الفصل 33 | من 54 فصل

رواية ثنايا الروح "الريح والغيامة" الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
19
كلمة
5,757
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

تجمد مالك في مكانه وعقله يرفض أن يصدق ما تراه عيناه. هذه ليست صبر، لا يمكن أن تكون هي. صبر التي يعرفها كانت فتاة قروية بسيطة خجولة، بالكاد ترفع عينيها عن الأرض. أما هذه التي أمامه فكانت امرأة أخرى تقف بثقة وتتحدث بلباقة. ارتبكت صبر تمامًا عندما رأته. تجمدت الدماء في عروقها وشعرت بأن الأرض تميد بها. لم تكن تعرف ماذا تفعل أو ماذا تقول. كل ما خططت له، كل حياتها الجديدة التي بنتها بصعوبة كانت على وشك الانهيار.

لاحظت روح نظرات الصدمة المتبادلة بين زوجها وتلك الفتاة. فاقتربت من مالك وهمست له باستغراب: _مالك في إيه؟ أنت تعرفها؟ لم يرفع مالك عينيه عن صبر التي كانت تنظر إليهما برعب وتوسل. قال بصوت أجش يحمل مرارة الخيبة: _دي... دي صبر مرات أكمل صاحبي. اتسعت عينا روح بصدمة هي الأخرى. إذن هذه هي الفتاة التي حكى لها مالك قصتها. الفتاة التي خدعت صديق عمره وهربت من البلدة. لكن...

هناك شيء غير منطقي. نظرت إليها مرة أخرى ولاحظت ما ظنت أن مالك لم يلاحظه في صدمته الأولى. انتفاخة بطنها الواضحة التي كان الفستان بالكاد يخفيها. تقدم مالك خطوة نحوها وصوته كان حادًا كالسيف: _سيبي اللي في إيدك وتعالي معانا. حاولت صبر أن ترفض وصوتها يرتجف: _بس... أنا... أنا في الشغل. مينفعش... قاطعها مالك بنبرة لا تقبل الجدال وقد بدأ غضبه يظهر: _قولت سيبي اللي في إيدك. فيه كلام كتير لازم يتقال.

أدركت صبر أنها لا تملك خيارًا. اعتذرت للزبونة بارتباك واستأذنت من زميلتها التي كانت تنظر إلى الموقف بحيرة. ثم سارت خلف مالك وروح اللذين خرجا من المحل. جلسوا في أقرب مقهى هادئ. والصمت كان سيد الموقف. صمت ثقيل ومحرج. طلبت روح بعض المشروبات الباردة لتهدئة الأجواء. انتظر مالك حتى وضع النادل المشروبات على الطاولة وغادر. ثم وجه نظره مباشرة إلى صبر. نظرة قاسية لا ترحم. _الطفل ده... ابن أكمل؟

اهتزت نظراتها بوجل وشعرت إن حياتها التي رسمتها على وشك أن تنتهي. إذا علم أكمل بوجود ابن له، لن يتركه معها وسيأخذه ولو بالقوة. تأثرت روح بمنظرها وشعرت بأن القصة ليست بالبساطة التي سمعتها. وضعت يدها على يد صبر برفق: _اهدي يا حبيبتي... اهدي واتكلمي معانا. إحنا هنسمعك.

أخذت صبر نفسًا عميقًا وبدأت تحكي. تحدثت عن الخيانة، السرقة. أخبرته بتلك الليلة التي كشف فيها أكمل كل شيء. وكيف طردها من منزله دون أن يسمع لبراءتها. طردها من منزله ولم يسأل عنها. وكيف ذهبت لصديقتها وهناك اكتشفت حملها. حكت له مدى خوفها من العودة لأبيها. وكيف أن والدها قادر على أن يبيعها مرة أخرى. فهربت إلى القاهرة لتبدأ حياة جديدة وتحمي ابنها. كانت تحكي والدموع تنهمر على وجهها ويداها ترتجفان.

عندما انتهت، كان مالك يستمع في صدمة تامة. لقد ظلمها وظلمها صديقه. الحقيقة كانت أقسى وأكثر تعقيدًا من أي خيانة. تأثر بشدة وشعر بالخزي من الطريقة التي حكم بها عليها. سألها بصوت خفتت حدته كثيرًا: _ليه... ليه مجولتيش لأكمل؟ رفعت إليه عينيها الدامعتين وقالت بصوت مكسور: _هو مدانيش فرصة. حكم عليا من غير ما يسأل. وصدق اللي عايز يصدقه. ولما عرفت إني حامل كان هو خلاص... رماني من حياته. كنت هجوله إيه؟

كنت هجبره على طفل هو مش عايزه مني؟ شعر مالك بغصة في حلقه: _بس ده ابنه يا صبر. لازم يعرف. أكمل لازم يعرف الحقيقة. هنا انتابت صبر حالة من الهلع. نظرت إليه وتوسلت: _لأ... أرجوك يا مالك بيه. أرجوك متجولوش. هو بنى حياته خلاص. بعد عني ورجع لخطيبته. لو عرف هياخد ابني ويخليها هي اللي تربيه. وأنا خلاص مبقاش ليا غيره في الدنيا دي. أرجوك استرها عليا.

زاد بكاؤها وتحول إلى نحيب مسموع. شهقات متتالية تهز جسدها النحيل بعنف. لم تعد روح قادرة على المشاهدة من بعيد. فاقتربت منها بخطوات سريعة واحتضنتها بقوة، محاولة أن تمنحها بعضًا من ثباتها وهي تربت على ظهرها بحنان: _خلاص يا حبيبتي اهدي... اهدي متخافيش. موضوعك هيفضل سر بيننا.

لكن مالك كان يقف كصخرة في وجه هذا الانهيار. قلبه يتمزق بين الشفقة على حالها وبين ما يراه الصواب. تقدم خطوة وقال بنبرة صارمة تخفي صراعًا داخليًا مريرًا: _يا روح ده مش صوح! ثم تطلع إلى صبر وتابع: _يا صبر إنتِ مش شايفة حالك؟ إنتِ في الشهور الأخيرة ومحتاجة اللي يكون جارك وسندك. وأكمل... أكمل له حق يعرف إن له ابن جاي في السكة. ده حقه الشرعي والدم اللي في عروقك ده منه هو.

عند ذكر اسم "أكمل" وحقه، انفجرت صبر كبركان خامد. رفعت رأسها من حضن روح ووجهها غارق في الدموع. ونظرت إلى مالك نظرة يمتزج فيها التوسل بالرعب المطلق. نظرت إليه برجاء وصوتها يخرج متقطعًا ومبحوحًا من شدة البكاء: _وحياة أغلى حاجة عندك وحياة روح واللي في بطنها.... سيبني في حالي. أنا مش عايزة منه حاجة. لا فلوس ولا بيت ولا حتى اسمه. بس خليه يسبلي ابني... ابوس يدك خليه يسبلي ابني.

