اوقف السيارة بعدما رمق حورية بنظرة جانبية. فتحركت بلهفة تجاه السيارة راغبة بأن تضم صغارها داخل أحضانها. ترجل من السيارة بذات الوقت التي فتحت به باب السيارة، حاملة أحدهم حاضنة إياه باشتياق شديد. وسريعًا ما أخرجت ابنها الآخر وضمته داخل أحضانها، مستنشقة رائحته وعيناها تذرف الدموع، وعيناها تجول على جسدهم تتأكد من سلامتهم. "حبايبى انتوا كويسين فيكو حاجة؟ أجابها عدى مغمغمًا: "متقلقيش كويسين."
أقتربت سعاد وسلامة من أحفادهم، وكذلك وجد. أما داغر، فربت على كتف شقيقه مغمغمًا: "حمدالله على سلامتهم." أماء له عدى متمتمًا وعيناه تبحث عن مي: "الله يسلمك، هى مي فين؟! "معرفش." غادر عدى من أمامه ودلف المنزل، وأخذ يصعد السلالم الرخامية بسرعة وكأنه يتسابق مع درجاتها.
وصل أمام باب الغرفة، فقام بفتحه وخطى بقدميه داخل الغرفة. فوجدها تأتي ذهابًا وإيابًا، تفرك يديها ببعضهما البعض. وجهها شاحب كالأموات. فازدرقت ريقها عندما استمعت لصوت الباب والتفتت تحدق به، راسمًة بسمة مصطنعة لم تصل لعيناها، مغمغمة بتوتر ملحوظ: "عدى، عملت ايه؟ طمنى الولاد رجعوا؟
أغلق عدى الباب بهدوء شديد، وظل يقترب منه ببطء شديد جعل ضربات قلبها تتسارع. وهي ترى تلك النظرة غير المألوفة بعينيه، فظلت تتراجع للخلف بخوف وساقاها تتخبط ببعضهما. فخرج صوتها مبحوحًا قائلة: "في ايه يا عدى؟ بتبصلي كده ليه؟
وقعت على الفراش من خلفها. وفجأة وجدته ينقض عليها، ممسكًا إياها من خصلاتها، واليد الأخرى قبضت على فكها، متمتمًا أمام وجهها بنبرة مخيفة دبّت الرعب بقلبها جاعلة جسدها ينتفض. فقد تأكدت شكوكها، فمن المؤكد بأنه علم بكل شيء. لعنت غباءها، فكان عليها الهروب والاختفاء عن الأنظار، فهو لن يرحمها ولن يتهاون معها. "بقى أنا تعملي معايا كده!
ده انتي أمك داعية عليكي، ده أنا هوريكي أيام سودة، هخليكي تكرهي حياتك وتكرهي اللحظة اللي فكرتي فيها تلعبي معايا يا بنت***" ارتجفت شفتاها وقالت بكلمات متقطعة: "ا انت بتقول ايه يا عدى؟ أنا مش فاهمة حاجة." جذب خصلاتها لأسفل فتأوهت بوجع، فهتف بوعيد: "متقلقيش، أنا هخليكي تفهمي، وكويس أوي كمان. قومي معايا، قومي." جذبها من خصلاتها، منفضًا إياها عن الفراش بعنف. فأرتعدت من داخلها وهي تراه يخرج بها من الغرفة.
