الفصل 20 | من 34 فصل

رواية ظلمها عشقا الفصل العشرون 20 - بقلم فرح صالح

المشاهدات
27
كلمة
3,842
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

وقفت تتطلع لشقيقتها بلهفة ودموع الراحة تغرق وجنتيها. تراها وقد جلست فوق أريكة منزلهم بعد عودتهم من المشفى، تتحدث بخفوت وهى تقص على الحاضرين ما حدث لها وكيف استطاعت النجاة من تحت أيدى تلك النسوة بتلك الإصابات البسيطة في وجهها وجرح ذراعها فقط. بعد صراخها القوي واستجدائها بأهل عادل قبل أن تسقط أرضاً مغشياً عليها. ليصابوا بعدها بالارتباك والرعب ثم يفروا سريعا من المكان قبل وصول الأهالي لنجدتها.

بينما جلس والدا صالح في الجهة المقابلة لها يستمعون باهتمام وفضول، ومعهم كريمة. أما عادل فقد وقف في الجانب البعيد منهم يتطلع نحو سماح وعلى وجهه ذلك التعبير الغامض، تلتمع عيناه بتلك اللمعة المألوفة لها، والتي لم تفارقه منذ خروجهم من المشفى. تلاحظ قلقه، بل رعبه الشديد على شقيقتها عند استقباله لهم في المشفى. ينتابها القلق والخوف وقتها من عواقب ما تراه وأدركته بإحساسها. تدعو الله ألا يكون صحيحاً.

انتبهت من تأملاتها على يد قوية أدركت صاحبها فوراً تمسك بيدها وتسحبها برقة بعيداً عن مكان وقوفها. التفتت نحوه تهم بالاعتراض، لكنها أسرعت بالصمت حين رأت صالح يغمز لها خفية وهو يشير لها أن تتبعه. وبالفعل طاوعته تسير معه للمطبخ بهدوء ودون أن ينتبه أحد لاختفائهم في ظل حديثهم الدائر.

فور اختفائهم بعيداً عن الأنظار وجدت نفسها مغمورة داخل أحضانه وقد حاوطها بذراعيه بحماية ودون مقدمات. لتلف ذراعيها هي الأخرى حوله تتنعم بدفئه وحمايته للحظات هانئة يسودها الصمت، فقد كانت كل ما تحتاجه حتى تستطيع التماسك. تتشبث أصابعها بظهر قميصه بقوة تمنعه من الابتعاد حين شعرت به يتراجع عنها ببطء. لا تريد أن تخسر تلك اللحظات. ترفع عينيها الدامعة إليه برجاء لتأسرها نظرة عينيه وهي تموج بالدفء والحنان.

يمرر إبهامه برقة فوق شفتيها السفلى المرتجفة وهو يسألها بخفوت حنون: "تقدري تقوليلي العياط ده كله ليه؟ ما هي أختك كويسة أهي قدامك واطمنا عليها يبقى ليه الدراما يا ملكة الدراما." قال آخر كلماته بطريقة مسرحية مرحة دفعتها للضحك بخفوت رغماً عنها. تخفض وجهها بخجل، لكنه عاود رفعه إليه يمرر إبهاميه على وجنتيها يزيح عنهما دموعها وهو يبتسم لها برقة قائلاً: "أيوه كده خليني أشوف ضحكتك الحلوة دي.. أوعى أشوفك تعيطي تاني."

أومأت له برأسها تتراقص نبضاتها بفرحة بكلماته وقد أنارت ملامحها ببهجة كأنها زهرة تتفتح أمامه من تأثير كلماته لها. فلم يستطع مقاومة أن ينحني نحوها يلثم شفتيها بنعومة شديدة جعلتها بعدها تصدر أنين احتجاج لابتعاده عنها وافتقادها لمساته. لكنه قاوم رغبته لتعميق قبلتهم خوفاً من دخول أحد عليهم. يهمس لها بصوت مرتعش بالرغبة والشوق لها مناقض لما يقول: "لو عاوزة تخليكي هنا وتباتي النهاردة معاها أنا معنديش."

