الفصل 6 | من 47 فصل

رواية طغيان قلب الفصل السادس 6 - بقلم فاطمة محمد

المشاهدات
19
كلمة
4,443
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

التفت "حسام" عاقدًا حاجبيه قائلًا بدهشة: -يعني إيه اختفت؟ هتكون راحت فين يعني؟ حرك "رائف" كتفيه مغمغمًا: -مش عارف، أنا آخر مرة سبتهم في المستشفى، أكتر من كده معرفش. كل هذا تحت نظرات "وجد" التي تتبعهما وتتبع حديثهما، حتى تهرب من تلك النظرات التي تلاحقها. فصاح "حسام" وهو يزفر بضيق: -طيب يلا اتحركوا، أنا مش هعرف آجي معاكم.

أومأ له "رائف" ورمق "داغر" المنشغل بتلك الواقفة أمامه، والذي لم يستطع أبعاد نظراته عنها، وكيف يبعد ويمنع عينيه عنها؟ ألا تعلم كم يشتاق إليها؟ فالتفت "إسلام" تجاهها، رامقًا إياها بتأثر ممزوج باشتياق، وبحركة غير متوقعة اقترب منها ضاممًا إياها داخل أحضانه. ضم "داغر" قبضته، ورفع يديه جاذبًا خصلاته بعنفوان. فكم يشتاق ويتمنى أن يضمها لأحضانه وألا يخرجها أبدًا. فغمغم "إسلام" بهمس:

-وحشتيني يا وجد، ومبسوط عشان رجعتي. متتصوريش وحشتيني إزاي. ظلت جامدة بين أحضانه، وعيناها تطلع بداغر الذي تقابلت عيناهما بنظرة طويلة، نظرة اختلطت بالعديد من المشاعر، سواء كانت ندم، اشتياق، ترجّي، غضب، أو عشق جارف مزق قلوبهم تمزيقًا. ابتعدت "وجد" عن أحضانه مخفضة نظراتها عنه، زافرة بضيق. فقال "رائف" بانزعاج: -إيه يا شباب؟ هنفضل واقفين كده كتير؟ مش يلا ولا إيه؟ فصاح "داغر" وعيناه تائهة، لامعة ببريق مشاعره التي

سيطرت عليه بتلك اللحظة: -إسلام، روح مع رائف. رفع "حسام" حاجبيه وقال: -وانت؟ -أنا هتكلم مع وجد. تشنجت عضلات وجهها واقتربت منه قائلة بتحدٍ وإصرار، جعل ابتسامة بسيطة تلوح على وجهه: -وأنا مش عايزة أتكلم معاك. وسريعًا ما التفتت تجاه "حسام" الذي يرمقها بكره، قائلة: -وانت، أنا مكنتش أعرف إنه المعرض بتاعك، لو كنت أعرف مكنتش عتبته. فقال "رائف" بنفاذ صبر: -إسلام، يلا بينا.

تردد "إسلام" كثيرًا، لا يريد أن يغادر خوفًا من ألا يراها مرة أخرى. فنظر تجاه "داغر" الذي أومأ له برأسه بحركة بسيطة. فتنهد طويلًا وقال باستسلام: -يلا بينا. وسريعًا ما تحرك "إسلام" برفقة "رائف" مغادرين المرسم، متجهين ناحية المنزل. أما "وسام" فكانت تراقب ما يحدث بتوتر وقلق شديد. وعقب مغادرة "إسلام" و"رائف" أقتربت بخطى هادئة من كلا من "وجد" و"داغر" و"حسام".

