كان انهيار نغم يمزق القلوب. رأت الممرضة بحالها وهي منهارة على سرير الرجل الذي يصارع من أجل حياته. اقتربت منها بهدوء ووضعت يدها على كتفها. "يا مدام نغم كفاية كده لازم تخرجي ترتاحي. وجودك هنا غلط على صحتك وغلط عليه هو كمان." رفعت نغم رأسها ونظرت إليها بعينين متورمتين تائهتين كأنها لا تفهم كلماتها. "أخرج؟ أسيبه لوحده؟ مستحيل. أنا مش هتحرك من هنا غير وهو معايا." "بس كده انتي بتضريه وبتضري نفسك، انتي لازم ترتاحي."
هزت رأسها برفض تام. "أنا لو طلعت من هنا هموت، ولو أنا مت هو مش هيقدر يعيش من غيري." نظرت الممرضة إلى سالم من الزجاج الداخلي نظرة مستنجدة. ففهم الإشارة، تقدم سالم نحوها ووضع يده على ذراعها برفق. "يلا يا نغم عشان خاطري لازم نخرج. الدكتور قال الزيارة ممنوعة." لكن بمجرد أن لمسها سالم، تشبثت بيد جاسر الباردة بكل ما أوتيت من قوة، وصرخت صرخة ممزقة خرجت من أعماق روحها. "محدش هيخرجني من هنا. ابعدوا عني."
كانت تصرخ من الألم الحاد الذي انغرس في ضلوعها مع كل حركة، وتصرخ من ألم أعمق في روحها لأنهم يريدون أن يفرقوها عنه مرة أخرى. على صوت صراخها دخل الطبيب ورأى المنظر الفوضوي. نغم متشبثة بجاسر وسالم يحاول تهدئتها والجميع ينظرون بعجز. "إيه اللي بيحصل بالظبط، دي مينفعش وجودها هنا، خطر على المريض وخطر عليها هي كمان، لازم تخرج حالًا." أشار الطبيب للأمن بالتقدم. لكن سالم وقف بينهم وبين نغم كأنه جدار.
"محدش يجرب منها، أنا هخرجها." تقدم من نغم التي ما زالت متشبثة بيد جاسر ودموعها تنزل بغزارة. "نغم الدكتور قال إن كده خطر عليه لازم تخرجي عشان يخف." وضعت يدها الأخرى على صدرها بألم شديد وتمتمت بعناد. "مجدرش أسيبه لوحده. أنا زعلته مني ومش هسيبه إلا لما يجولي سامحتك." "بس أكده وبطريقتك دي مش هيفوق. وحتى لو فاق هتكوني أكتر واحدة محتاجة لها جنبه، وانتي بحالتك دي مش هتكوني جنبه. سيبيه عشان يتحسن وانتي كمان تتحسني."
بدأ تنفسها يثقل من شدة الألم الذي لم يعد يطاق. لكنها واصلت عنادها، فقط يفتح عينيه ويخبرها أنه سامحها لا تطلب أكثر من ذلك. "لأ... لأ... يا عمي... لأ... خايفة أخرج من هنا يموت ويسبني." رد الطبيب بحدة. "بطريقتك دي هتخليه يموت فعلا، دي مش عناية مركزة دي بقت مشكلة." نظر للأمن وقال بانفعال. "خرجوها بسرعة." صاح سالم بقوة. "قلت محدش يجرب منها." تراجع الأمن أمامه قوته ونظر إلى نغم.
"يلا معايا وأنا أوعدك إني هجيبك عنده. هو دلوقتي نايم ومش حاسس بشيء. يلا دلوقتي وأوعدك هجيبك عنده تاني." هزت رأسها بنفي وهي تنظر لجاسر وكأنهما في عالم آخر. "مش هسيبه. هو حماني بروحه، وأنا مش هسيبه لوحده. ابعدوا." تشبثت بيده أكثر رغم الألم الذي هاجمها وصاحت بهم أن يبعدوا عنها. حينها لم يجد سالم سوى القوة. لكن نغم كانت قد فقدت السيطرة تمامًا، كانت تصرخ وتقاوم أي يد تحاول لمسها.
أدرك الطبيب أن حالتها النفسية تنهار وأنها ليست في وعيها. أمر بصوت حاسم. "لازم تخرج بالإجبار دي أوامر." عندما رأى سالم أن الوضع سيخرج عن السيطرة وأنهم سيستخدمون القوة ضدها، اتخذ قراره في لحظة. تجاهل الأمن وتجاهل الطبيب واقترب منها هو بنفسه. لم يلمس ذراعها هذه المرة بل شدها بقوة مفاجئة إلى حضنه محتويًا جسدها المرتجف والمقاوم بين ذراعيه. وهمس في أذنها بصوت حاسم ومؤلم.
"لو عايزاه يرجع لازم تخرجي. لو بتحبيه بجد اخرجي عشان تديله فرصة يعيش." كانت كلماته هي الضربة القاضية. فظلت تصرخ وتقاوم في حضنه لثواني أخيرة كأنها طفل يائس. ثم فجأة توقفت حركتها وارتخى جسدها بالكامل بين ذراعيه. لقد فقدت وعيها أخيرًا، مستسلمة للألم الجسدي والنفسي الذي كان أكبر من أن يتحمله جسدها المحطم. حملها سالم بين ذراعيه وخرج بها من غرفة العناية المركزة، تاركًا خلفه جاسر راقدًا في سكونه.
وصوت الأجهزة الذي أصبح فجأة أعلى وأكثر وحشة بعد أن غاب صوت صراخها المتألم. مرت ثلاثة أيام كأنها ثلاثة دهور. كانت الأيام تتشابه في ثقلها ورتابتها المؤلمة. في غرفة نغم... كانت تخوض حربها الخاصة. كلما بدأت تستعيد وعيها وتتلاشى آثار المهدئات، كان أول اسم تنطق به هو "جاسر". وأول طلب لها هو أن تذهب إليه. وعندما كانوا يرفضون، كانت تنهار بشكل كامل. تجبر الأطباء على إعطائها مهدئًا آخر لتهدأ وتنام وتهرب من واقعها المؤلم.