كان مشهدًا يذيب أقسى القلوب. امرأة حامل ومنهارة تتوسل ليس من أجل نفسها، بل من أجل حقها في الاحتفاظ بطفلها بعيدًا عن أبيه. نظر مالك إلى زوجته الحامل التي كانت تنظر إليه بعيون دامعة. ثم إلى صبر التي وضعت يدها على نقطة ضعفه الوحيدة، رابطة مصيرها بمصير زوجته وطفله الذي لم يولد بعد.

تنهد بيأس عميق وأغلق عينيه للحظة كأنه يستسلم لهزيمة لم يكن يريدها. أدرك أنه لا يستطيع أن يكون الجلاد في هذه القصة. لا يستطيع أن يزيد من عذابها. هز رأسه ببطء: _خلاص... خلاص اهدي. مش هجوله حاجة دلوقت. لكنه لم يتركها لتغرق في وهم الأمان وقال بجدية مطلقة: _بس اسمعيني زين. لو فاكرة إنك هتقدري تواصلي هنا لحالك تبقي غلطانة. وخصوصًا زي ما بتجولي صاحبتك رجعت لجوزها. يعني هتكوني لحالك تمامًا. ضغط على كلماته

ليجعلها تفهم حجم الخطر: _افرضي تعبتي بالليل. مين اللي هيلحقك؟ افرض لا قدر الله حصلك أي شيء وملحقتيش تستنجدي بحد... احساسي أنا وقتها لو حصلك حاجة هيكون إيه؟ هعيش إزاي وأنا عارف إني سبتك للموت لحالك؟

كلماته كانت كالسياط. لم تهدئها بل فجرت ما تبقى من صمودها الهش. تطلعت إليه صبر بتساؤل. ووجهها الذي كان رمزًا للجمال الهادئ قد تحول إلى قناع من الألم والغضب. وعيناها تطلقان شررًا من القهر. وصوتها الذي كان منفعلًا قبل قليل هدأ فجأة ليتحول إلى نبرة جليدية قاطعة أكثر إيلامًا من أي صراخ: _عايزني أرجع لمين؟ للراجل اللي مهانش عليه حتى يتأكد من اللي حصل؟ اللي سمع الحديت وآمن به بكل سهولة. كانت كل كلمة تخرج منها كانت كطعنة

توجهها لذكرياتها المؤلمة: _دار ضهره ليا في لحظة. في لحظة واحدة نسى كل حاجة بينا. مفكرش حتى إن اللي سابها دي ورا ضهره لسه مراته وعلى ذمته. مفكرش يسأل "إنتِ كويسة؟ " أو "إيه اللي حصل؟ ". مفكرش للحظة واحدة إني ممكن أكون مظلومة. ارتفع صوتها مرة أخرى مشحونًا بمرارة سنوات من الكتمان: _عارف ده معناه إيه؟

معناه إني كنت حمل تقيل على جَلبه ومصدق لقى ليا غلطة عشان يخلص مني ويرميني. اللي يبيع بالسهولة دي واللي يصدق في مرته أي كلام من غير ما يواجهها... اللي زي ده مش هآمن على ابني معاه. أشارت إلى بطنها بيد مرتعشة ونظرتها أصبحت حادة كالشفرة: _ابني ده حتة مني. مش هسلمه لواحد ممكن في أي لحظة يرميه زي ما رماني. خليني بعيد أحسن. خليني أموت هنا لوحدي أرحم ألف مرة من إني أرجع أعيش في الكابوس ده تاني. أنا وابني هنكون بخير بعيد عنه.

أصبح مالك أمامها عاجزًا تمامًا. لقد استنزفت كل حججه ولم يتبقى أمامه سوى حطام امرأة تدافع عن كرامتها وطفلها بكل ما أوتيت من قوة. رأى في عينيها تصميمًا لا يلين وأدرك أن أي ضغط إضافي لن يؤدي إلا إلى انهيارها بالكامل. تنهد بعمق وهذه المرة كانت تنهيدة استسلام كامل وقال بصوت هادئ ومتعب: _خلاص يا صبر... خلاص حقك عليا. أنا آسف مش هضغط عليكي تاني. تابع بحذر كأنه يخشى أن تنفر منه مرة أخرى وقال بنبرة أكثر حنانًا

في محاولة لتهدئتها: _طيب اسمعي... عشان ابنك بلاش العناد ده. طالما مش عايزة ترجعيله يبقي تيجي معانا البلد. هتعيشي معانا في بيتنا ومحدش هيعرف بوجودك خالص. هتبقي في وسطنا وتحت عنينا نطمن عليكي وعلى اللي في بطنك. لكن صبر هزت رأسها بالرفض فورًا حتى قبل أن يكمل كلامه. قالت بصوت واهن لكنه حاسم: _لا يا مالك... مقدرش. وجودكم معايا لو عرفوا أكمل هيسبب لكم مشاكل أنتم في غنى عنها. مش عايزة أكون عبء على حد.

أغلق مالك عينيه للحظة يصارع إحباطه. لقد نفدت حلوله. فتح عينيه مرة أخرى ونظر إليها نظرة أخيرة مليئة بالشفقة والمسؤولية: _ماشي يا صبر. اللي يريحك طالما ده قرارك أنا هحترمه. ثم أضاف بنبرة لا تقبل النقاش ليؤكد لها أنها ليست وحدها تمامًا: _بس ده ميعنيش إننا هنسيبك. أنا وروح هنفضل نطمن عليكي كل يوم. أي حاجة تحتاجيها أي وقت. ليل أو نهار تتصلي بيا فورًا مفهوم؟ إحنا مش هنسيبك لوحدك مهما حصل.

