تفاجأ أردغ بأشرقت تدلف الغرفة، وجهها شاحب بشدة، شفتيها مرتعشتين، يديها باردة كبرود الجليد. لا يعلم ما بها، وما الذي أوصل حالتها إلى تلك الحالة. كانت منظرها كمن رأت عفريت أمامها فـ انْفَزَعَتْ من رؤيتها له. توجه لها أردغ سريعًا وهو يشعر بالقلق بسبب منظرها هذا، فقد مس أوتار قلبه بشدة. أردف قائلًا لها بنبرة خائفة، قلقة، مليئة بالاهتمام: "إيه يا أشرقت مالك..؟!
تنفست أشرقت بصوت مسموع، وهي تحاول بأقصى ما لديها من جهد أن تهدئ من ذاتها. تحاول أن تستوعب ما سمعته الآن، فهي بعمرها لن تصدق أن يحدث هذا. تمتمت بخفوت مجيبة إياه، وهي تبتلع ريقها بتوتر وخوف، تشعر أنها كانت كالبلهاء: "س.. سمعت مرام بتكلم ماجد، وكانوا بيتفقوا على.. على.." صمتت، ولا تعلم ماذا تتحدث. فهي لا تعلم بالعلاقة الغير شرعية التي تتم بينهما. كانت تفهم أنها تساعده لأنها تكرهها، ليس أكثر من ذلك.
ابتسم أردغ، وقد فهم ما استمعت. زفر بارتياح عندما علم سبب خوفها بهذا الشكل. كان يخشى أن يكون قد فعل أحد بها شيئًا. لكنه أردف قائلًا لها بهمس، وهو يغمز لها بإحدى عينيه، وقد اقترب منها بشدة حتى لَفَحَتْ أنفاسه الساخنة وجهها، مما جعلها تغمض عينيها، وهي تشعر برعشة قوية تسري بجسدها كليًا: "ملكِيش دعوة بماجد ومرام، دول ناس و*** حتى علاقتهم مع بعض."
ابتعدت هي عنه خطوة إلى الخلف، وهي تؤمئ له برأسها إلى الأمام. لا تستطيع تصديق ما استمعت إليه، فلو كان شخصًا آخر هو من أخبرها بهذا الشيء كانت ستُكذبه. أيعقل أنها هي الوحيدة التي كانت مخدوعة في مرام إلى هذا الحد؟ هل كانت ساذجة بطريقة كهذه؟ كانت ترى مرام كالملاك دائماً. صدق من قال إن الشخص يرى الآخرين بأعين هو. وضعت يدها على دماغها بتعب، وهي تشعر أن الدنيا تدور بها الآن.
اقترب أردغ منها مرة أخرى، جاذبًا إياها نحو صدره، متجهًا بها إلى الفراش. أجلسها فوقه برفق، وبدأ يمرر يديه على ظهرها بحنو، وهو يشعر بالفرحة لكونه سيكون أبًا عن قريب. ابتسمت أشرقت على فعلته تلك وعلى سعادته الواضحة عليه. ابتسامته التي ظهرت على ثغره كانت ابتسامة صادقة منبعثة بالفعل من صميم قلبه. لكنها سرعان ما ذكرت ذاتها بما حدث، وعدم ثقته الواضحة بها. لذلك قامت سريعًا بنفض يده من عليها، قائلة له بجدية وصرامة،
وهي ترفع سبابتها في وجهه: "لو سمحت من انهاردة ملكش دعوة بيا. إياك ثم إياك ثم إياك تلمسني أو تحط إيدك عليا. من انهاردة إحنا خلاص وهنتطلق فعلاً زي ما قولت. أنا اللي مش عاوزة أعيش معاك تاني." أردفت بجمُلتها تلك، وعادت بظهرها نحو الخلف، نائمة على الفراش، وهي تشعر بالتعب بالفعل. لكنها تشعر أيضاً بالفرحة لكونها انتقمت لكرامتها، استردت جزءًا بسيطًا منها. فهي ما زالت تتذكر حديثه القاسي عليها، كم كان يجْلِدُها بحديثه هذا.
