الفصل 18 | من 47 فصل

رواية طغيان قلب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطمة محمد

المشاهدات
18
كلمة
4,649
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

ولج مهرولًا داخل المنزل، ومي خلفه تحاول اللحاق به. أقترب من داغر الذي يلوح على وجهه القلق والخوف على أبناء شقيقه. فصرخ عدّي بعدما التقطت عيناه شقيقه الذي اقترب منه محاولًا أن يواسيه ويهدئ من روعه. فصرخ عدّي مستفسرًا عما حدث، ودقاته تدق بعنف، غير منتبهًا لبكاء تلك الجالسة بجوار وجد، تبكي بحسرة وشهقات مكتومة لا تستطيع منعها منذ أن خطت قدميها إلى هنا لمقابلة سلامة وتفاجأت باختفاء أطفالها. "ولادي فين يا داغر؟

إيه اللي حصل؟ أنا عايز أفهم! رفع داغر يديه يربت على كتفيه، متحدثًا بنبرة أراد بها أن يطمئنه. "متقلقش يا عدّي، إن شاء الله هيرجعوا وبخير، وخليك واثق من ده." نهضت حورية بعنف، مقتربة منه، وتنفسها الهائج يعم الأرجاء، ولون وجهها أصبح باهتًا كمن يوشك على الإغماء. "ولادك!!! بقى بالذمة مش مكسوف من نفسك؟

أنا مش طايقة أبص في وشك، مش طايقة أشوفك قدامي. أنت السبب، ولادي لو كانوا معايا مكنش حصل اللي حصل. ورحمة أبويا يا عدّي، لو ولادي جرالهم حاجة، عمري ما هسامحك. عمرررري." صرخ بها عدّي بعدما احمر وجهه من شدة الانفعال واسودت عيناه، وضم قبضته بغضب، صارخًا بها على مرأى من الجميع. "إنتي تخرسي خالص! أصلًا إنتي السبب في كل ده. لو كنتي أم عدلة كنتي فضلتِ جنبهم، مكنتيش فضلتِ نفسك. بس إزاي؟ لازم تثبتيلي إن كرامتك فوق أي شيء."

وقف داغر بينهم، مبعدًا عدّي عنها بعض الشيء، قائلًا: "عدّي، حورية، مينفعش اللي بتعملوه ده. ده أصلًا مش وقته خالص." رفعت مي يديها تربت على كتفيه، مؤيدة حديث داغر: "داغر معاه حق يا عدّي. وبعدين أنت لازم تهدأ وتهدي أعصابك شوية، وإن شاء الله هيرجعوا بيتهم ولحضننا من تاني." حدقت بها حورية بعينيها الدامعة لعدة ثوانٍ، وهناك شعور قوي يعتريها مخبرًا إياها بأن من أمامها سببًا لما حدث. فمن غيرها سيكون وراء اختفاء أولادها؟

فمن المؤكد بأنها تريد التخلص منهم، متذكرة مؤامرتها مع أمير لتفرق بينها وبين عدّي. أومأت برأسها عدة مرات، وهي تقترب منها، وبحركة مفاجئة جذبتها من خصلاتها، تصب جام غضبها فيما تفعله. "إنتي اللي ورا خطفهم صح... ولادي فين؟ انطقي! تأوهت مي بألم، ورفعت يديها محاولة تخليص خصلاتها من قبضتها، هاتفة: "آه آه شعري يا مجنونة إنتي!

اقتربت كل من وجد وهدى، محاولين تخليص مي من قبضة حورية. أما سعاد فظلت مكانها ودموعها تنهمر خوفًا من أن يحدث مكروهًا لأحفادها، فقلبها يخبرها بأن هناك كارثة سوف تحدث لهم. زفر عدّي وجذب يد حورية، وقام بدفعها بقوة لتبتعد عن زوجته، مزمجرًا فيها بشراسة، قائلًا: "بس بقى، إنتي ظاهر عليكي اتجننتي." رمقته وجد بغضب، وكذلك داغر الذي دهش من تصرف أخيه الفظ، فمنذ متى وهو يتصرف بذلك الأسلوب الوحشي.

