كانت أصوات الضحكات والموسيقى تتعالى من الحديقة الخلفية لقصر الرفاعي، حيث قررت العائلة إقامة حفل شواء كبير للاحتفال. كان جاسر يقف أمام الشواية الضخمة وقد شمر عن ساعديه القويين، يتولى مهمة الشواء بجدية تامة كأنه في مهمة عسكرية. بجانبه كان مالك يساعده ويمرر له الأطباق، وكانا يتبادلان حديثاً هادئاً وضحكات متقطعة، في مشهد لم يكن أحد ليتخيله قبل سنوات. على طاولة كبيرة قريبة كانت النساء قد شكلن خليتهن الخاصة.
نغم كانت تقطع السلطة بينما كانت روح تحضر بعض المقبلات، ووعد كانت تضع اللمسات الأخيرة على طاولة الطعام. كانت صبر تراقبهن بابتسامة هادئة وهي تهدهد طفلتها الصغيرة التي غفت بين ذراعيها. اما الجيل الجديد فكان قد استولى على الحديقة بالكامل. يامن وتميم توأم جاسر، كانا يقودان فريقاً في مباراة كرة قدم حماسية ضد عدي ابن سند وقاسم ابن أكمل الذي كان يدافع عن مرماه ببراعة وشجاعة.
كانت نور ورحيق ابنة أكمل تقفان بجوار صبر تداعبان تلك الصغيرة سيلا وفجأة، انطلقت كرة القدم بقوة نحو طاولة النساء صرخت روح بمرح وهي تتفادى الكرة التي استقرت في طبق السلطة. ركض يامن الصغير نحو الطاولة وهو يلهث ووجهه يعتذر براءة. _أنا آسف يا خالتو روح، بس خالو سند السبب. نهض سند من كرسيه متظاهراً بالغضب. _أنا السبب يا ولد؟ ليه عملت ايه؟ رد يامن بقوة مع الحفاظ على آداب الحديث.
_شطلك الكورة وانت كنت بتبص على خالتو وعد وبتغمزلها. ضحك الجميع مما أخجل سند ووعد _وانا مالي بتشوط الكرة ليا، انا كنت بلعب معاكم. فنظر إلى جاسر وقال بغيظ _ما تشوف صرفة في ابنك ده، الواد لماح بشكل غريب. نظر جاسر إلى ابنه وأشار له بالتقدم طاوعه يامن وتقدم بخطوات واثقة، ووقف أمام أبيه رافعاً رأسه لا تبدو عليه أي علامات خوف بل نظرة احترام وانتظار.
لم يوبخه جاسر ولم يرفع صوته بل انحنى قليلاً ليصبح في مستوى نظر ابنه، ووضع يده الكبيرة على كتفه الصغير. نظر في عينيه مباشرة وبدأ حديثه بصوت هادئ وعميق، صوت لا يسمعه سواهما تقريباً. _أنت شوفت خالك سند بيبص لخالتك وعد؟ أومأ يامن برأسه بجدية. _أيوه يا بابا. سأل جاسر بهدوء. _يعني خالك سند بيحب خالتك وعد؟ أجاب الطفل بثقة. _أيوه طبعاً. _طيب يا بطل لما الراجل يبص لمراته اللي بيحبها، دي حاجة بينهم هما الاتنين بس
حاجة خاصة وجميلة، زي الأسرار الحلوة وإحنا كرجالة من أصولنا إننا نحفظ السر، ومنكشفش ستر حد حتى لو كان في الهزار عينك شافت حاجة يبقى تخليها في قلبك متطلعهاش على لسانك قدام الناس كلها فهمتني؟ كان يامن يستمع بتركيز شديد كأنه يتشرب كل كلمة، لم يشعر بالإهانة أو بأن أباه يوبخه، بل شعر بأنه يعطيه درساً مهماً سراً من أسرار الرجال. هز رأسه الصغير بقوة. _فهمت يا بابا أنا آسف. ربت جاسر على كتفه بفخر.
_مش عايزك تتأسف عايزك تتعلم أنت عينك لماحة وبتشوف اللي غيرك مش بيشوفه، ودي حاجة هتميزك لما تكبر بس القوة الحقيقية مش في اللي بتشوفه، القوة في اللي بتعرف إمتى تتكلم عنه، وإمتى تسكت وتحفظه لنفسك. ثم وقف جاسر بكامل قامته، ونظر إلى سند الذي كان يراقب الموقف بفضول، وقال بصوتٍ عالي ومرح، ليغير الأجواء تماماً _خلاص يا سند الواد اعترف بغلطه بس برضه، خلي بالك بعد كده عيون الصقور الصغيرة دي مبتسيبش حاجة.
ضحك الجميع مرة أخرى، وقد أُعجبوا بطريقة جاسر الحكيمة في التعامل مع الموقف. لقد علم ابنه درساً في الأدب وحفظ الخصوصية، دون أن يحرجه أو يقلل من شأنه أمام العائلة، بل على العكس منحه شعوراً بالمسؤولية والثقة. عاد يامن إلى الملعب لكن هذه المرة كانت خطواته أكثر نضجاً، وعيناه تحملان بريقاً جديداً، بريق طفل تعلم للتو درساً لن ينساه أبداً من الرجل الذي هو مثله الأعلى في هذا العالم.
كانت نغم تراقبه من بعيد، وقلبها يفيض فخراً وحباً. رأت كيف تعامل مع ابنهما كيف علّمه درساً في الرجولة والأصول بحكمة وهدوء، دون أن يجرح كبرياء طفل أو يحرجه أمام الجميع. هذا هو جاسر الذي عشقته، ليس فقط بقوته وهيبته بل بحكمته التي تظهر في أدق المواقف. تركت ما في يدها واقتربت منه بخطوات هادئة، كأنها فراشة تنجذب إلى النور وقفت بجانبه تماماً، وشعرت بدفء الشواية يمتزج بدفء وجوده. _شكل اللحمة استوت هات عنك كفاية عليك.