كان انهيارها المتكرر يؤخر شفاء جروحها الجسدية. لكن لا أحد كان يملك قلبًا ليمنعها من السؤال. كان مالك يجلس على مقعد معدني بارد في الردهة يراقب باب العناية المركزة الذي لم يتغير شيء خلفه. كان يرى حزن الجميع وقلقهم، لكنه كان يشعر بشيء مختلف. كان يشعر بثقل سر يعرفه وحده، سر يجعله ينظر إلى هذا الباب المغلق ويرى ما هو أبعد من مجرد رجل في غيبوبة. تنهد مالك وأغمض عينيه للحظة.
فانسحب به الزمن إلى الوراء إلى ما قبل الحادثة بيومين. فلاش باك. كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما توقفت سيارة جاسر في مكان مقطوع على أطراف البلدة. نزل منها ووقف ينتظر. وبعد دقائق وصلت سيارة مالك الذي نزل منها بحذر وهو لا يفهم سبب هذا اللقاء السري. "خير يا جاسر طلبت تجابلني ليه؟ لم يرد جاسر على الفور، بل ظل ينظر إلى الأفق البعيد، كأنه يرى شيئًا لا يراه مالك. ثم التفت إليه وأعطاه مظروفًا سميكًا. "خد ده خليه معاك."
أخذ مالك المظروف وفتحه فوجد فيه أوراقًا رسمية. نظر إليها بصدمة وعدم فهم. "ده تنازل عن بيت الجبل والأرض اللي حواليه باسم نغم وباسم أمي." نظر جاسر إليه مباشرة وعيناه تحملان جدية لم يرها فيه من قبل. "لو جرالي حاجة الأوراق دي تظهر وتتنفذ فورًا. البيت ده والأرض دي حقهم ومحدش غيرهم ليه فيه حاجة." أخرج مظروف آخر من سترته واعطاه له.
"وده ورقة بملكية أرض لـ عمتي. ده حقها في أرض أبوها، إنما السرايا مش بإيدي ورقتها. لو جرالي حاجة خرّجهم." شعر مالك بقبضة باردة تعتصر قلبه. "يجرالك حاجة؟ إيه اللي بتجوله ده يا جاسر؟ في إيه ومين اللي ممكن يأذيك؟ ابتسم جاسر ابتسامة باهتة خالية من أي تعبير. "الدنيا ملهاش أمان يا مالك، أنا بوصيك عليهم لو غبت، نغم وأمي أمانة في رقبتك." حاول مالك أن يستجوبه أكثر. "جاسر أنا مش فاهم حاجة، أنت مخبي إيه؟
لكن جاسر لم يمنحه فرصة، استدار وركب سيارته دون أن ينطق بكلمة أخرى، وانطلق بها بسرعة تاركًا مالك واقفًا في مكانه والمظروف في يده يشعر بثقل الوصية وبأن هناك عاصفة قادمة لا محالة. عودة إلى الحاضر. فتح مالك عينيه على صوت باب العناية المركزة وهو يُفتح. خرج الطبيب وعلى وجهه ابتسامة مرهقة لكنها ابتسامة حقيقية هذه المرة. تجمع الجميع حوله في لحظة واحدة وقد حبسوا أنفاسهم. "الحمد لله المريض فاق." تعالت كلمة الحمد من الجميع.
لكن وسط هذه الفرحة العارمة، كان هناك رجل واحد لم يبتسم، رجل واحد تجمدت ملامحه وتحولت إلى قناع من الصدمة المطلقة. صخر. لقد كان يقف بعيدًا كعادته، وعندما سمع كلمة "فاق" اتسعت عيناه برعب حقيقي. لم يكن هذا ما توقعه، لم يكن هذا ما يخطط له. فـ عودة جاسر إلى الحياة الآن لا تعني انتهاء الخطر بل تعني بداية خطر من نوع آخر، خطر لا يهدد عائلة الرفاعي بل يهدده هو شخصيًا.
كان جاسر يسبح في فراغ لا لون له ولا صوت، فراغ أسود كان يبتلعه بالكامل. لم يكن هناك ألم ولا ذاكرة ولا حتى إحساس بالزمن. كان مجرد وجود معلق في العدم. لكن شيئًا ما بدأ يتغير. في البداية كان همسًا بعيدًا، صوتًا مألوفًا يخترق جدار الصمت المحيط به. "جاسر أنا آسفة." كان الصوت مكسورًا ومبللًا بالدموع، لكنه كان كخيط من نور تسلل إلى ظلمته المطلقة. تشبث بهذا الخيط كأنه طوق النجاة الوحيد.
"ارجعلي يا جاسر أنا محتاجاك، ارجع عشاني." لكنه شعر بأنه بعيد وبينهما هوة سحيقة لا يستطيع تجاوزها. ويختفي كل شيء مرة أخرى. بدأ الظلام يتبدد ببطء شديد وحل محله ضباب رمادي كثيف. وبدأت حواسه تعود إليه واحدة تلو الأخرى. شعر بثقل يضغط على جسده كله، وشعر ببرودة تخترق جلده وسمع صوتًا منتظمًا بجانب أذنه، صفير حاد ومتكرر. ثم جاء الألم. بدأ كشرارة صغيرة في صدره. ثم انفجر فجأة ليتحول إلى حريق هائل يجتاح جسده كله.
ألم حاد ومميت جعله يئن دون وعي. حاول أن يفتح عينيه لكن جفونه كانت ثقيلة كأنها مصنوعة من الرصاص. قاوم بكل قوته المتبقية، حارب الظلام وحارب الضباب، وحارب الألم الذي كان يحاول إغراقه مرة أخرى. لقد كان هناك صوت يناديه، صوت يجب أن يعود من أجله. أخيرًا وبعد صراع بدا كأنه استمر دهرًا، تمكن من فتح عينيه. كان كل شيء أبيض ومبهرًا بشكل مؤلم، سقف أبيض، جدران بيضاء، أضواء بيضاء ساطعة.