هتفت برفض ملهوف تقطع الباقي من حديثه وهي تهز رأسها بالنفي بقوة كتأكيد على كلماتها: "لااا.. مش عاوزة أبات.. أنا بس هطمن عليها وهروح على بيتنا على طول." أخفضت عينيها عنه هامسة بخجل وتلعثم تكمل: "وبعدين... انت.. مش قولت ليا.. إياك أسيبك.. لوحدك تاني! زفر بعمق يلف خصرها بذراعه يلصقها به دافناً وجهه في عنقها يهمس فوق بشرتها بأنفاس مشتعلة:

"مين قالك إني كنت هخليكي تسيبيني.. طبعاً كنت هاجي وهبات معاكي هنا.. عبيطة انتي ولا إيه؟! تضخم قلبها بين جنبات صدرها تشعر كأنها فوق السحاب من شدة سعادتها تقف مستسلمة بين ذراعيه وهو يكتسحها بلهيب عاطفته بعد أن فقد سيطرته وإحساسه بالزمن والمكان.

شفتيه تلتقي بشفتيها بقـ.بلة قوية تدل على مدى جوعه وحاجته البائسة لها يذوبان معا للحظات طوال كانت كالنعيم لهم حتى ابتعد عنها أخيراً ينهت بقوة يستريح بجبهته فوق جبهتها وهما مغمضين العينين قبل أن يتحدث بصعوبة وتحشرج: "أنا هروح وأسبق على البيت.. وإنتي خليكي براحتك.. بس متتأخريش عليا يا فرح اتفقنا!

أومأت له بضعف ليبتسم لها بدفء يلثم جبهتها بحنان ثم يبتعد عنها يعدل من وضع ملابسه وشعره بعد عبث أصابعها به يخرج بعدها من المطبخ بعد أن ألقى لها في الهواء بقـ.بلة أعقبها طلبه الهامس ألا تتأخر عليه. أخذت تتنفس بعمق بعد خروجه وهي تتطوح بيدها أمام وجهها طلباً للهواء حتى تبرد من حرارته المشتعلة. ثم تخرج خلفه بعدها تسمعه وهو يتحدث إلى سماح يطمئنها بأنه سيجد تلك النسوة ويعلم من ورائهم.

لكنها عقدت حاجبيها بتفكير ودهشة حين هتفت سماح بحزن يشحب وجهها بشدة قائلة: "لاااا.. أنا عارفة دول مين.. دول الستات اللي اتخانقت معاهم قبل كده والظاهر كانوا جاين يكملوا معايا الخناقة.. أصل أنا كنت قليلة الذوق معاهم قبل كده بصراحة." ودون أن تمهل الفرصة لأحد بالاعتراض التفتت إلى عادل قائلة بصوت حازم رغم الارتعاشة به والتي لم يلاحظها أحد سوى فرح المراقبة لها باهتمام قلق:

"معلش يا أستاذ عادل.. أنا كنت قلت لحضرتك إني عاوزة أسيب الشغل بعد أسبوعين.. بس لو مفيش عندك اعتراض أنا هسيبه من النهاردة.. زي ما حضرتك شايف مش هقدر أكمل."

ساد الصمت أرجاء المكان بعد حديثها الصادم لهم قبل أن يقطعه الحاج منصور يحاول إثنائها عن قرارها. لكنها لم تتراجع بل زاد تصميمها بطريقة بعثت الشك داخل فرح بأن أمر ما خلف قرارها هذا ويجب أن تعرف ماذا يجري بداخل عقل شقيقتها. لكن ليس الآن فستنتظر ذهاب الجميع وبعدها فلتحصل على إجابتها.

حين لم يستطع الحاج منصور ولا أحد من الحضور حتى صالح إقناعها بالعدول عن قرارها حتى تحدث عادل أخيراً بوجوم وحدة بعد صمته الطويل ومراقبته الحديث الدائر دون مقاطعة منه: "تمام يا سماح اللي تشوفيه.. مفيش مشكلة عندي.. المهم راحتك وإنك تقومي بالسلامة. عن إذنكم علشان المكتب لوحده."