أومأت صبر مجبرة عندما عاودها ذلك الألم بقوة أشد. ازدردت ريقها بصعوبة وحاولت أن تخفي ألمها: _إن شاء الله. كانت جدران غرفة نغم الأربعة تطبق على أنفاسها. كل ركن فيها يحمل ذكرى صامتة وكل قطعة أثاث شاهدة على عزلتها التي فرضتها على نفسها. كانت قد تحولت إلى شبح في منزل الرفاعي. جسد يتحرك بلا روح، وقلب ينبض فقط ليذكرها بألمه. دخلت وعد كشعاع شمس عنيد مصممة على اختراق هذه العتمة. جلست بجانبها وصوتها الحنون كان كقطرات

الماء على صخرة صماء: _قاعدة لوحدك ليه يا نغومة؟ الدنيا بره جميلة. لم ترد نغم. فعيناها كانتا تائهتين في الفراغ الذي يسكن روحها. _أنا وسند خارجين نشتري شوية حاجات لعدي. صمتت وعد للحظة ثم أمسكت بيد نغم الباردة وقالت بنبرة لا تقبل الرفض، نبرة أخت تخاف على أختها:

_وعشان خاطري عشان خاطر غلاوتي عندكِ، تاچي معانا. مش هقبل أي أعذار. حرام اللي بتعمليه في نفسك ده. إنتي بتدبحي روحك بالبطيء. لازم تشمي هوا. لازم عينيكي تشوف نور غير الضلمة اللي معيشة حالك فيها دي. قاومت نغم في البداية فكرة الخروج إلى العالم الخارجي. كانت مرعبة. فكرة مواجهة عيون الناس كانت كابوسًا. لكن إصرار وعد كان كالسيل يجرف أمامه كل دفاعاتها الواهية. تنهدت باستسلام مرير ووافقت، ليس رغبة منها بل يأساً من المقاومة.

"تمام، هغير وأجيلكم." قالت وعد بسعادة. "خلاص أنا هغير لعدي بسرعة وأسيبه مع أمي ونخرج براحتنا." في السيارة كان العالم يمر من خلال النافذة كشريط سينمائي باهت. ضحكات سند ووعد كانت كصوت قادم من عالم آخر، عالم لا تنتمي إليه. وصلوا إلى منطقة تجارية راقية تعج بالحياة والألوان والناس السعداء. كل هذا زاد من شعورها بالغربة. بعد أن انتهوا من شراء كل ما يلزم الصغير عدي، وبينما كانوا على وشك المغادرة، قالت وعد:

"فاضل إحنا وخلاص، أوعدك مش هنتأخر." حدث شيء غير متوقع. رغبة خافتة كشمعة ترتعش في مهب الريح في أن تشعر بأنها لا تزال موجودة، لا تزال أنثى. "تمام." لمعت عينا وعد بسعادة غامرة، كأنها حققت انتصاراً عظيماً. "يلا بينا." دخلا المحل الذي كان ينضح بالأناقة والرقي. وبينما كانتا تتجولان وسط الفساتين المعلقة كأعمال فنية، بعد قليل اقتربت منهما فتاة من العاملات بابتسامة مصطنعة.

"مساء الخير يا فندم، أعتقد الفستان ده هيكون مثالي على حضرتك." قدمت لها فستاناً بلون الزمرد الأخضر الداكن. كان تصميمه هادئاً، قماشه انسيابي ينساب كشلال، وقصته راقية ومحتشمة بشكل مذهل. لم يكن مجرد فستان، كان حقاً قطعة فنية. شعرت نغم بانجذاب غريب نحوه، كأنه يناديها.

أخذت الفستان ودخلت إلى غرفة القياس الواسعة ذات المرايا المتعددة. أغلقت الباب وللحظة ترددت، لكنها خلعت ملابسها وارتدته. عندما استدارت لترى نفسها في المرآة، توقفت أنفاسها. لم تكن هذه هي نغم الشاحبة كما يخبروها، بل كانت ملكة حزينة. كان الفستان يبرز كل جمالها الهادئ ويمنحها هالة من القوة والغموض، لكن الحزن دمر كل شيء جميل بها.

وفجأة سمعت صوت طرقات خافتة على الباب من الخارج. فتحت الباب من الداخل، ظناً بأنها وعد أو الفتاة التي تعمل به. تجمد جسدها وعاد الرعب القديم ليجتاحها. عندما استدارت لتجد جاسر يقف هناك يملأ المكان بهيبته، وقد دفع الباب وأغلقه خلفه، عازلاً إياها عن العالم. "أنت! صرخت بصوت مكتوم. "إيه اللي دخلك اهنه؟ بتراقبني؟

كانت نظرات جاسر نارية كجمرتين مشتعلتين تجول على جسدها وهي ترتدي الفستان الذي اختاره هو بنفسه وأرسله مع الفتاة. فكرة أنها دخلت هذا المكان وخلعت ملابسها وجربت فستاناً كانت كافية لتشعل نيران الجحيم في صدره. لكنه كبح جماح غيرته الوحشية بصعوبة، فهذا ليس وقتها. "دي الطريقة الوحيدة عشان أقدر أوصلك عشان أكون معاكي في مكان واحد من غير ما الدنيا كلها تكون بينا."

تراجعت للخلف خطوة خطوتين حتى التصق ظهرها البارد بالمرآة. لضيق المكان الذي رغم مساحته شعرت به ضيق. "مفيش كلام بينا، كل الكلام اتجال وخلص." اقترب منها وكل خطوة يخطوها كانت تزيد من ضيق المساحة وتجعل أنفاسها تتسارع. صوته خرج متحشجاً، يفيض بالشوق والألم الذي لم يعد قادراً على إخفائه. "كفاية يا نغم، كفاية بتعذبيني وبتعذبي حالك. ارجعيلي، ارجعي بيتك."

كانت كلماته كالمطرقة التي تهدم جدار اللامبالاة الذي بنته حول قلبها. قلبها كان يصرخ يتوسل إليها أن تستسلم، أن ترتمي في حضنه الذي هو وطنها الوحيد، مهما كان قاسياً. لكن عقلها كان سياجاً من الأشواك، يذكرها بكل لحظة ألم. "أرجع لمين؟ للراجل اللي حبسني وهددني؟ للراجل اللي كان كل همه يكسرني ويدوس على قلبي؟ أرْجع للراجل اللي إيده ملوثة بالدم؟ ضيق عينيه بحيرة وتابعت هي: "إيه نسيت السواق ولا من كترهم بتوه بينهم."

لاحت منه نظرة عتاب محاها سريعاً. "أنا اتغيرت يا نغم، اتغيرت. إنتي اللي غيرتيني. حبي ليكي خلاني إنسان تاني." ضحكت ضحكة مريرة خالية من الفرح. "لأ أنت زي ما أنت، جاسي، متملك، مبتفكرش غير في نفسك وفي اللي يرضي غرورك." "كنت، واتغيرت، وبقولك اديني فرصة أعوضك." نظرت إليه بعيون تجمعت بها الدموع وهي تتذكر ما فعله بها. "تعوضني؟ عن إيه ولا إيه؟ عن أبويا اللي دمه لسه في إيديكم؟

ولا عدي اللي كنتوا سبب في موته وسبتوه يتحرج قدام عينيا؟ ولا السواق اللي قتلته بإيديك ولا كأنك عملت حاجة أصل وجولتها بكل بساطة اه قتلته؟ ضربت على قلبه بقبضتها الواهنة. "ده مستحيل يعرف الحب لأنه عاش وسط ديابة ووحوش ميعرفوش يعني إيه حب. أنا بكرهك يا جاسر، بكرهك." مسك يدها التي تضربه بها وقال بقوة: "لا بتحبيني يا نغم، مهما حاولتِ تداري بس واضح قوي في عنيكي." صرخت به: "كذاب.... قاطعها بإصرار: "لأ مش كذاب... أدارها

لتواجه المرآة وقال بقوة: "بصي في عينيكي وشوفي مدى الحيرة اللي فيها. قلبك بيقول حاجة وعقلك بيقول حاجة تانية... أغمضت عينيها لا تريد أن ترى شيء. هذه طريقة أخرى كي يعذبها بها ولن تتركه ينجح في ذلك. شعرت بالاختناق، كأن جدران الغرفة الصغيرة تطبق عليها. لم تعد تحتمل قربه، لم تعد تحتمل هذا الصراع الذي يمزقها.

