الفصل 16 | من 54 فصل

رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل السادس عشر 16 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
19
كلمة
7,403
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

عادت نغم إلى الفراش، وعندما عاد إليها الدوار، كان قلبها لا يزال يدق بعنف من أثر الكلمات السامة التي سمعتها. لم تكد تستقر في مكانها حتى فُتح الباب بهدوء ودخلت أم جاسر. تغيرت ملامحها عندما وجدتها مستيقظة، ثم ابتسمت قائلة: "صباح الخير يا نغم؟ هزت نغم رأسها بصمت، لم تستطع أن تجيب. جلست أم جاسر على حافة السرير بجانبها، وابتسامة حزينة على وجهها. "أنا عارفة إنك سمعتي." أخفضت نغم عينيها ولم تعرف ماذا تقول. تنهدت أم جاسر

وقالت وهي تربت على يد نغم: "متزعليش من كلام شروق، الغيرة بتعمي القلوب يا بنتي، هي فاكرة إنك أخدتي مكانها." لم ترد نغم، لكن نظراتها كانت تحمل سؤالاً. "شروق متربية مع جاسر من صغرها." أكملت وكأنها تشرح لنغم خريطة هذا العالم الجديد: "وأبوها كان طول عمره بيقول إنها لجاسر عشان يضمن إن نصيب جاسر ميخرجش بره العيلة." "يعني الموضوع فرض عليه مش من اختياره."

أدركت نغم الآن عمق الحقد الذي رأته في عيني شروق. لم تكن مجرد منافسة، بل كانت معركة على السلطة والمكانة، وهي كانت العقبة التي ظهرت فجأة. لكن ما أدهشها حقًا، كيف لتلك الملاك أن تنجب ذلك الشيطان؟ وعندما شعرت أم جاسر بما تود سؤاله، فأجابتها:

"خابرة اللي عايزة تقوليه، بس أحب أعرفك إني كمان عشت اللي انتي بتعيشيه دلوقتي، بس الفرق إنه مكنش انتماء ولا حاجة من دي. هددني لو ما اتجوزتوش، بس قصة طويلة هبقى أحكيها لك بعد ما أخلي فرح تحضرلك الفطار." أومأت نغم دون جدال، وخرجت أم جاسر لتحضر لها الطعام.

في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ أن اقتُلعت من حياتها، شعرت نغم ببصيص من الألفة. لم تكن هذه المرأة مجرد والدة عدوها، بل كانت إنسانة رأت ضعفها وقررت أن تكون سندًا لها. لم يمحُ ذلك ألمها أو خوفها من جاسر، لكنه أشعل شمعة صغيرة في نفق مظلم، شمعة قد تساعدها على رؤية خطواتها القادمة بشكل أوضح. أومأت نغم برأسها، وفي عينيها امتنان صامت، وقرار جديد بدأ يتشكل في أعماقها: لن تكون مجرد ضحية، ستتعلم كيف تنجو. ***

دَلفت نادين، زوجة صخر التهامي، إلى المطبخ بخطوات واثقة تنم عن سلطتها. فوجدت أم جاسر تعد صينية طعام بعناية. توقفت على الأعتاب، وارتسمت على وجهها نظرة استنكار متعالية. "عشنا وشوفنا." قالت بصوتٍ عالٍ ومجلجل يحمل سخرية لاذعة. "أم جاسر بنفسها بتخدم بنت الرفاعي؟ آخر زمن صحيح." تجمدت يدا أم جاسر للحظة، ثم واصلت عملها في صمت، محاولةً تجاهل الإهانة. هذا الصمت لم يزد أم شروق إلا غطرسة. دخلت المطبخ ووقفت خلفها مباشرة.

"بكلمك تردي عليا، من إمتى وأنتِ بتوطي لواحدة من بره؟ ولا هي عشان مرت ابنك نسيتي مقامك ومقامها؟ استدارت أم جاسر ببطء، ووجهها يحمل ضيقًا من تطفل نادين التي لم تتغير مطلقًا، لكنها حاولت الحفاظ على رباطة جأشها. "البنت تعبانة يا أم زينة، مش قصة خدمة وكلام ملوش لازمة." "هي إيه دي اللي تعبانة؟ دي لازم تتكسر عشان تعرف إن الله حق، وتعرف إنها دخلت بيت أسيادها. وأنتِ بدل ما تربيها، رايحة تطبطبي عليها؟

مش كفاية إنه دخل عليها جبل بنت، وكمان بتعليها عليها من جبل حتى ما يتجوزوا رسمي." اقتربت منها حتى كادتا تتلامسان، وهمست بصوتٍ كفحيح الأفعى. "اسمعيني زين يا أم جاسر، انتي خابرة مكانتك في البيت ده من مكاني. بس لو فكرتي تعلي واحدة غريبة على بنتي، قسماً بالله لأطربقها على دماغ الكل." نظرت إلى صينية الطعام باشمئزاز. "ومن بكرة هتنزل تعمل الأكل للبيت، متبقاش بنت الرفاعية في بيتنا ونجيبوا خدامين يعملوا الأكل."

قطبت أم جاسر جبينها بحيرة وسألتها. "يعني إيه كلامك ده؟ أكدت لها. "يعني زي ما جولتلك تنزل تعمل بلقمتها. بنت الرفاعي دي أنا اللي هربيها على إيدي. وهعرفها إزاي تكون خدامة تحت رجل بنتي لما تتجوز ولدك."

خرجت نادين من المطبخ، تاركة أم جاسر واقفة بمفردها في وسط المطبخ الذي أصبح فجأة باردًا وموحشًا. شعرت بالهزيمة الكاملة، لم تكن قادرة على حماية زوجة ابنها، بل لم تكن قادرة حتى على حماية نفسها. أدركت أن نغم لم تقع في جحيم جاسر وحده، بل وقعت في قلب عش من الأفاعي، أكبرها وأشدها سمًا هي زوجة كبير الدار نفسها. *** في منزل الرفاعي.