قالتها بصوتٍ ناعم، وكانت حجة واهية لتكون بقربه. لم يلتفت إليها جسده بالكامل، بل أدار رأسه فقط لكن نظرته كانت كافية لتخترقها. ذلك الشموخ وتلك القوة التي كانت واضحة للجميع قبل لحظات، بدأت تذوب وتلين تحت تأثير نظرتها وحدها ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة لا يراها سواها. _تعبك راحة يا عمري. تعلقت عيناها بعينيه وقالت بصدق يملأ صوتها _أنا فخورة بيك أوي يا جاسر، فخورة بالطريقة اللي بتربي بيها ولادنا.
اقترب منها خطوة حتى كاد كتفه يلامس كتفها، وانخفض صوته ليصبح همساً حنوناً لا يسمعه غيرها وسط ضجيج الحفل. _وأنا كل اللي بعمله عشان أبقى الراجل اللي يستاهل فخرك ده. عشان لما يبصوا في عينيكي، يشوفوا نظرة الرضا دي. شعرت بخجل لذيذ يلون وجنتيها. مدت يدها لتأخذ منه ملقط الشواء، فتلامست أصابعهما للحظة وسرت في جسدها قشعريرة دافئة ومألوفة. _أنت أحسن أب في الدنيا. أمسك يدها برفق ومنعها من أخذ الملقط.
_خليكي مرتاحة، النهاردة يومك ويوم الولاد. أنا اللي هخدمكم كلكم. نظرت إلى يده الكبيرة التي تمسك بيدها، ثم رفعت نظرها إليه مرة أخرى، وقد تاهت في عمق عينيه. _وجودك جنبي بالدنيا كلها. لم يستطع المقاومة أكثر ترك الملقط جانباً وبحركة سريعة لم يتوقعها أحد، استدار وأحاط خصرها بذراعه، وسحبها خلف الشواية، في زاوية خفية عن أعين الجميع ونظر في عينيها التي تسحره _بتعملي فيا إيه بنظراتك دي؟ بتخليني أنسى الناس والدنيا كلها.
ضحكت بخفة وهي تضع يديها على صدره العريض. _أنا معملتش حاجة. نظر في عينيها مباشرة، وبنبرة تحمل مكراً محبباً قال وهو يبتسم _عموماً، حسابنا مش هنا أنا لسه مستني المكافأة بتاعتي اللي اتفقنا عليها بالليل، بعد ما الصقور الصغيرة دي تنام. اتسعت عيناها بخجل لذيذ وهي تفهم ما يرمي إليه، وضربته بخفة على صدره. _جاسر!
ضحك ضحكة رجولية عميقة، ثم قبلها قبلة سريعة على خدها وتركها قبل أن يلاحظهما أحد، وعاد إلى الشواية وكأن شيئاً لم يكن تاركاً إياها بقلبٍ يخفق بشدة، ووجهٍ متورد ووعدٍ بليلة لا تشبه إلا حكاياتهم الخاصة. كانت روح تضحك مع نغم ووعد، لكن عينيها لم تفارق مالك أبداً. كانت تراقبه وهو يتحدث مع جاسر فجأة، نهض مالك وحمل طبق التقديم الكبير الذي امتلأ تقريباً، وقال بصوتٍ عالي _أنا هدخل الطبق ده المطبخ عشان ميبردش وأجيب غيره.
تقدمت منه روح لتأخذه _هاته انا هدخله. غمز لها بعينيه بطريقة فهمتها روح على الفور، الإشارة الخفية في عينيه انتظرت لحظات قليلة حتى اختفى داخل القصر ثم اعتذرت من نغم ووعد بهدوء، وتحججت بأنها ستجلب بعض المناديل ولحقت به. ما إن خطت بقدميها داخل المطبخ الهادئ، حتى شعرت بالباب يغلق خلفها بهدوء وقبل أن تستدير كانت ذراعا مالك القويتان تحيطان بخصرها من الخلف، وسحبها برفق حتى التصق ظهرها بصدره العريض.
أغمضت عينيها واستنشقت عطره المميز الذي تعشقه، ومالت برأسها للخلف لتستند على كتفه. _كنت عارفة إنك عملتها حجة. همست بصوتٍ ناعم. دفن مالك وجهه في عنقها وقبلها قبلة رقيقة جعلت قشعريرة لذيذة تسري في جسدها. _ومكنتش أقدر أستنى أكتر من كده. همس في أذنها بصوتٍ عميق وحنون. _بقالي ساعة شايفك بتضحكي من بعيد، وحاسس إني عايز أخطفك من وسط الناس كلها وأخلي الضحكة دي ليا لوحدي. استدارت بين ذراعيه لتواجهه، ولفت يديها حول رقبته.
نظرت في عينيه التي كانت تلمع بحب عميق، حب ناضج وهادئ كشخصيته تماماً. _وأنا كل ضحكة بتطلع مني بتكون بسببك ولِيك يا مالك. مرر إبهامه برقة على خدها متتبعاً خط فكها. _تعرفي إني كل يوم بصحى فيه وألاقيكي جنبي، بحمد ربنا ألف مرة إنه عوضني بيكي. إنتي جيتي ومليتي كل الفراغ اللي في حياتي خليتي للدنيا طعم ولون. اهتزت نظراتها من فرط السعادة. _وإنت الأمان والسند اللي كنت بتمناه طول عمري.
