كان يقف أمام جثة روما الملقاة أرضًا. خلفه ضباط الشرطة وفريق الطب الشرعي يحققون في تلك الجريمة المرتكبة. جثة فتاة سورية الجنسية في الثالثة والعشرين من عمرها. سبب الوفاة طلق ناري في الصدر. كما أنه تم حقنها قبلها بمادة من الممنوعات القوية. ظل يفكر كثيرًا. من خلف كل هذا، ذلك الفتى الذي تزوجته شمس وتلك الفتاة السورية لم يكونوا إلا سوى عروس متحركة يتم تحريكها لتنفيذ الأوامر فقط. استفاق جواد من شروده على صوت صديقه عاصم:
-وصلت إمتى؟ أردف جواد بهدوء: -زي مانت شايف جيت لقيتها كده. أردف عاصم بهمس مسموع لجواد: -كنت جاي تعمل إيه يا جواد؟ مش قولتلك تبعد عن الطريق ده وكان في عهد منك إنك تمشي سليم. طالعه جواد ثم تفوه ببرود: -أنا طول عمري ماشي سليم. بس إللي يقطع طريقي مش هيشوف مني غير كل شر. تنهد عاصم بضيق: -اه إنت هتقولي. إنت ماسيبتش في الراجل إللي إنت حبسته عندك ده حته سليمة. إنت تحمد ربنا إنه لسه عايش. طالعه جواد بضيق. استأنف
عاصم كأنه فهم نظراته تلك: -حاضر مش هخلي حد يراقبك تاني. أنا بس قلقان عليك. إنت بقالك شهور متغير وفي إتفاقات كتير بينا يا جواد. ماتقصرش رقبتي قدام الوزارة. أردف بشرود وهو ينظر لجثة روما: -ماتقلقش. كل حاجة هتخلص قريب. تنهد عاصم بإستسلام: -تمام. خليني معاك للآخر. -هتحتاج مني حاجة قبل ما أمشي؟ -لا تمام كده. ولو إحتجت أعرف منك معلومات زيادة عنهم أكيد هتصل بيك.
هز جواد رأسه بهدوء ثم خرج من المكان. بعد مرور وقت بسيط، توقفت سيارته أمام المصحة النفسية لكي يقوم بزيارتها. كان يقف أمام باب غرفتها الذي فُتح بواسطة الممرض الذي كان يقف أمام الباب. أردف جواد بهدوء: -هتأخر شويه. إقفل علينا الباب. هز الرجل رأسه والذي نفذ أمره بعد أن دخل جواد للغرفة. كانت تضم جسدها بقوة تقرب ركبتيها نحو صدرها وهي تجلس على فراشها مستندة على الحائط تنظر أمامها بشرود. أردف جواد بهدوء: -شمس. التفتت نحوه
بلهفة وأردفت بأعين دامعة: -جواد. اقتربت منه وقامت بضمه بقوة لكنه لم يبادلها أي شيء. ابتعدت عنه قليلًا تنظر في عمق عينيه وأردفت بأمل: -إنت جاي عشان تخرجني من هنا صح؟ لم يجبها وقدم لها الأوراق مردفًا بهدوء: -وقعي الأوراق دي. أردفت بإستفسار: -إيه دي؟ أردف ببرود وهو ينظر في عمق عينيها: -أوراق طلاقك من جوزك.
لعدة ثوانٍ لم تستوعب ما قاله للتو وطالعته بإستفسار، ولكنه لم يتحدث بكلمة إضافية. أخذت منه الأوراق بيدٍ مرتعشة تطالعها وأخذت منه القلم ووقعت الأوراق. وقدمتها له مرة أخرى بعدما انتهت. -يلا نمشي من هنا. أنا مش حابة المكان ده. -أنا جاي هنا عشان أسألك كام سؤال. أردفت بعدم استيعاب: -يعني إيه؟ يعني مش هتخرجني من هنا؟ تجاهلها مستأنفًا: -البنت إللي إسمها روما دي، ماشكتيش في تصرفاتها لما كنتم أصحاب؟
أو حاولت مثلا إنها تجرك لطريق معين؟ تعرفي كانت بتتواصل مع مين؟ أو هي عرفتك إزاي؟ تجاهلت جميع أسألته تلك وأردفت بإرهاق: -أرجوك. أنا عايزة أخرج من هنا مش قادرة أستحمل. لكنه ظل صامتًا يطالعها بهدوء. اقتربت منه أكثر مكررة حديثها بصراخ وتقوم بضرب صدره بقوة: -خرجني من هنا يا جواد. كانت تبكي وهي تقوم بضربه بقوة ولكنه أمسك بيدها يمنعها من أن تكمل ما تفعله. -أنا بكرهك.