في لحظة يأس دفعته بكل ما أوتيت من قوة. تفاجأ جاسر بحركتها، بتمردها اليائس فراجع خطوة، كانت كافية. استغلت نغم هذه اللحظة، فتحت الباب وأسرعت بالهرب. ركضت خارج غرفة القياس والفستان الزمردي يعيق حركتها. جرت عبر المحل كنجمة هاربة تحت نظرات وعد المصدومة والعاملات المندهشات. لم تتوقف بل خرجت إلى الشارع المزدحم وهي لا ترى أمامها والدموع تعمي عينيها.

تلفتت حولها بهلع. لم تجد أثراً لسند أو وعد. شعور بالضياع التام اجتاحها. رأت سيارة أجرة تقترب فأشارت إليها بجنون. توقفت السيارة، فتحت الباب وركبت بسرعة وهي تلهث، وأغلقت الباب بقوة. "اطلع... اطلع بسرعة لو سمحت." انطلقت السيارة وأغمضت نغم عينيها تحاول أن تهدئ من روعها، أن تلتقط أنفاسها التي سرقها الرعب والمواجهة. "على فين يا هانم؟ تجمدت في مكانها. هذا الصوت...

هذا اللحن الخبيث الذي طاردها في أسوأ كوابيسها ليالي طويلة. فتحت عينيها ببطء ورعب ونظرت في مرآة السائق.

كان هو. نفس الوجه الكريه، نفس النظرة الدنيئة. السائق الذي كاد أن يعتدي عليها. فتحت فمها لتصرخ، لتأمره بالتوقف، لكنه هو من لمح وجهها في المرآة أولاً. تغيرت ملامحه في لحظة إلى الرعب المطلق، كأنه رأى شبحاً من الجحيم. ضغط على الفرامل بكل قوته حتى انحرفت السيارة وتوقفت بشكل مفاجئ وعنيف وسط الطريق وأصوات أبواق السيارات الأخرى تتعالى حولهما. التفت إليها والهلع الصافي يملأ وجهه. "إنتي؟! انزلي! انزلي من عربيتي!

لم تفهم سبب رعبه. كل ما أرادته هو النجاة. "وقف العربية بقولك! صرخ فيها بصوت يرتجف من الخوف والذكريات السيئة. "انزلي! منك لله خربتي بيتي. انتي والراجل ده دمرلي حياتي. انزلي بقولك." نزل من السيارة كالمجنون وفتح لها الباب، ثم قام بجذبها من ذراعها وأنزلها بعنف على الرصيف، ثم عاد إلى سيارته وانطلق بها بأقصى سرعة، هارباً منها كأنها الطاعون.

وقفت نغم على الرصيف والفستان الزمردي الفاخر قد تلوث بغبار الشارع، والناس ينظرون إليها باستغراب. لكنها لم تكن ترى أحداً. كانت تسمع فقط صدى كلمات السائق في أذنيها "خربتي بيتي... بهدلني... إذن... جاسر لم يقتله. لم يرتكب جريمة قتل كما أوهمها ليرعبها ويسيطر عليها. لقد عاقبه فقط، عاقبه بشدة، لكنه لم ينهي حياته.

في وسط صدمتها وفي قلب الشارع المزدحم، سقطت قطعة أخرى من الصورة التي رسمتها لجاسر في عقلها. قطعة غيرت كل شيء وكشفت لها عن حقيقة جديدة. حقيقة جعلت صراعها الداخلي أكثر تعقيداً وشراسة. فجأة توقفت سيارة سند ونزل منها هو ووعد بدهشة. "إيه يا نغم؟ إزاي تخرجي كده من غير ما تقولي." لم تجد نغم سوى حضن وعد ترتمي به. وأجهشت حينها بالبكاء.

كانت أروقة المحكمة تضج بالهمسات والدهشة. لقد فعلها جاسر التهامي مرة أخرى. كسب قضية سياسية مستحيلة. قضية كانت كل الأدلة فيها ضده، لكنه بذكائه ودهائه ومرافعته الأسطورية، قلب الطاولة على الجميع وخرج منتصراً.

سار جاسر خارجاً من قاعة المحكمة بوقار وثقة. خطواته محسوبة ورأسه مرفوع. كان المحامون المنافسون ينظرون إليه بحسد مرير، بينما كان فريقه يتبعه بابتسامات فخر وإعجاب. لم يكن يلتفت لأحد. كانت عيناه مركزتين على هدفه، وكأن هذه القضية الكبرى لم تكن سوى خطوة صغيرة في معركته الحقيقية. ما إن ابتعد عن الزحام ووصل إلى سيارته التي كانت تنتظره حتى أخرج هاتفه وأجرى مكالمة. تغيرت نبرته الباردة والواثقة إلى نبرة حادة وعملية.

"أنا خلصت. إيه الأخبار عندك؟ جاءه الرد من الطرف الآخر، فاستمع جاسر بصمت لعدة ثوانٍ وعيناه تراقب الشارع أمامه كصقر يراقب فريسته. "تمام، خليك مراقبها كويس. أول ما تخرج من باب السرايا... أول ما رجليها تطلع بره... عرفني فوراً. مش عايز أي غلطة." أغلق الهاتف وألقاه على المقعد بجانبه. لقد استنفد كل الطرق الأخرى. حاول بالمنطق، بالتنازل، بالرجاء، لكنهم رفضوا. لقد تركوا له الخيار الذي يجيده أكثر من أي شيء آخر: القوة.

لم يعد يهمه رأي أحد. لقد أعد كل شيء. اشترى شقة في القاهرة. شقة لا يعرف مكانها أحد سواه هو ورجاله المخلصين. ستكون هذه الشقة هي سجنهما الذهبي. سيخطفها، سيأخذها بعيداً عن أهلها، بعيداً عن كل من يعرفونه. سيجلبها إلى هنا حيث لن يكون لها مهرب. سيحاصرها بحبه، بجنونه، بشوقه. سيجعلها ترى جاسر الذي لم يره أحد من قبل. سيجعلها تفهم أنه لا يستطيع التنفس بدونها. سيجعلها بطريقة أو بأخرى، تحبه كما يحبها هو.