وما إن اقتربت وكادت أن تتحدث حتى رمقتها وجد بغضب جحيمي، جعل الخوف يدب بقلبها. فتحركت "وجد" باندفاع مغادرة المرسم، و"داغر" خلفها يلاحقها. فهو لن يتركها تلك المرة، لن يكرر خطأه السابق ويجعلها ترحل بتلك السهولة. فعليه تعويضها وإسعادها. وما لبثت أن تغادر "وسام" خلفها حتى توضح لها ما حدث، ولكن منعها التفات "حسام" لها قائلًا بابتسامة مصطنعة استطاعت تمييزها: -قولتيلي بقى اسمك إيه؟

ابتلعت ريقها وعيناها زائغة، تطلع على المكان الذي ذهبت منه "وجد"، وبين "حسام" معشوقها الذي تلهفت لرؤياه والذي يقف أمامها مستفسرًا عن اسمها. فأجابته بابتسامة بسيطة: -وسام، اسمي وسام. أما بالخارج، لحق "داغر" بها واقفًا أمامها، وأنفاسه لاهثة متسارعة، مغمغمًا: -انتي رايحة فين يا وجد؟ أغمضت عينيها، فظن أنها تنزعج منه، جاهلًا باشتياقها إليه ولصوته الهادئ الحنون. فتحت عينيها وقالت بغضب مزيف:

-داغر، أنا مش عايزة أتكلم ومش عايزة أشوف حد فيكم. وزي ما قلت جوة، لو كنت أعرف إني هشوفكم هنا مكنتش جيت. اقترب منها بخطى هادئة محافظًا على بعض المسافة بينهم، محاولًا تفادي النظر إليها مثلما كان يفعل، ولكن تلك المرة يشعر بعدم قدرته على النظر إليها. فبعد غيابها تلك السنوات ازدادت مشاعره تجاهها، فكيف تكون أمامه ولا يشبع عيناه منها؟

ولكن استطاع السيطرة على تلك المشاعر وتلك الرغبة، مغلقًا عينيه لوهلة محاولًا استجماع قوته وشجاعته، قائلًا بنبرة غير مألوفة بالنسبة لها: -اسمعيني، لو كنتي فاكرة إني ممكن أسيبك تمشي المرة دي تبقي غلطانة. أنا مش هسيبك يا وجد، مش هسيبك. مش هكرر غلطي تاني وأسيبك. صمت قليلًا، فأبتلعت ريقها رافعة عينيها للسماء تناجي ربها أن يعطيها القوة والتحمل، فهي على وشك البكاء. وكيف لا وهو أمامها مخبرًا إياها بذلك الحديث.

فأكمل "داغر" حديثه بصدق قائلًا بحزن دفين، ويداه تتحرك مع حديثه محاولًا بثها مشاعره التي يظن بأنها لا تشعر بها: -انتي متعرفيش أنا إيه اللي حصل معايا في غيابك. أنا مكنتش عايش يا وجد، مكنتش عايش. النفس اللي بتنفسه كان بيخرج بصعوبة، عارفة يعني إيه بصعوبة؟ عارفة يعني إيه أرجع كل يوم من الشغل نص الليل عشان مش عايز أروح بدري وأقعد أفكر فيكي؟

طول الأربع سنين كنت بلهي نفسي في الشغل يا وجد، وياريته كان نافع ياريته. ياريت قدرت أنساكي بس أنا مقدرتش. ضغط على شفتيه وتحرك ذهابًا وإيابًا وهو يشدد من الضغط على خصلاته بيديه قائلًا: -عارفة كام مرة طلبوا مني إني أنساكي وأتجوز وأعيش حياتي؟ بس أنا اللي مكنتش عايز، عشان أنا مش عايز غيرك. أنا وإنتي مقسومين لبعض يا وجد، ومن زمان بس إنتي اللي بعدتي.

قال كلماته الأخيرة وهو يتطلع لها بلهفة، منتظرًا إجابتها على حديثه. ولكن رد فعلها صدمة وكثيرًا. فتحدثت بانفعال ممزوج بغضب شديد: -والمفروض إنك لما تقوللي الكلام ده كله أقولك خلاص أنا سامحتك ونسيت كل اللي عملته؟ زعلان من رد فعلي اللي هو نتيجة لأفعالكم انتوا؟ انتوا اللي خذلتوني مش أنا. والمفروض لما تيجي وتقولي أنا آسف وأنا ندمان، إني أقولك: "وماله يا حبيبي محصلش حاجة" ولا كانك عملت حاجة؟