وجودك جنبي بيخليني أحس إني أقدر أواجه أي حاجة في الدنيا. لم يعد يحتمل أكثر انحنى ببطء وقبّلها لم تكن قبلة عاصفة أو جائعة، بل كانت قبلة عميقة وحنونة، تحمل كل مشاعر الامتنان والشوق والسلام التي يشعر بها معها. كانت قبلة تحكي قصة حبهما، قصة بدأت بالتردد والخوف وانتهت باليقين المطلق بأنهما خلقا ليكونا معاً. ابتعد عنها قليلاً وظل جبينه ملتصقاً بجبينها، وأنفاسهما تختلط. _بحبك يا روح. ردت عليه بنفس الهمس الحالم
_وبحبك يا قلب وروح الروح. في تلك اللحظة، في هدوء المطبخ البعيد عن صخب الحفل، كانا يعيشان في عالمهما الخاص، فقاعة من الحب النقي الذي لا يحتاج إلى كلمات كثيرة ليعبر عن نفسه، مكتفياً بنظرة عين، ولمسة يد، وقبلة تحمل كل معاني الوطن. كانت صبر تجلس بهدوء تراقب هذا التجمع العائلي الدافئ وقلبها يمتلئ بشعور جديد لم تعرفه من قبل. لقد قضت سنواتها في وحدة وخوف، أما الآن فهي اخواتها.
روح ونغم ووعد يتحدثن معها كأنها كانت دائماً جزءاً منهن، يسألنها عن طفلتها ويضحكن معها. لأول مرة شعرت بأنها تنتمي لمكان ما، بأنها ليست دخيلة أو غريبة بل واحدة منهم. بعد انتهاء الأكل وبدء الجميع في الاسترخاء، اقترب منها أكمل الذي كان يراقبها من بعيد يرى في عينيها تلك السعادة الهادئة التي لم يرها فيها من قبل. انحنى وهمس في أذنها بصوتٍ حنون _يلا بينا عشان ترتاحي الجو برد على سيلا.
تغيرت ملامحها قليلاً وظهر على وجهها ظل من الحزن نظرت إليه برجاء. _خلينا شوية كمان يا أكمل أنا... أنا حابة القعدة هنا. نظر أكمل في عينيها وفهم على الفور فهم أنها لا تريد أن تترك هذا الشعور بالدفء والأمان. لم يغضب أو يصر بل ابتسم ابتسامة مطمئنة، وأمسك يدها برفق بين يديه _وأنا كمان حابب أشوفك مبسوطة وسطهم. صمت للحظة ثم أكمل بنبرة تحمل وعداً صادقاً
_أوعدك دي مش هتكون آخر مرة كل فترة هجيبك ونيجي نقضي اليوم كله معاهم، لحد ما تزهقي منهم بنفسك. ابتسمت ابتسامة حقيقية وشعرت بالامتنان لكلماته. لكنه اقترب أكثر وانخفض صوته ليصبح همساً عميقاً ومغرياً لا يسمعه سواها. _بس دلوقتي عايز أروح. نظرت إليه باستفهام، فأكمل بنفس النبرة التي جعلت قلبها يخفق بشدة _وحشتيني اليوم كله وإنتي بعيدة عني وسط الناس، وأنا قاعد بعد الدقايق عشان أخطفك ونرجع بيتنا
عايز أعوضك بطريقتي الخاصة عن كل دقيقة شايفك فيها قدامي ومش قادر أقولك بحبك، شوفي بقى تمن ساعات بكام دقيقة وبكام كلمة بحبك. كانت كلماته كفيلة بأن تشعل النار في وجنتيها وتجعل أنفاسها تتسارع لم تكن مجرد كلمات، بل كانت اعترافاً صريحاً بحبه العميق، ورغبته في أن يكون هو عالمها وأمانها. رأت به العاشق الذي يغار عليها من نسمة الهواء، والذي يريد أن يمتلك كل لحظة من حياتها.
لم تعد قادرة على المقاومة أومأت برأسها بصمت موافقة على طلبه الذي لم يكن طلباً، بل كان دعوة لعالمه الخاص. نهض أكمل وساعدها على النهوض، ثم ودّعا العائلة بحجة إرهاق صبر وحاجتها للراحة. نادى على قاسم وليان الذين أصروا على البقاء فأخبره جاسر بأنه سيقوم بتوصيلهم في طريقه.
وفي طريقهم للخروج أحاط خصرها بذراعه بقوة تملكية، كأنه يعلن للجميع أنها ملكه وحده وبينما كانا يسيران نحو السيارة تحت ضوء القمر، كانت صبر تعرف يقيناً أنها لم تعد سجينة خوفها، بل أصبحت متيمة بحب هذا الرجل الذي انتشلها من بؤسها، ثم أعاد بناءها من جديد على قواعد من العشق والاهتمام. وقف الحاج وهدان وسالم الأب يراقبان المشهد من بعيد، وعلى وجهيهما ابتسامة رضا عميقة. قال سالم لوالده _شوفت يا بوي؟
كأن ربنا بيعوضنا عن كل السنين الصعبة اللي فاتت. رد الحاج وهدان بصوتٍ هادئ يملؤه اليقين _دي مش سعادة صدفة يا سالم دي سعادة مبنية على اختيارات صح، على قلوب سامحت وعلى حب كان أقوى من أي تار وأي كره. دي جنة الدنيا اللي كل واحد فيهم زرعها بإيده. في تلك اللحظة أمسك جاسر بقطعة لحم مشوية وقدمها لنغم التي اقتربت منه. أكلت منها بابتسامة ثم نظرت إلى عائلتها الممتدة إلى هذا المزيج الرائع من الضحكات والأصوات والحركة.
لم تكن مجرد عائلة مجتمعة، بل كانت سيمفونية متناغمة، كل فرد فيها يعزف لحنه الخاص لكنهم جميعاً يشكلون معزوفة واحدة رائعة عنوانها "الحب". لم تكن هناك حاجة لكلمات كبيرة أو خطب مؤثرة كانت هذه اللحظة العفوية المليئة بالحياة، هي النهاية السعيدة التي استحقوها جميعاً، بداية لحكايات أخرى لا تنتهي من الدفء والضحك والسند. كان الهدوء يلف أرجاء بيت أكمل في قلب الصعيد. انتهت صبر من إطعام ابنتها سيلا ووضعتها في سريرها لتغفو.