أغمض عينيه وأعادهما مرة أخرى محاولًا التأقلم مع هذا العالم الجديد. حرك رأسه ببطء شديد فشعر بألم حاد في صدغه. نظر إلى جانبه بوهن فرأى أجهزة غريبة وأنابيب تخرج من ذراعه. أين هو؟ ما هذا المكان؟ حاول أن يتكلم لكن لم يخرج من حنجرته سوى هواء جاف ومؤلم. شعر بحلقه كأنه صحراء قاحلة، حاول أن يبلع ريقه فلم يجد. في تلك اللحظة دخلت ممرضة إلى الغرفة لتفحص الأجهزة. فتجمدت في مكانها عندما رأته وعيناه مفتوحتان.
اتسعت عيناها بدهشة ثم ابتسمت وركضت إلى خارج الغرفة وهي تصرخ. "دكتور أحمد المريض فاق، مريض العناية فاق." لم يفهم جاسر ما يحدث لكنه رأى وجوهًا تطل عليه من زجاج الغرفة. ثم انفتح الباب ودخل طبيب ومعه ممرضتان. اقترب الطبيب منه ووضع ضوءًا صغيرًا في عينيه. "حمدلله على السلامة يا جاسر... إنت عارف إنت فين؟ هز جاسر رأسه ببطء شديد نافيًا وهو لا يزال يحاول فهم ما يجري. "إنت في المستشفى، عملت حادثة كبيرة بس الحمد لله ربنا نجاك."
حادثة... عندما نطق الطبيب بالكلمة، انفجر كل شيء في رأسه فجأة. عادت إليه الصور كأنها ومضات برق خاطفة. صوت صراخ نغم، صوت ارتطام المعدن، صوت الزجاج وهو يتحطم أمامه، ثم صورته وهو يرمي نفسه فوقها ليحميها من الاصطدام الأخير. "نغم... هي... فين؟ هي... كويسة؟ انتفض جسده فجأة محاولًا النهوض، لكن الألم في صدره كان كطعنة سكين أجبرته على التراجع وهو يلهث، والأجهزة من حوله بدأت تطلق صفيرًا عاليًا. "نغم... هي... فين؟ هي... كويسة؟
حاول الطبيب تهدئته. "اهدأ يا جاسر مينفعش تتحرك، المدام كويسة وفي أمان." لكنه لم يصدقه، لم يصدق أحدًا. كانت عيناه زائغتين تبحثان عنها في كل مكان كأنه مجنون. "عايز أشوفها... لا زم أشوفها... دلوقتي." كان صوته أجشًا ومتقطعًا، لكنه كان يحمل أمرًا لا يقبل النقاش. رأى الطبيب الإصرار في عينيه وأدرك أنه لن يهدأ قبل أن يراها، فأشار للممرضة. "جهزوا المدام نغم عشان تشوفه بس خمس دقايق مش أكتر."
خرج الطبيب والممرضات وبقي جاسر وحده مرة أخرى مع صوت الأجهزة، ومع ألمه ومع صورها التي لا تفارق عقله. لقد عاد من الموت لكنه لن يشعر بأنه حي حقًا إلا عندما يرى وجهها، ويتأكد أنها بخير. فاكل هذا الألم وكل هذا الصراع لم يكن من أجله بل كان من أجلها هي فقط. فاقت نغم هذه المرة بهدوء غريب. لم تصرخ ولم تحاول النهوض مثل كل مرة تعود لوعيها.
كانت عيناها مفتوحتين تحدقان في سقف الغرفة الأبيض الفارغ كأنها استسلمت أخيرًا، كأن روحها قد انطفأت وتركت خلفها جسدًا فارغًا ينتظر النهاية بصمت. كانت ونس تجلس بجانبها تحاول أن تبدو قوية من أجلها، لكن قناع القوة الذي كانت ترتديه بدأ يتشقق. لم تعد قادرة على التحمل أكثر من ذلك. فهذا الذي يرقد في غرفة أخرى ليس مجرد رجل، إنه ابنها الوحيد ثمرة حياتها كلها.
ليس لها غيره في هذا العالم، وفكرة أنه قد يرحل كانت تحطمها من الداخل ببطء. مر أسبوع أرهق قلبها وروحها. تذهب إليه لتراه من خلف الزجاج فتعود بقلب ملتاع عليه. أما ليل فكانت تجلس على الجانب الآخر تمسك بيد نغم الباردة وتنظر إلى ونس بعينين تحملان كل التعاطف. كانت تشعر بألمها لأنها أم مثلها. كانت تتذكر بوضوح حزنها وغضبها من جاسر يوم أن خطف نغم.
لكن كل هذا تلاشى وتبخر في اللحظة التي جاء إلى منزلهم يعتذر منهم، وأكثر حينما فداها بروحه. لقد أصبح غاليًا في قلبها كابنها مثل مالك وسند. وفجأة انفتح الباب ودخلت الممرضة وعلى وجهها ابتسامة عريضة ومشرقة، كأنها تحمل معها شمس الصباح. "مدام نغم حمدلله على سلامة، الأستاذ جاسر فاق وعايز يشوفك." سقطت الكلمات في صمت الغرفة كأنها قطرات مطر تسقط على أرض عطشى. فاق... كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تعيد الحياة إلى الأرواح الميتة.
نظرت نغم إلى الممرضة بعينين غير مصدقتين. لم تستطع أن تتكلم، لم تستطع أن تتحرك. كل ما فعلته هو أنها بدأت تبكي. بكت بصمت ودموعها تنهمر على خديها كأنها نهر جارف يغسل كل الحزن واليأس الذي تراكم في الأيام الماضية. لم تكن دموع حزن بل كانت دموع فرح خالص، فرح نقي كأنه فرح طفل صغير. أما ونس فقد شهقت ووضعت يدها على فمها، ثم انفجرت في بكاء عالي. لم تعد تحاول أن تكون قوية، لقد عادت إليها روحها وعاد إليها ابنها.