كانت خطة مجنونة، خطة يائسة، لكنها كانت خطته الوحيدة المتبقية. لقد قرر أنه لن يعيش يوماً آخر بدونها، حتى لو كان الثمن هو أن تصبح سجينة حبه إلى الأبد.

عاد مالك وروح إلى شقتهما، لكن الدفء والراحة اللذين غادرا بهما قد تبخرا تماماً، وحل محلهما صمت ثقيل ومشحون. ألقت روح بحقيبتها على أقرب مقعد، بينما اتجه مالك مباشرة إلى الأريكة وارتمى عليها بإرهاق، ووضع يديه على وجهه وكأن هموم الدنيا كلها قد تجمعت فوق رأسه. جلست روح بجانبه بهدوء ووضعت يدها على ظهره تربت عليه برفق. لم تتحدث بل منحته مساحة ليجمع أفكاره المشتتة.

بعد دقائق من الصمت أبعد مالك يديه عن وجهه وتحدث بصوت مرهق وكأنه يكلم نفسه أكثر مما يكلمها. _أنا مش عارف أعمل إيه يا روح... مش عارف. نظر إليها بعينين تائهتين تعكسان حجم الصراع الذي يدور بداخله. _اللي عملته ده غلط مينفعش أخبي حاجة زي دي على أكمل. ده مش أي حد ده أخويا اللي أبويا مخلفهوش. لو عرف في يوم من الأيام إني كنت عارف الحقيقة وسكت... هخسره وهيكون له حق. تنهد بعمق وأكمل بحيرة. _وفي نفس الوقت...

البنت دي شفتي كانت عاملة كيف؟ شفتي الرعب اللي في عينيها؟ حلفتني بأغلى حاجة عندي... حلفتني بيكي وباللي في بطنك إزاي أكسرها بعد كل اللي شافته؟ أمسكت روح بيده وضغطت عليها بحنان، كانت تشعر بألمه وحيرته. _أنا حاسة بيك يا مالك وخابرة إن موقفك صعب قوي. أنت بين نارين: يا تخسر صاحبك، يا تكسر وعدك لواحدة مظلومة. صمتت للحظة وكأنها ترتب فكرة بدأت تتشكل في ذهنها، ثم نظرت إليه بجدية. _بس يمكن فيه حل تالت.

رفع مالك رأسه ونظر إليها باهتمام. _حل إيه؟ اقتربت منه أكثر وقالت بصوت هادئ وذكي. _أنت مش هتخبي الحقيقة على أكمل... أنت هتخليه هو اللي يكتشفها بنفسه. عقد حاجبيه باستغراب. _كيف يعني؟ أكملت روح خطتها. _فرح أكمل وليلى بعد كام يوم صح؟ وصبر بتشتغل في محل فساتين. إيه اللي هيحصل لو "بالصدفة"... أكمل وليلى قرروا يروحوا المحل ده عشان ليلى تشتري فستان؟ اتسعت عينا مالك ببطء وهو يبدأ في فهم ما ترمي إليه.

_أنت مش هتقول لأكمل أي حاجة عن صبر أو عن الحمل. كل اللي هتعمله إنك هتقترح عليه ياخد خطيبته للمحل ده بالذات. هتقول له إن المحل ده حاجاته مميزة، وإن روح اشترت منه فستان وعجبها قوي. مجرد اقتراح بريء من صاحب لصاحبه. واصلت روح شرحها وعيناها تلمعان بالذكاء. _وساعتها أكمل هيشوفها بنفسه. هيشوفها وهي حامل هيتصدم، وهيتفاجئ وهيكون مجبر يواجهها ويسألها.

ولما يواجهها هي هتحكيله الحقيقة والحقيقة هتطلع، بس مش منك أنت. أنت هتكون بره الموضوع تمامًا. لا خبيت عليه ولا كسرت وعدك. أنت كل اللي عملته إنك دليتهم على محل فساتين. صمت مالك تمامًا وهو يستوعب دهاء الفكرة. كانت خطة مثالية، خطة ترفع عنه عبء كتمان السر وتجبر أكمل على مواجهة الحقيقة دون أن يكون هو من ألقاها في وجهه. نظر إلى زوجته بإعجاب ودهشة. _ساعات بحس إني متجوز محامية مش واحدة أخدت المعهد بطلوع الروح.

ابتسمت روح ابتسامة خفيفة. _أنا بس بحاول ألاقي مخرج لـ جوزي حبيبي من الحيرة اللي هو فيها. تنهد مالك براحة وشعر بأن جبلاً قد أزيح عن كاهله. لقد وجد الحل. حل ذكي ومحايد ويحفظ ماء وجه الجميع. أمسك بيدها وقبلها بامتنان. _ربنا يخليكي ليا يا روح. لولاكي مكنتش ها أعرف هعمل إيه. لقد أعطته زوجته خطة للخروج من المأزق والآن كل ما عليه فعله هو أن يزرع البذرة في عقل أكمل، وينتظر ليرى كيف ستنمو وتنفجر في وجه الجميع.

كانت ليلة هادئة في شقة مالك بالقاهرة. ليلة من تلك الليالي التي أصبحت تمثل السعادة المطلقة لـ مالك. كان يجلس على الأريكة المريحة في الصالة وروح مستقرة في حضنه، رأسها على صدره وذراعه تلتف حولها بحنان، بينما يده الأخرى تستقر برفق على بطنها المنتفخة، يتلمس من خلالها حركات ابنته التي لم تأت بعد والتي أصبحت بالفعل محور عالمه. كانا يشاهدان فيلماً رومانسياً على شاشة التلفاز الكبيرة.

لم يكن تركيزهم كاملاً على أحداث الفيلم بقدر ما كانا منسجمين مع وجودهما معاً، مع دفء اللحظة. كان مالك يميل كل بضع دقائق ليطبع قبلة حانية على رأسها أو جبينها، ثم يعود ببصره إلى الشاشة مستمتعاً بكل ثانية من هذا القرب. وصل الفيلم إلى ذروته العاطفية، البطل والبطلة بعد فراق طويل يلتقيان أخيراً في مشهد ممطر وتتعانق نظراتهما المليئة بالشوق، ثم تذوب المسافات بينهما في قبلة طويلة وعميقة.