كان البيت يبدو فارغاً بدون أكمل وابنهما قاسم اللذين ذهبا معاً إلى المسجد لأداء صلاة العشاء ورحيق التي نامت مبكرا ثم أخبرها بأنه سيمر على أكمل كي يأخذ ليان التي تعلقت بنور بشكل عجيب. وهو مشهد أصبح يملأ قلبها بالسكينة كل يوم. فجأة قُطع هذا الهدوء بصوت طرقات على الباب الخارجي. طرقة مترددة وخفيفة عقدت حاجبيها باستغراب فأكمل معه مفتاحه ومن النادر أن يزورهم أحد في هذا الوقت لفت حجابها حول رأسها جيداً وتوجهت نحو الباب.
فتحت الباب بحذر لتتجمد الدماء في عروقها. لم يكن هناك أي احتمال في العالم قد هيأها لهذا الوجه كان والدها. تسمرت مكانها وعاد بها الزمن سنوات إلى الوراء. رأت في وجهه كل لحظة قسوة، كل كلمة جارحة كل ليلة قضتها في خوف ورعب. شعرت بأنفاسها تنسحب من رئتيها وتشبثت بمقبض الباب كأنه طوق نجاتها الوحيد. لكن الغريب أن نظراته كانت مختلفة تماماً.
لم تكن فيها تلك القسوة الباردة أو الغضب المعتاد كانت عيناه منكسرتين، تحملان تعباً وحزناً لم ترهما فيه من قبل. _ازيك يا صبر. قالها بصوتٍ أجش ومبحوح، صوت رجل هزمه الزمن. لم تستطع الرد كانت الكلمات عالقة في حنجرتها، والخوف لا يزال يسيطر على أطرافها. تنهد والدها تنهيدة طويلة وكأنه يخرج معها سنوات من الندم. _أنا عارف إنك بتكرهيني وليكي كل الحق. أنا عاذرك بس أنا اتغيرت يا بنتي الدنيا لفت ودارت عشان تأدبني.
صمت للحظة يجمع شتات نفسه. _مرات أبوكي... سرقتني خدت كل اللي ورايا واللي قدامي، وهربت رفعت عليا قضية خلع وسمعت إنها اتجوزت واحد تاني. حتى إخواتك خدتهم معاها، وقالت في المحكمة إنها خايفة أعمل فيهم زي ما عملت فيكي. سقطت الكلمات على قلب صبر كالصخر. _يمكن كل ده حصل عشان أفوق عشان أعرف غلطتي وأرجع لربنا أنا النهاردة لما شوفت جوزك وابنك في الجامع، شوفت في عينيه السعادة والرضا.
عرفت إن ربنا كرمك عشان قلبك أبيض خدتها فرصة وجيت عشان أقولك سامحيني، وأعترفلك بغلطي قبل ما أقابل وجه كريم. بدأ قلب صبر يلين رغم كل شيء هذا الرجل الواقف أمامها لم يعد ذلك الجلاد القاسي، بل رجل عجوز وحيد ومكسور قبل أن تجد الكلمات المناسبة لترد، انطلق صوت حاد وقوي من خلفها. _أنت إيه اللي جابك هنا؟ كان أكمل قد عاد ووقف كالصقر يحمي عشه وابنه قاسم يقف بجانبه ممسكاً بيده لا يفهم ماذا يحدث.
كانت نظرات أكمل نارية جاهزة للانقضاض. قبل أن يتطور الموقف، وضعت صبر يدها على صدر أكمل لتوقفه. _استنى يا أكمل هو كان جاي يقول كلمتين وهيمشي. فهم أكمل من نظرة عينيها أنها لا تريد المزيد من المشاكل. تراجع خطوة للخلف لكن عينيه ظلتا مثبتتين على والدها بحذر. انحنى والدها بصعوبة وقبّل رأس حفيده قاسم الذي كان ينظر إليه باستغراب كانت قبلة تحمل كل الشوق والحرمان في العالم.
ثم استقام ونظر إلى صبر نظرة أخيرة مليئة بالأسف، واستدار ومشى بخطوات ثقيلة، واختفى في ظلام الليل. ما إن اختفى حتى استدارت صبر وارتمت في حضن أكمل، وانفجرت في بكاءٍ مرير. بكاء على طفولتها الضائعة وعلى قسوة أبيها وعلى ضعفه وانكساره الآن. ضمها أكمل إليه بقوة وتركها تفرغ كل ما في قلبها. _هششش... اهدي يا حبيبتي خلاص كل حاجة عدت. قالت بصوتٍ مخنوق بالدموع وهي تتشبث به _صعبان عليا أوي يا أكمل.
مسح على شعرها بحنان وهمس بصوتٍ دافئ _أنا عارف يا قلب أكمل عارف إن قلبك أبيض ومبيعرفش يشيل طلعي كل اللي جواكي أنا جنبك ومعاكي، وعمري ما هسيبك. ظل يضمها ويهدهدها حتى هدأت شهقاتها تدريجياً وشعرت بالأمان يغمرها مرة أخرى في حضن الرجل الذي أصبح هو عائلتها ووطنها وملاذها الوحيد. كانت نغم تجلس على حافة الكرسي في عيادة الدكتورة زينة، تفرك يديها بتوتر واضح.
