الفصل 4 | من 47 فصل

رواية طغيان قلب الفصل الرابع 4 - بقلم فاطمة محمد

المشاهدات
19
كلمة
4,583
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

هبطت الطائرة وخرجا كل من "وجد" و"وسام" من المطار. وما إن خرجا حتى وجدا من يقترب منهما، وكان رجلًا كبيرًا في السن وتخطى عمره الخمسين عامًا. فابتسم لهما واقفًا أمامهما قائلًا بابتسامة مزيفة لم تصل لعينيه: -آنسة وجد، أنا باعتني مجدي بيه عشان أوصلك مكان ما أنتِ عايزة وموصيني عليكي. تنهدت "وجد" ونظرت تجاه وسام التي رفعت حاجبيها لها بإعجاب ومطت شفتيها قائلة: -جنتل أوي مجدي بيه ده.

لكزتها وجد في ذراعيها ونظرت تجاه السائق وأومأت له متحركة معه هي و"وسام" بعدما حمل حقائبهما بدلًا عنهما. فأنحنت "وسام" قليلًا هامسة لها: -أنا عايزة أفهم الراجل ده عرف منين إننا راجعين، وعايزة أفهم ده ميتحبش إزاي يا شيخة حرام عليكي. جزت "وجد" على أسنانها وصاحت بغيظ: -يا شيخة حرام عليكي، أنتِ أرحميني يا وسام، أكلتي دماغي. زمت "وسام" شفتيها بانزعاج وقالت:

-أعمل إيه يعني يا وجد، ما أنتِ عارفة إني مبعرفش أقعد ساكتة، فسبيني بقى، وبعدين بطلي كآبة بقى، أما إنك بت نكدية صحيح، ده الرجالة معاهم حق يقولوا علينا نكدين. التفتت "وجد" إليها بحركة مفاجئة ممسكة إياها من مرفقيها قائلة من بين أسنانها: -اسكتي اسكتي، وإلا والله لهديكِ بظهر إيدي على وشك. رفعت "وسام" يديها ووضعتها على فمها بخوف مصطنع قائلة بخفوت: -آسفين يا صلاح.

لاحت شبح ابتسامة بسيطة على وجه "وجد"، ولكن سرعان ما أخفتها وقالت بجدية مصطنعة وهي تتحرك أمامها: -يلا، الراجل مستني في العربية. وما إن تحركت حتى قالت "وسام" بطريقة مسرحية مقلدة إياها بضيق: -اسكتي اسكتي، وإلا والله هديكِ بظهر إيدي، نننيي بت كئيبة أوي بجد. بالسيارة. كانوا يجلسون بالخلف وعين كل منهم متعلقة بالطريق والشوارع المزدحمة، فكم اشتاقوا لتلك الازدحام وذلك الجو.

أغمضت وجد عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، ورغم عنها وجدت نفسها تتذكر ذلك الموقف الذي حدث بينها وبين داغر بمنزلهم لأول مرة بمنزله، ووقتها رأت سعاد ذلك التقارب، وما حدث ليعاد أمامها مرة أخرى، فكم تشتاق إليه رغم ما تظهره من برود وجمود، ولكنها بالنهاية عاشقة وتشتاق لمن سلب قلبها وعقلها، فهو من تغلغل بداخلها رويدًا رويدًا دون أن تشعر، فأصبحت تتنفسه، تحتفظ بصورته بمحفظتها، وكلما اشتاقت إليه تخرج تلك الصورة وتفيض عينيها بالدموع كلما تذكرت خذلانه لها وتركه لها وحيدة دون سند.

