نهض يتطلع إلى الموظفين المعلقين أعينهم إبلامًا على دخولها المفاجئ دون استئذان، ثم عاد ببصره لها شزرًا. ليهتف مراد بجمود: اتفضلوا برة كلكم. نصاع الجميع لأمره وخرجوا فورًا، لتدلف نانسي للداخل قبل أن يفتح فمه، وتهتف بزمجرة: إنتي ازاي تزقيني وتدخلي من غير إذن؟ أنا عفريت الدنيا كلها بتتنطط قدامي، إبعدي عني السعادي أحسن آكل دراعك التاني!
صاحت فريدة بتذمر حانق، لتتراجع نانسي بقدمها للخلف وهي تبتلع ريقها خوفًا منها، فالمرة الأخيرة قد تركت جرحًا ليس بالبسيط، لكنها حاولت أن تبقى قوية. عادت برأسها لمراد وهي تقول بحنق: عاجبك قلة ذوقها يا مراد؟ انت لازم تطردها، مش عارفة ازاي انت قابل تشغل عندك المناظر العجيبة دي! قالت وهي تكمش وجهها باحتقار لها، وقبل أن ترد عليها فريدة التي بدا على وجهها الغضب، هتف مراد بهدوء مزيف: نانسي، اخرجي برة.
اندفعت بوجهها له والذي صعدت إليه الدهشة وتهمس مستنكرة: انت بتقول إيه؟ أنا اللي أخرج؟ أيوة، ولما أقول الكلمة تتسمع ع طول. شعرت فريدة بالانتصار قليلًا، بينما نانسي احتقنت الدماء بداخلها، لتهم مغادرة من المكتب قبل أن تعطيها نظرة غيظ شرسة. علق مراد زمردتيه على فريدة ثم استدارت هي إليه فوجدته يحدق بها بنظرات لا تفهم. أهو غاضب أم هذه نظرات طبيعية؟ شعرت بالاضطراب يصيب جسدها، ليحمحم هو ثم تساءل في هدوء وهو يجلس: خير؟
مالك بتكلمني بقرف ليه؟ هو أنا جاية أشحت منك؟ هتفت بحنق وهي تكتف بذراعيها، وكأنه سألها «ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟ ليرفع بمقلتيه ينظر لها في صمت غريب، يخفي في صدره الغيظ، يتمسك بذرات الصبر لديه. لينطق قائلًا بهدوء: أنا بتكلم عادي، انتي اللي بترجمي نبرتي وحروفي غلط، ودة مش ذنبي! اصطكت أسنانها بقوة لهتافه المستفز، ثم هتفت باستهجان: والله؟ يعني تقصد أني غبية؟!!!
إنكِ أغبى شخصًا رآه بحياته، متهورة، هوجاء، لا تدري ماذا ستوصلها تصرفاتها الرعناء. حمحم ثم قال: أنا مقولتش كدة، وبعدين كل اللي قولته "خير؟ " مفيش داعي للإنفعال دة كله! استنكرت: أنا منفعلة؟ أنا مش منفعلة خالص على فكرة. قالت وهي ترفع بكتفيها وتمثل الهدوء كونها لا تريد أن ينجح في إزعاجها ويتغلب هو عليها. فتردف وهي تضغط بكلماتها: كل الحكاية إني ماحبش حد يكلمني وهو مش طايقني! نمت ابتسامة جانبية ساخرة على ثغره،
ثم يقول بنبرة غير مبالية: لا متقلقيش، مفيش سبب أصلاً يخليني ماطقكيش، الموضوع مش مستاهل كل دة. اتفضلي حضرتك قولي اللي عايزاه! كان الأمر أشبه بلعبة الملاكمة، دفاع وهجوم بينهما. زمّت فريدة شفتيها بقوة، كلما رمت إليه بسهام كلماتها المشتعلة بقصد إثارته، ردها إليها خامدة مفتتة. لتهتف بسرعة ودون إدراك: عايزة بطاقتي، ممكن تديهالي عشان اتأخرت!!! البطاقة؟ كل هذا من أجل البطاقة؟