أصل أنا قلبي بزرار، أول ما أدوس عليه هنسى كل حاجة، مش كده؟ انسوا، سامع؟ انسوا إني أسامحكم. وانت أولهم يا داغر. أنهت كلماتها وهي تتحرك أمامه مستقلة إحدى سيارات الأجرة التي أوقفتها، تاركة إياه بندمه الذي ينهشه. وما إن رآها مغادرة حتى هرول تجاه سيارته، مستقلاً بها يسير خلف السيارة التي استقلتها، واعدًا نفسه بأنه يتركها وسيجلعها تنسى كل شيء. ولكن صبرًا، فمسامحتها لن تأتي بسهولة. فحبيبته ذات رأس يابسة. ***

ترجل "رائف" و"إسلام" من السيارة ودلفا إلى الفيلا، فرحب بهم كل من "سلامة" و"هاني" و"سعاد" و"هدى" الذين كانوا يجلسون بالصالون. فقالت سعاد باستفسار: -الله! انتوا إيه اللي رجعكم بدري؟ فأجابها "رائف" وهو يزفر غير مبالٍ بحديثها: -هو عدى فينا. متعضت ملامحها وقالت: -قاعد فوق مع السنيورة، هيكون فين يعني؟ أومأ لها وعيناه تبحث عن "ياسمين" الغائبة والتي لم ترد الذهاب معهم. أما الباقي فلم يخبرهم "حسام" لكي يحضروا معه.

صعد "رائف" إلى الطابق العلوي، وبقي "إسلام" معهم. فقال باستفسار وعيناه تبحث عن والده: -أومال بابا فينا؟ أجابته "هدى": -فوق في أوضة آلاء قاعد معاها. أومأ لها بتفهم، فمنذ ما حدث مع شقيقته وهي تعتزل الجميع ولا تفارق غرفتها، رغم جلساتها مع العديد من الأطباء، ولكن لا يوجد تحسن بحالتها. فأصبحت فتاة غير الفتاة التي كانت عليها سابقًا، فهي تخرج من غرفتها من حين لآخر.

أراد "إسلام" إخبار والده بعودة "وجد"، ولكن من الواضح أنه لن يتمكن من إخباره بالوقت الحالي. بالطابق العلوي، خرج "عدي" من غرفته وابتسامة ساخرة على وجهه، متمتمًا بسخرية: -خير يا أستاذ رائف؟ يا ترى إيه هي الحاجة المهمة اللي تخليك تجيلي في الوقت ده وسايب معرض حسام؟ مسح "رائف" على وجهه وقال: -حورية. قلب "عدي" عينيه بملل وزهق قائلًا بتهكم: -مالها؟ انتحرت ولا إيه؟ ضيق "رائف" عينيه وقال بدهشة مرددًا كلماته: -انتحرت!!!

انت متأكد إنك بتحبها يا عدي؟ قاطعه "عدي" بغلظة مغمغمًا: -كنت، واخد بالك من "كنت" دي؟ هي دلوقتي ولا حاجة بالنسبة لي غير إنها أم ولادي، أكتر من كده مفيش. الوحيدة اللي في قلبي دلوقتي هي مي. وقاطعه "رائف" بعدم تصديق: -انت بتقول إيه يا عدي؟ أنا مش مصدق وداني. بقى انت اللي بتقول كده؟ التفت "عدي" ناظرًا حوله، وبعدها قال بابتسامة سذاجة: -أنا مش شايف حد غيري، وأه أنا اللي بقول كده. فـ أنجز بقى وقول في إيه ومالها ست زفت دي.

