في غرفة الطعام بمنزل الرفاعي، كان الصمت ثقيلاً، كالهواء قبل العاصفة. كان مالك يراقب عدي وروح بنظرات حادة كالصقر. كانت روح قد بنت حول نفسها جداراً من الجليد، تتحدث بكلمات مقتضبة وتتجنب النظر إلى زوجها الذي كان وجهه ملتصقاً بهاتفه، يتفحصه كل بضع دقائق بعينين زائغتين كأنه ينتظر حكماً بالنجاة أو الهلاك. فجأة نهض مالك وحركته المتعمدة كسرت الجمود. "أنا رايح مشوار."
قال بصوت جهوري، ليس مجرد إعلان بل أمر واقع فرض نفسه على الجميع. سأل والده، وقد شعر بثقل نبرة ابنه. "على فين يا ولدي في وقت زي ده؟ "رايح لأكمل صاحبي، هقعد معاه شوية في بيته." كذب مالك ببرود وثقة، وهي كذبة محسوبة لإخفاء وجهته الحقيقية. لم يكن ذاهباً إلى صديق، بل كان ذاهباً إلى الحرب. ألقى نظرة خاطفة نحو روح، نظرة لم تدم أكثر من ثانية لكنها
حملت مجلدات من المعاني: وعد صامت بالحماية وتأكيد بأنه لن يتركها فريسة للظروف. ثم استدار وخرج بخطوات ثابتة، تاركاً خلفه جواً مشحوناً بالترقب. بمجرد أن أغلق باب سيارته خلفه، تحول وجهه إلى قناع من التركيز القاتل. لم يتجه إلى منزل أكمل، بل انطلق كالصاروخ نحو أطراف البلد، إلى منطقة يعرفها جيداً حيث تتوارى الأسرار وتعقد الصفقات بعيداً عن الأعين. وصل إلى منزل متواضع لكنه نظيف، منزل أم فرح، الخادمة السابقة في منزل التهامي.
التي أيضاً تدين بالولاء المطلق لعائلة الرفاعي. عندما توفى زوجها ورفض صخر أن يتكفل بتكاليف دفنه وفعلها سالم. وابنتها فرح تعمل حالياً مكانها. طرق الباب طرقات خفيفة ومميزة، فتحت له المرأة العجوز على الفور، وكأنها كانت تتوقعه. "مالك بيه! يا ألف أهلاً وسهلاً، اتفضل يا ابني." قال باحترام يخفي عاصفة من الإصرار. "معلش يا خالة أم فرح، مش هقدر أدخل." "أنا عايز منك خدمة، وخدمة صعبة."
نظرت إليه المرأة بعينيها اللتين رأتا الكثير، وأدركت أن الأمر يتجاوز مجرد طلب عادي. "اؤمر يا ابني، رجبتي سدادة." اقترب مالك وهمس بصوت خافت لكنه حاد كالشفرة. "عايزك تسأليلي... لم يعرف كيف يخبرها، فعدل حديثه. "عايز أشوف فرح عشان أعرف كل حاجة عن بنت اسمها نغم في بيت التهامي." "تقصد نغم بنت عمك؟ اندهش مالك وسألها. "انتي عرفتي منين؟ ردت أم فرح. "لإن أبوك سبقك وطلب ده من فرح، وفرح بتوصله كل حاجة أول بأول." اندهش مالك حقاً.
فوالده الذي كان يظن أنه تخلى عنها، بدوره كان يتحرك في صمت. نظر لأم فرح وقال. "لأ، أنا اللي عايز أعرف كل حاجة، وبلاش توصلوا لأبويا." أخرج مالك رزمة سميكة من المال ووضعها في يدها. حاولت الرفض، لكنه أمسك بيدها وأغلقها على النقود. "أرجوكي خلي فرح تكلمني في أسرع وقت." ترك لها رقم هاتفه، ثم عاد إلى سيارته، لكنه لم يغادر. أخرج هاتفه الذي كان أداة عمله وسلاحه في نفس الوقت.