اقتربت الممرضة من نغم وساعدتها على النهوض من السرير. "يلا عشان تشوفيه، هو سأل عليكي أول واحدة." كان الألم في ضلوع نغم قد خف قليلًا لكنه كان لا يزال موجودًا يذكرها بالحادث مع كل حركة. ومع ذلك لم تهتم به، تحاملت على نفسها وعلى ضعفها وسارت مستندة على الممرضة، وليل تسندها من الجانب الآخر. كانت كل خطوة تقربها منه تمنحها قوة أكبر، وكل نفس تأخذه كان يملأ رئتيها بالأمل.
لم تعد تلك الفتاة المستسلمة التي كانت تحدق في السقف قبل دقائق، بل عادت نغم المحاربة التي ستفعل أي شيء من أجل الرجل الذي ينتظرها في الغرفة المجاورة، الرجل الذي عاد إليها من الموت. انفتح باب الغرفة ببطء، فرفع جاسر رأسه بكل ما تبقى له من قوة. دخلت نغم. كانت تتسند على الممرضة، وخطواتها بطيئة ومترددة.
كان الألم واضحًا على ملامحها مع كل حركة، لكن كانت هناك ابتسامة صغيرة مرتعشة تزين شفتيها، ابتسامة كانت بالنسبة له أجمل من شروق الشمس بعد ليل طويل. في تلك اللحظة توقف الزمن. لم يعد هناك مستشفى ولا أجهزة، ولا ألم. لم يكن هناك سوى هما الاثنان. أومأ جاسر للممرضة إشارة صامتة لكنها واضحة بأن تتركها. فهمت الإشارة وساعدت نغم على الوصول إلى الكرسي بجانب سريره، ثم انسحبت بهدوء وأغلقت الباب خلفها.
بقيا وحدهما في صمت يتأملان بعضهما البعض، وعيونهما تحكي كل القصص التي لم تُقل. كانت عيناهما تحملان الشوق، والخوف، والندم، والراحة، والحب. حب عميق وقوي لدرجة أنه نجا من الموت نفسه. مد جاسر يده التي لم تكن موصولة بالأنابيب نحوها. فوضعت يدها في يده على الفور وشعرت بدفء خفيف يعود إليها، دفء كانت تفتقده بشدة. تشابكت أصابعهما معًا كأنهما قطعتان من روح واحدة وجدتا بعضهما أخيرًا.
كان هو أول من كسر الصمت، وصوته خرج أجشًا ومبحوحًا لكنه كان يحمل كل حنان العالم. "وحشتيني... انفجرت دمعة هاربة من عينيها ومسحتها بسرعة. "إنت كمان يا جاسر، خوفتني عليك قوي." شد على يدها برفق. "كنت خابر إنك مستنياني عشان كده رجعت." صمتت للحظة ثم قالت بصوت يملؤه الأسف والندم. "أنا آسفة يا جاسر أنا السبب في كل ده." وضع إصبعه على شفتيها برفق ليمنعها من إكمال كلامها.
"أوعي تجولي الكلمة دي تاني، اللي حصل ده قضاء وقدر مش غلطتك إنتي." نظرت إليه بحب وامتنان، وشعرت بأن قلبها سيتوقف من فرط المشاعر. "أنا كمان بحبك قوي يا جاسر." اقتربت منه بوجهها رغم الألم الذي شعرت به في ضلوعها، وطبعت قبلة رقيقة على جبهته، ثم قبلة أخرى على صدغه حيث كانت الكدمة، كأنها تحاول أن تمحو كل أثر للألم الذي عانى منه. ظل هو ينظر إليها يتأمل كل تفصيلة في وجهها الشاحب، يمرر إبهامه على يدها برقة لا نهائية.
"لما كنت هناك في الضلمة دي كنت بسمع صوتك بينادي عليا، صوتك هو اللي رجعني." لم تعد تستطيع حبس دموعها، فانهمرت بصمت وهي تبتسم من خلالها. "وعدتك إني مش هسيبك." "وأنا بوعدك إني عمري ما هسيبك تاني يا نغم، إنتي روحي ومن غيرك أنا ميت." لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلمات.
بقيا هكذا، يداهما متشابكتان وعيونهما تتحدثان بلغة لا يفهمها سواهما، لغة الأرواح التي كُتب لها أن تجد بعضها البعض في خضم العاصفة، وأن تنجو معًا، لتثبت أن الحب الحقيقي أقوى من الكراهية، وأقوى من الألم وأقوى حتى من الموت. كان صخر يقف في زاوية مهجورة من مواقف السيارات الخاصة بالمستشفى، تحت ضوء مصباح خافت كان يرمي بظلال طويلة ومخيفة. كان يتحدث في هاتفه بصوت منخفض حاد كأنه فحيح أفعى، حتى جاءه الرد. "إزاي يعني فاق إزاي؟
"هو ده اللي حصل يا هاشم بيه فاق وبيتكلم كمان." أتاه صوت هاشم من الطرف الآخر، صوت غليظ يقطر غضبًا وعدم تصديق. "أنا قولتلك نخلص عليه في المستشفى من أول يوم، إنت اللي رفضت وقولت نصبر." ضرب صخر بيده على الحائط الأسمنتي بجانبه بقوة مكتومة. "وأنا كان إيه يعرفني إنه زي القطط بسبع أرواح، كنت متخيل إنه هيموت لوحده في العناية من غير وش ولا حاجة، مكنتش عامل حسابي على المعجزات دي."
"أنا صبري نفد يا صخر، أنا صبرت كتير أوي ومستعد أصبر كمان بس الأرض دي أنا عايزها بأي شكل وبأي تمن، جاسر ده لازم يختفي من على وش الدنيا." تنهد صخر بعمق، محاولًا السيطرة على غضبه وعلى الموقف الذي بدأ يخرج عن سيطرته. "ومين جالك إني مش موافق بس مش دلوقتي. مش وهو لسه فايق والعيون كلها عليه في المستشفى، أي حركة غبية مننا دلوقتي هتفضحنا كعائلتنا." ساد صمته للحظات يفكر بسرعة، يرتب أوراقه المبعثرة.