لا يدري لم شعر أن الأمر يتعلق بشئٍ آخر، حتى أن فريدة نفسها تعجبت، لا تدري كيف جرت هذه الكلمات على لسانها، رغم أنها نسيت أمر البطاقة بتاتًا. وعلى أي حال فقد انبسطت أساريرها لذكائها المفاجئ. هو إنتي جاية عشان البطاقة؟ سأل فترد بإجابة ماكرة: أكيد، وهو في حاجة ما بينا تاني غيرها؟ كان نفيها أشبه بسؤال حقيقي له، لينهض من مجلسه ويضع يده في جيب بنطاله، ليقول بخبث أكبر:
كان ممكن تقولي لنيرة تجبهالك، يعني دي حاجة مش مهمة للدرجة، عشان تيجي بنفسك تاخديها. حاولت ألا تنفعل: لأ مهمة، وكمان أنا مبقتش عايزة أشتغل، فجيت أقولك بالمرة ما تعملش حسابي، ممكن بقا تديهالي عشان حضرتك معطلني؟ فردت ساعدها وهي تفتح براحة كفها، ليضحك بصوت خفيض سخرية منها، ليزيد هذا من استفزازها فتندفع اغتياظًا: انت بتضحك على إيه؟
أصل محسساني إني دونت إسمك في قايمة المقبولين، أو بعتلك مثلاً طلب مختوم، وبقولك فيه لازم تحضري ضروري عشان الشركة في أشد الحاجة لمهاراتك العالية! تهكم هو لاستشاط غضبًا وترفع صوتها وهي تقول: انت بتتريق عليا يا مراد؟ طبعاً منا مش زي الهانم اللي برة، واللي فضلت تمدح فيها وفـ شهاداتها وقد إيه هي أكتر حد مناسب للشغل معاك، وف الآخر شغلتها سكرتيرتك الخاصة!
شعر في نبرتها العتاب والاستياء، من بين صياحها المتذمر، ضيق ما بين حاجبيه تعجبًا لهذا، بينما هي لم تشعر بحالها وهي تهتر بتلك الكلمات، رغم أنها حاولت ألا تنفعل وترست بروية قليلًا، بعد أن جاءت إليه وهي مقررة توبيخه! هو انتي مضايقة عشان شغلت نانسي سكرتيرة؟! قد جف حلقها من سؤاله، هل بدا له أنها غاضبة؟ هل بدت غيرتها واضحة؟ يجب سريعًا أن تزيل تلك الفكرة من رأسه. وأتضايق ليه؟ وأنا مالي أصلاً، هي شركتي ولا شركتك؟
استنكرت بهدوء ثم تابعت: اديني البطاقة خليني أمشي لو سمحت. زفر مراد بقوة ثم قال: بطاقتك في شئون العاملين، روحي استلميها من هناك!
أشار برأسه حانقًا، احتبست أنفاسها داخل رئتيها وهي ترى نظرة تلوح لها أنه لا يكترث لها على الإطلاق. حاولت ألا تظهر لمعة دموعها وخرجت وهي تشعر بالاختناق، ونهرت نفسها بقوة على اتباع هواها ولم تستمع لعقلها، اللعنة كم أضاعت عزة نفسها ولطالما هي كانت دائمًا تحافظ عليها، وبالأخير قد انتصر هو بالنهاية، كما هو الحال في كل مرة.
هز رأسه استنكارًا وهو يجلس، أصبح الأمر أكثر تعقيدًا، لم يقصد إهانتها هذه المرة قط، بل كان يشاكسها لكن طيشها أصبح جنونيًا، أخبرها أن بطاقتها ليست بحوزته؛ حتى يغيظها، وهي في الأساس بالمنزل معه منذ اليوم الذي نسيتها به. _احنا عرفنا مكان معتز. دخل المقدم محمد عاطي «الضابط الذي حقق مع فريدة» مكتب تميم وهو يهتف، لينهض تميم من مقعده وقد ارتسمت علامات الفرح على محياه فورًا: حبيبي يا عطعوط.