أما حورية فلم تندهش كثيرًا، فهي أصبحت تتوقع منه الأسوأ، ولكن ما زاد غضبها هي تلك الابتسامة الشامتة التي ارتسمت على وجه مي، فارتسم الحنق على وجهها، وصرخت بها وهي تقترب منها مرة أخرى. "ولادي فين؟ اتكلمي! أغمض عدّي عينيه، وصرخ: "داغر، خليها تمشي من هنا، أنا مش ناقص." "أمشي!!! إنت أهبل ولا جرا في عقلك حاجة؟ دول ولادي، فاهم يعني إيه ولادي؟

أنا اللي شيلتهم في بطني، أنا اللي كنت مستنياهم بفارغ الصبر، أنا اللي تعبت في حملهم، وكنت بقعد أتكلم معاهم. أنا اللي بفضلهم على نفسي، مش العكس." أنهت كلماتها وهي تسدد له الضربات على صدره. كز على أسنانه، وقبض على يديها التي تسدد له اللكمات، معتصرًا إياهم بين قبضته، قائلًا بين أسنانه: "كفاية، كفاية بقولك." ابتسمت بوجع، وانتشلت يديها من قبضته، قائلة:

"طب اسمع بقى يا أستاذ عدّي، المفاجأة اللي عندي ليك. شايف الحلوة اللي إنت اتجوزتها دي؟ متسلطة عليك، وعارف من مين؟ من أمير. فاكرة ولا مش فاكرة؟ ضيق عينيه متذكرًا ذاك أمير الذي لطالما كان غريمًا له، محاولًا الحصول على حورية. فأسترسلت إكمال حديثها، مغمغمة:

"سلطها عليك عشان يكرهني فيك، وبصراحة أحسن حاجة عاملها عشان أعرفك على حقيقتك. رغم كل اللي عملته معايا ومعاملتك اللي زي الزفت، بس مكنتش عارفة أكرهك. بس بعد ما عرفت حقيقتك وعرفت قد إيه عينك زايغة ومعندكش لا عزيز ولا غالي، كرهتك يا عدّي. كرهتك من كل قلبي. وولادي لما يرجعوا إن شاء الله، أنا مش هسيبهم تاني. ولادي مش هيفارقوا حضني. وانت شوف بقى هتعمل إيه مع الهانم دي، هتكمل معاها ولا هتشوف واحدة غيرها أحلى وأغنى وتعرف تظهر بيها قدام الناس...

اتسعت عين مي، وسيطر الزعر عليها، وقالت بنبرة منفعلة: "إنتي بتقولي إيه؟ إنتي وأمير مين ده؟ أنا معرفش واحد اسمه أمير." التفت عدّي، ورمقه بنظرة بثت الرعب بداخلها، فازدردت ريقها بخوف، فعاد يحدق بحورية مرة أخرى، وصاح وهو يخرج هاتفه، متجاهلًا حديث حورية عن مي: "أنا أعرف واحد هيقدر يخدمني، هكلمه وأشوف هيعمل إيه. أنا ولادي لازم يباتوا في حضني الليلة دي." تنهدت مي براحة. فحركت حورية رأسها، وابتسامة سخرية ترتسم على محياها.

فهمست وجد: "مفيش فايدة، ديل الكلب عمره ما هيتعدل." أجرى عدّي تلك المكالمة، وبعدما أغلق مع صديقه، نظر تجاه داغر متمتمًا وهو يجلس على الأريكة بإنهاك بجوار مي، التي ترمق حورية المتألمة بغل ممزوج بسعادة: "إنت مقلتليش ولادي اتخطفوا إزاي يا داغر؟ أجاب داغر على مضض: "كانوا في الجنينة مع وجد، وسابتهم يلعبوا ودخلت تجبلهم فطار عشان تفطرهم. رجعت ملقتهمش." عض على شفتيه، ورفع حاجبيه، وظهرت بسمة على جانب وجهه، لاحظتها وجد فقط.

"بيت جبينها قائلة: "إنت بتضحك على إيه؟ هو قال حاجة تضحك؟ رفع عدّي عينيه ينظر لها، قائلًا بتهكم وهو يشير تجاه وجد وحورية: "لا، مقالش حاجة تضحك. بس عارفة يا وجد، لو عرفت إن ده ملعوب منكم إنتوا الاتنين، هعمل فيكم إيه." ضرب داغر على الطاولة بيديه بعدما نفذ صبره مما يفعله شقيقه وتهديده الصريح تجاه زوجته وحورية: "عدّي، كلمة كمان وهنسى اللي إنت فيه. وجد وحورية ميعملوش كده، إنت فاهم."