وفي ثانية كان يفتح الباب مغادراً بسرعة يتبعه صالح فوراً منادياً عليه أن ينتظره يغادر خلفه فوراً هو الآخر يتركون المكان بعد مغادرتهما مشحوناً بالتوتر والوجوم. يسود الصمت بينهم مرة أخرى للحظات قال بعدها الحاج منصور بأسف: "والله يا سماح يا بنتي خسارة الشغلانة دي ومش هتعرفي تعوضيها تاني.. بس هقول إيه يا بنتي ده قرارك وإنتي حرة فيه." ثم نهض هو الآخر يلتفت لزوجته يسألها بهدوء: "مش يلا بينا يا حاجة إحنا كمان ولا إيه؟

هزت انصاف رأسها بالرفض قائلة برجاء له: "لا روح أنت يا حاج بالسلامة وأنا هقعد معاهم شوية وبعدين هبقى أرجع أنا وفرح على البيت." هتفت كريمة بترحاب وسعادة: "آه روح أنت يا حاج من غير شر وسيب الحاجة معانا شوية أصلها وحشاني أوي."

هز منصور رأسه بالموافقة يغادر بعدها بعد أن ألقى عليهم بالسلام لتندمج انصاف وكريمة في الحديث غافلين عن حديث النظرات المبهم بين فرح وسماح والتي هربت بعينيها بعيداً هرباً من تحديق شقيقتها النافذ لها. تندمج في الحديث معهم هي الأخرى بارتباك وتوتر جعل من شك فرح يقين بأن هناك ما تخفيه عنها وهي لن تتراجع حتى تعرف ما هو. *** توقفت انصاف أمام منزلها تمد يدها بالمفتاح الخاص بشقتها إلى فرح بعد عودتهم قائلة بحنان:

"معلش يا فرح، اطلعي انتي يا حبيبتي صحي ياسمين من النوم وخليها تجهز قبل ما صالح يرجع ومعاه عادل.. انتي عارفة نومها تقيل وميصحش يجي يلاقيها نايمة. وأنا هجيب حاجة من خالتك أم نبيل وأحصلك." أومأت فرح رأسها لها بضعف تمسك بالمفتاح تدلف هي للداخل ثم تصعد درجات الدرج بتعب وإرهاق وذهن شارد في شقيقتها وما حدث لها، ورفضها وتهربها منها ومن أسئلتها.

ترحل محبطة من هناك دون أن تحصل على إجابة منها لتساؤلاتها، لكنها لن تستسلم وستحصل عليها عاجلاً أم آجلاً مهما كلفها الأمر. فتحت الباب تتقدم للداخل باتجاه غرفة ياسمين تهم بفتح الباب لكن تجمدت يداها حين وصل لها صوت سمر وهي تهتف مستنكرة بصوت ساخر: "يخربيتك يا مجنونة.. وما خفتيش تتكشفي ولا البت تروح فيها وإنتي تروحي وراها في داهية." أصدرت ياسمين صوت من فمها يدل على استهزائها قائلة بصوت حاد مغلول:

"ياريت كان حصل وكنت خلصت منها الجربوعة دي بس حظها حلو بنت ال*** وهي زي القرد محصلش ليها حاجة." سمر باهتمام وتحذير: "آه بس خدي بالك مش هتعدي بالساهل كده زي المرة اللي فاتت أكيد مدام أخوكي عرف مش هيسكت وهيجيب الستات دي من تحت الأرض." ياسمين وقد احتقن وجهها بالغل قائلة: "عارفة ياختي إنه هيعمل كده عشان يرضي الجربوعة التانية مراته بس يبقى يقابلني لو وصل لحاجة.. ما انتي عارفة إنهم مش من البلد ولا من هنا خالص."

صدحت ضحكة سمر العالية تهتف بعدم تصديق: "يخربيتك دانتي مصيبة وأنا اللي كنت فاكرة إني هبلة وهتودينا في داهية وتقعي من الخوف أول ما اتفقنا مع الستات أول مرة.. لال.. طلعتي مش هينة لا واتفقتي معاهم المرة دي من ورايا." ياسمين بصوت حقود وهي تشتعل من نار غيرتها وغيظها: "مانا مش هقف ساكتة وأنا بشوف سماح دي بتخطفه مني.. مش ياسمين اللي حتة زبالة زي دي تعلم عليها وتاخد حاجة بتاعتها."