"عدى، عدى، انت بتعمل ايه؟ آه، آه. عدى، أنا بكلمك، سيب شعري، أنا مش فاهمة حاجة، أنا عملتلك ايه؟ تجاهلها تمامًا وهبط بها لأسفل. فوصل صوتها لعائلته التي كانت تجتمع حول الصغار والابتسامة لا تفارقهم. اقترب داغر منه، فاستنجدت به قائلة: "داغر، خلي أخوك يسيبني، ده شكله اتجنن! صرخ عدى بجانب أذنيها: "جنان، هو انتي لسه شوفتي جنان؟ أنا هوريكي الجنان على أصوله يا بنت***" نهض والده من جانب زوجته وصاح بابنه بغضب:
"ايه يا زفت اللي انت بتعمله ده؟ ده بدل ما تقعد معا ولادك اللي لسه راجعين؟ تجاهله عدى ورمق حورية الذي ترمقه باستغراب، فهتف: "حورية، الكلام اللي قولتي مضبوط؟ بنت*** دي متسلطة عليا؟ ابتلعت حورية ريقها وقالت، رامقة إياه بجمود: "وأنا هكدب ليه؟ أماء لها عدى بتفهم ورمق مي بوعيد، واستكمل طريقه مغادرًا المنزل، وخصلاتها لا تزال بين قبضته. فلحق به داغر ومحمود وسلامة. "عدى، سيب البنت، مينفعش كده." دفعها عدى بسيارته وأغلق عليها،
والتفت يصرخ بوجههم: "محدش يدخل، دي مراتي وأنا حرررر! أنهى كلماته وهو يصعد بجوارها، مغمغمًا بفحيح كالأفاعي: "ليلتك سودة يا بنت***، مهو مش عدى الهلالي اللي حتة بت زيك تطلع بتضحك عليا ومقرطساه." بعد مرور بعض الوقت. دفعها داخل منزلها لترتطم بالأرضية متأوهة بقوة. فرفعت رأسها تنظر له، رافعة بيديها خلالها التي تناثرت حول وجهها، متمتمة بقوة منافية لخوفها منذ قليل:
"انت شكلك اتجننت خلاص، أنا حامل في ابنك يا مجنون. أنت ايه مفيش في قلبك رحمة؟ أنخفض لمستواها، قابضًا على فكها وعيناه تطلق شرار: "جنان، انتي لسه شوفتي جنان. اتكلمي يا بت، عايز أعرف كل حاجة. سلطتي عبده يخطف ولادي ليه؟ ها؟ وأمير زقك عليا ليه؟ دفعت يديه بقوة ونهضت من مكانها، مزمجرة فيه بشراسة: "أيوة أنا اللي خليت عبده خطف الولاد، وأيوة أمير اللي زقني عليك، بس عارف ليه؟
عشان أنت راجل عينك زايغة، ميملهاش غير التراب. والدليل على كلامي إنك أول ما شفتني ريلت عليا، وكأنك أول مرة تشوف واحدة حلوة، رغم إني لما شفت مراتك مشفتهاش بالبشاعة اللي تخليك تخونها وتجرحها بالطريقة دي. عارف أنا عمري ما حبيتك، أنا بكره الرجالة اللي زيك، أبويا مكنش يختلف عنك، أبويا اللي كرهته طول عمري عشان سابنا وراح اتجوز واحدة تانية على أمي، أرحم منك يا عدى. أنت زبالة أوي يا عدى."
نزلت صفعة قوية على وجهها جعلت الدماء تخرج من شفتيها. فوضعت يدها على وجهها، مغمغمة بتحدٍ ونظرة اشمئزاز ترتسم على وجهها: "أهو ده اللي انت فالح فيه." أقترب منها ببطء، وسريعًا ما دنا لمستواها ببطء أشد، هامسًا أمام وجهها: "ولما انتي بتكرهيني أوي كده، متمسكة بالولد أوي كده ليه؟ ها؟ فاكرة إنك ممكن تاخدي قرشين من وراه، مش كده؟ حدقت به، وبحركة سريعة قبضت على قميصه بقبضتها الصغيرة، متمتمة بغضب:
"لا مش كده، أنا عايزاه عشان عايزة يكونلي سند، مش عايزة أعيش لوحدي، مش عايزة أكبر وحيدة. ابني ده هيكمل حياتي الناقصة، مش حبًا فيك يا عدى. وولادك أنا مكنتش هأذيهم، بس كنت هعطلك عشان متجبرنيش أنزل ابني." ابتسمت شفتاه دون عينيه، وهمس بجانب أذنها بعدما أبعد يديها عنه: "وابنك ده هخليكي تتحسري عليه، مش هسمح يكونلي ولد من واحدة زيك يا زبالة. ومدام مرضتيش تنزليه بمزاجك، هنزله غصب عنك. وده هيكون عقابي ليكي."
ابتعد عنها قليلًا وخلع حزامه، فجحظت عيناها وهي تراقبه يخلع حزامه وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه. فازدرقت ريقها وتحركت سريعًا من أمامه، مهرولة باتجاه أحد الغرف تريد أن تغلق عليها وتحمي جنينها مما يريد فعله بها. وما كادت أن تغلق الباب من خلفها حتى وجدت يديه التي تدفع الباب تعيق إغلاقه، فظلت تحاول دفعه والإغلاق على نفسها، ولكنها لم تفلح بذلك. ولج إلى الغرفة وظل يقترب منها رويدًا رويدًا. فسالت الدموع الحارة من
عينيها كما لم تسل من قبل: "عدى، عدى، أنا مش عايزة منك حاجة، أنا عايزة ابني وبس، صدقني هبعد عنك وهخرج من حياتك ومش هتشوفني تاني، بس سبني أنا مش عايزة أخسره، أرجوك." لم يكترث لبكائها، فكل ما كان يراه خداعها، عشقها المزيف، حورية، واستغناءه عنها بتلك السهولة، أطفاله التي كاد أن يفقدهم.