بدأ بإجراء سلسلة من الاتصالات السريعة والموجزة، كقائد عسكري يصدر أوامره في ميدان المعركة. اتصل على أحد الأرقام الذي بعثه له أكمل ليساعده في مراقبة السرايا. "أستاذ هيثم... "أنا مالك الرفاعي." "عايزك تخترق لي شبكة الكاميرات في المنطقة المحيطة بقصر التهامي، مش عايز نقطة عمياء واحدة." "وأي سجلات مكالمات أو تحركات إلكترونية مشبوهة من أي شخص من عيلة التهامي، توصلني فوراً." بعد مناوشات كثيرة،
أنهى اتصالاته وألقى الهاتف بجانبه. لم يعد مجرد فرد من عائلة الرفاعي، بل تحول إلى كيان مستقل، قوة ضاربة تتحرك في الظل. لقد أدرك أن مواجهة آل التهامي وجهاً لوجه ستكون انتحاراً، لكن خنقهم بشبكة من الضغط المالي والقانوني والمعلوماتي هو الطريق الوحيد. لم يكن يسعى لإنقاذ نغم فحسب، بل كان يبني حصاراً حول أعدائه، طوبة فوق طوبة، حتى ينهار حصنهم من الداخل. نظر إلى ظلام الليل أمامه، وابتسم ابتسامة باردة. لقد بدأت اللعبة للتو.
*** بعد انتهاء وجبة الإفطار الصامتة، نهض جاسر من على المائدة. لم يتحدث، بل أشار بعينيه فقط إلى نغم أن تتبعه. كانت إشارة باردة وآمرة لا تحتمل الرفض. فهمت نغم الإشارة ونهضت كظل له وتبعته بهدوء جليدي إلى خارج غرفة الطعام. سار بها عبر الردهة الفاخرة، وخطواته الواثقة تدوي على الرخام المصقول، بينما خطواتها كانت خافتة تكاد لا تسمع.
توقف في بهو القصر الرئيسي، الذي كان يتسع ويتألق كقلب نابض من الكريستال والذهب تحت ثريا ضخمة بدت كشمس متجمدة. وقف في المنتصف، وتفحص المكان بنظرة مالك متفحص لممتلكاته، ثم استدار إليها ببطء. قال بصوت هادئ لكنه كان يحمل ثقل الأمر والسيطرة، صوتاً لا يعلو عليه في هذا المكان. "شايفة كل ده؟ "ده واجهة بيتي... واجهة قوة عيلة التهامي." "ومينفعش ضيف ييجي ويلاقي فيه ذرة غبار."
"ومادام أنتي مرتي، يبقى لازم يكون المكان ده على مزاجي." "والخدم دول... شغلهم مش عاجبني." عقدت نغم حاجبيها باستفهام صامت، لا تفهم إلى أين يرمي. لم يكن هناك خادم واحد في الأفق. أكمل، وعيناه كالصقر مثبتتان عليها، تشرحان رد فعلها كعالم يراقب حشرة تحت المجهر. "من النهاردة أنتي اللي هتشرفي على كل حاجة بنفسك." "مش بس تشرفي... أنتي اللي هتشتغلي بيدك." "أنا أمرت الخدم كلهم ياخدوا إجازة مفتوحة من الجناح ده."
صمت للحظة ليعطي كلماته وقعاً أكبر، وليجعلها تستوعب عزلتها الكاملة. أشار إلى الأعلى. "الثريا الكريستال دي." "عايزها بتلمع كيف الشمس، هتطلعي وتنضفيها بيدك قطعة... قطعة." اتسعت عينا نغم قليلاً بالصدمة. الثريا كانت ضخمة ومعلقة على ارتفاع شاهق، تنظيفها يتطلب سلماً عالياً، ومجهوداً بدنياً شاقاً وخطير. لم تكن مهمة لامرأة، بل لعمال متخصصين. تابع دون أن يعطيها فرصة للرد، وصوته يقطر سادية هادئة.