"اسمعني زين يا هاشم، إحنا هنستنى شوية لحد ما الأمور تهدى والكل يطمن إنه بقى زين وبعدين نتصرف." "نستنى لحد امتى؟ أنا مش هستنى العمر كله." قال صخر بنبرة حاسمة قاطعة، لا تقبل النقاش. "اديني فرصة أخيرة، فرصة واحدة بس. هحاول معاه للمرة الأخيرة بالطريقة السهلة، لو رفض يبقى بعدها ملكش صالح بحاجة واصل، أنا اللي هتصرف بنفسي وهخلص عليه بطريقتي الخاصة، طريقة تخليه يتمنى الموت ومايطولوش."
ساد صمت طويل على الطرف الآخر، ثم أتاه صوت هاشم وهو يتنهد باستسلام على مضض. "ماشي يا صخر، دي آخر فرصة ليك وليه، لو منفعتش يبقى مفيش غير الطريقة الصعبة." أغلق صخر الخط ونظر إلى مبنى المستشفى المضاء أمامه، وعلى وجهه تعابير مظلمة. لم يكن يخشى قتل جاسر، بل كان يخشى ما سيترتب على قتله. لكنه الآن أصبح محاصرًا بين ولاء قديم ووعد جديد، وبين رجل عنيد لا يتنازل عن حقه، ورجل آخر أكثر عنادًا لا يتنازل عن أرضه.
وكان عليه أن يختار، والاختيار في كل الأحوال يعني أن الدماء ستسيل لا محالة. بدأت صحة جاسر ونغم تتحسن ببطء لكن بثبات، وانتقل أخيرًا من العناية المركزة إلى غرفة عادية بجوار غرفة نغم، كأنهما كوكبان يدوران في نفس الفلك المؤلم. خلال هذه الفترة، كان جاسر يراقب بصمت شيئًا لم يكن يتوقعه أبدًا. كان يرى عائلة الرفاعي. كانوا هناك دائمًا كأنهم حراس صامتون على بوابات عالمه الجديد.
وهدان بعصاه وقوته الصامتة، وسالم وحامد بأسئلتهما القلقة ومالك وسند بوجودهما الدائم الذي لا يطلب شيئًا. كانوا يتناوبون على البقاء في المستشفى، يسألون عنه وعن نغم باستمرار. كان هذا الاهتمام وهذا القلق يربكانه، فهو لم يعتد على هذا النوع من الدفء العائلي منهم، لقد بنى حياته كلها على أساس العداء معهم والآن هم يعاملونه كواحد منهم، وهذا كان يزلزل كل قناعاته القديمة.
في اليوم الذي قرر فيه الطبيب خروجهما، تجمع الجميع للمساعدة. كانت نغم قد خرجت بالفعل إلى السيارة مع والدتها وروح، وبقي هو مع الرجال. عندما حاول النهوض من السرير، شعر بدوار حاد وألم في جسده جعله يترنح، وكاد أن يسقط. في لحظة واحدة ودون تفكير، مد مالك وسند أيديهما إليه في نفس الوقت ليسنداه. تجمد جاسر للحظة ونظر إلى الأيدي الممدودة نحوه. طوال حياته كان يرى اليد الممدودة للمساعدة على أنها دليل ضعف وكان يرفضها بكبرياء مطلق.
كان يفضل أن يسقط ويتحطم على أن يستند على أحد. لكن الآن وهو ينظر إلى أيديهما الممدودة لم ير ضعفًا، بل رأى شيئًا آخر، شيئًا لم يفهمه من قبل. رأى سندًا حقيقيًا، رأى احتياجًا. لأول مرة في حياته اعترف لنفسه بأنه يحتاج للمساعدة وأن قبولها لا يعني أنه أصبح ضعيفًا. مد يده ببطء وبتردد ووضعها في أيديهما واستند عليهما وهو يمشي بخطوات بطيئة ومؤلمة نحو خارج المستشفى.
وشعر بغرابة هذا الإحساس، إحساس أن تكون محاطًا بمن يهتم لأمرك حقًا. ركب في سيارة مالك بعد أن أرجع له مالك الكرسي إلى الخلف ليكون مريحًا له. انطلقت السيارة في صمت لعدة دقائق، كان كل منهما يرتب أفكاره. كان جاسر ينظر من النافذة إلى الشوارع التي تبدو مختلفة، كأنه يراها لأول مرة بعد عودته من الموت. ثم كسر مالك الصمت. "حمدلله على السلامة يا جاسر." رد جاسر بامتنان. "الله يسلمك يا مالك تعبتكم معايا."
"متجولش كده إنت منا وعلينا واللي حصلك ده ألمنا كلنا." صمت جاسر وهو يستوعب معنى هذه الكلمات، شعر بها تستقر في مكان ما عميق بداخله، مكان لم يكن يعرف بوجوده. ثم سأل مالك عن السؤال الذي كان يشغل بال الجميع. "السواق اللي عمل الحادثة عرفوا يوصلوا له؟ تنهد جاسر وأشاح بوجهه نحو النافذة، كأنه يهرب من نظرات جاسر الفاحصة. "أكمل ماسك القضية وبيتحرى فيه." تنهد جاسر. "مش هيوصل لحاجة."