في تلك اللحظة انحنى مالك وهمس في أذن روح بصوت مرح ومغر. _ما تيجي نعمل زيهم؟ ابتسمت روح ابتسامة ماكرة ورفعت رأسها لتنظر إليه متظاهرة بالموافقة التامة. _فكرة حلوة. لكن في لمح البصر وقبل أن يتمكن من الرد انتفضت من حضنه بخفة مفاجئة لا تتناسب مع حملها وبدأت تجري مبتعدة عنه وهي تضحك. _بعينك أنا تعبانة وعايزة أنام. ضحك مالك بصوت عالي مستمتعاً بروحها المرحة.

همت بفتح الباب والهرب داخل الغرفة وغلق الباب خلفها، لكنه نهض من مكانه بخفة، وفي خطوتين واسعتين كان قد وصل إليها وحاصرها بين ذراعيه من الخلف ورفعها قليلاً عن الأرض. قال وهو لا يزال يضحك وأنفاسه دافئة على عنقها. _بتفكري تهربي مني؟ مفيش مكان في الدنيا دي كلها ممكن تهربي فيه مني. أنزلها برفق وأدارها لتواجهه، وكانت عيناه تلمعان بالحب الصافي والشغف. _إنتي عالمي كله يا روح... وكل الطرق اللي فيه بترجعني ليكي.

لم تعد هناك حاجة للكلمات. مال نحوها، وأخذ شفتيها في قبلة بدأت رقيقة ومرحة، ثم سرعان ما تعمقت، لتصبح تعبيراً عن كل السعادة والامتنان الذي يشعر به لوجودها في حياته. كانت قبلة تحمل في طياتها دفء المنزل، وبهجة الضحكات، ووعداً بمستقبل أجمل بوجودها هي وابنتهما.

حملها بين ذراعيه ليأخذها معه إلى عالمه الخاص، عالم لا يسمع فيه سوى دقات قلبها، ولا يرى فيه سوى الحب في عينيها، عالم يؤكد له في كل مرة أن سعادته الحقيقية قد بدأت في اليوم الذي أصبحت فيه "روح" ملكه. في غرفة مالك وروح. طبع مالك قبلة حانية على جبين روح وهو ينتظر رد أكمل على الهاتف. وفي المحاولة الثانية أجابه أكمل بيأس. _أنت بتبقى قاصدها ولا بتيجي معاك كده؟ ضحك مالك وابتعد قليلاً عن روح. _معلش بقى أصل الموضوع مهم.

تحدث بجدية. _أنا مضطر أرجع بكرة الصعيد عشان روح محتاجة تنزل ضروري. بس متقلقش هنيجي على الفرح. نظر إلى روح التي تنظر إليه بترقب وغمز لها بعينيه. _دي حتى طلعت عيني لحد ما اشترت فستان تحضر به فرحكم. بس محل إيه تحفة لدرجة أنها حجزت فستان لليلى ليوم الحنة كهدية لها. بس البنت عايزة تاخد مقاس ليلى. _ليه بس؟ مكنش فيه داعي لكل ده. بعث مالك لروح قبلة في الهواء وهو يتابع مكره.

_يا سيدي دي هدايا ستات مع بعضهم. المهم في أقرب وقت تروح معاها تقيس الفستان، واطمن فلوسه اتدفعت خلاص. أغلق مالك الهاتف وعاد إلى روح التي كانت تبتسم بسعادة وانتصار. _ها؟ عجبتك. قال بفخر. _جدا. اقترب منها مرة أخرى بخبث. _طيب بما إني عجبتك فين المكافأة؟ زمت روح فمها بغيظ. _هو ده وقته؟ عايزين نطمن أكمل هيروح ولا لأ؟ تظاهر مالك بعدم الاهتمام.

_وأنا مالي. وبعدين احتمال كبير خطيبته متوافقش فبالتالي هيجبرها عشان أنا مزعلش تقوم خناقة بينهم وترفض بالعند. ظهر القلق على روح. _أنا خايفة قوي لأكمل فعلاً ياخد ابنه منها ويسيبها تاني. طمئنها مالك بثقة.

_لا متخافيش. أكمل عنيد صحيح بس مش هيقدر يحرمها من ابنها وخصوصاً أنه فعلاً بيحبها، بيحبها من قبل حتى ما يتجوزوا. جوازه منها مكنش بدافع لف الموضوع. أكمل لو مش عايزها مكنش فيه حاجة في الأرض هتجبره. أنا واثق إن وقت ما يشوفها هينسى كل حاجة. أومأت روح واطمأن قلبها على تلك الفتاة. في اليوم التالي. عاد مالك وروح إلى البلدة وقد شعرت بحنين جارف إلى الجميع.

كانت "نغم" تجلس في غرفتها، تحاول أن تقرأ كتاباً، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيها بلا معنى. كانت تحاول جاهدة أن تتأقلم على حياتها الجديدة، أن تقنع نفسها بأنها في المكان الصحيح وأن قرارها بالابتعاد عن جاسر كان هو الصواب، لكن الحقيقة كانت أقوى من كل محاولاتها. في لحظة ضعف أغلقت الكتاب وألقت به جانباً. وصورته كانت تتراقص أمام عينيها.

كانت تتظاهر بأنها لا تريده، لكن الحقيقة التي لا مفر منها أنها كانت تريده بكل جوارحها. اعترفت لنفسها أخيراً بالحقيقة المرة التي كانت تهرب منها. هي تحبه للأسف ورغم كل شيء اعترفت لنفسها بوضوح. هي تحب جاسر. تحب قسوته التي تخفي ضعفاً، وتحب نظرته التي كانت تخترقها، وتحب حتى جنونه بها. والأهم من كل ذلك تمسكه بها. وكلما تمسك بها كلما عاندت كي تستمتع بذاك التمسك. مع هذا الاعتراف، انهمرت دموعها بصمت، دموع حزن على حب مستحيل.

في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بهدوء ودخلت روح. ما إن رأت نغم أختها حتى مسحت دموعها بسرعة محاولة أن ترسم ابتسامة باهتة على وجهها. _روح! حمد لله على السلامة. أغلقت روح الباب وتقدمت من أختها تحتضنها بشوق. _وحشتيني قوي يا نغم. _وأنتِ كمان يا روح. اتقنت نغم اخفاء حزنها. لكن روح كانت قد رأت كل شيء فسألتها بقلق. _كنتي بتعيطي ليه يا نغم؟ فيكي إيه؟ هزت نغم رأسها نافية وهي تتجنب النظر في عيني أختها.

_لأ أبداً. مفيش حاجة يمكن بس عيني دخل فيها حاجة. أمسكت روح بيدها بحنان. _عليا أنا يا نغم؟ أنا أختك. أنا شايفاكي بقى لي فترة مش على بعضك. شايلة هم كبير لوحدك. احكيلي فضفضي معايا يمكن ترتاحي. نظرت نغم إلى وجه أختها الحنون، إلى عينيها المليئتين بالقلق الصادق. لم تعد قادرة على التحمل وحدها. انهار سد الكتمان الذي بنته حول قلبها. وقررت لأول مرة ان تعترف لنفسها ولأختها بما يشعر به قلبها.