كانت القلوب في داخله تنبض بإيقاعات مختلفة من الألم والقهر والفرح المكسور. كانت ليلة زفاف مزدوجة، ليلة كان من المفترض أن تكون قمة السعادة لعائلة الرفاعي، لكنها تحولت إلى مسرحية معقدة من المشاعر المتضاربة.

في أحد الأماكن، جلس عدي بجانب زوجته روح. كانت روح ترتدي فستانًا أنيقًا، وفي عينيها لمعة حب حقيقية كلما نظرت إلى عدي، لكن هذه اللمعة كانت تخفت سريعًا لتحل محلها غيمة من الحزن كلما تذكرت أختها الكبرى، نغم. كانت تشبك يدها بقوة، وكأنها بتلك الطريقة تستمد من نفسها الأمان في هذه الليلة التي شعرت فيها بأن فرحتها منقوصة، مسروقة.

عدي بدوره، كان يعيش صراعًا داخليًا عنيفًا. كان ينظر إلى روح، زوجته التي لا يكن لها أي مشاعر، ويحاول أن يبتسم، لكن عقله وقلبه كانا في مكان آخر. كانا مع نغم، حبه السري الذي لم يجرؤ يومًا على البوح به، الفتاة القوية التي أُخذت غصبًا لتكون ضحية ثأر لا علاقة لها به. كل ضحكة في الفرح كانت كالسوط على ظهره، تذكره بعجزه. كيف يفرح ويتزوج بينما هي هناك، وحيدة في عرين الذئاب؟

كان يمسك بيد روح، لكن في عقله كان يخطط، يفكر ويبحث عن أي ثغرة، أي طريقة، ليخلص نغم من جحيمها. لم يكن ذلك الزفاف قادرًا على إطفاء نار القلق والغضب التي تشتعل من أجل نغم.

على بعد أمتار قليلة، في المكان المقابل، كانت المأساة أكثر هدوءًا وصمتًا. جلس سند بجانب وعد، الفتاة التي أصبحت زوجته قبل ساعات. كانت وعد جميلة بفستانها الأبيض، لكنها كانت كزهرة قُطفت قبل أوانها. كانت تحب سند، لقد كان فارس أحلامها منذ الطفولة، وكانت تتمنى هذا اليوم أكثر من أي شيء في العالم. لكن الطريقة التي جاء بها هذا اليوم حطمت كل شيء. لقد تزوجها لإنقاذ الموقف، لستر فضيحة خطوبته المكسورة من ابنة عمها، لم يتزوجها لأنه اختارها، بل لأن الظروف أجبرته. هذا الشعور بالقهر، بأنها كانت مجرد "بديل"، كان يقتل فرحتها. كانت تنظر إليه خلسة، ترى في ملامحه الحزن والارتباك، وتعرف أنه لا يفكر فيها، بل في نغم. فتشعر بقلبها ينقبض من الغيرة والحزن.

سند كان ضائعًا. لقد خسر خطيبته، نغم بطريقة مهينة، والآن هو متزوج من ابنة عمه التي يكن لها مودة، لكنه لم يكن مستعدًا لهذا الزواج. كان يشعر بالذنب تجاه نغم، وبالذنب تجاه وعد التي جرها معه إلى هذه الفوضى. أمسك بيدها وشعر ببرودتها، فرأى في عينيها نفس الحزن الذي يسكنه، لكنه لم يدرك أن مصدر حزنها هو نفسه. "مبروك يا وعد." همس لها بصوت أجش، محاولاً كسر الجليد، ففي النهاية أصبحت زوجته وعليه أن يطوي صفحة نغم كي لا يصبح خائنًا.

نظرت إليه، وابتسمت ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها. "مبروك لك أنت كمان يا سند." كانت كلماتها مهذبة، لكنها كانت تحمل عتابًا صامتًا لم يفهمه. لقد حصلت على الرجل الذي أرادته، لكنها خسرته في نفس اللحظة.

وهكذا، استمر الفرح الصاخب. أربعة أشخاص في قلب الاحتفال، كل منهم يعيش في عالمه الخاص من الألم. روح، الفرحة بحبها والحزينة على أختها. عدي، الزوج الحاضر والقلب الغائب مع حبه السري. وعد، التي نالت حلمها لتكتشف أنه كابوس. وسند، الذي فقد كل شيء ويحاول أن يلملم شتات موقف لم يكن له يد فيه. كانت ليلة زفاف بأربعة قلوب مكسورة، كل قلب على طريقه الخاص. *** في المساء.

قضت أم جاسر اليوم بأكمله مع نغم خوفًا من أن يحاول أحد الدخول إليها أثناء غيابها ويجرحها. نظرت نغم إليها وقد استبد بها الفضول لمعرفة علاقتها بهؤلاء. تنهدت أم جاسر بابتسامة وهي تقول: "لسه مصرة تعرفي إيه اللي جابني هنا." أخفضت نغم عينيها بإحراج. فتابعت أم جاسر:

"هقولك. أنا أولًا مش من النجاع هنا، من نجع الحمدية. في يوم كنت جاية مع أبويا النجاع هنا عشان نحضر فرح واحد قريبنا. في اليوم ده مطرت ومحدش كان عارف يرجع بيته. أبويا وعمي فايد كانوا معرفة قديمة وعرض عليه إننا نبات عنده للصبح." لاح الحزن في عينيها وهي تحكي عن مرارة لم تزول بعد، وكأنها تعود بالزمن إلى تلك الليلة المشؤومة. "أبويا وافق وبيت في أوضة أنا وهو، بس سابني نايمة وراح يسهر مع الحاج فايد."