شعر مالك بأن هناك شيئًا يخفيه جاسر، نبرة صوته كانت غريبة، نبرة من يعرف النهاية قبل أن تبدأ القصة. "ليه بتجول كده؟ التفت جاسر إليه ببطء ونظر في عينيه مباشرة، وكانت عيناه تحملان عمقًا مظلمًا كأنهما بئر لا قرار له. قال بهدوء يحمل ثقلًا كبيرًا. "عشان الغلطة مكنتش منه هو، الغلطة كانت مني أنا." اتسعت عينا مالك بدهشة وعدم فهم. "منك كيف يعني؟ إنت اللي غلطت في السواق؟
هز جاسر رأسه نافيًا، وابتسامة باهتة ساخرة ارتسمت على شفتيه. "لأ مش قصدي كده، قصدي إن اللي حصل ده كان بسببي أنا. هو كان مجرد أداة في إيد حد تاني، حد أنا عارفه زين." "ومين ده وليه مبلغتش عنه طالما عارفه؟ أعاد جاسر نظره إلى الطريق أمامه وصوته خرج متعبًا ومستسلمًا للقدر، كأنه يحمل خطايا العالم كله على كتفيه.
"عشان مينفعش أبلغ عنه يا مالك، عشان لو بلغت عنه هفتح أبواب جهنم على ناس تانية ملهاش ذنب، عشان في حاجات في الماضي لو اتفتحت هتحرجنا كليتنا." فهم مالك من نبرته أن الموضوع أكبر وأعقد مما تخيل، وأن هناك أسرارًا قديمة. أدرك أن جاسر لا يحمي المجرم بل يحمي شيئًا آخر، شيئًا أهم بكثير في نظره.
لم يضغط عليه أكثر بل أكمل الطريق في صمت وهو يشعر بأن خروج جاسر من المستشفى ليس نهاية القصة بل هو مجرد بداية لفصل جديد، فصل سيكون أكثر خطورة ودموية من كل ما سبق، فصل سيجبر الجميع على مواجهة ظلال ماضيهم التي اعتقدوا أنها دُفنت إلى الأبد. وصلت السيارات أخيرًا إلى بيت الجبل، المكان الذي شهد بداية العاصفة والذي سيشهد الآن فترة النقاهة والهدوء.
نزلت ونس وليل وروح أولًا وساعدتا نغم على الدخول إلى المنزل بخطوات بطيئة وحانية، كل منهما تسندها من جانب كأنها جوهرة ثمينة. بقي الرجال مع جاسر. فتح مالك باب السيارة وساعده سند على الخروج، كان جاسر لا يزال يشعر بالدوار والألم مع كل حركة، واستند عليهما بالكامل وهما يصعدان به درجات السلم نحو غرفته. كانت المهمة صعبة في الصعود على الدرج، لكنهما كانا يفعلان ذلك بصبر ودون أي تذمر.
عندما وصلا أخيرًا إلى الغرفة، ساعداه على الجلوس على حافة السرير، ثم على الاستلقاء ببطء ورفق. تنهد جاسر بعمق وهو يشعر بفراشه المريح تحت جسده المتألم، وأغمض عينيه للحظة. وقف مالك وسند ينظران إليه، ثم ابتسم مالك ابتسامة واسعة وقال بنبرة مرحة وهو يرفع الغطاء ليضعه عليه. "نام وارتاح وبلاش تعمل فيها راجل النهاردة كفاية عليك كده." فتح جاسر عينيه ونظر إليه بنصف ابتسامة متعبة، فلم يجد ردًا مناسبًا على هذه الجملة المفاجئة.
وهنا تدخل سند الذي كان يقف عند الباب، وأكمل المزاح بنبرة أكثر جرأة وعينين تلمعان بالخبث. "سيبه يا مالك متبجاش قاطع أرزاق، الموضوع ده بعد غياب طويل وحادثة موت بيبقى له طعم تاني." انفجر مالك في الضحك بصوت عالي، بينما اتسعت ابتسامة جاسر رغمًا عنه وشعر بحمرة خفيفة تصبغ وجهه الشاحب. لقد كانت لحظة غريبة، لحظة من المرح الصافي والأخوة التي لم يتخيل يومًا أنه سيعيشها مع هذين الاثنين بالذات.
لأول مرة منذ زمن طويل، لم تكن ضحكته ساخرة أو قسرية، بل كانت ضحكة حقيقية نابعة من مكان ما في قلبه كان يعتقد أنه مات منذ زمن. هز جاسر رأسه بيأس مصطنع وهو لا يزال يبتسم. "إنتوا الاتنين عايزين تتربوا من أول وجديد." ضحك مالك وهو يغلق الباب ببطء. "لما تقوم بالسلامة يا ابن خالي ابقى ربينا براحتك، دلوقتي نام واحلم أحلام سعيدة." أغلق الباب وترك جاسر وحده في الغرفة، يستمع إلى صوت ضحكاتهما وهما يبتعدان في الممر.
تلاشت الابتسامة عن وجهه ببطء وحل محلها تعبير معقد، تعبير رجل يكتشف لأول مرة معنى أن يكون لديه عائلة، وأن يجد في قلب العداوة القديمة رابطة أخوة لم يكن يحلم بها. لقد كانت هذه الضحكة وهذا المزاح البسيط أكثر فعالية من أي دواء، فقد لمست جزءًا من روحه كان في أمس الحاجة للشفاء.
كانت نغم تجلس على أريكة واسعة في بهو البيت، محاطة بالنساء، عن يمينها جلست والدتها التي كانت تمسح على يدها بحنان لا ينتهي، وعن يسارها جلست روح التي كانت تمسك بيدها كأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى، وبجانبهما جلست ونس التي كانت عيناها لا تفارقان نغم، ترى فيها امتدادًا لابنها الذي عاد للحياة. كانت أجواء الفرحة والراحة تملأ المكان، فرحة هادئة وعميقة بعودتهما سالمين.
في هذه اللحظة نزل مالك وسند من على السلم، كانا لا يزالان يضحكان ويمزحان مع بعضهما البعض بصوت خفيض، وكانت روح الأخوة الجديدة بينهما واضحة للجميع. عندما وصلا إلى أسفل السلم، توقفا أمام النساء. قال مالك بابتسامة وهو ينظر إلى والدته وزوجته. "يلا بينا يا جماعة عشان منتأخرش أكتر من كده، كفاية عليكم تعب النهاردة."