بجانبها كان جاسر يجلس بهدوء وثقة، يمسك يدها بين يديه يضغط عليها برفق بين الحين والآخر كأنه يمدها بالقوة. خرجت زينة من غرفة الفحص وعلى وجهها ابتسامة واسعة نظرت إليهما وقالت بمرح _مبروك يا جماعة التاريخ يعيد نفسه. عقدت نغم حاجبيها بعدم فهم بينما ابتسم جاسر كأنه توقع الخبر. _يعني إيه يا زينة؟ _يعني مبروك حامل. وللمرة التانية ما شاء الله توأم. شعرت نغم بأن الأرض تدور بها واتسعت عيناها بصدمة حقيقية ووضعت يدها على فمها.
_تاني؟! خرجت الكلمة منها كأنها صرخة مكتومة. _توأم تاني؟ يا خبر أبيض! انفجر جاسر في ضحكة قوية وصادقة ثم سحبها إليه واحتضنها بقوة وهو لا يزال يضحك. _مالك يا حبيبتي؟ محسساني إنك تعبتي في تربية تميم ويامن دا إنتي كنتي بتشرفي علينا من بعيد بس، وأنا وأمي وسامية اللي كنا شايلين الليلة كلها. نكزته نغم في جانبه بغيظ وهي تخرج من حضنه. _أنا اللي كنت بشرف؟ طب ومين اللي كان بيسهر الليالي لما كانوا بيعيطوا سوا؟
ومين اللي كان بيغيرلهم وياكلهم بالليل؟ رفع جاسر يديه في استسلام مصطنع وهو يبتسم كي لا يخوض معها جدال لن يعود منه منتصرًا _خلاص خلاص حقك عليا إنتي اللي عملتي كل حاجة بس قوليلي، مش فرحانة؟ البيت هيتملى علينا عزوة ورجالة. نظرت إليه ورأت الفرحة الصادقة تلمع في عينيه، فابتسمت رغماً عنها. _فرحانة طبعاً بس... أربعة! هعمل فيهم إيه دول؟ ضحكت زينة وقالت _ربنا يباركلك فيهم ويقويكي، جاسر باشا لازم يجيبلك جيش يساعدك.
في طريق العودة بالسيارة، وبعد أن خفتت نشوة المفاجأة الأولى، حل الصمت. كان جاسر يقود بهدوء لكنه كان يختلس النظر كل بضع ثوانى إلى نغم التي كانت تنظر من النافذة شاردة، وملامحها تحمل ظلاً خفيفاً من القلق. مد يده الكبيرة وأمسك يدها التي كانت تستقر على ساقها. لم تلتفت إليه لكنها شدت على يده. _بتفكري في إيه؟ سألها بصوتٍ هادئ وعميق. تنهدت بخفة. _خايفة يا جاسر. _من إيه؟ _من كل حاجة من الحمل تاني، وتعب الولادة والمسؤولية.
تميم ويامن لسه صغيرين برضه ومحتاجين اهتمام، هييجوا اتنين كمان هقدر إزاي أقسم نفسي وقلبي واهتمامي على أربعة؟ خايفة أقصر مع حد فيهم. أدار السيارة وأوقفها على جانب الطريق الهادئ ثم أدار جسده بالكامل ليواجهها، وأمسك وجهها بكلتا يديه، جاعلاً إياها تنظر في عينيه مباشرة. _بصيلي هنا يا نغم، أول مرة لما كنتي حامل في تميم ويامن، كنتي لوحدك؟ هزت رأسها بالنفي. _وأنا مكنتش جنبك خطوة بخطوة ولا سبتك لحظة أنا وأمي؟
هزت براسها أيضاً بالنفي. _يبقى إيه اللي اتغير المرة دي؟ أنا لسه جنبك وهفضل جنبك، وخوفي عليكي المرة دي أكبر من المرة اللي فاتت. مش هسيبك لحظة واحدة، من أول يوم لحد ما يقوموا بالسلامة ويجروا على رجليهم. وبعدين إنتي نسيتي حاجة مهمة. عقدت حاجبيها باستفهام. ابتسم بمكر. _إنتي بقى معاكي اتنين رجالة في البيت. تميم ويامن كبروا وبقوا يفهموا دول هيبقوا دراعك اليمين، هيساعدوكي ويشيلوا معاكي.
هنبقى جيش كامل في وش الاتنين الجداد دول. ضحكت رغماً عنها من طريقة كلامه، وشعرت بأن جبل القلق الذي كان على صدرها بدأ ينهار. _يعني أنت مش خايف؟ _أنا بخاف من حاجة واحدة بس في الدنيا دي كلها يا نغم. بخاف عليكي إنتي أي حاجة تانية، طول ما إنتي بخير وفي حضني مقدور عليها. إحنا مع بعض ودي الكلمة اللي بتهد أي خوف. انحنى وقبلها قبلة عميقة ومطمئنة، قبلة أزالت آخر ذرة من القلق في قلبها.
حين ابتعد كانت عيناها تلمعان بالحب والامتنان لقد كان هذا هو جاسر، صخرتها التي تتكئ عليها، وحصنها الذي يحميها من كل مخاوف العالم حتى تلك التي تسكن داخلها. كان الليل قد انتصف، وسكنت كل الأصوات في منزل الجبل إلا من همس الريح الخفيف. أغلق جاسر باب غرفة التوأم الجديدين دانة وديما بهدوء تام بعد أن اطمأن أنهما غرقا في النوم، تماماً مثل أخويهما تميم ويامن في الغرفة المجاورة.
عندما دخل غرفتهما، وجد نغم واقفة في الشرفة، ترتدي ثوباً خفيفاً، وشعرها الطويل يداعبه نسيم الليل. كانت تنظر إلى القمر المكتمل الذي يلقي بضوئه الفضي على الحدائق الشاسعة. اقترب منها بهدوء ولف ذراعيه القويتين حول خصرها من الخلف، مستنداً بذقنه على كتفها. لم تفزع بل مالت برأسها للخلف لتلامس وجهه كأنها كانت تشعر بوجوده قبل أن يصل. _سهرانة ليه يا ملكة قلبي؟ همس بصوته العميق الذي كان دائماً يذيبها.