صمتت للحظة، تلتقط أنفاسها التي بدت وكأنها تحمل ثقل السنين. "وصحيت لقيت نفسي لوحدي. خفت وخرجت من الأوضة عشان أدور عليه. كانوا في الجنينة وأنا بدور عليه في الأوض، كانت آخر أوضة دخلت أدور عليه فيها... تجمدت ملامحها، وأصبحت نظراتها شاردة، غارقة في ذكرى لم يمحها الزمن. "كانت أوضة كارم." انتفضت نغم بخفة عند سماع الاسم، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها. لقد أصبح لهذا الاسم وقع مرعب في نفسها.

أكملت أم جاسر بصوتٍ خافت، وكأنها تروي قصة حدثت لشخص آخر، لا لنفسها. "كان شباب وقتها، بس طبعه هو هو، القسوة والغطرسة في عينيه. دخلت الأوضة على أطراف صوابعي، كانت ضلمة، وناديت على أبويا بهمس مفيش رد. لسه هلف وأخرج، حسيت بالباب بيتفتح ويتقفل ورايا." أغمضت عينيها بألم، وتابعت.

"واتلفت بسرعة لقيته واقف قدامي. كان سكران زي عوايده. خوفت واترعبت وخصوصًا إنه مكنش على بعضه بس الشرب. جولتله إني بدور على أبويا، وحاولت أخرج، بس منعني. كان بيضحك ضحكة واعر، جالي خلينا نتعرف لول. خوفت منه وحاولت أهرب منه بس هو.... هزت رأسها بمرارة. "مسبنيش. صرخت، وحاولت أهرب، بس محدش سمعني... نظرت إلى نغم، وفي عينيها لمعت دمعة عنيدة رفضت أن تسقط، دمعة تحمل قهر عقود. "اللي حصل بعديها...

هو نفس اللي بيحصل لأي واحدة ضعيفة بتيجي تحت إيد واحد ميعرفش ربنا. خد مني أغلى حاجة أملكها... شرفي." شهقت نغم بصدمة، ووضعت يدها على فمها. لم تكن تتخيل أن هذه المرأة الوقورة الهادئة تحمل في داخلها مثل هذا الجرح الغائر. "تاني يوم الصبح خوفت أعرف أبويا لأنه هددني وأنا كنت صغيرة معرفش حاجة. بعدها بشهور اكتشفت أمي إني حامل وكانوا هيقتلوني وجتها بس أنا جولت لهم اللي حصل وجولت لهم إنه هددني لو جولت لكم."

أكملت أم جاسر بصوتٍ خالٍ من أي تعبير. "الفضيحة كانت هتلف البلد كلها وأبويا كان هيقتلني ويقتل نفسه. بس الحاج فايد بقى الله يرحمه، أول ما أبويا راح له وجاله متأخرش وعشان يلم الموضوع، أمره ابنه إنه يتجوزني." أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تطرد آخر بقايا الألم من صدرها.

"عشان كده أنا عايشة هنا. دخلت البيت ده مكسورة ومغصوبة، وعشت فيه خدامة تحت رجليه، لحد ما حصل اللي حصل. وعشان كده أنا بخاف على جاسر من طبعهم، وبخاف عليكي أنتي كمان لأني شفت بعيني وشربت من نفس الكاس اللي بيسقوه للغريب والضعيف." نظرت إلى نغم بحنان وألم، وقالت جملتها الأخيرة التي لخصت كل شيء. "أنا حكيت لك حكايتي يا نغم... عشان تعرفي إنك مش لوحدك اللي اتوجعتي في البيت ده."

في تلك اللحظة، لم تعد نغم ترى فيها أم عدوها، بل رأت فيها رفيقة درب، امرأة أخرى ناجية من نفس الجحيم. أدركت أن الرابط الذي يجمعهما الآن أقوى من أي قرابة دم... إنه رابط الألم المشترك، والوعد الصامت بالصمود. *** في غرفة سند ووعد.

أُغلق باب الجناح خلفهما، وفجأة تلاشى ضجيج الفرح الصاخب ليحل محله صمتٌ ثقيل ومحرج، أثقل من أي ضجيج. وقفت وعد في منتصف الغرفة بفستانها الأبيض، تشعر وكأنها غريبة في هذا المكان الذي كان من المفترض أن يكون مملكتها. بينما وقف سند عند الباب للحظات، يخلع سترته ويضعها على مقعد قريب، في حركة بطيئة أعطته وقتًا ليرتب أفكاره.

سار سند نحو الشرفة، خطواته ثقيلة كأنها تخطو فوق زجاج مكسور. فتح بابها الزجاجي، فدخل نسيم الليل البارد حاملاً معه الأصوات البعيدة لآخر الضيوف وهم يغادرون، أصوات فرح كاذب تلاشت في الهواء. وقف هناك للحظات ظهره لها، كأنه يستجمع بقايا رجل تحطم قبل ساعات، ثم استدار وواجهها.

كانت ملامحه تحمل وقارًا حزينًا، قناعًا من الجمود يخفي تحته فوضى عارمة. لم يكن سند الذي تعرفه، العاشق المكسور، بل كان رجلاً غريبًا يحاول فرض النظام على خراب روحه. "وعد.." نطق اسمها بهدوء، صوت أجش كأنه لم يتحدث منذ دهر. كانت تقف في أقصى الغرفة، متشبثة بيديها الباردة، فستان زفافها الأبيض يبدو باهتًا تحت ضوء القمر، كأنه كفن حلم قديم.