أردفت بتلك الكلمة بصراخ، وانهارت تبكي بين ذراعيه. ربت على ذراعها متحدثًا بهدوء: -أنا عايزلك الأحسن. مش هينفع تخرجي من هنا دلوقتي. لازم تتعالجي الأول. وعايزك تتطمني إن ساجد ده مش هيقرب ناحيتك تاني. بس أنا دلوقتي محتاجك تساعديني. عايزك تجاوبي على أسئلتي يا شمس عشان أقدر أوصل للي عمل كده فيك. ابتعدت عنه قليلًا وهي تنظر في عمق عينيه مردفة باستفسار: -طب إيه علاقة روما بالأسئلة إللي إنت بتسألهالي دي؟
إيه علاقتها كمان باللي حصل لي أصلا؟ -لإن روما هي السبب كله في اللي حصلك. طالعته بتعجب وذهول في آن واحد. كيف؟ إنها صديقتها! لا لم تكن كذلك بل كانت أختًا لها. يبدو أن هناك سوء تفاهم. أردفت بعدم تصديق:
-روما تبقى صاحبتي مالهاش علاقة بإللي حصلي يا جواد. دي كانت أقرب حد ليا. مكنش في حد غيرها بيسمعني ويحس بيا. دي كانت بتطمني وبتاخدني في حضنها لما ببقى متضايقة أو مخنوقة. أنا وهي كنا واحد يا جواد. كنا بنبات سوا مع بعض. كانت بتنام جنبي على سريري. استحالة صاحبتي أنا تعمل فيا كل ده! كانت تطالعه وهي تدافع عن صديقتها والتي بالتأكيد لن تؤذيها يومًا ما. استأنفت بذهول وعدم تصديق: -صح يا جواد؟ مش روما مستحيل تعمل فيا كده؟
إنت شايفنا كنا دايمًا سوا. أنا عرفتها على بابي. خليتها تعتبره باباها هي كمان. أردف جواد ببرود وهو ينظر في عمق عينيها: -صاحبتك دي طلع وراها حوار هي وجوزك. سقطت عبرة من عينيها وأردفت بإرتعاش: -إزاي؟ -إنت إللي هتقدري تجاوبيني. أنا محتاج إجابتك على أسئلتي. أنا محتاج أعرف أتصرف مع مين يا شمس؟
نطق بإسمها بتأثر وهو ينظر في عينيها. ارتجف قلبها بسبب نظراته تلك ولا تدري ما السبب. حاولت أن تبحث في عقلها عن أي ذكرى تتعلق بعمل روما المزعوم. ثم أردفت: -أيوه قابلت حد قبل كده أخدت منه حاجة. منذ أشهر عديدة مضت:
كانت تقف بجوار سيارة روما تتحدث مع ساجد عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي. ولكنها انتبهت عندما خرجت روما من سيارتها بعد أن قامت بإجراء مكالمة هاتفية. اقترب نحوهما شاب بدراجته النارية ولكنها لم تستطع أن ترى ملامحه جيدًا بسبب ارتدائه للخوذة فلم يقم بإزاحتها عن رأسه. نظرت للدراجة النارية وقد أعجبتها. هي تعلم ذلك النوع جيدًا وتخيلت أن ساجد هو من يقود الدراجة وهي تجلس خلفه وتضمه. ابتسمت على سذاجة خيالها وانتبهت ليد الشاب الذي يقدم الطرد لروما. كان هناك جرح سكين على معصم يده!