خرجت من شرودها ذلك على صوت "وسام" التي تحركها برفق، فنظرت إليها بعيون شاردة متسائلة دون أن تهتف بحرف واحد، فقالت "وسام" وهي تشير تجاه السائق: -السواق بيقولك مجدي بيه عايز يكلمك. أزدرقت "وجد" ريقها وتناولت ذلك الهاتف الذي كان بيد السائق موجهًا إياه باتجاهها، فانتشلت الهاتف من يديه بهدوء ووضعت الهاتف على أذنيها ليصلها صوت مجدي الذي لا يزال حتى الآن حنونًا دافئًا. -وجد، حمدالله على السلامة. لاحت

ابتسامة على شفتيها وتمتمت: -الله يسلمك يا مجدي، بس ممكن أعرف عرفت منين إني نازلة مصر. -أنا أعرف عنك كل حاجة يا وجد، سبق وقولتهالك وهقولهالك تاني، أنا جمبك وفي ضهرك، وطول ما أنا فيا نفس هفضل أحميكي. سعدت كثيرًا بحديثه ذلك وبدون إرادتها اتسعت ابتسامتها تدريجيًا، فانتبهت لتلك القاطنة بجوارها والتي تقترب بأذنيها من الهاتف تريد أن تستمع إلى حديثه الذي جعل صديقتها تبتسم تلك الابتسامة الواسعة.

حركت "وجد" الهاتف من على أذنيها وقالت بسخرية لاذعة ونبرة خافتة هامسة: -إيه يا وسام، ما تاخدي تكلميه أنتِ. -أووف بجد عليكي. نظرت لها "وجد" باستنكار ووضعت الهاتف مرة أخرى على أذنيها وقالت: -أنا بصراحة مش عارفة أقولك إيه، بس أنت عملت معايا كتير أوي، أنا مش عارفة أقولك إيه وأردلك اللي بتعمله معايا ده إزاي. قاطعها مجدي الذي كان مغمض عينيه يستمع لصوتها الهادئ:

-متقوليش حاجة يا وجد، أنا بس حبيت أقولك حمدالله على السلامة، وبصراحة أنا حابب أشوفك قبل ما تسافري تاني، ينفع؟ تنهدت وجد وقالت بإيماءة: -أكيد ينفع طبعًا. ولج "عدي" إلى غرفة مكتبه، وما إن دلف وكاد أن يجلس خلف مكتبه حتى وجد والده يدلف خلفه وإمارات الغضب بادية على وجهه، فقلب "عدي" عينيه بملل وقال بضيق: -بابا لو اتكلم في موضوع إني اتأخرت، فقولتلك إني غصب عني.

اقترب "سلامة" من المكتب ووقف أمامه وخبط بيديه على سطح المكتب صارخًا عليه: -اللي بتعمله اسمه استهتار يا أستاذ عدي، أنت عارف كويس أوي إننا في وقت حساس وعايزين نكبر الشركة أكتر وأكتر وكل الناس تتكلم عن عيلة الهلالي، بس باللي أنت بتعمله ده أحنا... ما لبث يكمل حتى قاطعه "عدي" قائلًا بغضب:

-أنت عارف كويس إني بلعب، وإني تعبت معاك ومع عمامي عشان نكبر شغلنا، يعني أنا أكتر واحد خايف على اسم العيلة، وافتكر كويس يا بابا إني معملتش زي داغر ورائف وحسام. رفع "سلامة" سبابته أمام "عدي" مغمغم بنبرة تحذير: -آخر مرة يا عدي، آخر مرة يبقى في اجتماع مهم زي ده وتتأخر كده، أنت سامع؟ عض على أسنانه وتحرك من خلف مكتبه متمتمًا بزهق وضيق: -لا بقى، أنا مش عارف ألاقيها منين ولا منين، ما هو مش هيبقى قرف في البيت وفي الشغل.

تحرك باتجاه الباب مغادرًا المكتب تحت نظرات "سلامة" التي تتابعه وحاول اللحاق به وهو يتمتم: -أنت رايح فين يا زفت أنت، أنت يا زفت. لم يجبه "عدي" وغادر الشركة متوجهًا ناحية سيارته، مستقلًا إياها مغادرًا بسرعة عالية. وبعد مرور بعض الوقت. وصل أمام إحدى البنايات وترجل من سيارته مغلقًا الباب بعنف متجهًا لداخل تلك البناية. وما إن رآه البواب حتى نهض من مكانه مرحبًا به، فتجاهله "عدي" وصعد بالمصعد.