تقدم نحوها ببطء، خطوات محسوبة، محافظًا على مسافة بينهما احترامًا لهالة الصمت والرفض التي تحيط بها. "أنا عارف إن اللي حصل كان صعب عليكي وعلى الكل." صمت للحظة، وكأنه يزن كلماته القادمة. "وعارف إنك اتجبرتي على الجوازة دي زي ما أنا اتجبرت. عارف إنك كنتِ بتحلمي بيوم فرحك بطريقة تانية خالص مش بالشكل ده." عندما سمعت كلمة "اتجبّرتي"، شعرت وعد بطعنة خفيفة وحادة في قلبها. لقد أكد لها

دون أن يقصد أسوأ مخاوفها: أنه يراها مجرد قطعة أخرى على رقعة شطرنج العائلة، ضحية للظروف مثله تمامًا. لم يخطر بباله ولو للحظة أنها قد تكون أرادت هذا الزواج. لم يرَ في عينيها الحب الذي كانت تخفيه خلف ستار الأخوة لسنوات، حب صامت وموجوع. لكنها ظلت صامتة، تحبس دموعها وتنتظر بقية الحكم. "بس اللي حصل حصل ومفيش في إيدينا حاجة نغيره." أكمل سند بنبرة عملية وحازمة، نبرة رجل يغلق بابًا على ماضٍ لا يريد أن ينظر إليه مرة أخرى.

"إحنا دلوقتي متجوزين وده بقى أمر واقع. قدامنا طريقين: يا إما نفضل عايشين في الماضي أسري للي حصل وحياتنا تبجى جحيم، يا إما نقبل قدرنا ونطوي الصفحة دي ونحاول نبدأ بداية جديدة وحقيقية مع بعض." اقترب خطوة أخرى، وعيناه تبحثان في وجهها عن أي رد فعل، أي إشارة.

"أنا اخترت الطريق التاني وعايز أبدأ معاكي صفحة بيضا كزوج وزوجة حقيقيين. عايز أبني معاكي بيت وأسرة عن اقتناع ونكمل حياتنا كأي زوجين. وقتها زي ما قال جدي الحب هييجي بالعشرة." هنا، رفعت وعد عينيها إليه لأول مرة. لم يكن فيهما خجل العروس أو ارتباكها، بل كان فيهما بريق غريب، مزيج من الألم والتحدي. "والصفحة اللي فاتت يا سند؟ سألت بصوتٍ هادئ ومخيف، صوت لم يكن يتوقع أن يسمعه منها. "هتطويها كيف وهي مكتوبة بالدم؟

دم كرامتنا ودم قلب نغم؟ تجمد سند في مكانه، لقد أصابت بسؤالها الجرح المفتوح مباشرة. أكملت وعد بنفس النبرة، وقد تحرر لسانها أخيرًا من قيود الصمت. "أنت عايز تبدأ صفحة بيضا عشان تهرب من اللي فات. عايز تبني بيت عشان تثبت لنفسك وللناس إنك منتصر. لكن أنا... أنا مش هكون الدوا اللي بتداوي بيه جرحك يا ولد عمي. مش هكون مجرد "بديل" يملى مكان فاضي."

كانت كلماتها كالسياط، تجلده بالحقيقة التي كان يهرب منها. هو لا يريد بداية جديدة، هو يريد نسيانًا. تقدمت هي نحوه لأول مرة، ووقفت أمامه مباشرة، وعيناها في عينيه. "لو عايز نبدأ بداية حقيقية يبقى لازم نعترف بالحقيقة. الحقيقة إنك مكسور وأنا مكسورة. وإن الجوازة دي مبنية على خراب بيوت تانية. لو عايز تبدأ معايا يبقى تبدأ من هنا. من وسط الخراب ده، من غير وعود كدابة بالحب اللي بييجي بالعشرة."

صمتت للحظة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم ألقت بقنبلتها الأخيرة التي ستحدد شكل مستقبلهما. "أنا موافقة أكون زوجتك قدام الناس وهكون السند اللي يحفظ اسمك واسم العيلة، بس لحد ما تيجي في يوم وتجول إنك اخترتني أنا... اخترت "وعد" مش "البديل"... لحد اليوم ده... كل واحد فينا هينام في أوضة."

ثم استدارت وعادت إلى الداخل، تاركة إياه وحيدًا في الشرفة مع برودة الليل وصدى كلماتها القاسية والصادقة. لقد رفضت أن تكون مجرد حل، وأجبرته على مواجهة حقيقة مشاعره. لم تكن هذه بداية صفحة بيضاء، بل كانت بداية حرب طويلة وباردة داخل جدران زواج ولد ميتاً. "لا يا وعد، الحب الحقيقي بييجي بعد العشرة، لإن كل حاجة قدامنا بتبجى واضحة." تطلع في عينيها التي برغم قوتها التي تظهرها إلا إنها صافية وبريئة.

"بييجي يا وعد بييجي، لو كان على نغم فنغم اختارت غيري حتى لو كان غصب عنها، اختارت ومبصتش وراها ولا قدرت إن اختيارها ده كسرني وحط وشي في التراب. حتى لو نغم رجعت خلاص اللي بينا انكسر ومستحيل يتصلح. وإني دلوقتي بمدلك إيدي مش إيد واحد مجروح بيدور عاللي يداويه، لا، أنا بدور على حياة جديدة بعيد عن أي شيء." لاحت الرجاء في عينيه التي ظهر بها ألم شديد ورجاء أشد.

"أنا محتاجالك يا وعد، محتاج بر أرسي عليه بعد اللي حصل، ومليش مرسى غيرك." اهتزت نظراتها ولم تعرف بماذا تجيب، فتابع بعقل. "حاجة كمان لازم ناخد بالنا منها. إن أهلنا تحت... مستنيين." "مستنيين يفرحوا بجد، ومستنيين يتأكدوا إن جوازنا اكتمل عشان يطمنوا إن سر العيلة انحفظ. كلام الناس مش هيرحم لو حسوا إن جوازنا ده مجرد تمثيلية، وخصوصاً إن في ناس غريبة شغالة في البيت."

فهمت وعد ما يلمح إليه. تلك العادة القاسية التي ستكون بمثابة الإعلان النهائي عن اكتمال هذا الزواج القسري في نظر الجميع. شعرت بالخجل والمهانة، ليس من طلبه، بل من السياق كله. مد يده نحوها ليس ليلمسها، بل كدعوة. "القرار في إيدك يا وعد. لو وافقتي نبدأ حياتنا دي من النهاردة... بجد أنا هكون ليكي الزوج اللي يحميكي ويصونك. ولو رفضتي... هحترم قرارك، بس لازم نعرف هنتعامل مع اللي بره كيف."