ما بلاش ميتين الدلع الماسخ بتاعك دة! انزعج عاطي منه، ليتحرك الآخر من خلف المكتب ويقول: يا عم بلاغيك، وبعدين انت واقف هنا ترغي في كلام فاضي وسايبين معتز لغاية ما يهرب. لا يخويا متقلقش أنا بلغت المباحث وزمانهم قابضين عليه دلوقتي! _هبط من السيارة باندفاع ووجه عابس محمر بشدة، وكان الغضب يعصره من الداخل، جاء إلى منزل مراد محملًا بالبراكين ستنفجر بوجهه. ودخل من الباب الرئيسي فيقابله العم بركات بالترحيب:
أهلاً يا عثمان باشا. لصيح به بحدة: مراد فين؟ انتفض ليرد: في الڤيلا جوة. أكمل عثمان في طريقه حتى وصل لباب الڤيلا وفتحت العاملة له الباب فـ راح يزعق بقوة وهو يدلف: مــراد، يا مـــراد!! سمع مراد من حجرته بصوته لفتح الباب ويتحرك بالمرور إلى أن وصل للدرج وهبط بروية ليتساءل: حضرتك اللي بتزعق كدة؟ أيوة أنا. صاح متشنجًا وأردف:
معتز اتقبض عليه وكله بسببك انت، عملت اللي في دماغك وفضلت وراه لغاية ما خليتهم يقبضوا عليه، ما عملتش حساب للقرابة ولا إنه ابن عمك من لحمك ودمك! ليتكلم برزانة: حضرتك أنا معرفش إنه اتقبض عليه، وأنا ما كنتش بطارده، دي المباحث هي اللي كانت بتدور عليه! ليعلا صراخه بعصبية: انت اللي عملت خطة ووقعته. حذره بحدة طفيفة:
عمي .. أنا معملتش خطط هو اللي وقع نفسه في ورطة وكان هياخدني معاه فيها، بلاش كل مرة تحملني نتيجة أخطائه، لو كنت سمعت كلامي وخدت معاه موقف وأدبته مكانش وصل للي هو فيه. معتز مش هو السبب في اللي عمله، انت اللي وصلته إنه يبص لكل حاجة حواليه على إنها بتاعته وملكه، أصبح بالنسبة له أي شئ مباح في سبيل إنه يبقى معاه فلوس ويحافظ على مكانته في المجتمع، ماتجيش دلوقتي وتلومني عشان غلطة ارتكبها في حق نفسه قبل ما يغلط في حقي!
صمت عثمان لبرهة ثم تمتم بنبرة يغلفها البغض: انت بتتهمني إني ضيعت ابني؟ هو انت فكرك لما تقوللي كده هترجاك ترحمه؟ طول عمري بعمل اللي أنا عايزه يا مراد، ماحدش في الدنيا دي قدر ينتصر على عثمان الحديدي. ماحدش في الدنيا دي حاول يقف قصادي أو يلوي دراعي، مهما اللي حواليا حاولوا في الآخر بيأذوا نفسهم! كانت نبرته تشبه الحية السامة، التي تلدغ الآخرين غفلة وتتركهم يتلووا ألمًا، ليردف مراد بنفس نبرة عثمان وهو يتطلع إلى
عينيه المتبجحة بالقرب منه: زي مثلاً اللي عملته في عز الدين وخليته يبعد عن نيرة أختك؟ نزلت تلك الكلمات على مسمعه كالصاعقة، ليتراجع إلى الخلف ومقلتيه جحظت بقوة من هول ما سمع، ليهمس بصوت مضطرب يكاد يخرج من حنجرته: انت بتقول إيه؟ ومين قالك الكلام ده؟ هتف مراد متهكمًا: إيه يا عمي مالك خايف كده ليه؟ فين الثقة اللي كنت بتتكلم بيها من شويه؟ ده أنا فجأة حسيت إن عادل أدهم واقف قدامي!!