خرج من المصعد وتحرك باتجاه ذلك المنزل فطرق الباب وبعد لحظات فتح الباب لتظهر منه تلك الفتاة الفاتنة التي اتسعت ابتسامتها لرؤيته أمامها وصاح بسعادة وهي ترتمي داخل أحضانه: -حبيبي وحشتني. اتسعت ابتسامته وبادلها عناقها ذلك وهو يتمتم: -وأنتي كمان. فخرجت من أحضانه وهي تجذبه من يديه لداخل المنزل، فاغلق "عدي" الباب بقدميه، فقالت بتساؤل: -صحيح، أنت مفتحتش بالمفتاح ليه؟ تنهد بضيق وارتمى داخل أحضانها وهو يقول بإرهاق:

-أنا تعبان أوي يا مي، ومخنوق. زادت من عناقها له وتمتمت بقلق: -مالك يا عدي؟ إيه اللي خنقك؟ خرج من أحضانه وحاوط وجهها بين يديه وقال بعشق: -أنا خلاص مبقتش مستحمل تبقى بعيدة عن حضني، أنا عايزك معايا علطول يا مي، عايز الناس كلها تعرف إنك مراتي، عايزك تيجي تعيشي معايا في بيت العيلة. ابتلعت تلك الغصة المريرة وقالت: -وحورية يا عدي؟ تأفف واغمض عينيه وجذبها مرة أخرى يستنشق رائحة خصلاتها التي أصبح لها عاشقًا أو هكذا يظن.

-حورية أم ابني وبس يا مي، لكن أنتِ حبيبتي. ثم اقترب منها يريد أن يشبع اشتياقه لها. وصلت "وجد" و"وسام" ذلك البيت الذي سيقيمان فيه حتى نهاية تلك الإجازة، وما إن فتحت وجد باب المنزل حتى تحركت "وسام" سريعًا داخل المنزل، فحركت "وجد" رأسها بيأس من تلك الحركات الطفولية التي لا تكف عنها، فنظرت تجاه السائق الذي وضع حقيبتهما داخل المنزل، فابتسمت له وقامت بشكره، فغادر سريعًا، فاغلقت وجد باب المنزل.

فخرجت "وسام" من إحدى الغرف وهي تصيح بصوت عالٍ: -شوفي بقى الأوضة الحلوة دي هتبقى بتاعتي تمام. -خدي اللي تعجبك يا وسام. ابتسمت "وسام" واقتربت منها وقامت بتقبيلها على وجنتيها وهتفت بلهفة: -يلا بقى يا حلوة، ادخلي عشان ننام ساعتين ونصحى بليل نخرج ونتفسح. أماءت لها وجد وقالت بتساؤل: -وأنتي هتنامي ولا؟ قاطعتها "وسام" وقالت بمرح: -ولا طبعًا، أنا مش بتاعة نوم يا حبيبتي، أنا هفضّي شنطتي.

-عارفة يا وسام لو عملتي دوشة هعمل فيكي إيه. أشارت "وسام" على نفسها وقالت بذهول: -أنا أعمل دوشة؟ عيب عليكي. -أنا بس بحذرك عشان مترجعيش تعيطي. حركت "وسام" كتفيها بدلال مصطنع وقالت: -متقلقيش، أنا داخلة أوضتي أهو ومش هتسمعي حسّي، أنتِ بقى اتفضلي نامي عشان نعرف نخرج بليل.

دَلفت "وجد" الغرفة الثانية وأبدلت ثيابها بأخرى مريحة واتجهت ناحية حقيبتها وأخرجت تلك الصورة الصغيرة التي أخذتها من منزله أثناء فترة خطوبتهم دون أن يدري أحد، فاتجهت للفراش وجلست عليه وهي تطل على صورته وعينيها تلمع ببريق من الحزن الممزوج باشتياق جارف، فاغمضت عينيها واحتضنت صورته بحب، وبعدما وضعتها أسفل وسادتها وسرعان ما ذهبت بسبات عميق. أما بالجهة الأخرى.

دلفت "وسام" الغرفة وأفرغت حقيبتها ولم يتبقى إلا تلك الصورة لتتسع ابتسامتها تتذكر كيف وقعت بعشقه وأصبحت قلبها أسيرًا له بعدما أصبحت أقرب صديقة لوجد بعدما تعرفت عليها بجامعتها ودرسوا سويًا واستقرت وجد معها بنفس المنزل بعدما شعرت براحة كبيرة تجاهها تاركة المنزل الذي استأجره مجدي لها. فلاش باك......