فصاحت هدى، التي تربت على يد سعاد، محاولة أن تواسيها بذلك الظرف الذي تتمنى أن لا توضع به: "خلاص يا ولاد بقى، مش وقته الكلام ده." *** خرج من أحضان أخيه بعدما رحب به ترحيبًا حار. فغمغم بابتسامة وعيون يشوبها بعض الحزن لما سمعه من كلمات لاذعة خرجت من فوه من عشقها وذاب بها. "والله وليك وحشة يا إيهاب. أخبارك إيه؟

ابتسم له إيهاب وقال بنظرات متفحصة بعدما اتجه باتجاه الأريكة وجلسا عليها حتى يتسامرون، يقصون همومهم لبعضهم البعض. فل طالما اعتبره عمر والده وليس شقيقه، وذلك لفارق السن بينهم والذي يتخطى خمسة عشر عامًا. "مالك يا عمر؟ إيه الحزن اللي أنا شيفاه ده؟ أحكي لي، فيه إيه... من إمتى وإنت كده؟ تنهد عمر طويلًا، وساد صمت ثقيل، ربما أطول مما ينبغي، ينظر أمامه شاردًا في اللاشيء.

ربت إيهاب على كتفيه مشجعًا إياه على الحديث وإخراج ما بداخله من هموم تلوح على وجهه. "إتكلم يا عمر، أنا سامعك." أغمض عمر عينيه بضعة ثوانٍ بعدما خارت قواه، وصاح: "أخويا... طب ووقع على بوزه يا إيهاب." لاحت ابتسامة على وجه إيهاب، وقال بهدوء: "طب وإنت زعلان عشان طحت، ولا في حاجة تانية؟ حدق به عمر، وزفر بقوة، متمتمًا:

"عايزاني أبعد عنها يا إيهاب، مش عايزة تدي علاقتنا فرصة. أنا بحبها وهفضل أحبها. أنا شفت وقابلت كتير، بس عمر قلبي دق لواحدة فيهم. ومش بعد ما حصل وحبها وعشقها، عايزة تبعد بسهولة كده. أنا مستعد أعمل أي حاجة بس هي توافق." قاطعه إيهاب بفضول: "طب اتكلمت معاها؟ عرفت إيه سبب رفضها؟ أومأ له برأسه، ناظرًا أمامه بعينين خاليتين من الحياة. "أنا عارف يا إيهاب، عارف من غير ما أسألها. وعارف إنها بتعمل كده عشان ولادها، وده أكتر...

قاطعه إيهاب بإشارة من يديه، وهمغم بتساؤل: "لحظة، هي متجوزة؟ "لأ طبعًا، مطلقة يا إيهاب، بس ده ميعبهاش ولا يعيب أي واحدة." أومأ له إيهاب بتفهم، وقال بتأييد لحديثه: "أكيد يا عمر. ومدام إنت بتحبها، يبقى خليك وراها ومتستسلمش وحارب عشان حبك." أطلق شهيقًا، متمتمًا بإصرار: "هيحصل يا إيهاب، هيحصل. أنا بحبها ومش هستسلم، ومستعد أحارب وأعافر لحد ما تبقى مراتي وحبيبتي." *** فتح إسلام باب المنزل، فوجد آلاء أمامه وبرفقتها رائف،

فأبتسم ببشاشة وقال: "يا هلا يا هلا، آلاء ورائف الاتنين جايين يزوروني." كزت آلاء على أسنانها، ودلفت المنزل جاذبة إسلام من ذراعه، مغمغمة بخفوت وصل لمسامع رائف: "خليه يمشي، أنا مش طايقة أشوفه. وقولتله الكلام ده وبرضو مصمم و لازق فيا يا إسلام." ولج رائف المنزل وأغلق الباب من خلفه، واقترب منهم منحنيًا براسه بعض الشيء، يستمع لحديثهم الخافت: "إنتوا بتقولوا إيه؟ ابتسمت شفتاها دون عيناها، مغمغمة: "إنت لسه هنا؟