بدأ الخوف يلعب دوره في عقل عثمان، ساقيه يرتجفان من نظرات مراد التي تتهمه، ليقول بتلعثم: أنا مش فاهم انت بتتكلم عن إيه! عض على أسنانه بقوة: لا فاهم، وعارف كويس أنا أقصد إيه! انت ضيعت نيرة بأنانيتك، عمرها راح هدر وكله بسببك. عمرك ما صحي ضميرك ولا مرة وانت بتبصلها كل يوم وهي بتتعذب؟ ولا مرة حسيت إنك ظالمها وجيت عليها؟
قتلت شبابها وحبها، دوست على قلبها تحت رجلك بجزمتك من غير رحمة، كأنك جبت سكينة مؤلمة وغرزتها جوة قلبها وفضل الجرح ينزف وينزف وانت بتتفرج عليها ومستمتع بعذابها... كان مراد يهدر بقلبٍ ممزق وصوت يخرج شجيًا، ثم أردف: وفوق ده كله كنت عايز تقتلها وتسوأ سمعتها وكل ده ليه؟ ده اللي أنا نفسي أعرف إجابته ودورت عشان أفهم ملقتش له سبب! عشان ده مكانش من مقام العيلة ولا ينفعها. همس بغليل ليهتف مراد نفيًا:
تؤتؤتؤ، الكلام ده تقوله لحد غيري، حد زي عز الدين، إنما أنا عارف ومتأكد إن وراك سبب قوي للي عملته، سبب مفيش حد يعرفه غيرك! سبب وراه كره كبير لنيرة. ارتعش قلب عثمان، من نبرة مراد التي تلوح بشيء. ابتلع لعاب حلقه الجاف بصعوبة، جفف عرقًا وهميًا ليستنكر باضطراب في نبرته: يعني هيكون السبب إيه؟ وليه أكره نيرة؟ دي أختي وكنت عايز مصلحتها! أطلق ضحكات ساخرة أصدحت بالمكان، ثم قال: آه منا عارف إنك بتخاف على المصالح أوي.
وانت مين عشان تحاسبني أصلاً؟ تذمر عثمان ليجيب مراد: أنا أبقى عيلة نيرة كلها، والمسؤول عنها. وبعدين أنا مش بحاسبك أنا حبيت أعرفك إني عرفت كل حاجة، وعشان أنا خايف من صدمة نيرة؛ مش هقولها اللي عرفته، لأن كلام زي ده ممكن يقضي عليها. حاول كبح جماحه: بس اللي عرفك ضحك عليك، أنا ماكنتش بهدد بقتل نيرة، أنا بس كنت ببعده عنها! تنهد مراد بقوة ثم قال:
تهدد أو لأ، النتيجة واحدة. روح يا عمي شوفلك محامي شاطر يقدر يخرج معتز من الورطة اللي هو فيها! جز عثمان على أسنانه بقوة ثم التفت مغادرًا والدماء تغلي بعروقه، لا يدري من الذي أخبر مراد بكل هذه التفاصيل؟ لا أحد يعرف سواه وهذا الذي يدعى بـ عز الدين، هل التقى به وأخبره؟ بعد ما هذه السنوات!!!! لمَ؟ وكيف تعرف عليه؟ اللعنة لقد استزاد الطين بلة.
أفضى مراد ما في جعبته في وجه عثمان، ليشعر بالراحة قليلًا، رغم كونه إن فعل أكثر من ذلك لن يستطيع أن يعود بالزمن ويصلح كل شئ لأجل نيرة، ليت يستطيع. _تضجع على بطنها فوق فراشها ترسم ملامح استياء طفولي وهي تتذكر ما حدث البارحة، لقد تبعثرت كرامتها، كانت تريد أن تطيح به، فراح هو يقصف بها. تبًا لوقاحته، ألا يحترم أنوثتها ولو قليلًا؟ منذ رؤيته وجعلها تفقد عقلها بسبب تصرفاته تجاهها. ظلت تردد بداخلها «أكرهك مراد، أكرهك، أكرهك».