ولجت إلى المنزل بعدما عادت من جامعتها وظلت تنادي على "وجد" ولكنها لم تجيبها، فدَلفت غرفتها فوجدت الإضاءة مشتعلة وصوت الماء قادم من المرحاض، وما كادت أن تخرج حتى انتبهت لذلك اللاب الخاص بوجود مفتوحًا، فاقتربت من الفراش وقامت بفتحه شاعرة بفضول كبير يتآكلها، وما إن فتحتها حتى وجدت تلك الصورة التي تجمع العديد من الأشخاص، فقبّت جبينها بدهشة وظلت تتطلع بكل منهم حتى وقعت عينيها على ذلك الشاب التي شعرت بوسامته الطاغية ووقعت في غرامة بعد رؤيتها لصورته تلك.

خرجت وجد من المرحاض فوجدتها بذلك الوضع، فاقتربت منها وهي تنهرها صارخة بها بانزعاج: -إيه يا وسام ده؟ هو إيه؟ نعيش خصوصية ولا إيه؟ نهضت "وسام" بفزع من مكانها وهي لا تجد سببًا لصراخها ذلك. -في إيه يا وجد؟ إيه اللي حصل عشان تزعقي كده؟ أنا... أغلقت وجد اللاب وقالت بحدة: -أي حاجة تخصني ملكيش دعوة بيها، أنا مبحبش الأسلوب ده ولو اتكررت تاني يا وسام أنا هسيبلك البيت، أنتِ سامعة؟ حزنت "وسام" كثيرًا من صراخها المبالغ به وقالت

بحزن وهي تغادر الغرفة: -أنا آسفة يا وجد، عن إذنكم. ما إن خرجت "وسام" وهدأت "وجد" قليلًا حتى أدركت بأنها لم يكن عليها معاملتها بتلك الطريقة، فخرجت من الغرفة واتجهت لغرفة "وسام" دون أن تطرق الباب. فوجدتها تبكي وما إن رأتها حتى رفعت يديها مزيلة تلك الدموع بأكمامها مثل الأطفال قائلة بنبرة متذمرة طفولية: -أنتِ إيه اللي جايبك أوضتي؟ اطلعي بره، مبحبش حد يدخل أوضتي من غير ما يستأذن، اتفضلي اطلعي بره. حركت

وجد كتفيها وقالت برفض: -مش هطلع، وبعدين أنا جاية أصالِحك. نظرت لها "وسام" بعيون حمراء تلمع بالحزن: -وتصالحيني ليه؟ أنتِ مغلطيش، أنا اللي غلطت لما افتكرتك صاحبتي وبقيتي مهمة عندي وأنا بالنسبة لك ولا حاجة. اقتربت منها "وجد" وقامت باحتضانها تحت تذمر "وسام": -خلاص بقى يا وسام، ميتبقاش قلبك أسود كده. ابتعدت عنها "وسام" وقالت: -ولا أبيض ولا أسود، وابعدي عني بقى عشان أنا بجد زعلانة منك. تنهدت وجد وقالت بصدق:

-وأنا ميهنش عليا زعلك يا وسام، وبعدين سامحيني بقى، ما أنتِ عارفة إني دبش ولساني طويل. قالت وسام بسخرية: -ده مش طويل وبس، ده عايز قصة كمان. -ما خلاص بقى يا كلب البحر أنتِ، وبعدين مش عايزة تعرفي مين اللي أنا حاطة صورتهم دول؟ ابتلعت "وسام" ريقها وقالت وهي تقترب منها متذكرة ذلك الشاب الوسيم الذي جعل خفقاتها تزداد متمنية أن تراه وتقترب منه: -لا، عايزة أعرف طبعًا، قوللي. ابتسمت "وجد" على صديقتها واحتضنتها بسعادة وقالت:

-هجيب اللاب وهاجي عشان أوريكي واحد واحد. أماءت لها "وسام" فتحركت وجد وجلبت اللاب الخاص بها وجلست بجوارها وقامت بوضعه على قدميها ورفعت يديها تشير على كل من والداها وداغر تقص لها ما حدث معها، فكانت وسام تستمع إليها بتركيز وعينيها تتسع لما حدث مع صديقتها. فلمعت الدموع بعينيها واحتضنتها بحب قائلة: -كل ده حصل معاكي يا وجد، وميهنش عليكي تقوليلي؟ هو أنا مش صاحبتك ولا إيه؟ دي مكنتش عشرة ٦ شهور يا شيخة.