ولكن الجرح يبدو أنه قديم لأنه لم يلتئم وترك تلك العلامة. عقدت حاجبيها ولكنها لم تهتم وطالعت روما التي تبتسم للطرد الذي في يدها. كان عبارة عن صندوق لم تستطع شمس أن ترى ما بداخله لأنه كان مغلقًا بإحكام. أردفت شمس بإستفسار: -إيه ده يا روما؟ أردفت بإبتسامة وهي تطالعها: -حاجة جيالي تبع الشغل. تساءلت شمس بملل: -وهو الشغل ده هيفضل غامض كده بالنسبالي يعني؟ إنت وساجد ساكتين كده مابتنطقوش. بتشتغلوا إيه؟ استأنفت باستنكار
وهي عاقدة حاجبيها: -تجار مخدرات؟ قهقهت روما ثم أردفت بابتسامة وهي تطالعها: -شغالين في التسويق يا شمس. -تمام. في الوقت الحالي: -ده إللي أنا فاكراه. أردف وهو يقدم لها هاتفه: -هاتيلي نوع الموتوسيكل إللي الشاب ده كان راكبه. بحثت عن نوع دراجة معين حتى ظهر أمامها صورة نوع الدراجة. -كانت دي بالتحديد. كان ينظر للدراجة ذات اللون الأزرق بهدوء. وقام بتحميل الصورة على هاتفه. والتفت ليخرج ولكنها أمسكت بيده.
-جواد، ماتسبنيش هنا لوحدي. كانت عبراتها تسقط وهي تتحدث. طالعها بملامح مبهمة. ألم يحن الوقت لكي يضمها بقوة بين ذراعيه؟ ها هي الآن أصبحت مطلقة! ألم يحن الوقت أن ينتقم من تلك الشفاة الصغيرة التي لطالما تمنى أن يتذوقها؟ ولكن لا، جرحه منها أعمق مما يتصوره أحد. لقد أحبها للحد الذي لا أحد يستطيع أن يتخيله وقابل ذلك الحب جرحًا كان حجمه أضعاف ذلك الحب. لم ولن يُشفى قلبه منها. كيف؟ كيف فعلت ذلك بقلبه؟ كيف أحبت ساجد؟
كيف لم تحبه هو وخاصة أنه كان أمامها طوال الوقت. كان متواجدًا في كل الأوقات. كان يحميها دون أن تطلب حمايته. استنزف الكثير من طاقته في تلك العلاقة التي لم يكن لها مستقبل من الأساس. تحدثت مرة أخرى عندما لاحظت شروده بها: -جواد. استفاق من شروده على صوتها. أما هي فقد استأنفت باستفسار: -هو أنا زعلتك في حاجة؟ أنا حاسة إن في حاجة كبيرة أوي أنا عملتها وإنت زعلان بسببها. صمت قليلاً ثم أردف بهدوء:
-راجعي حياتك تاني يا شمس.. راجعي كل حاجة عملتيها وشوفي إنت زعلتيني ولا لا. -جواد أنا مابحبش الألغاز. أنا محتاجة أعرف منك إنت لإنك عمرك ماهتخبي عليا حاجة. تغيرت نبرة صوته للحدة قليلاً: -جبتي منين الثقة دي؟ اقتربت منه قليلاً ثم أردفت بهدوء وهي تنظر في عمق عينيه:
-مش عارفة. بس كل إللي أنا عارفاه يا جواد إن لو كل الناس إللي أعرفها اتفّقوا على أذيتي حتى لو كان بابي ذات نفسه. إنت الوحيد إللي عمرك ماهتتغير وهتحميني وهتفضل معايا. كان يطالعها بهدوء ولكنه رد على حديثها ذلك بخروجه من الغرفة دون أن ينطق كلمة واحدة. انهمرت عبراتها لأنها تشعر بالخذلان بالفعل!
يبدو أن جواد مُحق حقاً. يبدو أن روما وساجد اتفقا عليها ووقعت في مصيدتهما مع الأسف. اقتربت من الباب ووضعت مقدمة رأسها تستند بها عليه وهي تبكي. وفي ذات الوقت كان جواد ما زال يقف بالخارج مستنداً بظهره على الباب. ابتعد عن الباب قليلاً ينوي الرحيل ليكمل أعماله ولكنه عاد وتوقف أمام الباب مرة أخرى يضع يده على مقبض الباب يريد الدخول لكي يضمها بقوة بين ذراعيه. يريد أن ينسى ما حدث منها. يريد أن ينسى خذلانها له. آه لو تعلم كم عشقها لبكت ندمًا على ما سببته له ولكن لا. إنه لا يرضى لها الحزن يكفي ما عاشته.