تنهد أردغ بضيق، لكنه بالفعل رأى أن غضبها هذا طبيعي. فهو أخطأ كثيراً، وتمادى بخطأه من وجهة نظرها. قرر أن يعوضها عن كل ما عانته هي بحياتها. بالتأكيد لن يتركها حزينة ذابلة لفترة طويلة. فهو اعتاد عليها شمساً مضيئة تشرق وتنير له حياته بأكملها.
جاء يتمدد بجانبها، فهو الآخر يشعر بالتعب يسري في جميع أنحاء جسده، مرهق بشدة. أغمض عينيه مستسلماً للنوم. إلا أنه شعر بيديها الناعمة تلمس جسده وتنخزه كأنها تنبهه ليستيقظ. فتح عينيه مرة أخرى ينظر لها بانتباه. لكن قبل أن يتحدث، تحدثت هي قائلة له بجمود وصرامة، وهي تشعر بنوبة من الغضب تحتاج عقلها: "قوم من هنا لو سمحت، مش هتنام جنبي. أنا بقيت بعتبرك مش جوزي."
اعتدل هو في جلسته، قائلاً لها بغضب وضيق أثر كلماتها تلك، بعدما تنهد بصوت مسموع محاولاً أن يهدأ من غضبه كي لا ينفجر بها: "بتعتبريني مش إيه يا حبيبتي؟ اركني اعتباراتك على جنب عشان ملهاش معنى. أنا جوزك غصب عنك وعن الكل. احسبي كلامك كويس يا أشرقت." حركت هي كتفيها إلى أعلى ببرود، قائلة له بضيق ونبرة جامدة خالية من أي مشاعر، كأنها تتحدث مع شخص لا تعرفه، شخص غريب عنها:
"قلتلك قوم من جنبي، بدل ما أنزل لعمو عابد وأحكيله أخليه يشوف ابنه وعمايله." قبض أردغ على يديه محاولاً بالفعل كبت غضبه من كلماتها تلك، مردفاً لها ببرود، وهو يسترخي في جلسته مرة أخرى معقداً ذراعيه أمام صدره: "انزلي، أنا مش بتهدد."
ضغطت أشرقت على أسنانها بغيظ لم تستطع إخفاءه، أو كبته أكثر من ذلك. ظلت تنظر حولها على شيء تقذفه به، فبروده هذا يعصبها، وبشدة. لم تجد سوى الوسادة الصغيرة التي كانت موضوعة خلفها لتسند ظهرها حتى لا يصبح به أي ألم. جذبتها على الفور، وقامت بقذفها تجاهه. كان أردغ لوهلة سيبتسم على فعلتها الطفولية هذه، إلا أنه أخفى ابتسامته سريعاً بمهارة، قائلاً لها مدعياً الجدية والصرامة، وهو يشير نحو الوسادة الساقطة أرضاً بجانب الفراش:
"ممكن أفهم إيه الجنان ده؟ في واحدة محترمة تعمل كده مع جوزها؟ رمقته أشرقت ببرود، وقد عقدت يديها أمام صدرها، قائلة له بغيظ واستفزاز: "مش لما تبقي جوزي أصلاً. قلتلك أنا مش بعتبرك جوزي من ساعة ما شكيت فيا ومسمعتنيش." تابعت حديثها بجدية ومكر، وهي تعلم كيف ستجعله ينهض من فوق الفراش كما قالت له هي: "على العموم خليك، أنا اللي هقوم أنام هناك، ونام أنت هنا براحتك." أشارت بسبابتها نحو الأريكة الموضوعة في إحدى أركان الغرفة.