كانت تقف خلف الباب مذهولة تزحف البرودة إلى جسدها كله لا تستطيع تصديق كل هذا الشر والحقد فيما تسمعه. حتى أتى اسم شقيقتها لتدب في جسدها الحياة يغشى عينيها الغضب وهي تدفع فجأة الباب بعنف جعله يرتطم بالحائط بصوت مدوٍّ جعلهم يشهقون عالياً وهم يتطلعون نحوها بصدمة وخوف. بينما وقفت هي أمامهم تتطلع إليهم بنظرات محتقرة صارخة بهم باشمئزاز:

"آه يا شوية زبالة يا ولاد ال***.. يبقى أنتم اللي ورا اللي حصل لأختي النهاردة.. والله لفرج عليكم خلقه وأخلي اللي ميشتري يتفرج عليكم." وبالفعل اندفعت نحوهم يحركها غضبها المشتعل. ولكن قبل اقترابها منهم أسرعوا هم نحوها تحيطها كل واحدة من جهة وبرغم مقاومتها لهم استطاعت سمر أن تقيد ذراعيها خلف ظهرها. بينما أسرعت ياسمين بوضع كفها فوق فمها تمنعها من الصراخ وهي تهتف برجاء واستعطاف:

"إنتي فهمتينا غلط يا فرح مش اختك خالص والله.. اسمعي بس واحنا هنفهمك كل حاجة."

أخذت تحاول المقاومة وقد شعرت بالاختناق من أثر كف ياسمين الجاثم فوق أنفاسها تقل مقاومتها شيئاً فشيئاً حتى كادت أن تسقط أرضاً لولا ذراع سمر المقيدة لها. حتى تعالى صوت رجولي مذهول في الغرفة يتساءل عما يجري مما جعل ياسمين وسمر يتراجعان بعيداً عنها بخوف وارتعاب عند رؤيتهما لحسن متجمد على بابها. وهي لحظة بعدها حتى اندفع أسرع صالح باقتحام الغرفة يدفع حسن بكتفه يهتف بجزع حين رأى فرح ساقطة أرضاً في تلك الحالة يجثو على ركبتيه بجوارها

يسألهم بخوف وارتعاب: "مالها فرح.. حصل لها إيه؟! رفع وجهه يهتف بهم بغضب شرس بعد أن ظلا على صمتهما: "انطقي منك ليها.. حصل إيه؟! فز جسدهم برعب من مكانهم يتطلعون إلى بعضهم بخوف يسارعون في إجابته في صوت واحد وبإجابات غير مترابطة. حتى صرخ بهم حسن يوقفهم عن الكلام قائلاً وعيناه مسلطة فوق زوجته يسألها بهدوء شديد أرعبها: "انطقي يا سمر وقولي إيه اللي حصل وصلكم للمنظر اللي شفته ده أول ما دخلت عليكم؟

كان صالح في تلك الأثناء يربت فوق وجنتيها يحاول أن يجعلها تفيق حتى فتحت عينيها أخيراً وفور أن رأت وجه صالح المنحنى فوقها بقلق حتى شهقت باكية ترفع ذراعيها تتعلق في عنقه بلهفة مستنجدة به بخوف أشعل في جسده الغضب وهو يرى حالتها وارتعابها الشديد هذا. ليصرخ بشراسة وهو يتطلع نحوهم بغضب شرس سحب الدماء من وجوههم ليتركها شاحبة كالموتى: "انطقي إنتي وهى عملتوا فيها إيه؟!