منذ أشهر عديدة مضت:
كانت شمس تحاول أن تقوم بمراجعة محاضراتها لأن الامتحانات قد اقتربت ولكنها كالعادة لم تفهم شيء. انتبهت على بعض الرسائل التي أُرسلت إليها من ساجد. كانت رسائل رومانسية وفكاهية في آن واحد. كانت سعيدة جداً أنها قابلت إنساناً لطيفاً مثله. وبعد عدة ساعات انتهت من دردشتهما وقامت بغلق دفتر المحاضرات. خرجت من غرفتها وهي تدندن بسعادة. ثرية. تمتلك حبيب ثري. لديها والدها يحبها كثيراً. لديها روما توأم روحها. ماذا تريد بعد؟
إنها الحياة المثالية التي تتمناها أي فتاة في الحياة. لم تنتبه للذي يقترب نحوها حتى اصطدمت به وهو توقف يطالعها بهدوء. عقدت حاجبيها بضيق ورفعت رأسها متحدثة بضيق: -مش شايفني ماشية قدامك؟ أردف جواد بهدوء متجاهلاً ذلك الموقف: -رايحة فين؟ تعجبت من سؤاله ذلك ونظرت حولها تطالع منزلها ثم عادت تنظر له متحدثة باستنكار: -أفندم؟ إنت بتسألني أنا رايحة فين؟ وكمان في بيتي؟ ظل صامتاً ينتظر ردها وظلت هي تتحداه بنظراتها
حتى استسلمت وأردفت بضيق: -هقعد مع بابي شوية. همهم ثم تساءل بهدوء: -أخبار مذاكرتك إيه؟ أردفت بضيق: -وإنت مالك؟ ثم تحركت من أمامه ولكنه أمسك بذراعها لكي يجعلها تقف أمامه مرة أخرى وكرر سؤاله مرة أخرى ولكن بنبرة جادة: -أخبار مذاكرتك إيه؟ أردفت باستفزاز من طريقته تلك وهي تُبعد ذراعها من يده: -مش بذاكر. -ليه؟ تأففت بضيق ثم أردفت: -أنا حرة. براحتي. مش حابة أذاكر.
ثم تركته ورحلت ولكنه تلك المرة لم يوقفها. دخل غرفتها وظل يبحث في دفتر المحاضرات حتى وجد أنها بالفعل قد حاولت المذاكرة ولكنها قد فشلت. وجدها على بعض المحاضرات بكلمات تعبر عن عدم فهمها لتلك الجمل والمصطلحات المذكورة أمامه. تنهد ثم أخذ نفساً عميقاً يفكر فيما سيفعله لأجل أن تفهم تلك المحاضرات لأن امتحاناتها قد اقتربت ولا يريدها أن ترسب. يريدها فقط أن تنجح كي يتزوجها مثلما اتفق مع السيد بهجت سابقاً. لا يعلم كيف يحتمل بعدها هكذا. يريدها أن تُنهي دراستها في أسرع وقت. إن الانتظار مُتعب حقاً بالنسبة إليه. التقط هاتفه وطلب رقم صباح وانتظر عدة ثوانٍ لكي تُجيبه
وقامت بالإجابة بالفعل: -ألو. -مساء الخير يا صباح. إزيك؟ أردفت بهدوء: -بخير الحمدلله يا جواد بيه. ظل جواد صامتاً لا يدري كيف يتحدث أو كيف سيخبرها بما يريد أن يقوله. -ممكن تيجي لشمس البيت تشرحيلها؟ أردفت صباح بنفي شديد: -أنا آسفة لحضرتك يا جواد بيه. الفترة دي مش هقدر أتعامل مع شمس بعد إللي حصل منها. تنهد بإستسلام ثم أردف: -ممكن أطلب منك خدمة طيب؟ -أكيد. أردف بصعوبة: -هحتاج منك تشرحيلي أنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!