تنهد أردغ بصوت مسموع، قبل أن يقبض على معصم يدها برفق، مانعاً إياها من أن تنهض من فوق الفراش، مغمغماً لها بضيق رغمًا عنه: "استنى، أنا هقوم أتنيل أنام هناك." ليتابع حديثه بخبث: "بس خلي بالك، أنا تعبان بجد النهاردة." كانت لوهلة ستتراجع، وتخبره أن يظل نائماً على الفراش. إلا أنها أردفت قائلة له ببرود، وهي ترفع كتفيها معاً إلى أعلى: "معلش استحمل، دي حاجة متخصنيش. مانـا كمان كنت تعبانة وطلبت منك تسمعني وقلت لأ. اتفضل يلا."
أغمض عينيه بقوة، لاعناً نفسه لهذا الحد قسا هو عليها. لكنه بالفعل لم يكن يقصد، فهو لن يريد بهذه الدنيا سوى مصلحتها. لديه استعداد أن يفعل أي شيء لأجل مصلحتها، فهي أهم شخص بالنسبة له. كان يتصرف بلا عقل وبلا قلب، كالآلة يتحرك دون تفكير. لعن نفسه بقوة، فهي عانت بسببه كثيراً. قرر أن يأخذ لها حقها منهم جميعاً، وأولهم نفسه، لأنه هو أكثر من جرحها فيهم.
-وَجَـعُـنَا مِـنْ مَـنْ نُـحِـبُ يَـظِـلُ أَكْـبَـر وَجَـعًا، سـ يَـظِـل تَـارِكًـا بَـصْـمَـة كَـبِـيـرة فِي قَـلْـبِـنَـا لَـمْ وَ لَـنْ تَـشْـفَي سِوَّى عِـنْـدَمَـا يَـقُـوم مَـنْ نُـحَـب بـِ عَـلَـاجِـهَـا هُـوَ بِـ ذَاتِـه
-نهض أردغ بخطوات متعثرة، بطيئة، متجهاً نحو الأريكة، وهو يأخذ معه الوسادة التي قذفتها هي أرضاً، وهو يتمنى أن يجذبها داخل حضنه، يتمنى أن يحمل عنها آلامها جميعها. لا يستطيع رؤية حزنها الواضح في عينيها. أغمض عينيه بألم، مزَمْجِرًا بقوة، وهو يجلد ذاته بتفكيره ألف مرة في الثانية. لكنه صمم أن يعوضها عن كل ما عانته في حياتها بسببه، وبسبب غيره. في الصباح
استيقظ أردغ. نهض من فوق الأريكة. ألقى نظرة سريعة نحو أشرقت التي كانت ما زالت نائمة فوق الفراش. سار متوجهاً نحوها بخطوات بطيئة، حذرة، كي لا يقلقها. جلس بجانبها، ظل يتأمل ملامحها بتحفز. تمنى لوهلة أن يلتقط شفتيها في قبلة عميقة يبث لها فيها كم الاشتياق الذي يشعر هو به نحوها. ابتلع ريقه، مسيطراً على ذاته بصعوبة. ثم نهض سريعاً متجهاً نحو المرحاض ليذهب إلى عمله. سرعان ما انتهى، ونزل متجهاً إلى أسفل. *** بعد مرور يومين
عاد أردغ من الشركة بعد يوم عمل شاق. لكنه تفاجأ بعدم وجود أشرقت في الغرفة. نزل إلى أسفل يبحث عنها، وهو يشعر بالخوف. يستمع إلى دقات قلبه التي أصبحت تقرع بداخله كالطبول. لكنه لم يجدها. ابتسم عابد عندما رأى لهفته الواضحة وخوفه عليها. لذلك أردف قائلاً له بهدوء، ويرتسم فوق ثغره ابتسامة هادئة: "هي نزلت، وأخذت آسيا والحرس معاهم. مقالتلكش ولا إيه؟!