نظرت ليل إلى نغم بتردد، لم تكن تريد أن تتركها وهي لا تزال في هذه الحالة، لم يطاوعها قلبها أن تبتعد عنها بعد أن كادت تفقدها. "بس يا مالك مش عايزة أسيب نغم لحالها وهي لسه تعبانة." التفتت نغم لها وأمسكت بيدها الأخرى، ونظرت إليها بعينين دافئتين. "يا أمي أنا كويسة متخافيش عليا، وأمي ونس قاعدة معايا، وبعدين لازم تروحي عشان روح وعشان بنتها اللي سايباها مع وعد ومرت عمي من الصبح زمانها قلقانة عليها."
أيدت روح كلامها رغم أنها هي الأخرى لم تكن تريد الذهاب. "نغم معاها حق يا أمي لازم نمشي عشان البنت وكمان عشان نطمن جدي وعمي." بعد جدال قصير مليء بالحب والقلق، استسلمت ليل أخيرًا. وقفت وقبلت نغم على جبينها قبلة طويلة، ثم فعلت روح المثل، وهمست في أذنها. "لو عايزة أي حاجة كلميني في أي وقت حتى لو الفجر سامعة." هزت نغم رأسها بابتسامة. "حاضر." غادرت العائلة وبقيت نغم ونس وحدهما في البيت الكبير.
ساد صمت مريح للحظات ثم التفتت ونس إلى نغم وقالت بصوت هادئ يحمل امتنانًا عميقًا لوقفة عائلتها معهم. "متشكرة قوي يا نغم، عشانك أنقذتي ابني." نظرت إليها نغم بدهشة. "تشكريني أنا، على إيه يا أما ده هو اللي أنقذني هو اللي فداني بنفسه." هزت ونس رأسها وابتسامة حزينة على شفتيها. "هو أنقذ جسمك لكن إنتي أنقذتي روحه من قبلها بكتير، إنتي اللي رجعتيه للحياة من قبل الحادثة دي يا بنتي."
لم تجد نغم ما ترد به على هذه الكلمات، وشعرت لأول مرة بأنها لم تكسب زوجًا فقط، بل كسبت أمًا أخرى أيضًا. كانت السيارة تشق طريقها عائدة من بيت الجبل وكانت روح تجلس بجانب مالك تنظر من النافذة لكنها لا ترى شيئًا. كان عقلها وقلبها لا يزالان هناك مع أختها، مع نغم التي تركتها في قلب حزنها الجديد. شعر مالك بصمتها الثقيل وبشرودها، فمد يده ووضعها فوق يدها التي كانت ترتاح على ساقيها. "بتفكري في إيه؟
تنهدت روح بصوت متعب والتفتت إليه. "قلبي واكلني على نغم، حاسة إني مكنش المفروض أسيبها دلوقتي بالذات، هي محتاجاني جنبها." نظر إليها مالك نظرة عميقة وهو يقول بهدوء. "بالعكس يا روح، وجودك هناك كان هيبقى غلط." نظرت إليه باستغراب وعدم فهم. "غلط إزاي دي أختي اللي مليش غيرها وفي عز وجعها أسيبها؟ أكمل مالك بنفس الهدوء المنطقي الذي كان يغلف حبه.
"نغم دلوقتي محتاجة لجاسر وجاسر محتاجها، هما الاتنين محتاجين لبعض عشان يداووا جرحهم سوا، وجود أي حد معاهم حتى لو أقرب الناس ليهم كان هيمنعهم من ده كان هيخليهم مش على راحتهم." صمت للحظة ثم أكمل. "شوفي إنتي بنفسك حتى مرات عمي والدتها معرفتش تفضل معاها مع إنها أمها، ليه؟
عشان نغم دلوقتي مش بنت ليل بس دي مرات جاسر وهو جوزها وسندها، وهم الاتنين بقوا مسؤولين من بعض في وجعهم قبل فرحهم لازم نسيب لهم مساحتهم الخاصة عشان يعرفوا يقفوا على رجليهم تاني سوا." استمعت روح لكلماته واستوعبتها ببطء، لقد كان محقًا تمامًا. لم تكن تفكر إلا من منطلق كونها أخت، لكنها نسيت أن نغم الآن لها حياتها الخاصة، وشريكها الذي يجب أن يواجه معها كل شيء. شعرت ببعض الراحة لكن القلق لم يزل بالكامل.
"بس أنا خايفة عليها قوي يا مالك." شد على يدها بقوة أكبر وقربها منه وقبلها برقة. "وأنا كمان خايف عليها وخايف عليه، بس لازم نثق فيهم وفي حبهم لبعض، حبهم هو اللي هينجيهم زي ما نجاهم من الموت قبل سابق." صمتت روح وهي تشعر بالهدوء يتسلل إلى قلبها بفضل كلماته ووجوده. لقد كان دائمًا هكذا، يرى الأمور بوضوح ومنطق يريحها ويطمئنها. التفتت إليه وابتسمت ابتسامة خفيفة. وانتظرت حتى عادت إلى المنزل.
وجدت وعد تذرع الردهة ذهابًا وإيابًا وهي تحمل نورين التي تبكي بشدة. وعند رؤيتها قالت وعد من بين أسنانها. "وكنتي بتعايري على ابني؟! دي بنتك أمر، خدي." ضحكت روح وهي تحمل طفلتها. "إنتي اللي مش بتعرفي تتعاملي معاها، دي حتى هادية خالص." دخلت ليل وسند وهي تسأل. "مالكم في إيه؟ قالت روح بغيظ. "بتجول على بنتي زنانة، تروح تشوف ابنها الأول." أيد سند رأي روح وهو يتقدم من وعد ليحيطها بذراعه.
"بصراحة هي عندها حق، أنا حرفياً من وقت ما جاه وأنا مش عارف أنام." زمت وعد شفتيها بحنق. "بجى إكدة؟ ماشي أرجع بقى أوضتك القديمة نام فيها براحتك." تركته وعد وصعدت الدرج. فنظر سند إليهم بغيظ. "عاجبكم إكدة." التفت إلى وعد وهي تصعد الدرج. "أنا بهزر يا وعد إنتي مبتهزريش ولا إيه؟ ضحك الجميع وقالت روح. "الخوف حلو مفيش كلام." قال مالك وهو يتثاءب. "طيب أنا هطلع أنام لأن بقالي أسبوع مش عارف أنام زين."