اتسعت ابتسامة "وجد"، فحتى بذلك الوقت لا تستطع الكف عن المزاح فقالت: -مكنتش حابة أزعلك لأني مبحبش أصعب على حد يا وسام، المهم خليني أكملك العيلة العزيزة، أنتِ كده عرفتي ده محمود واللي المفروض أبويا، وعرفتك على داغر وإسلام أخويا. ابتلعت "وسام" ريقها تنتظر على أحر من الجمر أن يأتي الدور على ذلك الذي سلبها تركيزها تريد أن تعرف من هذا، مما حكت عنهم وجد، فقاطعت وجد وقالت بلا مبالاة: -ومين ده فيهم؟ تنهدت وجد وقالت:

-ده يا ستي حسام، أجدع واحد في عيلة الهلالي. شعرت بحزن شديد عندما علمت بهويته، إذا فهذا من ماتت معشوقته، فقلبه ملكًا لأخرى وليست لها مكان بحياته وليس لديها فرصة. قاطعتها وجد وقالت: -أنا هقوم أذاكر شوية بقى، متيجي تذاكري معايا. حركت رأسها بنفي وقالت بهدوء: -لا، مش عايزة، روحي أنتِ، أنا هنام شوية.

أماءت لها "وجد" وخرجت من الغرفة، وما إن خرجت حتى تناولت "وسام" هاتفها وبحثت عن اسمه، جلبة لها بعض الصور الخاصة بها، وظلت كل ليلة تتطلع بصوره تتعلق به كل يوم أكثر من سابقه، فتطور معها الأمر وطبعت له إحدى الصور وأصبحت تحلم بذلك اليوم الذي تنزل به إلى القاهرة مرة أخرى تريد أن تراه تتحدث معه، يقع بعشقها ويغرم بها مثلما أصبحت هي عاشقة له. باك.

احتضنت الصورة والابتسامة على وجهها رافعة يديها ممسدة على ملامحه التي أصبحت تعرفها وتضمها. وصل "داغر" و"رائف" أمام مرسم "حسام" والذي سيفتتح ليلة غد. وما إن دلفوا حتى وجدوه جالسًا أمام إحدى اللوحات التي يطغى عليها اللون الأبيض والفرشاة بيديه ينهي تلك الرسمة الأخيرة واضعًا لمساته الأخيرة. اقتربوا منه بعدما رمقهم بنظرة جانبية قائلًا بحدة وهو يكمل تدقيقه بتلك اللوحة: -نعم!!!

تبادل كل من "داغر" و"رائف" النظرات السريعة، فارتسمت ابتسامة على وجه داغر ورفع يديه مربتًا على كتفيهم قائلًا بابتسامة: -أنا ورائف خلصنا شغل وقولنا نعدي عليك نشوفك، وأهو نروح سوا، أنت لسه مخلصتش ولا إيه؟ ترك "حسام" الفرشاة من يده ونهض من مكانه بعدما أخذ نفسًا عميقًا: -لا، خلصت، هدخل أغسل إيدي وجاي معاكم. ابتسم رائف وقال: -طب إيه رأيكم نتعشى سوا النهاردة ونكلم عدي وإسلام عشان يتعشوا معانا. وما كاد أن يوافق "داغر"

حتى هتف حسام برفض: -لا، أنا مليش مزاج وعايز أروح أنام عشان عايز أصحى بدري بكرة. كاد أن يعترض "رائف" فمنعه "داغر" بإشارة من عينيه قائلًا: -خلاص اللي تشوفه، يلا اغسل إيدك عشان نتحرك على البيت. وبهذا المنزل الذي نذهب إليه للمرة الأولى. نجد "فاتن" و"إسلام" الذي أصبح في عمر العشرين عامًا جالسين أمام التلفاز يتابعان أحد أفلام الأكشن. وكانت "فاتن" ترمقه بضيق شديد وجزت على أسنانها ونهضت من مكانها مغلقة تلك الشاشة.