ألقى سؤاله بدهشة واستغراب لم يستطع أن يخفيهما. نظر أردغ نحو والده، وهو يشعر بالغضب بسبب فعلتها تلك، مقرراً ألا يمرر فعلتها. وضع يديه على جبهته متصنعاً النسيان: "أيوة قالتلي، بس أنا متعود إني أجي ألاقيها." ابتسم عابد في وجهه، وواصل ما كان. بينما يفعله، صعد أردغ إلى غرفته مرة أخرى، وهو يتوعد إليها كيف لها أن تذهب دون أن تخبره. بعد مرور ساعتين
كان أردغ جالساً يشعر بالقلق، فهو قام بالاتصال عليهما لكنهما لم يردا عليه. أخيراً عادت أشرقت بصحبة آسيا، ودلفت إلى غرفتها. جلست على الفراش بتعب بادٍ على ملامح وجهها، متجاهلة أردغ تماماً الذي كان يحدقها بنظراته الغاضبة. خرج صوته قائلاً لشقيقته بنبرة آمرة، جادة، وهو ما زال مثبتًا بصره نحو أشرقت: "آسيا روحي أوضتك، أنا كده كده جاي وراكي عشان عاوزك في موضوع مهم. بس أشوف الهانم الأول."
كان يقصد بحملته الأخيرة أشرقت التي رفعت بصرها تنظر له بتحدٍ. أومأت له آسيا برأسها، وخرجت تاركة إياهم في الغرفة، وهي تخشى أن تكون سيلان قد قصت له ما حدث. ما إن خرجت حتى نهض هو من مجلسه متجهًا نحوها بخطوات بطيئة، وهو مثبتًا بصره عليها. ابتلعت هي ريقها الجاف بتوتر، مدعية الانشغال في هاتفها التي كانت تمسك به في يديها. وصل هو نحوها قائلاً لها بتساؤل ونبرة هادئة، وهو يحاول كبت غضبه، فهو من أوصلها إلى تلك الحالة،
وعليه أن يتحمل نتيجة خطأه: "ممكن أعرف الهانم أشرقت مراتي كانت فين؟! شدد على كلماته بقوة، لكنه كان يزفر محاولاً تهدئة ذاته، لأن من الواضح عليها أنها تشعر بالتعب. تركت هي الهاتف من بين يديها، واضعة إياه بجانبها، قائلة له بجمود، وهي ترمقه بنظرات باردة، واضعة ساقها فوق الأخرى:
"قولتلك إننا هنتطلق، ده أول حاجة لازم تعرفها. لا مراتك، ولا مرات الناس. ثانيًا بقا أروح فين، أجي منين دي حاجة متخصكش، ولو سمحت متدخلش في أي حاجة تخصني." صاح أردغ بها غاضباً، وقد نفذ صبره نهائياً، قائلاً لها بتهكم أثر كلماتها تلك، فهي تزيد من غضبه وبشدة: "لأ الكلام ده لما تبقي متجوزة واحدة صاحبتك مش أنا يا حبيبتي. هو إيه اللي أسيبك براحتك ومتدخلش في أي حاجة تخصك؟ ليه متجوزة اختك إنتِ، ولا إيه؟
حد قالك عليا بقرون قبل كده؟ لم تستطع هي منع ضحكاتها بسبب حديثه هذا. سرعان ما انفجرت ضاحكة عليه وعلى طريقته تلك. لوهلة نسي كل شيء بمجرد ما ضحكت هي. ابتسم عندما رآها تضحك بهذا الشكل. كم كانت ضحكتها جميلة، مشرقة بالفعل، فهي اسماً على مسمى. اشتاق بشدة لضحكتها، ملامحها الضاحكة. يشعر كأنها مفتاح سعادة يومه. جاذباً إياها إلى حضنه، وظل يمرر يديه على ظهرها بحنان. انتفضت هي سريعاً أثر لمسته تلك، قائلة له بغضب،
وهي ترفع سبابتها في وجهه: "هو أنا مش قلتلك ملكش دعوة بيا خالص؟ إيه الاستغلال ده؟ هو عشان ضحكت ما بتصدق؟ عقد أردغ حاجبيه، قائلاً لها بجدية مصطنعة، وهو يمسك كفها ذو ملمسه الناعم، واضعاً إياها بين كفيه: "هما مش بيقولوا برضه ضحكت يبقى قلبها مال، ولا أنا غلطان يا حبيبتي؟ أردف سؤاله بجدية تامة، وهو يدعي البراءة بنظراته نحوها.