فأجابه "رائف" بانفعال دون أي مقدمات: -حورية اختفت يا عدي. بعد ما وصلتها البيت النهاردة وجيت أمشي، تعبت واغمى عليها ونقلتها أنا وأختها المستشفى، ودلوقتي هي مش موجودة وأختها منهارة. رفع "عدي" حاجبيه وقال بتفكير مصطنع: -أيوه، عايز إيه بقى؟ غضب "رائف" من بروده: -انت إيه البرود اللي انت فيه ده؟ بقولك مراتك اختفت تقوللي عايز إيه بقى؟ انت إيه اللي حصلك بالظبط بس عشان نبقى فاهمين؟ صاح به "عدي" صارخًا به:

-بقولك إيه يا عم رائف؟ متزعقش ومتعليش صوتك عليا، أنا مش عيل صغير. وبعدين أيوه عايز إيه مني؟ واحدة عاملة حبتين عليكم وبتشتغلكم، ولو دخل عليكم الكلام ده مهو يدخلش عليا. ولما تلاقوها قولها: "قديمة أوي الحركة دي يا مدام حورية". ولا حورية إيه دي؟ مبقتش حورية خالص، دي بق... ما كاد يكمل حتى قام "رائف" بلكمة على وجهه قائلًا بغضب أعمى وهو يغادر من أمامه: -انت بني آدم مش محترم و*** عشان تكلم عليها بالطريقة دي. ***

تململت "حورية" بذلك الفراش الوثير الواسع. فتحت عينيها ببطء شديد، فكانت رؤيتها مشوشة قليلًا. فأعتدلت بالفراش رافعة يديها ماسحة على عينيها المنتفخة. وسريعًا ما انتبهت لتلك الغرفة الغير المألوفة لها، فقطبت جبينها وازدرقت ريقها، ونهضت من على الفراش نازعة ذلك الغطاء، مقتربة من الباب محاولة فتحه، ولكن لم يفتح معها. فظلت تطرق على الباب بعنف: -افتحولي الباب ده، أنا فين؟ حد يفتحلي يا اللي هنا، افتحولى.

سمعت صوت خطوات قادمة، فزادت من طرقها على الباب متمتمة: -افتحولي الباب، أنا فين؟ سمعت صوت المفتاح وهو يدور بالباب، فابتعدت عن الباب. وما إن ابتعدت حتى فُتح، وظهر منه ذلك الشاب مفتول العضلات وسيم الوجه وخصلاته طويلة. عادت بظهرها للخلف عدة خطوات وهو يرمقها بنظرات متسائلة عن هويته وما الذي يريده منها. فقالت بشفتيها المرتجفة: -انت مين؟ وأنا بعمل هنا إيه؟ عايز مني إيه؟

اقترب منها الشاب بخطوات هادئة وعيناه تromقه بعشق وحب دفين واشتياق جارف. فظلت تعود بخلفها خوفًا منه ومن نظراته التي تكاد تلتهمها وتفتك بها. أشارت له بيدها حتى يتوقف عن اقترابه المريب ذلك قائلة: -انت بتقرب كده ليه؟ خليك مكانك، والله أصوت وألم عليك الناس. ارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغره وقال بحب وهو يمد يديه ممسدًا لوجنتيها: -لسه شرسة زي ما انتي يا حورية.

جحظت عيناها وظلت ترمقه بعدم تصديق، محركة رأسها بعدم تصديق. فها قد علمته من صوته، وكيف لها أن تنسى ذلك الصوت الذي لازمها لسنوات طويلة، محاولًا سلبها أعز ما تملك، وكانت تكرهه مثلما تكره أحدهم من قبل، والذي اختفى من حارتهم عدة سنوات ولم يعلم أحد إلى أين ذهب وماذا فعل. فقالت اسمه بصدمة: -أمير!!!!!!!!!!!!!!

أومأ لها ولا تزال يديه تمسد على وجنتيها باشتياق. أما هي فظلت تنظر له والصدمة تعتريها، فكيف تغير مظهره وهيئته لتلك الدرجة؟ فكم أصبح وسيمًا. فاتسعت ابتسامته بسعادة وهو يراقب عينيها التي تتفحصه بعدم تصديق. فغمغم: -اتغيرت مش كده؟ شوفتي عمليات التحميل بتعمل إيه، بس إيه رأيك بقيت أحلى من جوزك صح؟ أغمض عينيه لوهلة وبعدها نطق مصححًا ذلك الخطأ وهو يبتعد عنها متجهًا ناحية الأريكة المتواجدة بالغرفة وجلس عليها واضعًا