_شوفت جاسر في المول وأنا مع سند ووعد. قطبت روح جبينها بحيرة. _جاسر؟ كان بيعمل إيه؟ أشاحت بعينيها ولم تستطع الرد. فهمت روح على الفور وسألتها. _كان جاي عشانك مش كده؟ ظلت نغم على صمتها فسألتها روح بجدية. _نغم أنا هسألك بس تجاوبيني بصراحة. أنتي بتحبي جاسر؟ أغمضت عينيها وتمنت أن تكون الإجابة كما يريد عقلها، لكن قلبها أراد أن يعترف وظلت حائرة بينهم. وعندما أعادت روح سؤالها هزت رأسها بحيرة.

وقالت بصوت مختنق وكأنها تعترف بذنب عظيم. _مش عارفة. _مفيش حاجة اسمها مش عارفة. يا أه يا لأ. أغمضت نغم عينيها ونظراته العاتبة لها في المشفى تكوي قلبها، وأومأت برأسها رغماً عنها. لم تتفاجأ روح. كانت تشعر بذلك، كل ما فعلته هو أنها شدت على يد أختها أكثر وأخذتها في حضن دافئ وتركتها تبكي وتخرج كل الألم المكبوت في صدرها. مر وقت طويل ونغم تبكي دون انقطاع، وروح تربت على كتفها تهدئ من روعها. بعد أن هدأت نغم قليلاً، ابتعدت

روح عنها وقالت بهدوء: _طيب، ومادام بتحبيه، ليه بتعذبي حالك وبتعذبيه معاكي؟ ليه مترجعيلوش وتديله فرصة؟ مسحت نغم دموعها وقالت بيأس: _أرجعله كيف؟ كيف يا روح؟ إنتي ناسية اللي بينا؟ بينا دم، بينا تار عمره سنين. ابوه قتل أبونا، وعدي مات بسببه وبسبب عيلته، إزاي ممكن نكمل مع بعض وكل ما أبص في وشه هفتكر كل ده؟ مش هينفع. نظرت روح إليها بعقلانية ومنطق.

_بس هو كمان خسر أبوه، والتار ده كان من زمان. إنتوا الاتنين ملكمش ذنب فيه. وبعدين... بصي لعمي سالم ومراته. اتسعت عينا نغم قليلاً. أكملت روح: _مش مرات عمك تبقى عمة جاسر؟ مش كان بينهم نفس التار ونفس الدم؟ ورغم كده حبوا بعض، واتجوزوا، وخلفوا، وعايشين أسعد حياة. الحب بتاعهم كان أقوى من أي تار. ليه حبكم إنتوا ميكونش زيهم؟ ليه متحاوليش؟ صمتت نغم. كانت حجة روح قوية ومنطقية.

لم تفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل، لقد كان أمامها مثال حي على أن الحب يمكن أن ينتصر على الكراهية. أضافت روح بنبرة أكثر حناناً: _جاسر بيحبك يا نغم، باين في عينيه، الراجل ده مستعد يعمل أي حاجة عشانك. يمكن لو اديتيه فرصة، لو اديتي نفسك فرصة، تقدروا تبنوا حياة جديدة بعيد عن الماضي. الحب بيغفر والحب بينسي. ظلت نغم صامتة تفكر في كلمات أختها. لقد زرعت روح في عقلها بذرة من الأمل، بذرة من التساؤل.

هل يمكن حقاً أن يكون هناك فرصة؟ هل يمكن للحب أن يكون أقوى من الدم؟ لم تجد إجابة، لكن للمرة الأولى منذ شهور، بدأت تفكر في إمكانية وجود طريق آخر غير طريق الرفض والابتعاد. استيقظ جاسر من نومه على صوت جرس الباب الذي كان يدوي بإصرار. فتح عينيه ببطء ونعاس، وتطلع في ساعته فوجدها العاشرة مساءً. كيف ظل نائماً حتى ذلك الوقت؟ لقد أغرقه الحلم في سبات عميق ومؤلم. عاد رنين الجرس ليدوي مرة أخرى، مما جعله يستاء من ذلك الطارق المزعج.

سار حافي القدمين وهو يحاول فتح عينيه، مرر يده في شعره المبعثر بضيق. من قد يأتي في هذا الوقت؟ فتح الباب بعنف وهو على وشك أن يصب غضبه على الطارق، ثم رفع وجهه... وتجمد. الكلمات ماتت في حلقه، الزمن توقف، كانت هي... تقف أمامه. أغمض عينيه بقوة وفتحهما مرة أخرى، يتأكد، يخشى أن يكون عقله قد بدأ في الهذيان، لكنها كانت لا تزال هناك، بنفس ملامحها التي يعشقها، بنفس نظراتها الحائرة. _نغم.

ردد اسمها بصوت متحشرج، صوت يخرج من بئر عميق من عدم الاستيعاب. كانت نظراتها مترددة تهرب من مرأى عينيه، تتجول في أي مكان إلا وجهه، وكأنها تخشى أن ترى رد فعله. للحظة ساد صمت مشحون بالكهرباء، صمت أثقل من كل الكلمات. ثم وكأن غريزة البقاء قد سيطرت عليه، تحرك جاسر في حركة خاطفة سريعة ويائسة جذبها من ذراعها إلى الداخل وأغلق الباب خلفها ثم خطفها إلى حضنه.

لم يكن حضناً عادياً، كان حضن رجل يائس وجد كنزه المفقود. لف ذراعيه حولها بقوة، بقوة تكاد تسحقها كأنه يحاول أن يدمجها بجسده، يخبئها من العالم، يمنعها من الاختفاء مرة أخرى. دفن وجهه في شعرها، يستنشق رائحتها التي لم تفارقه لحظة، الرائحة التي كانت تطارده في صحوته ومنامه. همس بصوت مرتعش وهو لا يزال لا يصدق: _إنتي حقيقية؟ ... أنا بحلم... صح؟

شعرت نغم بارتجاف جسده، بقوة مشاعره التي كادت أن تحطمها. لم تستطع المقاومة، لقد شلّها يأسه الواضح. _أنا بحلم باليوم ده بقالي أكتر من ست شهور. أكمل وهو يشدد من احتضانها. _كل ليلة كنت بحلم إنك بترجعي... والنهاردة... النهاردة الحلم اتحقق، مستحيل... مستحيل أسيبك تمشي تاني. ابتعد عنها قليلاً، فقط ليمسك وجهها بين كفيه الكبيرتين، وعيناه تتفحصان كل ملمح فيها بجوع كأنه يحاول أن يتأكد أنها ليست مجرد طيف.

