاجة كلموني، تمام؟
قال كلماته الأخيرة وهو يغادر من المنزل سريعًا، يريد الهروب من أمامها حتى لا يضطر بقص تلك التفاصيل المؤسفة. وما أن غادر مغلقًا الباب من خلفه بهدوء، حتى تحركت "ندى" بصدمة تجاه غرفة شقيقتها. ففتحت الباب دون أن تطرقه. وما أن فتحته وكادت أن تتحدث، حتى وجدتها مغشى عليها ساقطة على تلك الأرضية الصلبة.
فاقتربت منها والذعر والقلق يتمكنان منها. ولم تجد نفسها إلا وهي تتحرك من مكانها تجاه الشرفة منادية على "رائف" قبل أن يصعد سيارته مرة أخرى. وبعد مرور بعض الوقت بإحدى المشافي.
كانت تتسطح على الفراش بإحدى الغرف، وبالخارج يقف الطبيب مع "ندى" و"رائف" يطمئنهم على حالتها، مخبرًا إياهم بأن ما حدث لها سببه هبوط حاد بسبب عدم تناولها لأي شيء، بجانب نفسيتها المدمرة. ونصَحهم بالاهتمام بها وعرضها على إحدى الأطباء النفسيين، مخبرًا إياهم بأنهم قد أعطوها مخدرًا وأنها الآن بسبات عميق. -متشكرين يا دكتور. كانت تلك كلمات "ندى". فأومأ لها الطبيب وغادر من أمامهم.
فتنهدت "ندى" ببعض من الراحة، ونظرت تجاه "رائف" معنفة إياه. -حضرتك ممكن تتفضل دلوقتى، ويا ريت تبلغ ابن عمك باللي أختي وصلتله، خليه يفرح شوية بنفسه. زم "رائف" شفتيه ورفع إحدى حاجبيه وقال بهدوء: -أنا حقيقي مش عارف أقولك إيه، بس دي أكيد وزة شيطان وكل حاجة هتتصلح. جزت على أسنانها وقالت بغضب طفيف: -تتصلح!!! بعد إيه؟ ابن عمك لو كان بيحبها بصحيح مكنش فكر يستغنى عنها، وبعدين أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل وصلهم بكدة؟
ها، عدى الزفت ده عمل إيه عشان يوصلها لحالتها دي؟ -ها؟ قالها "رائف" بسذاجة مصطنعة لا يريد إجابتها. فصاحت: -هو إيه اللي ها؟ بقولك عمل إيه؟ نظر "رائف" لساعة يديه وقال بتذكر مصطنع: -طيب يا ندى، أنا مضطر أمشي دلوقتي لأني سايب داغر لوحده في المصنع، عن إذنك. وغادر سريعًا من أمامها. فتأففت ودلفت غرفة شقيقتها. فوجدتها نائمة على الفراش، فاقتربت منها تربت على وجهها بحنان. -يا ترى عملك إيه عشان يوصلك لحالتك دي؟
ثم جلست بجوارها، وسريعًا ما تذكرت والدتها النائمة بالمنزل، فنهضت من مكانها سريعًا مغادرة الغرفة. وما أن غادرت المستشفى، حتى دلف هو بهيبته ووسامته إلى غرفتها، مغلقًا الباب من خلفه، مقتربًا منها متطلعًا عليها بنظرات عاشق وولهان. فأقترب بيديه ممسدًا على وجنتيها وبشرتها الناعمة كبشرة الأطفال، وابتسامة جانبية ترتسم على وجهه، متمتمًا بحب: -أخيرًا يا حورية، وأخيرًا هتبقي ملكي. -أخيرًا يا حورية، وأخيرًا هتبقي ملكي.
فى المساء. ترجلت "وسام" و"وجد" من تلك السيارة الأجرة أمام ذلك المرسم. فصاحت "وجد" بتأفف: -ولا ليها أي لازمة حكاية المرسم دي، أنا بتخنق. بزمتك بتتفرجي على إيه؟ على شوية شخابيط؟ -شخابيط يا جاهلة، ده اسمه فن. بس هنقول إيه، ما أنتي معندكيش ذوق. قالتها وسام بمرحها المعتاد، فاغتاظت وجد منها وأجابتها قائلة: -ما هو مدام مختاركي صاحبة ليا، يبقى لازم ميكنش عندي ذوق يا وسام هانم. زم "وسام" شفتيها بحركة طفولية. -كدة يا وجد.