تجاهلته أشرقت، ونهضت متجهة نحو المرحاض لتبدل ملابسها. لكن قبل أن تصل، وجدت من يحملها، ويعود بها إلى الفراش مرة أخرى. همس أمام وجهها قائلاً لها بنبرة هادئة، وهو يدقق في ملامحها، يحفرها داخل عقله مرة أخرى: "أشرقت، سألتك روحتي فين؟ "ر.. روحت ل.."
كانت لوهلة ستجاوبه كعادتها عندما يسألها، لكنها بترت جملتها سريعاً. قررت ألا تخبره بشيء. ستخرجه من حياتها، فهو لم يثق بها مثل أي شخص آخر. بالرغم من كل من يكرهها وجرحها من شدة الصدمات التي تأخذها هي واحدة تلو الأخرى، إلا أن جرحه هو أكبر وأعمق من أي جرح آخر. فجرحه هو لم يصب سوى قلبها. أصاب قلبها وقام بتدميره إلى أشلاء، جعل قلبها ينزف بغزارة. جميعهم لم يفعلوا بها كهذا. هو من ملك قلبها، لكنه لم يحافظ عليه. قام بجرحه، وجرحه بقوة. لم تعلم هل سيشفي الجرح الذي سببه هو أم لا؟
فهي بحياتها لم تنس ما فعله بها. من الممكن أن تسامح، لكنها لم تنس، فتذكرتها لم تكن كالورقة التي تقطعها وينتهي ما بها. هي عانت، وبكت، وحزنت بسببه. كان هو الفاعل. تتمنى أن تجلس وتشتكي له ما فعله هو، ليجلب لها حقها. لكن ممن سيجلب لها حقها، فهو الجاني.
-مَـنْ قَـالَ انَّـنَـا نَـسْـتَـطِـيعُ الْـنِـسْـيَانَ قَـدْ اخْطَـأْ، و بِـشدَّةٍ… نَـحْـنُ فَـقَـط نَـسْـتَـطِـيعُ أَنْ نَـغْـفُـرَ لِـ مَن نُـحِـب لَـكِنـنَا لَـمْ نَـنْـسَـى -انتفضت سريعاً بعيدة عنه، وقد خطت بخطواتها نحو المرحاض مجدداً. لكن كانت خطواتها هنا سريعة، وبشدة، كمن تهرب. ست خطوات عادية بالفعل. هي كانت تهرب منه قبل أن يلحق بها. تهرب من نظراته.
زفر هو بضيق شديد، وهو يحاول تهدئة ذاته، ويلعن نفسه بقوة. فهو رأى في عينيها عندما كانت بين يديه حزناً كبيراً. حزناً كبيراً بادٍ في عينيها. يعلم أنه هو سببه. هو سبب هذا الحزن. فهو بدلاً من أن يكون سندها، وحمايتها، درعها المحصن الذي تحتمي به هي ضد أي شيء يواجهها، كان أكبر خذلان ووجع عاشته هي. هو جرحه أكبر جرح. يعلم أن حزنها منه لم يكن بقدر حزنها منهم جميعاً. لكن مهلاً، هو أيضاً كان مظلوماً، ضعيفاً. شعر بجرح كبير يجرح
كبرياءه ورجولته. كان يجلد ذاته في الثانية ألف مرة. شعر بالضعف والوجع والخذلان هو الآخر عندما رآها فوق فراش ذلك المدعو ماجد. على الرغم من أنه يعلم أنها ذهبت بسبب تلك الرسالة، لكنه كان يخشى أن يكون فعل بها شيئاً. كان يعاملها بقسوة لحمايتها، ليس لأي شيء آخر. تخيلته هي. علم أن حياتهما كانت ضحية لخطط شياطين سيقضي هو عليهم بنفسه. سوف يجعلهم يندمون جميعاً على ما فعلوه.