ثم قبل أن تتمكن من نطق كلمة واحدة، مال نحوها وقبلها. كانت قبلة قوية وعميقة لكنها كانت هادئة في نفس الوقت. لم تكن قبلة قاسية أو عنيفة، بل كانت قبلة رجل خائف. خائف من أن يكون كل هذا مجرد حلم، وأن يوقظه صوت الجرس مرة أخرى ليجد نفسه وحيداً. كانت قبلة يروي بها عطش ستة أشهر من الجفاف، قبلة مليئة بالرجاء والشوق والألم.

بدأت نغم تتراجع قليلاً، غمرتها قوة مشاعره، لكنه شعر بتراجعها فضمها إليه أكثر وقضى على ترددها بقبلة أعمق، قبلة لم تترك لها مجالاً للتفكير أو المقاومة. عندما ابتعد عنها أخيراً، كان كلاهما يلهث. نظر في عينيها مباشرة وقال بنبرة لا تقبل الجدال، نبرة رجل استعاد ملكيته الأثمن: _إنتي مش هتمشي من هنا تاني. تطلعت إليه بعتاب جارف، وصوتها يخرج مهزوزاً ومبحوحاً من فرط المشاعر المكبوتة. _بس أنت جرحتني...

تطلع بلوعة إلى عينيها وكأن كلمتها سكين اخترقت قلبه من جديد. تمتم بصدق بعهد يقطعه على نفسه في تلك اللحظة. _هداويكي... هزت رأسها والدموع تتجمع في عينيها، ترفض أن تصدق أن الشفاء بهذه السهولة. _أنت كسرتني... شدد من قبضته على يديها كأنه يحاول أن يلملم شظاياها المتناثرة. _همحي كسرتك من الوجود... تذكرت ليالي الوحدة والخوف والظلام الذي أحاط بها. _دخلتني ضلمتك... نظر في عينيها مباشرة وعيناه تلمعان بوعد صادق. _هكونلك النور...

تذكرت قسوته كلماته التي كانت كالسياط. _أنت قسيت عليا... انحنى ووضع جبهته على جبهتها وأنفاسه الحارة تلفح وجهها. _هبقى حنيتك... كانت كل كلمة منها سهماً من الألم، وكل كلمة منه كانت ضمادة ووعداً بالشفاء. كانت حرباً بين ماضيها الموجع ومستقبله الذي يصر على بنائه معها من جديد، من فوق حطام الأمس. لم ينتظر ردها حملها بين ذراعيه فجأة فتشبثت به نغم بشكل غريزي ودفنت وجهها في تجويف عنقه تستنشق رائحته التي اشتاقتها حد الألم.

كانت حركة مفاجئة لكنها لم تكن عنيفة بل كانت مليئة باليأس والحاجة، كغريق يتمسك بآخر طوق نجاة. اتجه بها مباشرة إلى غرفة نومه، إلى عالمه الخاص الذي رفض أن يدخله أحد غيرها طوال تلك الشهور. لقد عادت ملكته إلى عرشها، وهذه المرة سيغلق عليها أبواب مملكته ولن يسمح لها بالرحيل أبداً.

وضعها برفق على سريره لكنه لم يبتعد ظل ينظر إليها وعيناه تتجولان على وجهها بنهم، كأنه يحاول أن يحفظ كل تفصيلة كل رمشة عين كل شهقة خافتة خرجت من بين شفتيها. لم يكن هناك حاجة للكلام كانت لغة العيون أبلغ من أي حوار. كانت عيناه تحكي قصة ليالي طويلة من الأرق والندم، وعيناها تروي حكاية الوحدة والألم والخذلان. مد يده ببطء وبأطراف أصابعه المرتجفة، أزاح خصلة شعر شاردة عن جبينها.

كانت لمسته ناعمة كالحرير، لكنها كانت تحمل في طياتها كهرباء أشعلت قشعريرة في جسدها. همس بصوت أجش صوت رجل يستجدي الغفران دون أن ينطق بكلمة اعتذار. _وحشتيني... وحشتيني لدرجة كنت بحس فيها إني بموت كل يوم من غيرك. أغمضت نغم عينيها واستسلمت للحظة لقد تعبت من المقاومة، تعبت من القوة المصطنعة. لأول مرة منذ شهور، شعرت بالأمان شعرت بأنها عادت إلى وطنها، حتى لو كان هذا الوطن هو من جرحها ونفاها. انحنى أكثر وقبلها مرة أخرى.

لكن هذه المرة كانت القبلة مختلفة لم تكن قبلة الشوق اليائسة عند الباب، بل كانت قبلة بطيئة حنونة، وعميقة. قبلة تذوب فيها كل الحواجز، وتتلاشى معها كل الكلمات. كانت قبلة تروي قصة حبهما المعقدة قصة الألم والشفاء، الفراق والعودة. ابتعد عنها قليلاً وظلت شفاهه تلامس شفتيها، وأنفاسهما الحارة تمتزج معاً. _الليلة دي... مفيش ماضي، ومفيش بكرة فيه بس إحنا.

لم ترد لكنها فتحت عينيها ونظرت في عمق عينيه وفي تلك النظرة، وجد إجابته وجد الاستسلام ووجد الشوق، ووجد بداية جديدة تولد من رحم الألم. وفي تلك الليلة لم تكن هناك كلمات بل كانت هناك فقط لغة الأرواح التي وجدت طريقها لبعضها البعض من جديد، في حضن الظلام الدافئ. فتح جاسر عينيه فجأة. كان قلبه يخفق بعنف وأنفاسه متقطعة وجسده يتصبب عرقاً.

للحظة ظل مستلقياً يشعر بدفئها بجانبه، ورائحتها لا تزال تملأ أنفه مد يده بلهفة ليتلمسها، ليحتضنها مرة أخرى... لكن يده لم تلمس سوى الملاءات الباردة والفارغة. انتفض جالساً في السرير ونظر حوله في حالة من الذعر. كانت الغرفة هادئة ومظلمة لكنها كانت غرفته في شقته بالقاهرة. لم تكن هناك نغم لم يكن هناك أثر لوجودها. لقد كان كل شيء... مجرد حلم. حلم حي حقيقي، ومؤلم لدرجة لا تطاق.

أطلق صرخة مكتومة مليئة بالألم والقهر، وضرب بقبضته على السرير بجانبه المكان الذي كانت فيه قبل ثواني ثم أسند رأسه بين يديه وشعر بدموع حارقة، دموع رجل محطم تتجمع في عينيه للمرة الأولى منذ سنوات. لقد كان الحلم ألذ من أي حقيقة، وكانت الصحوة أقسى من أي كابوس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...