اتسعت عين روح بصدمة وهي تراه يصعد الدرج دون أن يلتفت إليها. نظرت إلى ليل وقالت بغيظ. "شايفة؟ قالت ليل بمكر قبل أن تتركها وتدلف غرفتها. "هو بيهرب عشان ينام، هربي إنتي منه النوم." بدأ المكر يزحف إلى عين روح وبرأسها خطة شريرة. نظرت إلى نور التي غفت بين ذراعيها وقالت بغيظ. "يعني جاية تنامي دلوقتي، فعلا بنت أبوها." صعدت إلى غرفتها فتجد مالك بالفعل يستعد للنوم. وضعت طفلتها في فراشها. ثم توجهت إليه. "إنت هتنام بجد؟
نظر إليها بخبث. "وإنتي تعرفي عني كده؟ أنا أقدر أنام من غيرك؟ مد يده لها ليجذبها لحضنه وقال بنعاس. "خلينا ننام شوية قبل نور ما تصحى." "ربنا يخليك ليا يا مالك مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك." ابتسم هو الآخر وقرب وجهه منها حتى لامست أنفاسه وجهها. "ويخليكي ليا يا جلب مالك وروحه." لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلام. اقترب منها أكثر وقبلها قبلة رقيقة، عميقة، كانت تحمل كل معاني الدعم والسند والحب.
قبلة في منتصف الطريق، في قلب القلق كانت كفيلة بأن تذكرها بأنها مهما خافت على أختها، فهي أيضًا ليست وحدها، وأن لها سندها الخاص الذي لن يتركها أبدًا. ثم سحب رأسها ليضعها على صدره وينامان. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والهدوء يسود الشقة إلا من صوتين: صوت بكاء متقطع يأتي من غرفة النوم وصوت تقليب أوراق يُسمع من غرفة المعيشة. كان أكمل قد عاد لتوه من مكتبه بعد يوم طويل ومرهق في النيابة.
خلع سترته ووضعها على الأريكة وتوجه مباشرة نحو مصدر صوت البكاء. وجد ابنه قاسم في سريره الصغير يتململ ويبكي بنعاس، لا هو نائم ولا هو مستيقظ. حمله أكمل وبدأ يهدهده برفق، مستغرباً من عدم وجود صبر بجانبه. توجه إلى غرفة المعيشة ليجدها تجلس على الأرض محاطة بتلال من الكتب والأوراق المفتوحة. كانت تضع رأسها بين يديها وشعرها مبعثر وملامحها يكسوها الإرهاق الشديد. كانت تبدو كطالبة على وشك الانهيار قبل امتحان مصيري.
عندما رأته واقفاً عند الباب وهو يحمل قاسم، رفعت رأسها وكانت عيناها محمرتين وعلى وشك البكاء. قال بهدوء وهو يقترب منها. "سايباه بيعيط لوحده ليه؟ انفجرت صبر في بكاء صامت، وبدأت دموعها تنزل بغزارة. قالت بصوتٍ مخنوق يملؤه اليأس.
"مش عارفة أعمل إيه يا أكمل مش عارفة أركز. المواد تقيلة قوي ومحتاجة تركيز. كل ما أفتح كتاب قاسم يعيط. أسيبه وأروح له وأرجع تاني أكون نسيت كل اللي جريته. بحاول أذاكر وهو صاحي مش بعرف ولما بينام بكون أنا خلاص فصلت ومش قادرة أستوعب أي حاجة. حاسة إني هسقط السنة دي. حاسة إني فاشلة ومش قادرة أعمل أي حاجة صح." كانت كلماتها تخرج سريعة ومتلاحقة، تعبر عن حجم الضغط الذي تشعر به. نظر إليها أكمل بحنان لا حدود له.
لم يقلل من حجم معاناتها، ولم يقل لها "إنتي مكبرة الموضوع". بدلاً من ذلك مسح دموعها بإبهامه وقال بصوتٍ هادئ وثابت كالصخر. "ومين قال إنك لوحدك؟ نظرت إليه بعدم فهم. "أنا معاكي يا صبر، ذاكري إنتي وأنا هخليه جنبي وأنا براجع القضية دي، هي بسيطة ومش هتاخد وقت معايا ولو عيط هاخده وأخرج بيه في الصالة المهم إنتي تذاكري." ثم أشار إلى الكتب المبعثرة حولها.
"روحي أوضتنا واقفلي على نفسك الباب واعتبري نفسك في عالم تاني. مش عايز أسمع صوتك غير لما تخلصي مذاكرة الجزء اللي حددتيه النهاردة." وقفت صبر وهي لا تصدق ما تسمعه. "بس... شغلك؟ أنت أكيد تعبان وراجع متأخر." ابتسم لها ابتسامة دافئة أذابت كل قلقها. "شغلي ممكن يستنى لكن حلمك... حلمك ميستناش. أنا وعدتك إني هكون في ضهرك لحد ما تتخرجي وأنا عند وعدي. يلا، روحي ذاكري." نظرت إليه بعينين تفيضان بالحب والامتنان.
لقد كان هذا الرجل هو طوق نجاتها الدائم. لم يكن زوجها فقط، بل كان شريكها وصديقها وأكبر داعم لها. أومأت برأسها ومسحت بقية دموعها وشعرت بطاقة جديدة تسري في عروقها. توجهت إلى كتبها لكنها قبل أن تجلس عادت إليه وانحنت وقبلته قبلة سريعة على خده وهمست. "بحبك." ثم عادت إلى دراستها بتركيز وتصميم بجوارهم بينما جلس هو يراقبها بطرف عينه وفي قلبه شعور عميق بالرضا، وهو يهدهد طفلة بيد، ويحمل أوراق قضيته باليد الأخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!