ليتني كنت أعيش بدون ذكرى. ليتني أُولد من جديد. ليتني أبدأ أيامي بصفحة بيضاء لم تُلوث بخطوط. فأُعيد بها ذكرياتي وأحلامي. سأرسمها حينها بعبير الفرحة. سأبنيها بركيزة من فولاذ. لن أتخلى عن بهجتي. فقط لو جائتني الفرصة. فاليوم أنا حبيسة ذكرى داخل قضبانها الحديدية. أحاطتني بسور منيع من الذكريات. أيامي تمر وساعاتي تمر. وأبقى وحدي في ذكريات مجهولة. فالذكريات لها قوة تحفر في القلوب. من قال إن الماضي يُنسى؟
فالذكرى تبقى ويبقى أثرها. فنظن عبثاً أنها قد مُحيت من ذاكرتنا. لكن يمر العمر والأيام. نقابل وجوهاً ونفارق وجوهاً. وكل يبقى له أثره في النفوس. ليمُر الزمان وتدق أجراس الوداع. لنَمضي تاركين خلفنا لحظات جميلة وأخرى حزينة. تبقى فقط كذكرى تُنقش على سطور النسيان. لتبقى في القلوب. ذكريات مجهولة. يتطاير في السماء تلفحه رياح الشتاء الباردة. ليلتف لعدة مرات ليقع هاوياً على الأرض محدثاً صوت ارتطام مزعج.
لم ينتبه له أحد فقد خلت الطرق من زائريها بهذا الوقت. فما زال الجو معتماً قبيل الفجر بقليل. لينقشع السواد وتظهر الخيوط البيضاء لتقطع سواد السماء معلنة ميلاد يوم جديد. بدأ المارة يتحركون مجيئاً وذهاباً دون الاكتراث لذلك الشيء الملقى بإهمال إلى جانب الطريق. ومع سطوع أشعة الشمس الذهبية التي داعبتها نسمات الصباح لتعم الكون بدفئها. انتشر الجميع في دوامة صباحية كل متجه لوجهته. فهذا يتجه نحو عمله. وهذا لقضاء مصلحته.
كذلك هؤلاء الأطفال الأبرياء بملامحهم البسيطة الملائكية. يرتدون ملابسهم الموحدة كزي خاص بالمدرسة. يحملون فوق ظهورهم حقائب ممتلئة. يسيرون ببطء متجهين إلى المدرسة بنشاط وحيوية. أخذ هؤلاء الأطفال بالالتفات يميناً ويساراً خوفاً من السيارات المتسارعة التي تحيط بهم. ليتقدم أحد الأطفال منحنيًا بجسده الصغير نحو هذا الشيء الملقى على الأرض ليلتقطه. وفى سرعة كبيرة التف أصدقاؤه من حوله متسائلين بفضول. "إيه ده؟!! أنت لقيت إيه يا
(براء) "وريني كدة عايز أشوف؟! لـ يلكز أحدهم صديقه بكتفه متشدقاً برقته ليستطيع النظر لما وجده صديقه. "وسّع بس يا (سيف) . خليني أشوف (براء) لقى إيه." سيف: استنى يا (علي) . أنا جيت الأول. براء بغرور: خلاص خلاص. أنا اللي لقيته. ده كتاب قديم. وأنا اللي لقيته. علي: هاتوه يا (براء) . شكله عاجبني. براء بإصرار: لأ. أنا اللي لقيته يعني بتاعي. سيف بغضب طفولي: اشمعنى بقى. ولا بتاعك ولا بتاعه. أنا عايز الكتاب ده.
براء: أنا الكبير وهعرف أقرأ فيه. أنتوا مش هتعرفوا. علي بحده: قلت لك هات الكتاب ده. براء بتحدي: لأ. بدأت مشاجرة بين الصغار. ليتهاوشوا فيما بينهم. ويزداد صياحهم وصراخهم بصوت عالٍ. لحقت بهم إحدى الفتيات الصغيرات من زميلاتهم بالمدرسة قائلة. أسيل: فيه إيه. بتتعاركوا ليه؟ براء: عايز ياخد مني كتابي يا (أسيل) علي: ده مش كتابه على فكرة. ده كان واقع في الأرض يعني مش بتاع حد. وأنا كنت هرجعه لصاحبه.