إيه ناوى تبات ولا إيه؟ مش خلاص وصلتني؟ اتفضل بقى." طرق أنفه، وتقدم داخل المنزل تحت أنظار آلاء الغاضبة المشتعلة، وإسلام الذي يكتم ابتسامته على أفعالهم الطفولية. جلس على الأريكة، ومط جسده وهو يحرك منكبه العريض يتثاءب: "إسلام، اعمل لي فنجان قهوة وحياة أبوك يا شيخ. وإنتي يا آلاء، ادخلي شوفي طنط فاتن." اقتربت منه آلاء، وصاحت بانزعاج: "قهوة إيه وبتاع إيه؟ إنت تقوم تمشي! أنا واحدة عايزة تقعد مع أخوها شوية." تنهد،

وقال ببرود: "وأنا واحد وعايز أقعد مع ابن عمي، يعني مش لوحدك." زفر إسلام، وقال بجدية مصطنعة: "ما خلاص بقى، صلوا على النبي. اومال أنا هدخل أعمل قهوة، وإنتي خشي شوفي ماما يا آلاء، أنا متأكد إنها هتفرح أوي لما تشوفي." هدأت من روعها، وأردفت بنبرة خرجت حادة دون إرادتها: "يا إسلام، افهم. أنا مش طايقة أشوفه. إنت متعرفش عمل إيه." قطب إسلام جبينه، وقال بتساؤل وهو يرمق كلاهما بنظراته: "عمل إيه يا آلاء؟

ابتلعت ريقها، واستدارت تنظر لها بضيق، فأشار لها بيديه حتى تجيب على تساؤل شقيقها. أخذت نفسًا طويلًا وزفرته على مهلٍ، وأولته ظهرها، قائلة بحيرة: "في أنهي أوضة يا إسلام؟ أشار لها إسلام تجاه إحدى الغرف، فتحركت باتجاهها، دالفة إياها، مغلقة الباب بهدوء، بوجه من ظل يتابعها بنظراته. وما إن أغلقت الباب حتى انفرجت شفتاه عن ابتسامة هادئة. ***

ظلا جالسين مكانهما ينتظرون أي خبر، وتغمرهم حالة من الحزن الشديد. فما زال القلق والخوف هما الذين يسيطران على الأجواء المتوترة، التي لا تخلو من نظرات مي المختلسة تجاه حورية، التي لا تنقطع دموعها.

فكم تراها حمقاء وساذجة، لم تستطع إنقاذ زواجها. وترى نفسها ذات ذكاء خارق. فكيف أوقفته اليوم عما يريد فعله، وستجعل أطفاله يختفون عن الأنظار حتى ينتهي الوقت المحدد لإنزال الجنين، وبعدها ستجعل هؤلاء الرجال يتركون الأطفال، وبذلك ستضعه أمام الأمر الواقع. صدح رنين هاتف عدّي، فالتقطه بلهفة من على الطاولة، مجيبًا عليه: "ألو." "أهلاً عدّي بيه." "إنت مين؟ "محسوبك عبده، وأنا اللي خطفت ولادك، ولاد الحسب والنسب."

ابتلع عدّي ريقه، ونهض من مكانه. فنهضت حورية من مكانها، واقفة بجواره، ودموعها الحارة تسيل كما لم تسل من قبل. "إنت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه؟ أنا ممكن أنسفك." وقاطعه عبده مزمجرًا فيه بخشونة: "أعصابك يا بيه، وبلاش الدخلة دي. إنت رقبتك تحت إيدي، وولادك عندي. عايزهم يبقى تدفع. أنا سمعت إنك متريش على الآخر، وبصراحة خليت بالاتفاق اللي كان بيني وبين اللي ليه مصلحة في خطف عيالك. فادفع لي أسلمهم لك." كز عدّي على أسنانه،

وغمغم: "عايز كام؟ اتسعت ابتسامة عبده، ورفع يديه يمسح على صدره أسفل قميصه: "أنا مش هبقى طماع. أنا عايز ٢ مليون، كل محروس فيهم بمليون، ومظنش إنه كتير، ولا إيه؟ "اديني وقت لحد الصبح، أكون حضرت لك الفلوس." أومأ برأسه، مغمغمًا بسعادة: "وماله، استنى مني تليفون الصبح أقولك فيه على المكان. بس عشان تبقى عارف، أي حركة غدر هتقول على ولادك. يا رحمن يا رحيم." أغلق عدّي الهاتف. فسريعًا ما صاحت حورية بلهفة: "قولي، قالك إيه؟