فريدة! هبت مفزوعة من مضجعها لهتاف أبيها، فيردف: لا مؤاخذة يا بنتي دخلت عليكي فجأة وخضيتك. تنفست الصعداء: ولا يهمك يا بابا، تعالى. أشارت إليه أن يقترب ويجلس بجوارها، ففعل، فتميل هي برأسها على كتفه، ليضع راحة يده على رأسها بحنو: كنتي فين امبارح؟ رفعت برأسها وهي تحرك مقلتيها باضطراب، فترد بتلعثم: روحت أجيب بطاقتي من الشركة. نهض عز وهو يقطب وجهه احتحاجًا، لتتأمل فريدة ملامحه تعجبًا: مالك يا بابا؟
إيه اللي خلاكي تروحي تاني يا فريدة؟ احنا مش خلصنا خلاص؟ أكد باستياء ثم أردف بتذمر: مكانش في داعي للي عملتيه، ليه مقولتيش لنيرة أو صاحبتك نرمين تجيبهالك، مش حجة يا فريدة عشان تروحي. تساءلت ببساطة وهي تنهض: ليه كل الانفعال ده يا بابا؟ يعني وفيها إيه لو روحت لـ نيرة زي الأول؟ صاح بقوة:
لأ لأ، انتي ما ينفعش يبقى ليكي أي علاقة بمراد بعد ما مد إيده عليكي، وأنا المرة اللي فاتت محبتش أزعلك، لكن دلوقتي غصب عنك لازم تسمعي الكلام! ترقرقت الدموع بحدقتيها ليقترب منها عز ويسألها في حنو: فريدة، انتي فيه حاجة لـ مراد في قلبك؟ هبطت عبراتها على وجنتيها بضعف وهي تنظر إليه، ثم أجهشت بالبكاء، وصوت شهقاتها يصيب قلب عز بارتجاف. اقترب منها وضمها بلطف وهو يمسد على شعرها برفق:
بس يا حبيبتي، ماتعيطيش. فريدة أنا مش عايزك تتعذبي، مش هسمح لحاجة تمس قلبك بضعف أو تكسره، مهما كان هو مين متعلقيش نفسك بحبل دايب، متغلطيش نفس غلطتي عشان هتتعبي، وانتي مش هتستحملي، انتي لسة في الأول يعني ممكن يكون شعور وهمي مش أكتر، أوعديني إنك تحاولي تنسي، ها؟ هزت برأسها في حضنه، ثم رفعها عنه وهو يضم بوجنتيها براحتي يديه ويمسح دموعها برفق، ثم طبع قبلة على جبينها، وضمها إليه مرة أخرى.
يتمنى عز الدين أن يكون ما تشعر به فريدة هو مجرد إعجاب ليس إلا، لطالما كان يود أن تحب شخصًا من بيئتها حتى لا تقع في شِباك الحب المستحيل، خصوصًا أنه لا يعرف نية مراد نحوها وهل بالفعل يطاردها لأجل الانتقام، أم يكن لها مشاعر، وإن ثبت ما تشعر به حبًا حقيقيًا فلن يستطيع إرغامها على نسيانه، وإلا نسي هو إذا كان الأمر بهذه البساطة. _أبوس إيدك يا بابا خرجني من هنا، أنا لو اتحبست هموت، صدقني هموت.