أسيل: وهو فين صاحبه ده. أنت تعرفه؟ علي: كنت هدّور عليه. براء: كداب. أنت عايز تاخده ليك أصلاً. أسيل: هقول للميس عليكم على فكرة. تركتهم (أسيل) وركضت باتجاه المعلمة التي كانت لا تزال تقف أمام بوابة المدرسة القريبة منهم لتبلغها بما حدث ولماذا تشاجر (علي) (براء) (سيف) اقتربت منهم المعلمة لتبتسم نحو الأطفال وطلبت منهم بحزم الدخول إلى المدرسة. المعلمة: بلاش تزعلوا بعض. هاتوا الكتاب ده وادخلوا كلكم جوه المدرسة يلا.
لينصاع جميع التلاميذ لما أمرت به المعلمة. نظر الأطفال بعضهم لبعض بغضب. ليتوجهوا إلى فناء المدرسة كالعادة للقيام ببعض التمارين الصباحية. لترافقهم المعلمة بعد ذلك إلى فصلهم. دلفت المعلمة لاحقة بالتلاميذ إلى فصلهم. لتضع أدواتها فوق سطح المكتب. واضعة معهم (الكتاب) الذي وجده الأطفال خارج المدرسة. شعرت المعلمة بالتساؤلات تعلو وجوه الأطفال في حيرة. فأي منهم سيحصل على هذا الكتاب؟ المعلمة: قولوا لي بقى. بتاع مين الكتاب ده؟
ليرد براء مسرعاً: بتاعي أنا. علي: لأ يا مس. مش بتاعه. هو لاقاه واقع على الأرض بره المدرسة. هنا فطنت المعلمة أنها يجب أن تتحلى بالذكاء حتى لا تسبب فتنة أو ضيق بين هؤلاء الأطفال. كذلك يبدو أنه دفتر قديم لا قيمة له. ففكرت على الفور بتحفيز هؤلاء الأطفال باستخدام هذا الدفتر أو كما يطلقون عليه "الكتاب".
المعلمة: طيب واضح كده إننا مش عارفين مين صاحبه. وأكيد هو قديم وصاحبه مش محتاجه. إيه رأيكم نعمل مسابقة جميلة في الفصل. واللي هيجاوب على كل الأسئلة يفوز بالكتاب ده. همهم التلاميذ بالموافقة. ليتحفزوا جميعاً للإجابة بتميز على أسئلة المعلمة التي تطرحها عليهم السؤال تلو الآخر بمهارة. وبعد انتهاء المعلمة من مسابقتها مع التلاميذ. لم يفز أي من الأولاد بالكتاب. بل فازت به الطفلة "سمر".
"سمر" فتاة جميلة صغيرة ذات ملامح طفولية بريئة. لكنها تتمتع بذكاء يفوق سنها. كذلك شقاوة محببة يعشقها كل المحيطين بها. أعلنت المعلمة فوز (سمر) بالمسابقة. لتمد يدها ملوحة بهذا الدفتر مطالبة (سمر) بالتقدم لنيل جائزتها. تقدمت (سمر) لتمسك بالدفتر بيديها الصغيرتين. وهي تشعر بسعادة بالغة لفوزها العظيم اليوم. عادت (سمر) إلى مقعدها مبتسمة بسعادة. لتضع الدفتر القديم بحقيبتها وسط زهوها بانتصارها على الجميع.
لتجلس بهدوء مستكملة اليوم الدراسي بصورة عادية. *** أوقف سيارة أجرة ليجلس بالمقعد المجاور للسائق بألفة. وكأنه يعرف السائق لأول مرة بحياته. لكنه في الحقيقة يرى هذا السائق لأول مرة بحياته. لكن هذه هي طبيعته الاجتماعية. "هشام". "هشام" شاب في الثامنة والعشرون. قمحي البشرة ذو شعر بني ناعم كثيف يلتف بعشوائية محببة. ذو أنف مدبب وسيم الطلعة. ذو لحية صغيرة نابته والتي زادت من وسامته وأكسبته مظهراً أنيقاً.