نظرت وعد إلى يده الممدودة، ثم إلى وجهه. رأت فيه الصدق والمسؤولية، ورغبة حقيقية في بناء شيء من تحت الأنقاض. لم ترَ فيه الحب الذي كانت تتمناه، لكنها رأت رجلاً شريفًا يحاول أن يفعل الصواب ويعطيها كل حقوقها. أدركت أن هذه هي فرصتها الوحيدة، إما أن تظل في دور الضحية المقهورة، أو أن تقبل بهذه البداية وتراهن على أن حبها الصامت قد يتمكن يومًا ما من شفاء جراحهما معًا.

ببطء، رفعت يدها المرتجفة ووضعتها في يده. كانت لمسته دافئة وحازمة. عندما شعر بموافقتها الصامتة، سحبها إليه برفق. لم تكن حركة عنيفة أو شهوانية، بل كانت حركة رقيقة تحمل في طياتها الاحترام والتقدير لقرارها. رفع يده الأخرى وأزاح بلطف خصلة شعر شاردة عن وجهها، ثم انحنى وطبع قبلة هادئة على جبينها، قبلة كانت بمثابة عهد وبداية.

سمحت له بأن يقودها نحو الفراش، وفي قلبها مزيج من الخوف والأمل. كانت تسلم له نفسها، ليس فقط كزوجة تؤدي واجبها، بل كامرأة تحب، تراهن بكل ما تملك على أن هذا الزواج، الذي وُلد من رحم الألم، قد يزهر فيه الحب يومًا ما. *** في غرفة روح وعدي.

أُغلق باب جناحهما، وانفصلا عن عالم الفرح الزائف، ليجدا نفسيهما في صمت أكثر قسوة وإيلامًا. وقفت روح في منتصف الغرفة، قلبها يخفق بمزيج من الحب والخجل والترقب. كانت تحب عدي بعمق، ورغم حزنها على أختها، كانت هناك زاوية صغيرة في قلبها تتشبث بحلم هذه الليلة، حلم البداية الحقيقية معه.

لكن عدي كان شخصًا آخر. ما إن دخل الغرفة حتى خلع سترته وألقاها على المقعد بعنف مكتوم. بدأ يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا كوحش محبوس في قفص، يداه تشد شعره بين الحين والآخر، وعيناه تشتعلان بنار القلق والغضب. لم ينظر إليها حتى، وكأنها غير موجودة. تجمعت الدموع في عيني روح وهي تراه على هذه الحال. تقدمت نحوه بخطوة مترددة، ومدت يدها لتلمس ذراعه برفق. همست بصوتٍ ناعم ومرتجف. "عدي.... مالك؟

انتفض عدي مبتعدًا عن لمستها وكأنها لدغة أفعى. استدار وواجهها، وكانت نظرته باردة وقاسية، نظرة لم ترها في عينيه من قبل. قال بحدة. "مفيش..... مفيش حاجة." قالت بصوت مكسور. "إزاي مفيش؟ أنا مراتك يا عدي، لو مش هتتكلم معايا هتتكلم مع مين؟ أنا حاسة بيك، وحاسة بوجعك عشان نغم، بس... قاطعها بصوتٍ عالٍ جعلها تتراجع خطوة. "بس إيه؟! هتجوليلي إيه اللي المفروض أحس بيه؟ هتجوليلي أفرح وأحتفل وأنتي أختك بتترمي في النار؟! "لأ، مجصدش...

صرخ فيها، وهذه المرة كان صراخه يحمل كل قهر العالم. "يبقى تسكتي! مش عايز أتكلم مش مستعد لأي كلام مش عايز أسمع أي حاجة." انهارت روح. لم تكن تتوقع هذه القسوة. جلست على حافة السرير، والدموع تنهمر على وجهها بصمت، تحرق خديها. لقد تحطمت كل أحلامها في لحظة. ساد صمت طويل ومؤلم، لم يقطعه سوى شهقاتها المكتومة. نظر إليها عدي، وللحظة ظهرت لمحة من الندم في عينيه لرؤيتها بهذا الشكل، لكن صورة نغم وهي وحيدة وضعيفة طغت على كل شيء.

فجأة توقف عن السير ووقف أمامها. كانت نظرته قد تغيرت، أصبحت عملية باردة ومخيفة. "قومي." أمرها بصوتٍ خالٍ من أي عاطفة. نظرت إليه من خلال دموعها، لم تفهم. "قومي بجولك." وقفت أمامه وهي ترتجف، لا تعرف ماذا يريد. مد يده وأمسك بذراعها بقوة، قبضته كانت فولاذية. "أمك... وأمي... مستنيين تحت." قال من بين أسنانه. "مستنيين 'النتيجة' عشان يكملوا فرحتهم الكدابة." لم تفهم روح ما الذي يخطط له. هل سيجبر نفسه عليها؟

هل سيحول حبهما إلى مجرد واجب قاسٍ؟ لكنه لم يفعل ذلك. بدلًا من ذلك، سحبها بقوة نحو منضدة الزينة الصغيرة، وفتح درجها بعنف، وأخرج منه شفرة صغيرة. تجمد الدم في عروق روح وهي تراه يقوم بإخراجها من غلافها وهي تلمع في يده. "عدي... أنت هتعمل إيه؟ سألت برعب حقيقي. لم يرد. أمسك ذراعها بقوة أكبر، ورفع أكمام فستانها قليلاً ليكشف عن بياض ذراعها الناعم. نظرت في عينيه، فرأت فيهما قرارًا لا رجعة فيه، وعذابًا لا يوصف. "غمضي عينيكي."