فأمقها بنظرات خالية من الحياة، ورفع يديه التي تتمسك بحزامه، ونزل به على جسدها صفعة تلو الأخرى. لم يتوقف عما يفعله. صراخاتها، بكائها، نحيبها، وترجيها له بأن يتركها لم يشفع لها. دفع الحزام من يديه وبدأ بتسديد الضربات بقدميه.
أما هي، فقد خارت قواها بعد كل تلك الصرخات المستنجدة، ولكن لم ينجدها أحدهم من يديه. استسلمت لذلك الدوران الذي هاجمها عندما شعرت بسائل يسيل بين قدميها، فأغمضت عينيها بحسرة على فقدانها طفلها التي تيقنت من فقدانه. صدح رنين هاتفها، فنهضت من جوارهم وصعدت باتجاه غرفتها لتجيب على صديقتها التي أجابتها بنبرة باكية: "ألو؟ قطبت وجد جبينها وهتفت بقلق: "مالك يا وسام؟ بتعيطي ليه؟ أجابتها وسام من بين شهقاتها:
"مبيحبنيش يا وجد ومش عايز يديني فرصة. بتكلم قدامه بقوة وببجح معاه، بس كل ده من ورا قلبي يا وجد، أنا أول مرة أحس الإحساس ده، أنا بموت يا وجد. شايفني من غير كرامة؟ بس أنا بحبه و... قاطعتها وجد متمتمة: "مش فاهمة يعني إيه شايفك من غير كرامة، انتي عملتي إيه بالظبط؟ "قولتله إني بحبه وإني مش هستسلم وعايزاه يديني فرصة، حتى لو لسه بيحب إنجي. فقال لي: انتي إيه معندكيش كرامة؟
عارفة إني مكنش ينفع أقول كده، بس أنا بحبه يا وجد، بحبه أوي وقلبي بيتقطع، حاسة إني مش قادرة آخد نفسي. أعمل إيه يا وجد؟ صاحت بها وجد وهتفت باستنكار: "انتي مجنونة يا وسام! حد يعمل عملتك دي؟ الرجالة مبيحبوش الست اللي من غير كرامة، وعايزة رأي بقى، انسيه يا وسام وكفاية أوي لحد كده. حسام مش ليكي يا وسام." قاطعتها وسام ببكاء مرير: "مش هقدر يا وجد، أنا بحبه و... قاطعتها وجد بحدة: "في ستين داهية! ده حب يخليكي تتذلي بالشكل ده؟
مش عايز يحبك براحته، انتي مليون واحد يتمناكي يا وسام." مسحت وسام دموعها التي لا تتوقف وقالت: "انتي شايفة كده؟ تنهدت وجد وقالت: "أيوه." أماءت وسام برأسها وقالت: "ماشي يا وجد، بس أنا لازم أسافر، أنا مش هعرف هنا أكتر من كدة." ابتلعت وجد ريقها متمتمة: "هتسبيني يا وسام؟ "أنا آسفة يا وجد، بس أنا مش هقدر أقدر هنا، أنا خلاص تعبت، يارتني ما كنت حبيته." "ها يا عمي، قلت إيه؟ ينفع أخدهم يقعدوا معايا؟
قالتها حورية بترجٍ ولهفة للاستماع إلى إجابته بعدما صعد الجميع إلى غرفهم، تاركين إياها برفقة سلامة التي تريد أن تتحدث معه. فجاء صوت عدى من خلفها متمتمًا بحدة: "لا يا حورية، ولادي هيفضلوا هنا في بيت أبوهم. عايزاهم، يبقى انتي تيجي وترجعي تقعدي معاهم." التفتت حورية تنظر إليه بعدما ظهرت معالم خيبة الأمل على وجهها، فسلامة كان على وشك الاقتناع بحديثها. "أرجع إزاي يعني؟ أنت ناسي إننا اتطلقنا؟ أنا مينفعش أعيش هنا."