***
خرج أردغ من غرفته متوجهاً نحو غرفة شقيقته. سرعان ما دلف، وجدها جالسة على الفراش، ويبدو على ملامحها القلق. قررت هي بينها وبين ذاتها أن تقص عليه ما حدث، فهي لن تتحمل أن تعيش حياتها بهذا الرعب. كل مرة يطلب أردغ أو والدها أن يتحدث معها، تخاف بشدة من أن تكون تلك الحية الخبيثة قد أخبرتهم بشيء. تخشى رد فعلهم، وآخرهم اليوم. لذلك قررت ألا تصمت، وهي تشعر أن حياتها معقدة بشدة. كل شيء يحدث لها في حياتها يعقدها أكثر. متى ستشعر بالراحة والهدوء في حياتها؟
لمتى ستظل تعيش في حزن وقلق؟ جلس أردغ بجانبها فوق الفراش، وقد قطع هو حبل أفكارها هذا، قبل أن يردف قائلاً لها بتساؤل وهدوء، يسألها عن أحوالها: "عاملة إيه يا حبيبتي؟ ابتلعت هي ريقها بهدوء، ورسمت ابتسامة خفيفة فوق شفتيها، وهي تؤمئ له برأسها مجيبة إياه بنبرة مهزوزة، على الرغم من أنها جاهدت بصبغها بالقوة إلا أنها فشلت: "ا.. أنا الحمد لله كويسة."
ابتسم أردغ مقرراً أن يخبرها بطلب مالك للزواج بها، ليتحدث معها، ويبدأ يفهمها عدة أشياء من الضروري أن تفهمها: "شوفي يا آسيا يا حبيبتي، إنتِ كبرتي وعقلتي أهه، فمالك صاحبي طالب إيدك. أحب أسمع رأيك قبل أي حاجة، عشان رأيك هيحدد حاجات كتير أقولها ليكي." لم تصدق ما تسمعه الآن. تشعر أنها تحلم. هل بالفعل ستتزوج من مالك؟
اتسعت ابتسامتها سريعاً، وقد انفجرت أسارير جميع ملامح وجهها. شعرت بفرحة لم تشعر بها من قبل طوال حياتها. لكنها سرعان ما اختفت تلك الفرحة، وتلاشت ابتسامتها المرسومة على وجهها، عندما علمت سبب طلبه هذا. بالطبع كانت تعلم الإجابة، فهو فعل هذا بسبب فعل سيلان وتهديداتها لها. أغمضت كلتا عينيها بوهن، وفتحتهما مرة أخرى، قائلة له بنبرة مجهدة، متعبة: "أردغ، قبل ما أقولك أي حاجة إذا كنت موافقة ولا لأ، في حاجة مهمة لازم أحكيهالك."
عقد أردغ حاجبيه بعدم فهم، وهو يشعر أن الأمر الذي ستقصه عليه ليس بالهين. لكنه أومأ برأسه إلى الأمام، إيماءة بسيطة بمعنى أن تواصل حديثها. فركت هي يديها بتوتر، قائلة له بخوف، وهي لا تعلم كيف ستقص له. تخشى ردة فعله بشدة، تخشى أن يبتعد عن صديقه بسببها: "ب.. بص يا أردغ.. هو.. يعني أصل يعنى.." نظر لها أردغ بعدم فهم، وهو لا يفهم ما ستقوله. ما الشيء الذي ستقصه عليه يجعلها متوترة وخائفة بتلك الشكل التي تجلس به هي أمامه الآن.