أمرها بصوت أجش. تطلعت إليه بذعر وقالت برجاء. "لأ... عدي أرجوك... تحدث بحدة آمرًا. "بجولك غمضي! أغمضت عينيها بقوة، واستعدت للألم. وفي اللحظة التالية، شعرت بوخزة حادة وحارقة في ذراعها. انطلقت منها صرخة ألم مكتومة، واختلطت بدموع القهر التي كانت تنهمر بالفعل. لقد جرحها جرحًا بسيطًا، لكنه كان عميقًا بما يكفي لينزف، ومؤلمًا بما يكفي ليحفر ندبة في روحها قبل جسدها.

رأت الدم الأحمر النقي يتجمع على بشرتها البيضاء بسرعة، وقبل أن تستوعب ما حدث، أخذ عدي منديلًا أبيض، وضغطه على الجرح ليمتص الدماء، ملطخًا بياضه الناصع بلون الألم والخيانة. ترك ذراعها فجأة، وتراجع خطوة إلى الوراء، ينظر إلى المنديل في يده وكأنه دليل على جريمته. ثم نظر إليها وهي تقف أمامه، مكسورة، تنظر إلى الجرح النازف على ذراعها ثم إليه، بعينين لم يعد فيهما حب أو أمل بل صدمة وخيبة لا حدود لهما. "ده... عشانهم."

قال بصوت متحشرج، وهو يرفع المنديل الملطخ بالدماء. "عشان المسرحية تكمل." ألقاه بإهمال على الفراش. استدار خارجًا من الغرفة، متجهًا إلى الشرفة ليواجه ليلته الطويلة بمفرده، تاركًا إياها واقفة في مكانها، تنزف من جرحين: جرح في ذراعها سيشفى مع الوقت، وجرح أعمق بكثير في قلبها، جرح قد لا يندمل أبدًا. لقد أثبت لها في ليلة زفافهما أنه مستعد أن يجرحها ويؤلمها، فقط ليظل وفيًا لألمه التي لا تعرف سببه. *** في غرفة نغم.

كان الصمت حيًا، مليئًا بالأشباح والذكريات. كانت تستلقي بجانب أم جاسر، التي غطت في نوم عميق بعد يوم طويل من القلق والمواساة. أما نغم، فقد هجرها النوم تمامًا. كانت عيناها مفتوحتين في الظلام، تحدقان في السقف الذي لا يرى، بينما عقلها يعج بصور وأصوات عالمها المفقود.

ببطء وحذر شديدين حتى لا توقظ المرأة النائمة بجانبها، مدت يدها المرتجفة إلى هاتفها الذي خبأته تحت الوسادة. فتحت الشاشة، وخفضت إضاءتها إلى أدنى درجة، وكأنها تخشى أن يفضح هذا النور الضئيل عمق الظلام الذي استقر في روحها. فتحت معرض الصور. كانت تلك هي بوابتها الوحيدة إلى حياة لم تعد تملكها.

أول صورة ظهرت كانت لوالدها. كان يضحك بصوته الأجش المميز في إحدى المناسبات العائلية، يضع ذراعه حول كتفها بفخر. تذكرت كيف كان يناديها "أميرتي"، وكيف كان يتباهى بقوتها وعنادها الذي ورثته عنه. ليته ظل معها ولم يتركهم.

مررت إصبعها لتظهر صورة والدتها. كانت تبتسم ابتسامتها الحنونة، وعيناها تشعان بالدفء. تذكرت ليالي الحمى حين كانت والدتها لا تنام، تضع الكمادات الباردة على جبينها وتقص عليها الحكايات حتى تغفو. تذكرت نصائحها التي كانت تظنها قيودًا، لتكتشف الآن أنها كانت درعًا يحميها. أين هذا الدرع الآن؟ هل فكرت فيها والدتها اليوم؟ هل بكت من أجلها، أم اكتفت بالدعاء الصامت خوفًا من الناس هي أيضًا؟

ثم جاءت صورة روح، أختها ورفيقة دربها. كانتا في الصورة تضحكان حتى أدمعت عيناهما، في لحظة عفوية لا يعرف سرها سواهما. تذكرت أسرارهما المشتركة، ملابسهما التي تتبادلانها، أحلامهما التي كانتا تنسجانها معًا في ليالي الصيف. تذكرت مكالمتهما الأخيرة، صوت روح المكسور وهو يؤكد لها حقيقة الخذلان. شعرت بألم مضاعف، ألم على نفسها، وألم على أختها التي تُركت هناك لتواجه العاصفة وحدها.

صورة وعد، ابنة عمها البريئة. كانت في الصورة تحمل قطة صغيرة، وابتسامتها خجولة ورقيقة. تذكرت كيف كان كلاهما يلجأن إلى بعضهما عندما يواجه أي منهم مشكلة، وكيف يسارع الآخر في حلها. وعد الضحية البديلة التي قُدمت على مذبح الكبرياء. شعور الذنب تجاهها كان كالحجر الثقيل على صدرها. وعد، سند، عدي، مالك، أعمامها، جدها...

مرت صورهم جميعًا أمام عينيها. كل وجه كان يحمل ذكرى، كل ابتسامة كانت تحكي قصة. كانت تتصفح حياتها الماضية، تتلمسها للمرة الأخيرة، كمن يزور قبر عزيز ليلقي نظرة الوداع. كانت هذه الصور هي كل ما تبقى لها من عالمها، لكنها كانت أيضًا مصدر ألم لا يطاق، تذكير دائم بما خسرته، وبمن تخلوا عنها. اتخذت قرارها. كان قرارًا مؤلمًا، كبتر عضو مريض لإنقاذ بقية الجسد.

بإصبع يرتجف، ضغطت على صورة والدتها طويلًا، ثم بدأت في تحديد بقية الصور. صورة والدتها، روح، وعد، كل العائلة، كل الأصدقاء، كل ذكرى. حددت كل شيء. مئات الصور التي شكلت ذاكرتها وهويتها. ظهرت أمامها الكلمة القاسية على الشاشة: "حذف". ترددت للحظة، وارتجف هاتفها في يدها، كانت هذه هي اللحظة الأخيرة، نقطة اللاعودة. ثم أغمضت عينيها وضغطت.