اتسعت ابتسامة "وجد" وأجابتها: -كدة يا قلب وجد. دلفت كل منهما إلى المرسم، وعين وجد معلقة على تلك الرسومات أمامها والتي أثارت إعجابها كثيراً، شاعرة ببعض من العمق والحزن الذي يلوح بتلك اللوحات. أما "وسام" فكانت عينيها تجول بالمرسم بحثاً عنه، تشتاق لرؤيته، بل لا تريد أن ترى غيره.
ورغم عنهما انفصلا. فابتعدت "وجد" ووقفت أمام إحدى اللوحات التي أعجبتها كثيراً، وكانت ابتسامة بسيطة تلوح على وجهها. ولكن سريعًا ما اختفت عندما وقعت عينيها على ذلك التوقيع، والذي لم يكن سوى باسم "حسام الهلالي"، فتسمرت مكانها من تلك الصدمة وتلك المعضلة التي وقعت بها. أما "وسام" فازدادت خفقاتها بعدما رأته يقف بجوار كل من "رائف" و"إسلام" و"داغر". فاستجمعت قواها واقتربت منهم، وعيناها لا ترى غيره، وعيناها تلمع ببريق مشاعرها.
-مساء الخير. أجابها "حسام" بابتسامة بسيطة لم تصل لعينيه. -مساء النور. وكذلك أجابها إسلام ورائف، وتجاهلها داغر تماماً. ولكنها لم تستمع سوى لصوته هو. صوت معشوقها الذي يجعل خفقاتها تزداد. فمدت يدها باتجاهه وقالت بإعجاب وانبهار شديد: -أنا وسام وعايزة أبدي إعجابي بلوحاتك، حقيقي لوحاتك تحفة. وما كادت أن تكمل حتى وصل إلى مسامعها صوت داغر الذي خرج أخيرًا وهو يردد اسم صديقته بعدم تصديق واشتياق سيطر على صوته: -وجد.
قطب حسام جبينه واسودت عيناه بغضب، أما إسلام فنظر تجاه ما ينظر إليه داغر، فلمحها هو الآخر واتسعت ابتسامته، وسريعًا ما كانت "وسام" تقف بمفردها بعدما هرول كل من إسلام وداغر باتجاهها، وحسام متوعدًا لها بعدما رآها هو الآخر. أما رائف فشعر بهاتفه الذي يرن، فأخرجه من بنطاله فوجدها "ندى"، ففتح المكالمة وما كاد يتحدث حتى وصل إليه صوتها الباكي وهي تستنجد به:
-رائف الحقني، أنا مش لاقية حورية. حورية اختفت من المستشفى ومحدش شافها وهي بتخرج، أنا خايفة أوي تعمل حاجة في نفسها، أنا مش عارفة أعمل إيه. أغمض "رائف" عينيه وهو يتابع ما يحدث مع أبناء أعمامه. -أنا هكلم عدي يا ندى، اقفلي، اقفلي.
أما ناحية وجد، وبعدما انتبهت بأن تلك الرسومات تعود لـ "حسام"، حتى التفتت حولها تبحث عن "وسام" وهي تلعنها بداخلها لوضعها بتلك الموقف، وسريعًا ما أولت ظهرها للجميع وكأنها تطلع على اللوحة، ولم تنتبه لذلك الذي لمحها وعلم هويتها، فكم كانت تشتاق عيناه لرؤيتها، ولم يصدق نفسه عندما رآها، شاعرًا بأن قلبه يكاد يقفز فرحًا وسعادة. فاخرج هاتفه يريد الاتصال عليها، وما كادت أن تأتي برقمها حتى سمعت لذلك الصوت الغاضب من خلفها:
-إنتي بتعملي إيه هنا؟ التفتت تنظر إليه بعدما أخذت نفسًا طويلًا وأخرجته على مهل، ورمقت بعينيها ذلك الذي لا تزال عاشقة له وهو يطلع عليها بنظرات عاشقة. وما كادت أن تفتح فمها حتى وجدت "رائف" يقترب منهم: -شباب، حورية اختفت ومش موجودة، وأختها قالبة عليها الدنيا، أنا كلمت عدي بس هو مبيردش، فخلونا نروح نشوف هنعمل إيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!