اندفع والداهم ومعهم عادل إلى داخل الغرفة بعد أن وصلتهم أصوات صراخهم العالية يتجمدون بصدمة وهم يطالعون المشهد أمامهم. وقد وقفت سمر ومعها ياسمين يذرفون دموع الخوف تهتف سمر بتلعثم بعد صراخ صالح الغاضب عليهم: "أبداً والله يا أخويا ما حصل حاجة.. كل الحكاية إنها سمعتنا أنا وياسمين بنتكلم عن واحدة صاحبتنا وافتكرتنا بنتكلم على أختها." أسرعت ياسمين تؤيد حديثها بلهفة وقد وجدت به طوق النجاة ولكن أتت صرخة فرح تقاطعها

قائلة بصوت هستيري باكي: "كذابين والله كذابين.. هما اللي عملوا كده في سماح وبعتوا ليها الستات أول مرة كمان." لطمت انصاف خديها صارخة بجزع وهي تندفع إلى الداخل تجذب ابنتها تسألها عن حقيقة ما حدث لكنه تجاهلتها تسرع باتجاه عادل الشاحب وعيونه متسعة بصدمة تمسك بذراعه هاتفة بتضرع: "ماتصدقش يا عادل.. دي كدابة والله كدابة.. دي بتقول كده عشان طمعانة فيك للجربوعة أختها."

وقف مكانه يتطلع إليها باحتقار يهز رأسه بعدم تصديق قبل أن ينفض ذراعه عنها مغادراً المكان فوراً. لتظل تتابعه بهزيمة وعيون مصدومة للحظة ثم التفتت نحو فرح صارخة بغل تحاول الانقضاض عليها تسبها بأفظع الألفاظ. ولكن أتت قبضة صالح تمسك بشعرها يجذبها بعيداً عن فرح الجالسة أرضاً وهو يصرخ بها: "إنتي اتجننتي عاوزة تمدي إيدك عليها وأنا واقف؟

دفعها بعيداً بعنف حتى كادت أن تسقط أرضاً لولا ذراع انصاف والتي التقطتها قبل سقوطها تحاول أن تجعلها تصمت. لكنها لم تتراجع صارخة بغل تلتوي شفتيها بسخرية حاقدة: "طبعاً لازم تدافع عن ست الحسن.. ما هو لو معملتش كده هتسيبك زي اللي قبلها.. وتعمل منك مسخة في الحارة كلها بعد أما تعرف بعيبك.. عشان كده لازم تطاطي راسك ليها وتـ...

صرخت بألم حين هوت انصاف على وجنتها بصفعة قوية أطارت وجهها للجانب الآخر بعنف وهي تصرخ بها بغضب ومعها زوجها هو الآخر تنهال عليها الضربات والصراخ حتى من حسن. لتستغل سمر الفرصة تسرع بالهروب من المكان ترتطم في حركتها بصالح. لكنه لم يعرها انتباه وقد وقف مكانه شاحب تتهدل كتفاه كأنه جسد ميت سحب منه الحياة.

لتسرع فرح بالنهوض على قدميها بسرعة تقف أمامه وعيونها تتطلع إليها بلهفة وتناديه به بتضرع وهي تحتضن وجنتيه بين كفيها. تحاول التواصل مع عينيه بنظرة الألم والانكسار بهم بعد أن اختفى وهجها المألوف. لكنها فشلت تماماً فوقفت فوق رؤوس أصابعها تلف ذراعيها حول عنقه تسحب جسده المتجمد إلى جسدها في عناق تمنت لو تستطيع من خلاله أن تسحب ألمه إليها هي حتى لا تراه في تلك الحالة.

لكن ما إن لمس جسده جسدها حتى انتفض كما لو مسكته الكهرباء يدفعها بعيداً عنه ثم يندفع مغادراً الغرفة فوراً يتركها خلفه هامسة باسمه بصوت لم يغادر شفتيها لكن كان قلبها يصرخ به. *** جلست تضم ركبتيها معا تستند برأسها فوقهم وعيونها الباكية تتطلع نحو الباب بأمل في انتظار عودته. تشعر بروحها قد فارقتها بحثاً عنه ولن ترد إليها إلا برجوعه لها.

تمر بها الساعات وهي مكانها ثابتة لا تحرك كتمثال منحوت على هذا الوضع بعد أن أنهت مكالمتها مع شقيقتها بدأتها بسؤال باكي متألم: "كنت عارفة إن هي اللي عملتها صح يا سماح؟ لتتنهد سماح بحرارة قبل أن تجيبها بعد لحظة تردد: "أيوه يا فرح كنت عارفة.. لما حصل اللي حصل مكنش مغمى عليا زي ما كانوا فاكرين، وسمعتهم وهما بيتكلموا عن ياسمين.. بس دي أول مرة أعرف منك إن سمر كمان معاها." سألتها فرح بخفوت:

"طب وما قولتيش ليا ليه يا سماح كان لازم تعرفيني إنها... قاطعتها سماح بحزم: "عشان كنت عارفة إنك مش هتسكتي.. والبيت هيتقلب حريقة ويولع نار واللي حسبته لقيته يا فرح."