حرك كتفيه بلامبالاة ظاهرة، وهو يقترب منها وأعماقه تموج بالغضب: "مش صعبة، ممكن أرجعك من تاني وترجعي تعيشي مع ولادك." نهضت بعنف من مكانها، قائلة بتحدٍ: "بتحلم يا عدى، أنا مستحيل أرجعلك، أنت سامع؟ مستحيل. وبعدين أنا ما بطلبش حاجة مستحيلة أو صعبة، أنا كل اللي عايزاه ولادي يعيشوا في حضني ومش عايزة لا أكتر ولا أقل يا عدى بيه." كاد يجيبها، ولكن منعه سلامة عندما تحرك من مكانه:
"طيب، أنا هسيبكم تتكلموا وتتفاهموا، يمكن الأمور تتصلح ما بينكم وشملكم يتلم من تاني." أماء له عدى برأسه واقترب أكثر من حورية وعيناه معلقة بها. رفع يديه، ممسدًا على وجنتيها، مغمغمًا: "طلع معاكي حق يا حورية، أمير هو اللي زقها عليا." ابتسمت بتهكم وهي تبعد يديه عنها: "متلمسنيش، وبركة إنك عرفت، لحسن أنت كنت صعبان عليا أوي يا حرام." أمتعضت ملامحه وزفر بنفاذ صبر من سخريتها الواضحة وضوح الشمس:
"طب كفاية بقى تريقة، وزي الشاطرة ترجعي البيت هنا وتهتمي بالولاد، وأنا هردك من تاني." رمقته بذهول وصرخت به: "انت إيه مبتفهمش؟ أنا مش هرجعلك أنت خلاص يا عدى، كنت صفحة وقطعتها." رفع يديه ودلك مؤخرة عنقه بإرهاق، متمتمًا بتهكم وسخرية لاذعة: "طيب، أنا صفحة وقطعتيها، وبالنسبة لعمر الزغبي إيه ظروفه معاكي؟ ها؟ انتي فاكرة إني ممكن أسمحلك تتجوزي غيري وغيري يلمسك؟ انتي بتحلمي...
انتي بتاعتي ومحدش هياخدك مني. ولو فكرتي مجرد تفكير إنك تتجوزي راجل غيري، ولادك مش هتشوفيهم تاني أبدًا، هحرمك منهم يا حورية." ظلت تحدق به بصدمة، وسريعًا ما غمغمت بغضب: "انت إزاي بقيت كده؟ أنا إزاي كنت بحبك؟ أنت أناني أوي يا عدي. أنا بجد ندمانة إني حبيت واحد زيك. واطمن، أنا مستحيل أعمل حاجة تخليني أخسر ولادي. إنهت كلماتها الحادة وغادرت من أمامه، ودموعها تنهمر من وجنتيها نادمة على حبها له وسنواتها التي أهدرتها معه.
أما هو، فظهرت بسمة جانبية على وجهه وهمهم بوعيد: "هترجعيلى يا حورية، هترجعيلى ورجلك فوق رقبتك." بسيارة رائف. كانا عائدان إلى المنزل بعدما قضيا ليلتهما بمنزل فاتن. فصاح رائف، الذي كان يجلس خلف المقود: "لسه بتحبي باسم؟ رسمت ابتسامة ضعيفة تغطي ألم مبرح منبثق من أعماقها، والتفتت تنظر له: "مظنش إني لسه بحبه، بس برضو منكرش إنه بيجي كتير أوي في بالي. بس تعرف، باسم صعبان عليا." ردد كلماتها بدهشة وشعور غريب يعتريه:
"صعبان عليكي! حركت رأسها بنفي وتنهدت قائلة: -ولا غريبة ولا حاجة. باسم معملش حاجة عدلة في حياته يا رائف. ورغم إنه خد نصيبه إلا إنه مات موته بشعة أوي. وسريعًا ما رفعت عينيها تحدق به، محاولة تغيير ذلك الحديث الذي يذكرها بما حاولت نسيانه مرارًا وتكرارًا. -وانت لسه بتحب ياسمين؟ كز على أسنانه واشتعلت عيناه، قابضًا بقوة على المقود أمامه. -متجبليش سيرة البني آدمة دي قدامي. أنا مبحبش أسمع اسمها.