تنهدت براحة وهي تغمض عينيها مستمتعة بقربه الذي أصبح إدمانها. _بفكر. _في إيه؟ _فينا بفكر في أول مرة شوفتك فيها، كنت مرعوبة منك وببص لحالنا دلوقتي... أربع أولاد وبيت وحب. ساعات بحس إني بحلم، وخايفة أصحى. أدارها برفق بين ذراعيه لتواجهه وأمسك وجهها بين كفيه الكبيرتين، وعيناه تتأملانها بعشق لم يخفت بريقه يوماً. _ده مش حلم يا نغم دي حقيقتنا اللي بنيناها سوا. أنا اللي كنت عايش في كابوس وصحيت منه على صوتك إنتي.
كنت راجل عايش عشان التار قلب قاسي زي الصخر، جيتي إنتي بلمسة واحدة وفتتّي الصخر ده وزرعتي مكانه ورد. مرر إبهامه على شفتيها برقة. _كل يوم بصحى فيه وألاقيكي نايمة جنبي، بحس إني ملكت الدنيا وما فيها صوتك ضحكتك حتى عصبيتك وغيرتك... كل تفصيلة فيكي هي اللي بتخليني أتنفس. تجمعت الدموع في عينيها ليس حزناً، بل من فرط السعادة التي تملأ قلبها. _وإنت يا جاسر...
إنت الأمان اللي كنت فاكراه مستحيل كنت دايماً بحس إني ضعيفة، بس وجودك جنبي بيخليني أحس إني أقوى واحدة في الدنيا حبك هو الحصن بتاعي. انحنى ببطء وقبّلها. لم تكن قبلة عادية، بل كانت رحلة عبر الزمن. كانت تحمل ذكرى الخوف الأول، وشراسة البدايات وحلاوة الاستسلام وعمق الحب الذي تجذر وتفرع ليصبح شجرة ضخمة تظلل حياتهما. كانت قبلة تحمل كل معاني "الوطن"، فكل منهما وجد في الآخر وطنه وملاذه الأبدي.
حين ابتعد، ظل جبينه ملتصقاً بجبينها، وأنفاسهما واحدة. _فاكرة لما قولتلك زمان إنك ملكي؟ همس وهو ينظر في عمق عينيها. أومأت برأسها، وقلبها يخفق بشدة. _أنا اللي طلعت ملكك يا نغم قلبي، روحي اسمي، حياتي كلها... ملكك إنتي لوحدك. لم تعد هناك حاجة للكلمات.
في صمت الليل وتحت ضوء القمر، احتضنا بعضهما البعض قلبان وجدا نصفهما الآخر في خضم عاصفة، ليكتشفا أن الحب لم يكن مجرد نهاية سعيدة لقصتهما، بل كان هو البداية الحقيقية لكل شيء جميل في حياتهما، ولكل الأيام القادمة التي سيعيشانها معاً، إلى الأبد. كانت روح تقف أمام المرآة، تضع لمساتها الأخيرة وهي تشعر بمزيج من الحيرة والترقب. ارتدت فستاناً بسيطاً وأنيقاً بناءً على طلب مالك لكنها لم تكن تفهم سر هذه الرحلة المفاجئة.
_طيب جولي رايحين فين؟ سألته للمرة الخامسة وهو يرتدي ساعته بهدوء. _مشوار مهم. _مهم لدرچة إنك مش عايز تجولي عليه؟ وكمان واخدين نور معانا! لو مشوار شغل كنت سبناها مع ماما أو مرات عمي. اقترب منها ووضع يديه على كتفيها ونظر إلى انعكاسها في المرآة بابتسامة غامضة. _النهاردة بالذات لازم نور تكون معانا يالا بينا عشان منتأخرش. استسلمت لحيرتها وحملت ابنتها التي كانت ترتدي ملابس جميلة كأنها ذاهبة إلى مناسبة سعيدة.
استقلوا السيارة وطوال الطريق حاول مالك أن يتحدث في أمور عادية، لكن روح كانت تشعر بأن هناك شيئاً أعمق خلف هذا الهدوء. سارت السيارة في طرقات تعرفها، حتى انحرفت نحو طريق مألوف جعل قلبها ينقبض طريق المقابر. "هنزور بابا... " قالت لنفسها وشعرت بوخزة من العتاب لماذا لم يخبرها؟ كانت تود أن تستعد نفسياً لهذه الزيارة.
توقفت السيارة وساد صمت مهيب نزل مالك ودار حول السيارة ثم فتح لها الباب وبحركة حنونة أخذ منها الصغيرة نور وضمها إلى صدره. _انزلي يا حبيبتي. نزلت روح بخطوات بطيئة والهواء البارد يلفح وجهها سارا جنباً إلى جنب بين القبور الصامتة، وروح تتساءل لماذا أصر على إحضار ابنتهما إلى هذا المكان. توقفا أخيراً لكن ليس فقط أمام قبر والدها بل أمام القبر المجاور له... قبر عدي.
نظرت روح إلى شاهد القبر الذي يحمل اسمه ثم رفعت عينيها إلى مالك بنظرة عتاب صامتة وموجوعة. لقد فهمت الآن لقد أحضرها إلى هنا لتواجه الماضي الذي حاولت دفنه. تحدث مالك بصوتٍ هادئ وحكيم كأنه يقرأ أفكارها. _جبل ما تجولي أي حاچة اسمعيني أنا خابر إن الموضوع صعب وخابر إن چرحك منه كان غويط بس هو دلوجت في مكان تاني يا روح... في دار الحج ومبجاش فاضل بينا وبينه غير الدعاء والسماح. نظر إلى ابنته النائمة على صدره ثم نظر إليها.