اختفى كل شيء. أصبح المعرض فارغًا، أبيض، ونظيفًا بشكل مرعب. لقد محت ماضيها بإرادتها، قطعت آخر خيط كان يربطها بهم. لم تعد ابنة أحد، أو أخت أحد، لقد أصبحت نغم فقط، وحيدة. في تلك اللحظة، انهار السد الأخير. لم تعد قادرة على كبت الألم. بدأ جسدها يهتز بعنف، لكنها كتمت صوت بكائها في الوسادة، لم تخرج منها سوى شهقات صامتة ومتقطعة، اهتزازات عنيفة لروح تتمزق في صمت.

اهتزاز جسدها بجانبها أيقظ أم جاسر من نومها الخفيف. فتحت عينيها في الظلام، وشعرت بالارتجافات الصامتة التي تهز الفتاة بجانبها. لم تحتاج إلى كلمات لتفهم. لقد عرفت هذا النوع من البكاء، بكاء من فقد كل شيء.

بحركة بطيئة وحانية، استدارت نحوها، ومدت ذراعيها وسحبت نغم إلى حضنها الدافئ. لم تقل شيئًا، بل ضمتها بقوة، كأم تحتضن طفلتها المذعورة بعد كابوس. وضعت يدها على شعر نغم، وبدأت تربت عليه برفق. تشبثت نغم بها، ودفنت وجهها في صدرها، وأطلقت العنان أخيرًا لبكاء حقيقي، لكنه ظل مكتومًا، حارقًا. "ششش... اهدي يا بنيتي." همست أم جاسر بصوتٍ حنون. "ولا أجولك.. ابكي... طلعي كل اللي في جلبك، أنا معاكي، أنا هنا مش هسيبك."

لم تكن كلماتها مجرد مواساة، بل كانت مرساة ألقتها نغم في محيط من اليأس. في حضن هذه المرأة، التي كانت يومًا جزءًا من عالم أعدائها، وجدت نغم أول ملاذ حقيقي لها. لم يكن حضنًا يمحو الألم، لكنه كان حضنًا يشاركها إياه، ويؤكد لها أنها رغم كل الخذلان، لم تعد وحيدة تمامًا في هذا الجحيم. *** بعد الانتهاء، صعد مالك إلى غرفته بعد أن أدى المشهد بطريقة تليق به، وأخفى ألمًا لو شعر به العالم لرأف به وبحاله.

كل زغرودة كانت كالمطرقة التي تهوي على صدره. كل ضحكة كانت كالشفرة التي تمزق روحه. انتهت أحلامه، لقد انتهت في اللحظة التي رأى فيها "روح" بفستانها الأبيض، جميلة كحلم لم يكن مقدرًا له أن يعيشه، وهي تسير نحو أخيه "عدي". لكن المصيبة أن حبه لم ينتهِ. لم يمت الحب بموت الحلم. بل ظل هناك، حياً ينبض في كل خلية من جسده، يصرخ في صمت مع كل نفس يأخذه. وهذا هو ما حوّله من عاشق مكسور إلى شيء أسوأ بكثير. لقد أصبح خائنًا.

هذه الكلمة كانت تتردد في عقله بلا رحمة. كل نظرة يسرقها لروح، كل دقة قلب يشعر بها عند سماع صوتها، كل ذكرى تلمع في ذهنه، أصبحت الآن طعنة في ظهر أخيه. لم يعد حبه نقيًا، بل تلوث بالذنب والخيانة. الأمر الأكثر قسوة هو أنه كان يعلم الحقيقة، يعلم أن روح لم تحبه يومًا كما أحبها هو. كان يرى الطريقة التي تضيء بها عيناها عندما تتحدث مع عدي، يرى الابتسامة التي كانت تخصه هو فقط. كان يعلم أن قلبها كان دائمًا مع أخيه، وهذا ما جعل ألمه مضاعفًا. لم يخسرها لغريب، بل خسرها لأخيه الذي كان يملك قلبها منذ البداية.

أغمض مالك عينيه بقوة، وارتسم على وجهه تعبير من الألم الخالص. استند بجبينه على الزجاج البارد للشرفة، وشعر بدمعة حارقة واحدة تنزلق على خده، لم تكن دمعة حزن على حب ضائع، بل كانت دمعة قهر على نفسه. قهر على قلبه الذي يرفض أن يطيع، الذي يصر على حب زوجة أخيه. "خائن... همس الكلمة لنفسه، وشعر بطعمها المر في فمه. في تلك اللحظة، لم يكن يتمنى الموت، بل تمنى شيئًا

أقسى: تمنى لو يستطيع أن يقتلع قلبه من صدره بيديه، أن يسحق هذا الحب اللعين الذي سيجعله يعيش بقية حياته في عذاب صامت، يبتسم في وجه أخيه بينما يخونه في كل نبضة من نبضات قلبه. لقد حُكم عليه بأن يكون الشاهد الصامت على سعادتهما، وأن يحمل سر خيانته القلبية إلى الأبد. ***

تسللت خيوط الشمس الأولى إلى الغرفة، لتستيقظ وعد من نوم متقطع. أول ما شعرت به هو الفراغ بجانبها في السرير الواسع. فتحت عينيها لتجد سند واقفًا في الشرفة يرتدي جلبابه، وظهره لها، يحتسي فنجانًا من القهوة وينظر إلى الأفق البعيد.