"عايز اتنين مليون ويسلمهم." تنهدت حورية، ووضعت يدها على فمها، وابتسامة بسيطة تلوح على وجهها، وكذلك الجميع، الذين بدأ يتغلغل شعور طفيف من الراحة بداخلهم. أما مي، فأرتعدت من داخلها، وكانت حالتها لا توصف، جالسة بمكانها لا تصدق ما حدث، وخيانته وبيعه لها بتلك الطريقة. فبفعلته تلك خرب لها مخططها، فأغمضت عينيها لوهلة، تلعنه وتلعن أمير الذي اختفى ولا تعلم عنه شيئًا.

فأزدردت ريقها، ورفعت يديها تدلك مؤخرة عنقها، تفكر بحل ما لتلك المعضلة. *** وقفت أمامه وهي تراه جالسًا أمام إحدى لوحاته وفرشاته الملطخة بالألوان القاتمة بين أصابعه. فعقدت يديها، وقالت: "إنت مبتردش عليا ليه؟ هو أنا مش اتصلت عليك كتير؟ والمفروض تفهم إني عايز _." تجاهلها حسام، وظل يتطلع بتلك الرسمة أمامه، ولكن لم يغيب عن عينيها غضبه الجام الذي صبه بتلك اللوحة أمامه.

فتنهدت، وتحركت بالمكان من حولها، تراقب رسوماته. ولفت انتباهها تلك اللوحة الموضوعة بإحدى الزوايا ومغطاة بالكامل. فسارت ناحيتها، ومدت يديها منتشلة ذلك الغطاء من عليها، فازدادت خفقاتها عندما وجدتها لغريمتها، والتي لا تزال تنافسها على قلب معشوقها. فظلت تتأمل اللوحة، فاستدارت تنظر إليه، وهي تغمغم بغيرة واضحة: "أنا أحلى على فكرة." رفع عينيه يتطلع لها، وسريعًا ما امتعضت ملامحه، واشتعلت بنيران سوداء تبث الرعب بالقلوب.

تيبست ساقاها، وهي تراه يقترب منها بخفة الفهد الذي يستعد للانقضاض على فريسته. قبض على ذراعيها، صارخًا بها، وعينيه تطلق شرار: "إطلعي بررررررره! مش عايز أشوفك. إنتي إيه؟ معندكيش كرامة يا بت انتي؟ مش طايقك، مش عايز أشوفك. لو آخر بني آدمة على وجه الأرض مش هحبك. إنتي متتحبيش، مفيش واحد يحب واحدة فيها مواصفاتك القذرة دي. إنتي فاكرة إنك لما تبينيلى قد إيه إنتي جريئة أنا هنشغل بيكي وهحبك؟

انسى، واطلعي بقى من حياتي، مش عايز أشوفك." بتلك اللحظة، لم تستطع حبس دموعها، وانهمرت على وجنتيها بشدة، وشهقاتها تعلو رويدًا رويدًا. ورفعت يديها مزيلة دموعها، ناظرة بعينيه التي لاح بها التأثر بدموعها، وقالت من بين شهقاتها بشفتاه مرتعشة: "بس أنا عايزة أشوفك. أنا بحبك يا حسام. مش هقدر أعيش من غيرك. أنا بنام وأصحى على صورتك. لو قدرت أطلعك من حياتي، مش هقدر أطلعك من قلبي."

سيطر الأندهاش الممزوج بالصدمة على وجهه، وسريعًا ما التوى فمه بابتسامة ساخرة مستنكرة أفعالها، قائلًا: "مفيش فايدة فيكي برضو يا بنت الحلال. افهمي، أنا مش هقدر أبادلك مشاعرك. إنتي جميلة وأي حد يتمناكي، يبقى ليه تعلقي نفسك بيا؟ اقتربت منه، وبحركة تلقائية عفوية منها، مسكت يديه محاوطة إياها بتملك، قائلة بحب:

"قولتلك عشان بحبك يا حسام، ومعنديش مانع أفضل مستنياك عمري كله. أنا مش عايزك تحبني بنفس الدرجة، لأنك مش هتقدر توصل لدرجة حبي ليك. بس أنا عايزك تديني وتدي نفسك فرصة يا حسام." زفر حسام، وابتعد بضع خطوات، شاعرًا بالغضب من نفسه، فكم لمس حديثها قلبه، وهزت تلك اللمسة من يديها كيانه. فأراد الخضوع لها، يريد إعطاءها وإعطاء نفسه فرصة، ولكن لا يزال عشقه الوهمي لإنجي يمنعه من الاعتراف لنفسه بأنه ينجذب لتلك الفتاة. فنظر لها،

وقال بما يخالف قلبه: "أنا آسف، مش هقدر. مش هقدر." لم تيأس، ولم تمل، فماءت برأسها، مستعدة للمغادرة: "وأنا كمان آسفة يا حسام، أنا مش هستسلم." *** ظلت ترمقها بنظرات مدهوشة، وإمارات التعب ظاهرة على وجهها شاحن اللون. فابتسمت لها آلاء بابتسامة بسيطة: "مستغربة ليه إني هنا؟ إنتي متوقعة إني ممكن أعرف إنك تعبانة ومأسألش فيكي؟ إنتي متعرفيش أنا بحبك إزاي. ده إنتي اللي مربياني."

رمشت فاتن بعينيها عدة مرات متتالية بعدما خفق قلبها بسبب حديثها. فل طالما كانت تعتبرها ابنتها مثلها مثل باسم وإسلام، رغم مكانة باسم بقلبها والتي تحظى بالنصيب الأكبر. ولولا ما حدث، ما كانت ابتعدت عنها. فغمغمت آلاء وهي ترفع يديها تتحسس جبينها: "الحمد لله، حرارتك نزلت. إنتي حاسة نفسك أحسن دلوقتي؟

أومأت لها فاتن، وسيطر عليها شعور قوي، وهو رغبتها بضمها داخل أحضانها. فابتلعت ريقها، متذكرة تلك الأيام التي اعتنت بها أثناء مرضها. فصاحت آلاء وكأنها تشعر بما يدور بخلدها: "فاكرة وأنا صغيرة لما كنت بتعب كنتي بتعملي معايا إيه؟ كنتي بتفضلي قاعدة جمبي ومبتسبنيش. إسلام أول ما قالي إنك تعبتي مقدرتش مجيش وأشوفك." فقالت فاتن بعتاب: "لسه فاكرة تسألي عليا؟ ده إنتي معملتيهاش من أربع سنين." "أقتربت منها، داخلة بأحضانها،

دافنة رأسها بصدرها: "كنت تعبانة ومنهارة، مكنتش بخرج من أوضتي. بس من ساعة وجد ما رجعت وأنا اتحسنت." أسودت عين فاتن، ورددت اسم وجد، متمتمة: "وجد!!! هي رجعت؟ رفعت آلاء عينيها تنظر لها، وأومأت برأسها، قائلة بصدق: "ماما، خلينا ننسى اللي فات. وجد مأذتش باسم ولا أنا ولا إنتي. محدش فينا أذاه. هو اللي أذى نفسه بنفسه. وهو دلوقتي ميجوزش عليه غير الرحمة."

تنهدت الأخرى بوجع، ولمعت الدموع بعينيها. فل طالما أنبها ضميرها، شاعرة بأنها كانت إحدى الأسباب الرئيسية لما وصل إليه باسم. فلو كانت أوقفنه من البداية، لما حدث ما حدث. نظرت لآلاء، التي ترمقها منتظرة إجابتها، وبداخلها شعور قوي يحسها على أن تتخلى عن حقدها وكرهها لتلك العائلة. فأسترسلت آلاء حديثها، وقالت:

"طيب، تعالي نعكس الأدوار، وخلنا نتخيل إن اللي حصل لوجد حصلي أنا وإني اتعرضت للاعتداء بالوحشية دي. كان هيبقى إيه موقفك يا ماما؟ أنا عارفة سبب كرهك لوجد، عارفة إنك مبتحبيهاش عشان بابا بيحب والدتها. بس ده مش ذنب وجد." أومأت لها فاتن، ورفعت يديها تمسد على خصلاتها بحنان أموي. فأغمضت آلاء عينيها، وقبعت داخل أحضانها مرة أخرى. طرق الباب، وصاحب دلف إسلام إلى الغرفة. فأتسعت ابتسامته وهو يرى شقيقته بأحضان والدته، فقال بمرح:

"إيه؟ جيت في وقت غلط ولا حاجة؟ أشارت له فاتن حتى يقترب منها، وتأخذه بأحضانها هو الآخر، فأستجاب لها ابنها سريعًا، سعيدًا بذلك التغير. أطل رائف برأسه، ووقف على باب الغرفة، سعيدًا بما حدث. وتعلق عينيه على آلاء، التي ما إن فتحت عينيها حتى امتعضت ملامحها، وقالت بحنق: "إنت لسه هنا؟ ابتسم لها، وأجابها على مضض: "لأ، هناك." خطى داخل الغرفة، وقال: "عاملة إيه دلوقتي يا طنط؟ أومأت له فاتن، وقالت بهدوء: "الحمد لله." ابتسم لها،

وصاح: "طيب، أنا وإسلام حضرنا أكل خفيف كده، هنحضر ونأكل كلنا سوا." *** بتلك الغرفة التي يعمها الظلام الحالك، كان يتسطح على الأرضية الصلبة، ووجهه شاحب اللون، ملئ بالكدمات، ويشعر بإنهاك وتعب لم يشعر به من قبل، وبدأ الرؤية أمامه غير واضحة، وكأنه سيفقد وعيه. دلف عمر الغرفة بعدما فتح الباب، وخطى بخطوات هادئة، ودنى لمستواه، ومعالم القسوة والبرودة ترتسم على وجهه، وقال: "ها يا أمير، لسه مصمم على اللي في دماغك؟

ابتلع أمير ريقه بصعوبة بسبب جفاف حلقه، وغمغم بضعف: "لأ يا عمر، خلاص مش هقرب ناحيتها تاني. أنا أصلًا معرفش حد بالاسم ده." ابتسم عمر بإعجاب، وقال: "لأ، عجبتني. بس يارب تفضل على كلامك ده، ومتتغيرش لما أخرجك من هنا. بس نصيحة مني، بلاش اللعب معايا يا أمير، عشان أنا ممكن أوديك ورا الشمس." حاول أمير النهوض، وبعد عدة محاولات نجح بذلك، وقال:

"صدقني مش هيتغير، وهبعد عنها. أنا أصلًا كنت ناوي أكسر عينها وأقضي معاها يومين وبعدين... قبض على فكه بقبضته الفولاذية، وتمتم من بين أسنانه: "متكملش يا روح أمك. وحورية مش هي اللي تتسلى بيها. وزي الشاطر كده، عايزك تسافر، تبعد عن هنا خالص، مش عايز ألمحك." أومأ له أمير باستسلام، وقال: "من غير ما تقول، أنا كنت هعمل كده. هسيب البلد بحالها." ابتسم عمر بانتصار، ونهض من مكانه، وخرج خارج الغرفة، وآمر رجاله بأن يتركوه. ***

وفي صباح اليوم التالي. وفي إحدى البنايات المهجورة، كان عدّي يقف بمواجهة عبده. فصاح عبده بابتسامة: "أهلاً يا بيه، حضرت الفلوس؟ أومأ لها عدّي، وقال: "استلم ولادي الأول، وبعدين تاخد فلوسك." حك عبده ذقنه، وتمتم: "وماله، ولا يا حمادة، هات له العيال من جوه." وسريعًا ما جلب الصبي الطفلين، واقترب بهم من معلمه. فتنهد عدّي، واقترب من سيارته، وفتح الباب الخلفي، وأخرج تلك الحقائب التي تحوي على الأموال المطلوبة.

فاستلم عدّي أطفاله الذين هللوا لرؤيته، ووضعهم بالخلف، وتأكد من سلامتهم. استلم عبده الأموال، وما كاد أن يغادر حتى صاح عدّي باسمه، فألتفت لينظر إليه بتساؤل، فصاح عدّي: "مين اللي أمرك تخطف ولادي؟ ابتسم عبده ابتسامة جانبية، وقال بخبث: "المدام يا عدّي بيه." قطب جبينه، وقال بغضب وهو يضم قبضته: "حورية؟ نفى عبده برأسه، وقال: "معرفش واحدة اسمها حورية، بس أعرف مي، وكويس أوي. ده إحنا ولاد حتة واحدة." _يتبع \

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...