_بحلم بيه كتير، كل مرة بيچيلي في الحلم بحس إنه تعبان ومش مرتاح وفي كل مرة بحس إنه بيطلب منك تسامحيه، المسامحة مش عشانه هو وبس، المسامحة عشانك إنتي عشان جلبك ده ينضف من أي وچع جديم، وعشان تجدري تكملي حياتك صافية. أغمضت روح عينيها بقوة كأنها تحاول أن تمنع طوفان الذكريات لكنه جاء بلا استئذان تذكرت يوم زفافهما وبروده القاتل تذكرت كلماته الجارحة وهو يعترف بحبه لنغم.
تذكرت الليالي التي قضتها تبكي وحدها في غرفتها، تشعر بأنها منبوذة وغير مرغوب فيها، كان من الصعب أن تسامح كان الجرح أعمق من ذلك. لكن... وسط كل هذا الألم، تسلل صوت آخر إلى عقلها صوت الحقيقة التي كانت تتجاهلها تذكرت أنه لم يختر ذلك، لقد أُجبر على هذا الزواج منها تذكرت أنه كان مخلصاً لحبه لنغم، وهذا في حد ذاته ليس خطيئة الحب لا يأتي بإرادتنا.
فتحت عينيها ونظرت إلى مالك، الرجل الذي أحبها لسنوات في صمت هي نفسها جربت الحب وتعرف جيداً أن من يحب لا يرى في الدنيا غير حبيبه ذنب عدي الوحيد أنه أحب، تماماً مثلها لقد كان ضحية مثلما كانت هي ضحية. تنهدت تنهيدة طويلة وعميقة كأنها تطلق سراح كل الألم الذي كانت تحبسه. تقدمت خطوة نحو القبر ومالك يراقبها بقلبٍ قلق نظرت إلى شاهد القبر وبدأت تتحدث بصوتٍ خفيض، كأنها تكلمه هو مباشرة.
_انجرحت منك أوي يا عدي عشان كسرتني وجرحتني كنت بحس إني قليلة، وإني معيوبة عشان رفضتني. صمتت للحظة، ودمعة وحيدة هربت من عينها ومسحتها بسرعة. _بس النهاردة... أنا فهمت فهمت إنك كنت بتحب، واللي بيحب مبيشوفش غير اللي بيحبه أنت محبتنيش، وده مكنش بإيدك زي ما أنا حبيت مالك ومكنش بإيدي أنت كنت ضحية زيي بالظبط. نظرت إلى السماء، ثم عادت بنظرها إلى القبر.
_يمكن لو كنت عرفت الحجيجة دي من زمان، مكنتش زعلت منك يمكن كنت جدرت أشوفك ابن عمي وبس. أخذت نفساً عميقاً، وقالت الكلمة التي جاءت من أجلها الكلمة التي حررتها هي قبل أن تحرره هو. _عشان اكده... أنا مسامحاك مسامحاك على كل وجع سببتهولي روح للي خلقك بجلب مرتاح الله يرحمك يا ابن عمي. في تلك اللحظة شعرت بثقل هائل يُرفع عن صدرها شعرت بالسلام يغمر روحها لأول مرة منذ سنوات.
سلام لم تشعر به من قبل كانت كلماتها الأخيرة "الله يرحمك يا ابن عمي" بمثابة إغلاق نهائي لجرح قديم اقترب منها مالك ووضع يده الحرة على كتفها وضمها إليه، شاعراً بالراحة التي غمرتها والتي انعكست عليه بدوره. لكن بينما كان يقف هناك يواسيها ويشعر بانتصاره الهادئ غاص عقله للحظات في الماضي عاد إلى الوراء إلى يوم آخر حاسم يوم كان عليه أن يقاتل هو الآخر مع الأشباح والذكريات ليفوز بحبه. فلاش باك...
لاحظ مالك أن والده لم يكن سعيداً بزواجه من روح وذلك كان واضحا عليه لذا عندما وجده يجلس وحيداً في الحديقة أخذها فرصة وتقدم منه ليجلس معها وتحدث بتهذيب _يابا ممكن اتحدت معاك في كلمتين؟ تطلع إليه سالم بعتاب محب _وانت من ميتى بتستئذن في الكلام معاي يا مالك؟ تحدث مالك بهدوء وثبات رغم العاصفة التي كانت تدور في قلبه. _من وجت ما لاحظت عليك انك مش مبسوط لچوازتي من روح. ساد صمت ثقيل وكأن سالم يحاول استيعاب حديثه
هو حقيقة لم يفرح لتلك الزيجة ليس عيب في روح فهي وأختها الأحب إلى قلبه لكنه ان يأخذ مكان أخيه بتلك السرعة. لم يجب على الفور بل أخذ نفساً عميقاً وأخرجه ببطء، كأنه يحاول شراء بعض الوقت ثم تحدث بحيرة _لانه صعب يا مالك. جاءت الكلمة كضربة موجعة _ليه صعب يا بوي؟ انا اتچوزتها بعد العدة ما خلصت والبنت لسة صغيرة ومينفعش تفضل أرملة طول عمرها. نظر إليه سالم مباشرة نظرة تحمل ألماً وحكمة.
_الصعب مش في العدة ولا في السن يا ابني الصعب فيك إنت... وفيها هي الصعب إنك هتكون مكان أخوك اللي مات لاح الحزن بعينيه وتحدث بألم كان يجاهد لاخفاءه _كلنا خابرين إن روح كانت بتحب عدي وعارفين إنها متجوزتهوش غير عشان حبته كيف هتجدر تعيش معاها وإنت خابر إن جلبها كان لغيرك؟ كيف هتجدر تجرب منها، وكل ما تبصلها هتفتكر أخوك؟ هتفتكر إنها كانت مراته؟
هتفضل طول عمرك عايش في ظل أخوك يا مالك والجوازة دي مش هتكون سعيدة لا ليك ولا ليها. كانت كلمات سالم منطقية وقاسية كالسياط لأنه لم يعرف شيء، ولم يعرف ان روح هي حبييته منذ الصغر لقد بنى سالم جداراً من المستحيل جداراً اسمه "عدي" أدرك مالك في تلك اللحظة أنه لا يملك سوى حقيقة واحدة، حقيقة قاسية ومؤلمة لكنها المطرقة الوحيدة القادرة على تحطيم هذا الجدار.