"وبعد ما تخلصي كل التحف والتماثيل دي، هتتلمع واحدة واحدة، والأرضيات الرخام دي... عايز أشوف وشي فيها، مش عايز ولا خدش ولا بقعة تراب." كانت أوامره ليست مجرد طلبات للعمل، بل كانت خطة مدروسة للإذلال المطلق. كان يريد أن يراها تتعرق، تتعب، تتسخ، أن يحولها من "نغم الرفاعي" الهانم إلى خادمة وحيدة في قصره الشاسع. كان يريد أن يكسر كبرياءها من خلال تحطيم جسدها بالإرهاق، وأن يثبت لنفسه أنها لم تعد سوى شيء من ممتلكاته.
كان يتوقع منها أن تعترض، أن تصرخ، أن ترفض. كان ينتظر منها أي رد فعل ليستخدمه ضدها، ليقول لها ببرود: "ألم تقبلي بشروطي؟ هذا هو ثمن وجودك هنا." لكن نغم فاجأته مرة أخرى. نظرت إلى الثريا الشاهقة، ثم إلى التحف اللامعة، ثم إلى الرخام الممتد كبحر من الجليد، وأخيراً إليه. لم يكن في عينيها تحدي ولا غضب، ولا حتى خوف أو يأس. كان فيهما قبول بارد، وفراغ تام ومخيف. "حاضر."
قالتها بكلمة واحدة، بصوت مستوي وخالي من أي شعور، ثم استدارت واتجهت نحو غرفة الخدم لتبحث عن أدوات التنظيف والسلم، دون أي كلمة إضافية، وكأنها آلة تلقت برمجتها للتو. وقف جاسر في مكانه، يشعر بمزيج غريب من الانتصار المطلق والفراغ المرير. لقد أطاعت، وهذا انتصار ساحق، لكنها أطاعت بطريقة سلبته لذة هذا الانتصار. لم تمنحه رده الفعل الذي أراده، لم تتوسل، ولم تتذمر.
لقد قبلت الإهانة وكأنها شيء عادي، وكأن روحها قد ماتت بالفعل ولم يعد هناك ما يمكن كسره. أدرك في تلك اللحظة أن معركته معها قد تغيرت، لم تعد معركة لكسر الكبرياء، فالكبرياء قد تبخر. لقد أصبحت معركة لإعادة إشعال أي شيء... أي شعور... حتى لو كان الألم الصريح. لأنه أدرك أن فراغها هذا وصمتها، وقبولها المطلق هو أقوى سلاح تملكه ضده الآن. لقد تحولت إلى شبح في قلعته، شبح يطيعه لكنه لا يراه أبداً.
وهذا كان أكثر إثارة للجنون من أي تمرد صاخب. كان يتوقع منها أن تنهار، أن تتوسل، أن تصرخ بأنها لا تعرف، بأن هذا مستحيل. كان ينتظر منها أي شرارة تمرد ليطفئها بقسوة، ليقول لها: "هذا مكانك هنا، مجرد خادمة." لكن نغم فاجأته مرة أخرى، وكسرت انتصاره. *** وصل أكمل إلى شقته في القاهرة وهو يجر جسده وروحه.
كان إرهاق السفر الطويل يثقل جفنيه، لكن القلق الحقيقي الذي كان ينهش روحه هو صورة جده، الرجل الذي تركه وحيداً في الصعيد، والذي يمثل كل ما هو أصيل في حياته. لم يكد يلقي بجسده المنهك على الأريكة ويغمض عينيه، حتى رن هاتفه بنغمة مخصصة لها، كانت ليلى. تنهد بعمق، وجمع ما تبقى من طاقته ليرد. جاء صوتها عاتباً وحاداً، يخلو من أي قلق حقيقي، ومليئاً بالاستياء الأناني. "أكمل أخيراً! كل ده عشان ترد عليا؟
أنا كنت هموت من القلق عليك، نزلت ستوري إني قلقانة والكل بيسألني." رد بصوت متعب، بالكاد يخرج. "معلش يا ليلى، كنت في الطريق والدنيا كانت صعبة ومفيش شبكة." قالت بإصرار لم يراعي تعبه، وكأنها لم تسمع كلماته. "طيب بما إنك وصلت بالسلامة، لازم أشوفك النهاردة، وحشتني جداً. وحجزت لنا في 'لا سييل'، لازم نحتفل برجوعك." حاول الاعتذار، فالذهاب لمطعم فاخر هو آخر ما يريده الآن. "ليلى، أنا مهدود وعايز أنام... قاطعته بحسم.