خاصة مع ارتدائه نظارته الشمسية وقميص صوفي أسود يعتليه جاكيت قصير بدون أكمام ووشاح صوفي ممزوج بين الأحمر القاني والأخضر الزيتي مع الأسود. مما أعطاه مظهراً مميزاً وملفتاً. وضع حقيبته الجلدية فوق ساقيه. وهو يتحدث بأريحية مع السائق في حديث طويل عن أوضاع الناس وقلة حيلتهم. فما كان من (هشام) سوى أن يبدأ فقط الحوار. ليستطرد السائق في سرد معاناته هو وغيره من المطحونين في دوامة الحياة. ليستمتع (هشام)
بهذا الحوار الذي يديره كلما استقل سيارة من سيارات الأجرة خلال تنقله من مكان لآخر. وسط هذا الحديث الذي لا ينقطع. اختلس (هشام) النظر إلى ساعته بنظرة خاطفة. فما زال أمامه بعض الوقت لوصوله إلى البيت الكبير. لكنه في داخله لا يشعر بأي اشتياق إطلاقاً للذهاب إليه. على الرغم من غيابه لما يزيد عن ستة أشهر منذ آخر زيارة له لهذا البيت وساكنيه. *** بإحدى المستشفيات. جلست في صمت ودمعة حفظت مكانها على وجهها.
تلك الدموع التي تساقطت في طريق محفوظ محفور بعينيها الذابلتين منذ أمد بعيد. كم تشعر بالوحدة. كم تمنت الموت. وكيف تحب وجودها في هذا العالم الذي لم يشعر بوجودها يومًا. كيف؟ سؤال طالما تردد صداه في رأسها. كيف تحب الدنيا التي لم تحبها؟ كيف تعيش بالدنيا في هذه الوحدة القاتلة؟ مسحت دمعتها بأطراف أصابعها. لتبتعد عن جلستها أمام النافذة متعتها الوحيدة بهذا البرد القارس. جلست على طرف الفراش قابعة بصمت.
لتتمدد بعدها محاولة النوم هاربة من واقعها البائس. *** تركيا. إسطنبول. يجب أن تسترخي قليلاً. فبعد عمل شاق لأيام طويلة. ها هو أخيراً يوم تستطيع أن ترتاح به وتستنشق هذا الهواء العليل ذو النسمات الباردة. "أميمة". "أميمة". "هو إحنا جايين هنا عشان تنامي؟! "أميمة". شابة في أواخر العشرينيات تتمتع بإطلالة ساحرة. ذات عيون بنية واسعة وشعر بنفس لون عينيها. وأنف دقيق وابتسامة هادئة. هدؤها المميز أعطاها غموضاً جذاباً.
لتُحاط بها هالة للتساؤل دوماً عن شابة مثلها. لكن صمتها كإجابة عن تساؤلات الجميع زاد من هالة الغموض حولها. لتجذب الانتباه من كل المحيطين بها. أميمة: أيوه. جايه أنام. عندك مانع يا (سيلا) "سيلا". فتاة تركية من أصل عربي. بيضاء البشرة ذات عيون خضراء. تص بغ شعرها القصير بلون أحمر ناري مزعج جداً خاصة لـ (أميمة) لكنها لن تتدخل. فذلك من حرية (سيلا) الشخصية. تعمل كمساعدة لـ (أميمة) وصديقة مقربة لها منذ خمس سنوات مدة معرفتها بـ
(أميمة) لطالما كانت الفتاة المخلصة وصديقة يعتمد عليها وقت الشدة. على الرغم من أن مظهرها يوحي بالنقيض. فيظهر عليها التمرد واللامبالاة. سيلا: لأ. أنا عايزة أخرج من مود الشغل. عايزة أرتاح وأتكلم كلام البنات. مش عايزة أنام أو أقعد ساكتة. أميمة: أنا عايزة كده. متوجعينيش دماغي. مش هيبقى في الشركة وهنا كمان. سيلا: أنا اللي الحق عليا إني جيت معاكِ. أميمة: قومي روّحي. سيلا: لو فاكرة إني جايه لك لوحدك تبقي غلطانة. وأشارت
(سيلا) بعينيها باتجاه طفل صغير أخذ يلعب بسعادة مع إحدى السيدات. استكملت (سيلا) حديثها مردفة. سيلا: أنا جايه عشان حبيبي "مينو". ولا أنتِ فاكرة إنك لوحدك اللي بتحبيه. ابتسمت (أميمة) فهي تعلم بصدق محبة (سيلا) لولدها "يامن" ذو الأربع سنوات. أميمة: طيب طالما بتحبيه كده ما تشوفي لي حل. (ماندي) هتسافر كمان يومين إجازة وهتقعد شهر في بلدها. ومش لاقية حد يساعدني مع (مينو) . وأنتِ عارفة ضغط الشغل اللي عندنا.