قدم فوق الأخرى: -قصدي طليقك. خرجت من صدمتها وقالت بترقب: -وانت عرفت منين إننا طلقنا؟ دوت ضحكته العالية بالغرفة وقال: -هيكون من مين يعني؟ من حبيبة القلب مراته التانية اللي فضلها عليكي، مي يا حورية. اقتربت منه وأنفاسها تتسارع، وبدأ صدرها يعلو ويهبط من شدة انفعالها: -وانت تعرف مي منين؟ اختفت ابتسامته وقال بفحيح الأفاعي: -أعرف مي منين؟ دي مي دي أنا اللي زقيتها على جوزك المحترم، والشهادة لله مخدش في إيدها غلوة.

نهض من مكانه مقتربًا منها مرة أخرى وعيناه تجول على ملامحها وتفاصيلها قائلًا بغيظ: -شوفتي بقى اللي فضلتيه عليا عمل فيكي إيه، وباعك بالرخيص إزاي؟ تعرفي إنه كان بيكلم عنك بطريقة وحشة وهو مع الهانم التانية وقال إيه مكسوف يطلع معاكي قدام الناس، مكسوف من شكلك؟ بني آدم غبي، أنا لو كنت مكانه مكنتش عملت معاكي زي ما جنابه عمل، عشان أنا حبيتك بجد يا حورية، بس هو محبكيش، هو حب شكلك، ملامحك الحلوة، لكن حورية ذات نفسها محبهاش.

لمعت عيناها بالدموع، شاعرة بالخزي مما فعله بها. تعلم أنه لا يستحق أي من تلك الدموع، ولكن الأمر ليس بيدها. ورغمًا عنها هبطت دموعها على وجنتيها. فرفع يديه مزيلًا تلك الدموع وقال بغلاظة: -بتعيطي يا حورية؟ بتعيطي عشان ال***؟ ده ميستحقش. ثم جذبها من ذراعيها بعنف قائلًا بعنف: -أنا بس اللي أستحقك، أنا بس يا حورية، انتي سامعة؟

ومن انهاردة انتي بقيتي ملكي، وبعد تلت شهور هنتجوز، وخلال الفترة دي هسيبك تتعودي على شكلي الجديد اللي أنا واثق إنه عجبك وهييعجبك أكتر وأكتر. قال كلماته وهو ينحني باتجاهها يريد أن ينال ما لم يناله، ولكن سرعان ما انتبهت إليه، فقامت بدفعه عنها بغلاظة وحدّة قائلة: -ابعد عني يا حيوان. أنجز على أسنانه مرددًا كلماتها: -حيوان!!! وماله؟ أنا هخرج دلوقتي، وأهو هسيبك تهدّي شوية. وما كاد أن يخرج حتى ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه،

فالتفت إليها وقال: -حورية. نظرت له بكره، فتمتم هو قبل مغادرته الغرفة: -الكل دلوقتي عارف إنك اختفيتي وبيدوروا عليكِ وقلقانين عليكي، ماعدا هو قاعد في حضن السنيورة. ولما عرف إنك اختفيتي، كان رده إن ده اشتغالة منك وإنه مبيحبش غير مي وبس..... *** ولجت "وسام" إلى المنزل ووضعت المفتاح على تلك المنضدة، وعيناها تبحث عن "وجد" مرددة اسمها بصوت خافت: -وجد، وجد. خرجت "وجد" من غرفة "وسام" وملامح وجهها لا تبشر بالخير.

فابتلعت "وسام" ريقها واقتربت منها وهي تغمغم بتلعثم: -مالك يا وجد؟ بتبصيلي كده ليه؟ اقتربت منها "وجد" بخطى هادئة رافعة أمام عينيها تلك الصورة التي وجدتها في غرفتها بين أغراضها، فقالت بصوت هامس غاضب: -صورة حسام، بتعمل إيه معاكي يا وسام؟ ابتلعت "وسام" ريقها بصعوبة، تعلم جيدًا ما الذي سيواجهها الآن، ولكن ليس هناك فائدة من الكذب، فعليها أن تعترف لها بكل شيء وتبرر لها ما فعلته الليلة. -وجد، ممكن تهدّي وأفهمك كل حاجة.