بكت فرحة بحرقة بعد كلماتها تدرك صدق حديثها. فقد كانت أول من طالته النار بعد غيابه عن المنزل إلى الآن وقد اقترب الفجر أن يؤذن وهو لم يعد بعد. تجلس في انتظاره منذ أن أنهت مكالمتها مع سماح وهي تحاول أن تطمئنها بكلمات مهدئة لكن لم تفعل لها شيئاً أو تهدئ من خوفها وهلعها عليه يمر عليها الوقت ببطء شديد قاتل لا تعلم مداه.

حتى ردت إليها الروح أخيراً حين سمعت أخيراً صوت المفتاح بالباب ينبهها لحضوره لتنهض واقفة بقلب مرتجف تتعالى دقاته بصخب في انتظار رؤيته. وما إن لمحته حتى أسرعت تجري بلهفة تلقي بجسدها عليه تحتضنه بقوة مباغتة إياه. وقد وقف بجسد متجمد غير متجاوب.

لكنها لم تستسلم بل رفعت نفسها على أصابع قدميها تقبله بكل ما تحمله من لهفة وشوق له. ترتعش شفتيها وهي تحتضن شفتيه للحظات بثته فيها كل خوفها وقلقها عليه برغم بجسده المتجمد إلا من رجفة ضعيفة لشفتيه إثر هجومها الكاسح عليه. تزحف بيدها على صدره تضعها فوق موضع قلبه يرتفع أملها حين شعرت بنبضاته السريعة أسفلها لتبتعد انشاً واحداً هامسة بلهفة وعيونها تنطق بلوعتها تردد كلماته السابقة لها لعلها تخرجه بها من حالة الجمود تلك:

"وحشتني.. وحشتني أوي.. إياك تسيبني لوحدي تاني وتمشي." شعرت بالرجفة التي أصابته وارتعاشة شفتيه كأنه يقاوم تأثير تلك الكلمات عليه. لكنها لم تمهل الفرصة للمقاومة تواصل هجومها عليه عينيها تحدق في ظلمة عينيه بثبات برغم الدموع بها وقد نوت ألا تخرج من هذه المعركة إلا وهي فائزة به:

"لما بتسيبني لوحدي بحس إني يتيمة ومليش ضهر ولا سند.. إياك تخليني أحس تاني بكده يا صالح.. إياك بعد ما بقيت كل دنيتي وناسي وأهلي تتخلى عني أو تخليني أحس باليتم.. أنا روحي بتنسحب منى لما بتبعد بعيد عني ولو لثانية واحدة.. عارف ليه عشان إنت روحي يا صالح فاهم ولا لأ!

عاودت احتضانه مرة أخرى بقوة ولم تنتظر هذه المرة منه استجابة ولا تبالي برد منه على اعترافها هذا. فقط كل ما أرادت أن تجذبه خارج تلك الظلمة والتي تراها بعينيه والتي اجتذبته بداخلها يكفيها وجوده فقط بالقرب منها. ولكنه وفجأة كما لو كانت كلماتها قد اخترقت الظلام الذي يحيط به تبدده فيرفع ذراعيه المتهدلة جانبه إلى خصرها يتشبث به بقوة قبل أن يسحقها إلى صدره في عناق عنيف قاسٍ يكاد أن يسحق عظامها تحت ضغطه.

لكنها وقفت طائعة بترحاب وسعادة بتلك الاستجابة منه لا يصدر عنها صوت معترض واحد وهو ينحني عليها يحملها بين ذراعيه بخشونة يتجه بها ناحية غرفتهم. تدس برأسها في عنقه وهي تلف ذراعيها حوله متعلقة به في إشارة ترحيب منها لعاصفة مشاعره القادمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...