أومأت له بموافقة وهمهمت باعتذار. -أنا آسفة لو ضايقتك، بس أنا عايزة أطلب منك طلب يا رائف. رمقها بنظرة سريعة يحثها على استكمال حديثها، فأكملت بشراسة منافية لهدوئها منذ لحظات. -داغر ووجد يبعدوا عنهم، وإلا والله يا رائف لهيكون ليا تصرف مش هيعجبك. اتسعت ابتسامته رغمًا عنه وتمتم: -انتي بتتحولي يا بت. ما كنتي لسه كيوت وبتكلمي برقة، مرة واحدة قلبتي على الواد برعي. قطبت جبيتها وصاحت بغيظ: -مين برعي ده؟
صدحت ضحكاته وهمهم وهي تتأمل ابتسامته الرجولية. -ده واحد صاحبي معرفوش. زادت خفقاتها، فابتلعت ريقها واخفضت نظراتها عنه، ملتفتة تجاه النافذة. وما إن فعلت حتى ظل يرمقها بنظرات مختطفة لم تنتبه عليها، متناسية سؤالها الذي لم يجب عليه. *** أقترب منها محاوطًا وجهها بين يديه، فرفعت عينيها الشاردة. -ها، بتقول حاجة يا داغر؟ -سرحانة في إيه يا وجد؟
رفعت يديه ممسكة إياها بيديها، مقبلة إياها بحب، ونهضت من مكانها دالفة داخل أحضانه، مغمغة بنبرة يشوبها الحزن. -وسام يا داغر، وسام. -مالها وسام؟ أغمضت عينيها قائلة بضيق. -وسام بتحب حسام، وقالتله، بس هو رافض حبها يا داغر. لسه متعلق بإنجي، مش عايز يدي فرصة لوسام. فتحت عينيها وخرجت من حضنه متمتمة بحنق. -كلمتني من شوية وكانت منهارة. ابن عمك بارد ومعندوش دم وجرح البنت. زم شفتيه وقال بأسف. -هو ده اللي مزعلك؟ أومأت له مغمغمة.
-أيوه، وكمان وسام هتسافر تاني يا داغر. أنا مش هعرف أبقى في مكان وهي في مكان، هبقى قلقانة عليها. وسام هبلة ومش بتعرف تعمل حاجة لوحدها. -هي ملهاش حد؟ -ليها عمتها بس مب تسألش عليها بقالها كام سنة. وأهلها متوفين. وسام ملهاش غيري. إلتوى فمه بابتسامة وتنهد قائلًا، ويديه تتغلل بخصلاتها الحمراء. -هو ده بقى اللي مضايقك؟ يا ستي اعتبري الموضوع عندي، وفكي بقى كده. مبحبش أشوفك زعلانة.
اتسعت ابتسامتها تدريجيًا وتعلقَت برقبته، مغمغمة بسعادة تلوح بعينيها. -بجد يا داغر؟ ضمها داغر داخل أحضانه وهتف. -بجد يا قلب وعيون داغر. طبعت قبلة على وجنتيه متمتمة بتساؤل. -طب هتعمل إيه يعني؟ هتتصرف إزاي؟ داعب أنفها بأنفه مغمغم بمشاكسة. -ما قولتلك الموضوع عندي خلاص بقى.
تنهدت براحة ونظرت له، وسريعًا ما شعرت بالحرارة تتسلل لجسدها من نظراته ولمسة يديه على ظهرها، فابتلعت ريقها بصعوبة وكادت أن تخرج من أحضانه، فتمسك بها أكثر مقربًا إياها، هامسًا أمام شفتيها وحرارة أنفاسه تلفح بشرتها الناعمة. -أنا هسيبك تهربي بس بمزاجي يا وجد. وسريعًا ما ابتعد عنها محررًا إياها، مغمغمًا بأنفاس لاهثة أثر اقترابهم. -أنا نازل الشغل كام ساعة وراجع. في عربية هتتسلم ولازم أتم عليها.
أومأت له، فاقترب منها مقبلًا شفتيها بقبلة سريعة مغادرًا الغرفة. وعقب خروجه رفعت يديها على شفتيها تتحسس مكان قبلته وابتسامة واسعة ترتسم على وجهها. ***
فتحت عينيها بتثاقل، شاعرة بآلام تكتسح جسدها، انكمشت ملامحها وهي تتطلع بتلك الغرفة. وسريعًا ما تذكرت ما حدث معها، فرفعت يديها تلقائيًا وقامت بوضعها على بطنها، ودموعها تنهمر بلا توقف تناجي ربها بأن لا يكون قد أصاب ابنها شيئًا. لا تتذكر سوى ضربة وإهانته اللامتناهية لها، لا تعلم كيف أتت إلى هنا. ولج الطبيب إلى الغرفة وتمتم. -حمدلله على السلامة. ظلت دموعها تنهمر، فهتفت من بين دموعها. -ابني يا دكتور، أنا حامل.