دفعت "وجد" تلك الصورة من يديها وقالت: -مش عايزة أفهم حاجة يا وسام، مش عايزة. أنا عايزة أفهم إيه لازمة كل التمثيلية السخيفة اللي عملتيها دي؟ بللت "وسام" شفتيها وابتلعت تلك الغصة وقالت بتوتر: -كنت عايزة أواجهك مع أهلك يا وجد، وكمان كنت عايزة أشوف حسام. كان نفسي أقابله. أمسكتها "وجد" من ذراعيها بعنف وقالت بصراخ وصوت غاضب: -وانتي مالك أواجه معاهم ولا لأ؟ بتتدخلي ليه؟ وبعدين إيه عايزة تشوفي حسام دي؟

أوعي تكوني فاكرة إنه ممكن يحبك؟ وبذات لما يعرف إنك صاحبتي. دفعتها تاركة ذراعيها قائلة بنبرة وعيد: -اسمعي يا وسام، حسام تنسيه خالص، وتشليه من دماغك، انتي سامعة؟ صرخت بها "وسام" والدموع تذرف من عينيها قائلة بنبرة تفطر القلوب: -مقدرش، مقدرش يا وجد. أنا بحبه، مقدرش أبعد عنه. من لما عيني وقعت عليه وأنا بحبه، مبقتش شايفة غيره. قولتلك وكلمتك كتير إني عايزة أنزل مصر، وكان كله بسببه. أنا بحبه يا وجد، بحبه.

ضغطت "وجد" على شفتيها، مغمضة عينيها وذهبت ذهابًا وإيابًا أمامها تحاول كبح مشاعرها التي تأثرت بدموع رفيقتها التي لن تجد مثلها. ورغمًا عنها اقتربت منها وقامت بضمها داخل أحضانها، ممسدة على خصلاتها قائلة بنبرة أشبه بالترجي: -عشان خاطري يا وسام، خلينا نرجع تاني. انسى حسام وصدقيني هتقابلي غيره. وخرجت "وسام" من أحضانها وقالت بسخرية: -أقابل غيره وأحب غيره، صح؟ ولما الموضوع سهل أوي كده، محبتيش غير داغر ليه؟

عينك ليه لمعت النهاردة لما شفتيه؟ أوعي تكوني فاكرة إني مخدتش بالي، لا تبقي غلطانة، أنا خدت بالي وأوي كمان يا وجد. وزي ما أنا ما بحب حسام، انتي بتحبي داغر، بلاش تنكري. وكفاية بقى عذاب، أظن إنك عقبتيه كفاية أوي بغيابك أربع سنين. وصرخت بها "وجد" باندفاع وقالت: -لا مش كفاية!

الكلام سهل، لكن لو انتي كنتي مكاني مكنتيش هتقولي كده. وانتِ حبك لحسام حاجة، واللي بيني وبين داغر حاجة تانية. الاتنين مش شبه بعض يا وسام عشان تحطيهم في كفة واحدة. رفعت "وسام" يديها جاذبة خصلاتها بعنف تفكر بحل ما. فاستدارت "وجد" ووقفت بجوارها وقالت بتنهيدة: -انتي بتحبي حسام بجد يا وسام؟ تركت "وسام" خصلاتها وأومأت لها برأسها عدة مرات متتالية قائلة بنبرة عاشقة متلهفة: -بحبه أوي يا وجد، أوي.