سيلا: طب ما أجي أقعد معاكِ الشهر ده. إيه رأيك؟ أميمة بإندهاش: حقيقي. ممكن تسيبي والدتك وتيجي تقعدي معايا؟ سيلا: وليه لأ. أنتِ عارفة هي بتحبك انتِ و (مينو) قد إيه. أميمة: يا ريت يا (سيلا) . لأني بجد مش لاقية حل. سيلا: أول ما (ماندي) تسافر هتلاقيني فوق دماغك. ولو حبيتي أجيب ماما كمان معايا. أميمة ضاحكة: لأ. كده هتعبيكم أوي أوي. سيلا: لا متخافيش. هي كمان بتحب (مينو) جداً كأنه حفيدها بالضبط.
أميمة: بجد. تبقوا عملتوا فيا معروف جامد في الشهر ده. وكمان البيت واسع وهنرتاح فيه كلنا. سيلا: اتفقنا يا مديرتي الحلوة. من بكرة هنبقى عندك. ضحكت (أميمة) وهي تواري ضيقتها. فما تعيش به لم يكن حلمها قط. *** المدرسة. انتهى اليوم الدراسي. ليخرج التلاميذ من المدرسة. بعضهم يسير على الأقدام كما جاءوا. وبعضهم يستقل سيارة أحد والديه. والبقية تستقل الحافلة الخاصة بالمدرسة. وصلت (سمر)
إلى الحافلة لتجلس بمقعدها التي تتخذه كل يوم استعداداً لعودتها إلى البيت. *** هشام. في الطريق. بعد قطع طريق طويل وسط هذا الزحام المروري الشديد. توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة كبيرة للبيت. والذي على الرغم من بهائه ورُقيه إلا أنه يبعث في نفسه الضيق. لكن (هشام) مضطر للمجيء إلى هنا. تقدم بخطوات متثاقلة نحو الممر المؤدي إلى داخل هذا البيت الكبير. فتح الباب بحرص وهدوء. لكنه لم يستمع لأي صوت بالداخل.
فيبدو أنهم جميعاً خارج المنزل الآن. تنهد (هشام) ليطلق زفيراً ينم عن الراحة. فآخر ما كان يود رؤيته أن يكون أحدهم موجود بالبيت. هشام: كويس أوي مفيش حد هنا. أخد اللي كنت عايزه بسرعة وألحق أمشي قبل ما يرجعوا. رفع (هشام) وشاحه الصوفي المميز إلى الأعلى. وهو يعدل من وضع حقيبته على كتفه. صاعداً الدرج إلى الدور العلوي متجهًا إلى غرفته القديمة. *** الصغيرة سمر. بعد مرور بعض الوقت وصلت الحافلة لبيت (سمر)
ترجلت منه الصغيرة بثقة متوجهة نحو البوابة الكبيرة التي وجدتها مفتوحة على غير العادة. تقدمت إلى داخل البيت لترى من هذا الذي وصل إلى البيت قبلها وقام بفتح البوابة. فعادة الجميع يصلون بعد مجيئها. *** المستشفى. جلست تتناول الحساء الذي وضعته لها الممرضة منذ قليل. فهي لا تستطيع تناول أكثر من ذلك لحالتها الصحية المتدهورة. بعد عناء طويل تمكنت من تناول ربع طبقها. وهذا يعتبر إنجازاً كبيراً في حالتها الصحية.
تلك الحالة الفريدة التي سببت لها ألماً وضيقاً فوق ضيق وحدتها. بالإضافة إلى ذلك الهم الثقيل الذي أثقل كاهلها. دون التوصل لمعرفة من أين ستستطيع سداد تكاليف العلاج بهذه المستشفى. وكأنه لا يكفيها همومها. فليأت علاجها وتكاليفه هم إضافي يضاف إلى ما عندها من هموم. *** في البيت الكبير. تقدمت (سمر) بخطواتها الشقية المرحة تبحث بين أرجاء البيت عمن قد وصل قبلها. صعدت السلم المؤدي إلى الغرف بالدور العلوي.