حرك الطبيب رأسه بأسف وهمهم. -أنا آسف، بس انتي جيتي متأخر ومقدرناش نعمله حاجة. أزدادت شهقاتها وظلت تبكي بصوت عالٍ وقلبها يتمزق لموت جنينها الذي لم يرَ الشمس.
فدلف بواب البناية التي تقطن بها، والذي فتح باب المنزل بذلك المفتاح الاحتياطي التي تركته له عقب مغادرة عدى، والذي كانت ملامحه لا تبشر بالخير. قلق البواب عليها وصعد باتجاه منزلها، فوجد جارتها بالمنزل المجاور لها تدق الباب، ففتح الباب. وما إن دلف المنزل وبحث عنها بعينيه، فوجدها تتسطح على الأرضية والدماء على وجهها وعلى الأرضية. فاقترب منها وقام بحملها ونقلها إلى أقرب مستشفى لينقذ ما يمكن إنقاذه.
-مالها يا دكتور بتصوت كده ليه؟ أجابه الطبيب وهو يعطيها حقنة مهدئة بمساعدة الممرضة التي تحاول تثبيتها، فاقترب البواب وساعدهم بذلك، وبالفعل تم حقنها بالمهدئ. فهتف الطبيب. -جالها انهيار عصبي لما عرفت إنها فقدت ابنها. *** بعد مرور يومين. بمكتب عدى. كانت هديل تحاوط عنقه مغمغمة بحب مزيف. -هتيجي بليل نسهر سوا. أجابها وهو يقربها من جسده أكثر وأكثر. -أكيد، ده إحنا هنسهر وهنرقص وهنعمل كل اللي يجي في بالك.
صدحت صوت ضحكاتها، فأقترب منها مقبلًا شفتيها بنهم ويديه تتغلل بخصلاتها. قاطعه صوت رنين هاتفه، فأبتعد عنها على مضض متأففًا، فرفعت يديها تهندم خصلاتها وملابسها مغمغمة. -رد على تليفونك، وهستناك بليل. أنهت كلماتها بغمزة من عينيها، فتنهد عدى بحرارة واقترب من هاتفه وأجاب عليه وهو يجلس خلف مكتبه. -الو. -عدى. اسودت عيناه وهو يستمع لصوتها، فغمغم بغيظ. -مي. ابتسمت مي متمتمة وهي تنظر بمرآة سيارتها.
-أها، مي اللي انت موت ابنها يا عدى. بس وحياة ابني اللي حرمتني منه، لهحرق قلبك وهخليك تتحسر. كز على أسنانه واشتعلت عيناه بنيران جحيمية متمتم. -انتي بتهدديني أنا؟ فكرك إنك هتعرفي تعملي حاجة. ابتسمت بصخب، فقبض جبينه من ابتسامتها الصاخبة، وقالت من بين ضحكتها: -أنا مش بهدد، أنا نفذت يا عدي. ابنك معايا دلوقتي وأنا وهو هنسافر، وهيفضل معايا وهعتبره تعويض عن ابني، بس مش عايزة حد يقلق. ابنك هيبقى في الحفظ والصون.
نهض عن مكتبه بعنف وقال بعد تصديق وهو يمسح على وجهه: -إنتي بتقولي إيه؟ ابني معاكي؟ بيعمل إيه؟ تنهدت وأجابته الشامته: -واحدة من الخدم اللي عندكم دفعت لها مبلغ خلاها استغنت عن خدماتكم، وجبت لي واحد من عيالك معاها. شفت بقى آخرة عمايلك إيه؟ كان هيجرى إيه لو سبت لي ابني؟ أديني خدت زين ابن حورية، مبسوط إنت كده؟ ظل يأتِ ذهابًا وإيابًا، والقلق ينهش قلبه، فمن الواضح أن مي ليست بطبيعتها. فتمتم: -مي، مي، ابني لو مرجعش هـ...
قاطعته بتهكم والدموع تفيض من عيناها: -هتعمل إيه؟ إنت فاكر إني ممكن أأذيه؟ أنا مستحيل أعمل كدة، أنا عايزاه معايا أنا بس، هحرمك منه يا عدي. انقطع صوتها. فنظر عدي في الهاتف وظل يهتف باسمها، فاستمع لصوت صرخاتها وارتطام قوي عقبه صوت انفجار شديد. جحظت عيناه وصرخ باسم ابنه، وخرج مهرولًا من مكتبه ودموعه تنهمر من عينيه. لا يصدق ما حدث للتو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!