فصاح "إسلام" بانزعاج واضح: -ليه كده بس يا ماما؟ اقتربت منه مرة أخرى وجلست بجواره قائلة بحدة: -أنت لحد امتى هتفضل غبي يا إسلام؟ أنا عايزة أعرف أنت بتعمل إيه هنا، أنت ليه مش عايز تسمع كلامي؟ أنا عايزة مصلحتك، كل العز والنغنغة اللي هما فيها دلوقتي بفلوس ابني اللي قتلوه بدم بارد وفلوس أخوك، يعني كل ده المفروض يبقى ليك لوحدك، بس حضرتك طالع غبي سيب لهم الجمل بما حمل وقاعد معايا هنا. تشنجت عضلات وجه "إسلام" قال بغضب طفيف:

-أومال أعمل إيه يعني؟ أسيبك تقعدي لوحدك؟ لو هو ده اللي أنتِ عايزاه فمش هيحصل يا ماما، أنا مش هسيبك قاعدة لوحدك، أنتِ مليكيش غيري، وبعدين فلوس باسم اللي بتتكلمي فيها فلوس من الأول، ومتنسيش إن اللي بتتكلمي عليهم دول عيلتي، وأي إساءة في حقهم تبقى بتسيء ليا، وكفاية أوي الحالة اللي فيها آلاء بسبب اللي حصل. نهضت "فاتن" بعنف وقالت بغضب وصياح: -الحالة اللي آلاء فيها هو ده اللي أنت بتفكر فيه يا إسلام؟

طب وبالنسبة أخوك اللي اتقتل وهو لسه في عز شبابه ها، وابنه اللي مات قبل ما يشوف الدنيا؟ تأفف "إسلام" وقال بنفاذ صبر: -ماما الكلام ده خلاص مبقاش ليه فايدة، الموضوع عدى عليه سنين، وبعدين باسم مكنش ملاك خالص، بالعكس، وياريت متفكرنيش عشان كل ما بفتكر دمّي بيتحرق. صاحت بدهشة مرددة كلماته الأخيرة: -دمّك بيتحرق؟ طب وأنا... أنا أعمل إيه؟ ده أنا ناري لحد دلوقتي مهديتش من اللي حصل. زفر "إسلام" ونهض من مكانه وهو يقول:

-ماما كفاية، أنا بجد زهقت خلاص، أنا داخل أنام، تصبحي على خير. فتح "عدي" باب غرفته ودلف لداخلها فوجدها فارغة، فارتسمت ابتسامة سخرية على وجهه وبداخله نيران، فرفع يديه وما كاد أن يبدأ بتغيير ملابسه حتى سمع رنين هاتفه فأخرجه وسريعًا ما اتسعت ابتسامته مجيبًا إياها. -تصدقي إنك وحشتيني الشوية دول. صدحت صوت ضحكاتها الرنانة بالمنزل وقالت بحب: -وأنت كمان وحشتني جدًا، طمني روحت ولا لسه؟ تنهد وقال وهو يتجه ناحية الفراش ليجلس:

-لسه واصل أهو، ويدوبك كنت لسه هغير لقيتك بتتصلي. -حلو أوي، قوم بقى غير واتعشى حلو، واعمل حسابك المرة الجاية مش هتمشي غير لما تتعشى معايا الأول وتعرفني قبليها إنك هتأكل معايا عشان أكون مجهزة الأكل اللي بتحبه. -اتفقنا جدًا يا قلب عدي، خلي بالك من نفسك، والصبح هكلمك وأنا نازل، وطبعًا هعدي عليكي، أنا يومي مبقاش يعدي غير لما لازم أشوفك. اتسعت ابتسامتها وازدادت خفقاتها وقالت بحب دفين:

-وأنا كمان يا عدي، يومي مبيعديش غير لما بشوفك. ابتسم عدى وكاد يجيبها حتى وجد "حورية" تدلف الغرفة وعينيها معلقة عليه ولا ترمش لها جفن، فقال باقتضاب وابتسامته قد زالت تدريجيًا: -تمام، أنا هقفل دلوقتي، سلام. تنهدت "مى" بضيق وقالت: -سلام يا عدي. أغلق "عدي" معها، فرفع عينيه ورمق "حورية" الواقفة أمامه وقال وهو ينهض قاطعًا المسافة بينهما واضعًا يديه بجيب بنطاله: -مالك بتبصيلي كده ليه؟

عقدت "حورية" ذراعيها أمام صدرها وقالت بهدوء بعدما تسلل الشك إلى قلبها: -كنت بتكلم مين يا عدي؟ رفع حاجبيه بسخرية وقال: -واو، حورية هانم مهتمة وبتسأل بكلم مين ومبكلمش مين؟ صرخت به حورية باندفاع وقالت بنفاذ صبر: -متغيرش الموضوع يا عدي وقولي كنت بتكلم مين وكنت فين كل ده؟ عمي سأل عنك أول ما جه وأنا قلتله إنك لسه مجتش، وعرف منه إنك خرجت من بدري ومكملتش شغلك في البيت، ممكن أعرف بقى كنت فين؟

اقترب بوجهه منها لتلامس أنفاسه بشرتها وهمس أمام وجهها بنبرة أثارت استفزازها وغضبها في آن واحد: -كنت مطرح ما كنت، أنا حر يا هانم، أنا الراجل وأعمل اللي أنا عايزه، وإياكي يا حورية، إياكي تعلي صوتك عليا بالطريقة دي تاني، أنا لو كنت سكت لك زمان فمش هسكت دلوقتي، أنتِ سامعة يا حلوة. أنهى كلماته وهو يرفع يديه مداعبًا خديها البارزين. فرفعت يديها وقامت بدفعه بغضب بقبضتها الصغيرة. غضب من فعلتها وضغط على شفتيه بغيظ فقالت هي و

بداخله نيران تضرم بقلبها: -بتخونيني يا عدي، مش كده؟ اتكلم، قول الحقيقة، قول إن في واحدة تانية في حياتك، قول إنك مبقتش تحبني، قول إنك كنت بتحبني عشان شكلي ولما وزني زاد بطلت تحبني، قول إنك عمرك ما حبيتي. صرخ بها مؤيدًا كلماتها لتنزل كالصاعقة عليها: -أيوه يا حورية، كل اللي قولتيه مضبوط، كله، هتعملي إيه بقى؟ قال تلك الأخيرة بتحدي مكملًا حديثه غير مبالٍ بصدمتها: -ها، ردي عليا، هتعملي إيه؟

لزمت الصمت تطلع عليه بصدمة لم تنتظر منه تلك الإجابة، كانت تنتظر أن ينفي كل كلمة وكل حرف هتفت به، ينفي خيانته ويؤكد لها حبه، ولكن لم يفعل، بل أكد حديثها، أكد شكوكها، كانت تنتظره أن يضمها إلى أحضانه يطمئنها بأنه جانبها ويحبها ولن يتركها، ولكن صدمها. -ها يا حورية، هتعملي إيه؟ هتلمي هدومك وهتمشي؟

امشي بس، ولادي هيفضلوا هنا، عايزة تمشي أمشي، لوحدك، متفكريش تاخدي ولادي معاكي عشان هما مش هيتحركوا من بيت أبوهم، عايزة أنتِ ترجعي الحارة لأمك وأختك، ارجعي، أنا مش همسك فيكي. هبطت دموعها رغمًا عنها، فأزدرق "عدي" ريقه وهو يتساءل عما إذا كان قد قسى عليها، ولكن عليها أن تعلم بما يحدث وأن تعلم بأن قلبه لم يصبح ملكًا لها بل أصبح ملكًا لمعشوقته وزوجته الأخرى والتي لم تكن سوى "مى".

لم يتحمل دموعها التي تفيض أمامه بصمت، فتحرك من أمامها مغادرًا الغرفة تاركًا إياها بصدمتها نادمة على حبها وقلبها لذلك الذي لا يستحق، غير مدركين بأن ذلك الهدوء هو هدوء ما قبل العاصفة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...