جلست في السرير، وشعرت بموجة من الخجل والارتباك. ليلة أمس لم تكن ليلة حب وشغف، بل كانت أشبه بعهد صامت، لقاء هادئ وحزين بين روحين ضائعتين. لقد كان لطيفًا، ومحترمًا، لكنه كان بعيدًا، وكأن جسده فقط كان معها، أما روحه فكانت تحوم في مكان آخر. استدار سند وكأنه شعر بحركتها. لم تكن على وجهه ابتسامة، بل نظرة هادئة وقورة. "صباح الخير." قال بنبرة محايدة. "نومتي كويس؟

هزت رأسها بصمت، غير قادرة على النطق. لم تكن تعرف بماذا تجيب الآن. هل تتصرف كزوجة؟ هل تنتظر منه إشارة؟ تقدم نحو الغرفة ووضع فنجانه على الطاولة. "أمي جابت الفطار. لما تكوني جاهزة، نقدر نفطر هنا أو ننزل تحت." كان حديثه عمليًا، خاليًا من أي دفء. أدركت وعد أن هذا هو ما ستكون

عليه حياتهما في البداية: مجموعة من الإجراءات والواجبات. لقد حصلت على زوج، لكنها لم تكسب قلبه بعد. شعرت بوخزة من الألم، لكنها أخفتها خلف قناع من الهدوء. قالت بصوت خافت. "هكون جاهزة دلوقتي." أومأ سند برأسه، ثم استدار ليغادر الغرفة. "هستناكي هناك في الصالة. خدي راحتك."

خرج وأغلق الباب خلفه، تاركًا إياها وحيدة مع صدى كلماته الباردة. نظرت إلى الفراش الذي تشاركا فيه، وشعرت بالوحدة أكثر من أي وقت مضى. لقد بدأت حياتهما الزوجية، لكن الطريق لردم الحفرة الشاسعة بين قلبيهما بدا طويلاً وشاقًا. *** في شقة عدي وروحه.

هنا كان الصباح مختلفًا تمامًا. لم يكن هناك صمت هادئ، بل كان هناك خراب صامت. استيقظت روح على أريكة في زاوية الغرفة، حيث كانت قد انهارت وبكت حتى غلبها النوم. كان أول ما رأته هو ذراعها. كانت قد لفت عليه منديلًا آخر نظيفًا، لكن بقعة من الدم الجاف كانت لا تزال ظاهرة حوله، تذكيرًا قاسيًا بما حدث. الجرح الجسدي كان يؤلمها، لكنه كان لا شيء مقارنة بالجرح الذي مزق روحها.

نظرت حولها، فوجدت عدي نائمًا على السرير نومًا عميقًا كمن هرب من كابوس ليقع في آخر. كان يرتدي نفس ملابس الأمس، ووجهه متعب ومعذب حتى في نومه. لم يعد هذا هو عدي الذي أحبته، بل أصبح غريبًا، سجانًا لأحلامها.

نهضت بهدوء، كل حركة تسبب لها ألمًا، ليس فقط في ذراعها، بل في كل جزء من كيانها المكسور. دخلت إلى الحمام ونظرت إلى وجهها في المرآة، رأت عينين متورمتين من البكاء، ووجهًا شاحبًا، ونظرة انكسار لم تكن تعرفها من قبل. لقد دخلت هذه الغرفة كعروس عاشقة، وخرجت منها في الصباح التالي كامرأة محطمة. عندما خرجت من الحمام، كان عدي قد استيقظ. كان يجلس على حافة السرير، رأسه للأسفل، لم ينظر إليها. "روح...

قال بصوت أجش ومتحشرج، دون أن يرفع رأسه. "أنا... قاطعته هي بصوت بارد وجامد، صوت لم يكن يعرفه، صوت امرأة فقدت كل شيء. "متتكلمش." رفع رأسه ونظر إليها بصدمة. رأى البرود في عينيها، رأى الجدار الجليدي الذي بنته حول قلبها خلال الليل. "متعتذرش، ومتبررش." أكملت بنفس النبرة القاتلة.

"أنت عملت اللي أنت عايزه امبارح، ووصلت رسالتك. وفهمت. فهمت إن مكانتي عندك متساويش شيء. وفهمت إن جوازنا ده مجرد كدبة هنعيشها عشان نرضي الناس. لو عايز تفطر اهنه براحتك، بس أنا مش هسيب أمي تفطر لوحديها، وهنزل أفطر معاهم." *** أصروا جميعًا أن يفطروا معًا كإعلان رسمي عن الفرحة التي يجب أن تسود المنزل. نزلوا جميعًا إلى غرفة الطعام الواسعة، على وجوههم أقنعة هادئة تخفي خلفها ليالٍ من الخراب.

كانت المائدة طويلة وفاخرة، عامرة بكل ما لذ وطاب، لكن لا أحد كانت له شهية حقيقية. جلس سند بجانب وعد، وجلس عدي بجانب روح. الأجواء كانت مشحونة بالصمت المصطنع، لا يقطعه سوى صوت الأواني الفضية وعبارات التهنئة القليلة من كبار السن. كانت روح قد ارتدت فستانًا بأكمام واسعة كي لا تضغط على جرحها، ورسمت على وجهها ابتسامة باهتة. كانت تتجنب النظر إلى عدي، الذي كان يجلس بجانبها كتمثال من حجر، يحدق في طبقه الفارغ.

بدلًا من ذلك، كانت عيناها تبحثان عن ملاذ. فوجدتاه في مالك، الذي كان يجلس في الجهة المقابلة. نظرت إليه نظرة طويلة، نظرة مليئة بالوجع والخذلان الصامت. كانت عيناها تتوسلان إليه، تشكو له بصمت ما لا تستطيع البوح به. "انظر إليّ يا مالك... انظر إلى ألمي. أنت الوحيد الذي يفهمني دائمًا." لطالما كان يفهمها من نظرة، فهل سيفهمها هذه المرة أيضًا؟

مالك، الذي كان غارقًا في حزنه الخاص، رفع عينيه والتقط نظرتها. شعر على الفور بأن شيئًا ما خطأ. رأى الانكسار خلف ابتسامتها المصطنعة، ورأى عمقًا من الألم في عينيها لم يره من قبل. لم يفهم السبب، لكن قلبه انقبض من أجلها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...