وهي تتلفت ناظرة نحوهم لاكتشاف من وصل قبلها. سمعت صوتاً بغرفة أخيها الحبيب (هشام) الذي طال غيابه ولا تعرف عنه شيئاً منذ فترة طويلة. تقدمت نحو الغرفة ناظرة بعينيها الصغيرتين. لتقفز بفرحة فور رؤيتها له. سمر: هشـــــااااااااام! التفت (هشام) إليها ليجد ملاكه الصغير يقف بالباب. اتسعت ابتسامته الساحرة. ليل قي بالحقيبة المعلقة بكتفه فوق الفراش. فاتحاً ذراعيه بقوة إشارة لهذه الصغيرة. لتندفع بقوة نحو (هشام)
ملقية نفسها بين ذراعيه محتضناً إياها. فكم اشتاق إليها. وهي فقط. سعادة غامرة تجلت على محيا تلك الصغيرة. فكم اشتاقت له وافتقدت وجوده بالفعل. هشام: وحشتيني أوي أوي أوي. عاملة إيه يا (سمور) سمر: أنت كنت فين يا (هشام) . أنت وحشتني أوي. هشام: كان عندي شغل كتير أوي أوي حبيبتي. سمر بحزن طفولي: طيب اقعد معانا. عايزك تقعد معايا يا (هشام) . مش عايزك تمشي. هشام: طيب والشغل. أسيب الشغل يعني؟
سمر: ماليش دعوة. محدش هنا بيحبني زي ما أنت بتحبني وعايزاك تبقى عايش معايا هنا على طول. هشام: بجد مينفعش يا (سمور) . أنتِ عارفة إني صحفي. وشغلي لازم أسافر كتير. و… قاطعته (سمر) قائلة بذكاء يفوق عمرها الصغير: سمر: هقول لبابا وماما مي'عملوش حاجة معاك ولا يزعلوك خالص. توتر (هشام) من ملاحظة (سمر) أن علاقة (هشام) بهم غير طبيعية ويشوبها العراقيل والمشكلات. هشام مستفسراً: قصدك إيه يا (سمر)
سمر: أنا فاهمه كويس خناقاتكم على طول وإن بابا وماما بيزعلوك. أنا مبقتش صغيرة. أنا عارفة إن هو ده اللي مخليك بتسافر ومش عايز تقعد معانا. ابتسم (هشام) لفطنة أخته الصغيرة التي تشبهه كثيراً. هشام: ولو. مينفعش تتكلمي في حاجات زي دي. إنتِ لسه صغيرة. تمام. نكس (سمر) رأسها بحزن: حاضر. هشام: أنا جيت آخد الملفات والورق بتاعي ده وماشي على طول. متقوليش لحد إني جيت يا (سمور) . ماشي حبيبتي. أومأت (سمر) رأسها بحزن.
لتضع وجهها بالأرض لتخرج من غرفة (هشام) بصمت. جلس (هشام) على طرف الفراش حزيناً لما آل إليه الوضع ببعده عن أهله. هشام في نفسه: ربنا يسامحكم على اللي بتعملوه معايا. نهض واقفاً مرة أخرى ليجمع بقية الأوراق التي جاء من أجلها حتى يرحل قبل عودتهم من الخارج. وضع جميع أوراقه والاسطوانات التي كان يريدها بحقيبته الكبيرة. واستعد للرحيل مرة أخرى من هذا البيت قبل أن يلاحظه أحد. فوجئ (هشام) (سمر)
واقفة أمامه بعينيها البريئة الممتلئة بالحزن تترجاه ليبقى. سمر: عشان خاطري خليك يا (هشام) هشام أطبق شفتيه بأسى: (سمر) . حبيبتي. أوعدك إننا في يوم من الأيام هنرجع نعيش سوا مع بعض. بس دلوقتي صعب أوي. سمر: وأنا هستناك. ربت (هشام) على رأس (سمر) بحنان. ليقبلها قبل توجهه نحو باب الغرفة منصرفاً بسرعة. حين نادته (سمر) قائلة. سمر: هشـــــااااام. التفت إليها (هشام)
بعيون تملؤها الحزن لهذه الصغيرة التي تفطر قلبه بتركها بهذه الصورة. سمر: خد ده. هدية مني ليك. ومدت (سمر) بالدفتر القديم الذي حصلت عليه كجائزة بالمدرسة نحو (هشام) ليمسكه بتعجب واندهاش من شكله القديم المهترئ. هشام: إيه ده؟ سمر: ده كتاب أخدته هدية في المدرسة النهارده. خده أنت يا (هشام) ابتسم (هشام) على براءة (سمر) ليمُد يده بجيب الجاكيت مخرجاً هاتفا محمولاً ليقدمه لـ (سمر) قائلاً.