تشجعت هي، وهي تحاول أن تعطي لذاتها طاقة لتقضي على خوفها هذا. فهي لم تكن ضعيفة بعمرها كالآن، لأول مرة تخشى شيئاً كهذا. أردفت سريعاً تقص عليه ما حدث، بداية من علاقتها مع مالك، ومعرفته بعلاقتها بمؤمن، ومواجهته لها، وبُعْدَهَا عنه، كل شيء حتى تهديدات سيلان لها. اختتمت حديثها قائلة له بنبرة باكية، مهزوزة: "ا… أنا ع.. عارفة إني غلطانة، وغلطانة جامد. بس والله مش قصدي. كنت صغيرة و هبلة مش فاهمة حاجة عشان كده."
ضمها أردغ نحو صدره بحنان، عندما رأى دموعها التي تنزل على وجنتيها بغزارة. ظل يربت على ظهرها بحنان حتى هدأت بالفعل. أردف قائلاً لها بجدية وعقلانية:
"طبعاً إنتِ غلطانة، وعرفتي غلطك، واعترفتي بيه، وده أهم حاجة. وبما إنك بعدتي عن مؤمن، ده معنى كده إنه صفحة بالنسبة لكِ واتقطعت خلاص، متفتحيهاش تاني. أما مالك، فمتتكلميش معاه نهائى، ولا تخطلطي بيه. رو أنا هروح أقوله إنه مش مضطر يتجوزك، لأني خلاص عرفت بحوار سيلان. فالموضوع منتهي. أهم حاجة ملكيش دعوة بمالك تاني، وأي حاجة تحصلك تجيلي أنا مش هو." تابع حديثه بنبرة حانية متفهمة:
"أنا أخوكي يا آسيا، فاهمة معنى الكلمة دي، يعني سندك. مش لازم تخافي مني، لأن كلنا بنغلط، مش هموتك لما تغلطي. المهم تتعلمي من غلطك، وده واجب الأخ مش إنه يتحكم في حياة أخته. دي حياتك يا حبيبتي، عيشيها براحتك، واغلطي وأنا أصلحلك، ماشي يا حبيبتي." أومأت هي له برأسها إلى الأمام، وهي تحمد ربها ألف مرة أنها لديها أخ مثل أردغ. يفهمها ويحتويها. كم كانت هي غبية عندما لم تقص له من البداية. خرج صوته يسألها
باهتمام لم يستطع إخفاءه: "آسيا، إنتِ كنتِ فين إنتِ وأشرقت؟ ابتسمت آسيا على اهتمامه الواضح بها، تتمنى أن تجد من يهتم بها بهذه الطريقة. تعلم أنها غبية وهي من ضيعت هذا الاهتمام من بين يديها بسبب أفعالها الغبية تلك. أجابته على سؤاله قائلة له بهدوء: "راحت عند الدكتور عشان تتابع الحمل. الدكتور شاطر أوي، متقلقش." ": بجد؟ والدكتور قال إيه؟
خرج صوته الفرح يسألها بلهفة، وهو يشعر بدقات قلبه تزداد. فإلى الآن لم يستوعب أنها حامل وتحمل طفلاً منه. يشعر أن هذا الطفل هو ثمرة حبهما، عوض الله عليهما به. قطع شروده هذا رنين هاتفه. استأذن منها، وخرج ليرد عليه. *** فتح أردغ الهاتف، قائلاً لذلك الذي يحدثه بقسوة: "الو، عرفت حاجة؟ كان يسأله بحمود، نبرته جامدة، غاضبة بشدة.
أجابه المتصل قائلاً له كل توصل عليه. همهم أردغ مجيباً إياه، وهو يعطيه بعض الأوامر الأخرى، عينيه كانت تشتغل بالقسوة، وهو يقسم أن يذيقهم من نفس الكأس. فهما من بدأوا أولاً، ويجب على كل شخص أن يتحمل نتيجة أفعاله. "أنا هعرفهم إزاي يلعبوا معايا. يتحملوا نتيجة لعبهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!