هتف معتز مرتبكًا وهو يجلس على مقعد أمام والده وبجواره نانسي التي قالت مهدئة إياه: متقلقش يا معتز، أكيد دادي هيتصرف. ليقول معتز وأوصاله ترتعد: كلم مراد يا بابا، أنا متأكد هو يقدر يعمل حاجة ويخرجني! لينهض عثمان متذمرًا: انت عايزني أروحله تاني! أساساً هو اللي عمل فيك كده، وانت طلعت غبي وما عرفتش تتدارى ولا عرفت تتصرف في الفلوس اللي معاك، طول عمرك حمار كبير. يعاتبه؟ هل هذا الوقت المناسب لذلك؟
شعر معتز بالحزن في قلبه، لينهض بضعف من مكانه ليقول بدموع معلقة ونبرة شجية: انت بتحاسبني دلوقتي يا بابا؟ ومش عايز تتنازل عن كبريائك عشاني! رفع عثمان بصره فيقول بلا مبالاة: وانت منجدتش نفسك ليه؟ كنت هربت برة البلد ولا خليتهم يقبضوا عليك. ع العموم المحامي بيحاول يشوفلك ثغرة يطلعك منها! أنهى حديثه ثم تحرك مغادرًا، لتقترب منه أخته وتضع كفها بخاصته وتهمس: أنا هكلم مراد يا معتز، هحاول أخليه ييجي يشوفك. رفع جفنيه إليها:
بجد يا نانسي؟ هتعملي كده علشاني؟ أومأت برأسها ثم احتضنته قبل أن تغادر. شعر ببصيص من الأمل يزين موقفه، يتمنى أن يلبي مراد طلبه ويأتي لزيارته، رغم كل ما فعله فيه إلا أنه يتمنى ويأمل ذلك وبشدة. _مراد، مراد. صاحت نيرة وهي تهرول خلف مراد بالمرور في الشركة، ليقف ويستدير لها، ويسألها بتعجب: مالك يا نيرة؟ بتجري كده ليه؟ اقتربت منه وهي تحاول ضبط أنفاسها المضطربة، ثم تقول: سمعت إن معتز اتقبض عليه؟
أيوة، الشامي كلمني وقاللي، وهيتحول على النيابة بكرة وكمان هيطلبوا شهادتي. قال وهو يتحرك في مساره، وتلحق نيرة به وهي تقول برعشة في صوتها: طب هتعمل إيه؟ هتشهد ضده؟ وقف فجأة ونظر لها بتمعن: انتي خايفة عليه ولا إيه؟ ها؟ أنا خايفة عليه؟ ضربات غير منتظمة سيطرت على قلبها، ليهز مراد رأسه -وهو يكمل طريقه -استنكارًا بطيبة قلبها التي توقعها دائمًا في المصائب. دلف إلى مكتبه وجلس على المقعد ودخلت هي خلفه وهي تتساءل مجددًا:
مردتش عليا يا مراد، هتشهد ضده؟ لأ يا نيرة، أنا هقول اللي حصل. ضغط على أسنانه بحنق وهو يردع غضبه عنها. جلست أمامه فقالت: يعني إيه؟ تذمر: تقصدي إيه بسؤالك؟ هزت رأسها رعبًا من نبرته: لا ولا حاجة! _يجلس منهمكًا في تصنيع واجهة مركب بالورشة، يحاول ألا يفكر كثيرًا، موضوع ابنته يشغل جم عقله، أنه لأمر مزعج أن تعرف بأن ابنتك تقف على حافة هاوية وعلى وشك السقوط نحو ستار العشق المدمر ولا تستطيع فعل شئ. ليوقظه من
شروده صوت أحدهم وهو يقول: عم عز. رفع رأسه لتقع عيناه على أسامة: أهلاً يا أسامة ازيك. قام ليسلم عليه ثم أشار إليه بالجلوس: اتفضل تعالى، أخبارك إيه؟ بخير والله يا عم عز. ربت عز على ركبته بابتسامة ثم سكت أسامة لهنيهة وأردف: عم عز أنا جايلك في طلب. عقد حاجبيه وهو يقول: اتفضل يا أسامة. تنهد فقال دون أي مقدمات: أنا عاوز أتجوز فريدة بنتك...........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!