أومأت لها "وجد" وقالت ما جعل "وسام" تتسمر بمكانها متفاجأة بحديثها ذلك: -يبقى مقدامكيش غير حل واحد، بما إنه مش شايف غير إنجي لغاية دلوقتي. اقتربت منها بلهفة وازدادت ضربات قلبها قائلة باستفسار: -وانتي عرفتي منين إنه لسه بيحب إنجي؟ زفرت وجد بضيق واتجهت ناحية الأريكة وجلست عليها وقالت: -مشفتيش كلمني إزاي ده، غير الحزن اللي باين في عينيه يا وسام. أنا متأكدة إنه لسه بيحبها. هرولت "وسام" باتجاهها وجلست بجوارها وقالت بألم:

-طب أعمل إيه؟ أنا بعشقه يا وجد ومش هستحمل إنه ميبادلنيش بمشاعره. نظرت لها "وجد" وقالت وهي تحرك كتفيها: -مقدمكيش غير حل واحد زي ما قولتلك. ازدرقت "وسام" لعابها وقالت بقلق: -وايه هو؟ -هتعملي معاه اللي عملته إنجي، وهتبتدي معاه زيها بالظبط، والأهم إنه ميعرفش إنك صاحبتي. نهضت "وسام" وعيناها متسعة وقالت: -لا لا مستحيل!

لو عملت كده أبقى بخدعه وعمره ما هيسامحني يا وجد. وبعدين لو عملت كده ما برضه هييجي الوقت وكدبتنا هتبان فيه. نهضت "وجد" هي الأخرى وقالت بتنهيدة وهي تشير بإصبعها تجاه "وسام": -أكيد هييجي وقت هيعرف كل حاجة، بس ساعتها هيكون حبك انتي، وأكيد هيسامحك. ممكن ياخد شوية وقت، بس أنا متأكدة إنه هيسامحك. ها، قولتي إيه؟

ظلت "وسام" تفكر بتلك الطريقة التي ستقربها من "حسام" وستجعله يبادلها مشاعرها، فلن تظل مشاعرها من طرف واحدًا، بل سيبادلها عشقها ومشاعرها. -موافقة يا وجد. *** في الإسكندرية وبداخل قصر مجدي الأسيوطي، كان جالسًا على تلك المائدة بمفرده يتناول عشائه. وأثناء ذلك وجد من يدلف عليه حجرة الصالون، والذي لم يكن سوى "مصطفى" ابن شقيقته. فابتلع "مجدي" الطعام الذي بفمه وقال بسخرية: -خير يا مصطفى؟ إيه اللي جابك دلوقتي؟

ما أنا عارفك مبجيش غير لما بتبقى عامل مصيبة، يا إما جاي تزعقلك شوية وتمشي. ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه "مصطفى" وقال بنفي وهو يجلس بجواره وعيناه معلقة عليه وهو يتناول طعامه: -لا اطمن، لا ده ولا ده. رفع "مجدي" حاجبيه ينظر له بجانب عينيه وقال: -طيب أشجيني جاي ليه يا مصطفى؟ اقترب منه "مصطفى" وقال بسعادة: -جاي عشان أشوفك لآخر مرة. قطب "مجدي" حاجبيه وترك طعامه وصاح به بعنف: -تقصد إيه بكلامك ده؟

رمق "مصطفى" الطعام الذي تناول منه "مجدي" بنظرة جعلت "مجدي" يفهم مقصده. فأبتلع ريقه وهو ينظر تجاه الطعام متمتمًا بصدمة ناهضًا عن الطاولة ممسكًا إياه من ملابسه: -انت عملت إيه يا حيوان؟ دفعه "مصطفى" بعيدًا عنه وقال:

-معملتش غير الصح. أنا استنيتك كتير أوي، بس انت ماسك في الحياة بإيدك وسنانك، بس خلاص فاض بيا. وبذات بقى لما عرفت إن السنيورة بتاعتك رجعت من برة، فقلت أعجل بقى من موتك قبل ما تضحك عليك وتخليك تكتبلها كل حاجة. وبصراحة بقى أنا بخطط لك من فترة، وخلاص جه الوقت. وبعدين متقلقش، ده سم من النوع الفاخر، وكلها دقيقتين وتودع الحياة. وابتسم بسعادة وهو يرى "مجدي" أمامه يختنق والنفس بات يخرج بصعوبة وقال:

-سلام يا خالي، ومتقلقش فلوسك وكل ما تملك في الحفظ والصون.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...