أغمض عينيه للحظة كأنه يستجمع كل قوته ثم فتحهما وقال بصوتٍ أجش صوت رجل يوشك أن يفشي سراً ثقيلاً. _أنا آسف يا بوي... آسف على اللي هجوله وغصب عني إني أطلع سر اخوي بس لازم تعرف. تطلع إليه سالم ونظر إليه بقلق فتابع مالك بثقل _عدي... الله يرحمه... ملمسش روح. اتسعت عينا سالم بصدمة لا توصف _إنت... إنت بتجول إيه؟ يعني ايه ا ملمسهاش؟ تنهد مالك وتحدث بتعب
_بجول الحجيجة يابا روح لسة بنت عدي رفضها يوم چوازهم وچرحها، لانه كان بيحب نغم محبهاش هي وجدي هو اللي كان رافض چوازه من نغم فضل يحب نغم لآخر يوم في عمره، وروح كانت مچرد واجب بيأديه جدام جدي. كانت الصدمة قد ألجمت لسان سالم لم يكن يتخيل أن ابنه المتوفى قد فعل ذلك. أكمل مالك بصوتٍ يملؤه الأسف على أخيه، والتصميم على مستقبله. _أنا لما جربت منها امبارح...
اكتشفت الحجيجة دي عشان اكده بجولك، أنا مش هكون مكان أخويا لأني هدخل حياة روح وهي لسة صفحة بيضا محدش لمسها جبلي ظل أخويا مش موچود في حياتنا، لأن أخويا نفسه مرسمش الظل ده أصلاً أنا مش هاخد مرات أخويا... أنا هتجوز البنت اللي بحبها من وهي طفلة، واللي القدر كتب إنها تكون ليا أنا وبس.
لم يستطيع سالم استيعاب كل ذلك وهو يمرر يده على وجهه بصدمة وألم ألم على روح التي تحملت كل هذا الجرح وحدها، وألم على ابنه الذي مات وهو يحمل هذا السر. نظر مالك إلى أبيه بأسف. _سامحني يا بوي مكنتش عايز أجرحه بعد موته، ولا كنت عايز أفتح جرح قديم بس إنت حكمت على جوازي بالفشل في اول يوم له وكان لازم أجولك الحجيجة اللي هتخليه ينجح. باك
عاد مالك إلى الحاضر إلى جانب قبر أخيه وروحه تقف بجانبه لا تعرف شيئاً عن المعركة التي خاضها من أجلها. نظر إلى وجهها الصافي الذي غسلته دموع التسامح، وشعر بأنه مدين لأخيه بطريقة غريبة لقد كان سر عدي المؤلم هو نفسه مفتاح مالك للسعادة. ضمها إليه بقوة أكبر وهو يهمس لنفسه "الله يرحمك يا أخوي سامحني أنا كمان."
لقد أخذ منه زوجته في الحياة، ثم أخذ منه سره بعد مماته ليبني به حياته، كان ديناً ثقيلاً لكنه كان على استعداد لحمله طوال عمره، مقابل أن تظل هذه المرأة بجانبه. اقترب منها مالك ووضع يده الحرة على كتفها، وضمها إليه نظرت إليه بامتنان، وابتسمت ابتسامة صافية خالية من أي حزن لقد أغلق لها اليوم آخر صفحة مؤلمة في كتاب ماضيها، وفتح أمامها صفحات بيضاء نقية، لتكتب فيها مستقبلاً جديداً معه ومع ابنتهما... نور.
اقتباس صغير من الجزء الثاني خرجت من صخب المطار إلى ليل القاهرة الذي لا ينام ووقفت بجسد منهك تسحب خلفها حقيبة سفر تبدو أثقل من وزنها الفعلي كأنها تحمل بداخلها حكايات عالم بأكمله. كانت ملامحها الأوروبية الصارخة تجعلها كائنًا غريبًا في هذا المكان، شقرة شعرها متوهج تحت أضواء المطار الخافتة، وعيناها الزرقاوان تائهتان في زحام الوجوه والأصوات. ازدردت ريقها بصعوبة وشعرت بجفاف حلقها رغم رطوبة الهواء
كل شيء حولها كان غريبًا صاخبًا وحيًا بطريقة لم تعهدها لم تكن هذه مصر التي رسمتها في خيالها بل كانت كيانًا عملاقًا يتنفس أمامها يثير في نفسها رهبة بقدر ما يثير فضولها. صوتٌ خافت كصدى من الماضي همس في أذنها: "لا مكان لكِ هنا... عودي قبل أن يبتلعكِ هذا العالم" كان هذا صوت الخوف صوت الحذر الذي تعلمته بالطريقة الصعبة لكن صوتًا آخر أعمق وأكثر إصرارًا كان ينبع من قرار اتخذته قبل أن تطأ قدماها أرض الطائرة.
صوت يذكرها بالثمن الذي دُفع لوجودها هنا. لقد ضحى هو بكل شيء من أجلها دفع حياته ثمنًا لتكون هي حرة بعيدة عن تلك "البؤرة" التي كادت أن تلهتمها والآن العودة ليست خيارًا والأمان الوحيد يكمن في المضي قدمًا نحو المجهول، نحو هذا البلد الذي لم تعرفه إلا اسمًا، والذي يحمل مفتاح نجاتها... أو ربما هلاكها. نجع التهامية.... ياترى مين البنت دي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!