هشام: هاتي الكتاب وخذي التليفون ده هدية مني عشان أعرف أتصل بيكِ وأطمن عليكِ. سمر بفرحة: تليفون. ليا أنا!!!!! أنا هخبيه عشان محدش يعرف إنه معايا. رفعت قدميها لتقف على أطراف أصابعها محاولة الوصول لـ (هشام) لتقبله على وجنتها. فانحنى لها (هشام) حتى تصل إليه. ثم ابتسم (هشام) لأخته الصغيرة. ومد يده وأخذ الكتاب ووضعه بحقيبته. وقبل رأسها بحنان خارجاً من باب الغرفة. فوجئ (هشام) عندما هبط درجات السلم بـ (هايدي)
تدلف من الباب بغرورها المعتاد. لحظة لم يكن يريدها (هشام) مطلقاً. ود لو أن مجيئه كان في الخفاء ورحيله أيضاً بالخفاء. لكن الحظ لم يكن حليفه. "هايدي". كانت "هايدي" تختلف تماماً عن (هشام) فكانت تميل إلى القصر بعيون ناعسة تهتم بالمظاهر جداً. فتاة في العشرين من عمرها ذات بشرة بيضاء باهتة. أخفت عيوبها بالكثير من مساحيق التجميل. حتى تكاد لا تدرك ملامحها الحقيقية من كثرتها. تفاجأت (هايدي) برؤيتها لـ (هشام)
بعد هذا الغياب الطويل. هايدي: أهلاً. أهلاً. أخيراً شفناك. هشام: أنا مش فاضي للتريقة بتاعتك يا (هايدي) . بعد إذنك. أزاح (هشام) (هايدي) عن طريقه بمد كف يد منحياً إياها بعيداً عن طريقه متوجهاً إلى الخارج. هايدي بسخرية: متستعجلش أوي كده. بابا وماما بره على فكرة. أغمض (هشام) عيناه بحسرة. فقد فشل فيما حاول الهروب منه بلقائهم الآن. والذي يدرك تماماً ما سوف يحدث مجدداً. التفت إليها (هشام) بملل. هشام: والمطلوب؟
هايدي: ولا حاجة. بقولك بس. تركته (هايدي) لتصعد إلى غرفتها مباشرة. فهي لن تزعج نفسها بمشاجرة والديها مع (هشام) الآن. تقدم (هشام) نحو الباب ليفتحه. فقد نفذ السهم وباتت مقابلتهم معهم أمر محتوم. نظر (هشام) نحو والده وزوجة أبيه يقفان أمامه في استعداد للدخول. ليقفا لبرهة في مقابلة (هشام) "معروف" والد (هشام) تاجر متمرس مشهور يعرفه الكثيرون. فهو يعمل في مجال التجارة محققاً ربحاً مادياً كبيراً من هذا العمل.
حيث أقام بإنشاء شركة ضخمة تدر عليه ربحاً مادياً عالياً جداً. لكن على الرغم من ثرائه إلا أنه كان قاسياً جداً على (هشام) ابنه من زوجته الأولى. والتي تزوج بعد وفاتها مباشرة من (جيهان) سيدة المجتمع المعروفة برقيها وسمعة عائلتها المعروفة. كانت (هايدي) ابنة (جيهان) الوحيدة ومدللتها الصغيرة. والتي حازت على اهتمام كبير من (معروف) ليصل بدلالها إلى قلب وارضاء (جيهان) ليرزقا فيما بعد بـ (سمر) أخت كل من (هشام) (هايدي) نظر
(معروف) إلى (هشام) باستهزاء. معروف: شرفت أخيراً. خير. إيه اللي جابك؟ هشام: كنت باخد ورق مهم وماشي على طول. معروف: أنت فاكرني مغفل ومش عارف أنت جيت هنا ليه. لا. أنا عارف كويس. أنت جاي تاخد فلوس. هشام: فلوس!!! لأ طبعاً. ولا عايز منكم فلوس ولا عايز منكم حاجة. أنا ماشي. "جيهان" زوجة والد هشام: أنت فاكر إننا هبل ولا إيه؟ قول أخدت إيه من البيت واحنا مش هنا؟ هشام بحده: قلت لكم مجرد ورق بس. ولا عايز ولا هعوز منكم حاجة أبداً.
جيهان: فتّشه يا (معروف) توجه نحوها (هشام) بنظرات غاضبة تعلو ملامحه الصدمة. هشام: إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!