"لأ يا أكمل، أنا مجهزة نفسي ولابسة ومستنياك، مش معقول تكسفني لتاني مرة، نص ساعة وتكون عندي." استسلم في النهاية، مدركاً أن المقاومة ستفتح باباً للجدال لا يطيقه. بعد ساعات قليلة، كان يجلس أمامها. كانت جميلة وأنيقة كعادتها، ترتدي فستاناً بأكمام قصيرة، رافضة الرضوخ لطلبه بألا ترتدي مثل تلك الملابس وتضع مكياجاً متقناً. لكن أكمل شعر بأن هناك شيئاً مختلفاً، أو ربما هو الذي نزع عن عينيه الغشاوة وبدأ يرى الأمور على حقيقتها.
بدأت الحديث بحماس، وهي تلتقط صورة لهما قبل أن تلتفت إليه. "تصدق يا حبيبي امبارح كنت قاعدة مع شيرين ومي، صحباتي كانوا بيقولولي لازم تخلي بالك من أكمل، مركز وكيل النيابة ده مش أي حد بياخده، والمستقبل قدامه كبير، دي حاجة ترفع الراس بجد." ثم ضحكت ضحكة رنانة ومصطنعة. حسيت بغيرتهم وهما عاملين نفسهم بينصحوني، شيرين بتقولي إن البنات هيموتوا عليك. ابتسم أكمل ابتسامة باهتة شعر فيها بطعم المرارة.
أكملت وهي تمسك بيده فوق الطاولة، وأظافرها المطلية بعناية تضغط على جلده: بصراحة يا أكمل، أنا طول عمري كنت بحلم أتجوز راجل له مكانته، له هيبته يعني مش أي حد والسلام والحمد لله ربنا رزقني بيك أنت البراند بتاعي اللي بتباهى بيه. شعر أكمل وكأن دلواً من الماء المتجمد قد سُكب فوق رأسه. كلمة "براند" ظلت تدوي في أذنيه. حاول أن يكتم انفعاله وقال: شكلهم لو شافوني باللبس الصعيدي مش هيقولوا كده. وأنت إيه اللي هيوديك الصعيد؟
حياتك هنا، ملكش حد هناك. رفع حاجبيه مندهشاً: وجدي... تركت يده وأسندت ظهرها على ظهر المقعد: ماله جدك؟ هو عايش حياته هناك ومبسوط بيها، أنت اللي مصر تروح هناك وبتسيب شغلك عشانه وده اسمه تهور. قال بصوت هادئ ومبحوح: تهور؟ إني أروح أطمن على جدي اللي ملوش غيري في الدنيا بقى اسمه تهور؟ حاولت تدارك الموقف بسرعة عندما رأت نظرته المتغيرة، لكنها زادت الطين بلة: لأ طبعاً مش قصدي، قصدي يعني...
لازم توازن، متخليش عواطفك تأثر على مكانتك وصورتك قدام الناس، أنت وكيل نيابة يا أكمل، يعني أي غلطة محسوبة عليك، السفر المفاجئ ده ممكن يتفسر غلط، ممكن يقولوا مش متحمل المسؤولية، لازم تحافظ على منصبك ده بكل قوتك، ده تذكرتنا لحياة تانية خالص. في تلك اللحظة، رأى أكمل ليلى على حقيقتها لأول مرة. لم تكن تحبه هو، أكمل الإنسان، بكل تعقيداته وجذوره، كانت تحب "أكمل بيه وكيل النيابة". الواجهة الاجتماعية اللامعة.
كانت تحب المنصب، الهيبة والمستقبل الواعد الذي يمثله. جده، عائلته، أصله... كل هذا كان في نظرها مجرد "عواطف" و"تهور" يعيق مسيرة "البراند" الذي استثمرت فيه. شعر بغربة شديدة وكأنه يجلس مع شخص لا يعرفه. لقد عاد من الصعيد تاركاً خلفه حباً أصيلاً، نقياً، وغير مشروط متمثلاً في تجاعيد وجه جده وقلقه الصادق، ليجد في انتظاره في القاهرة حباً مزيفاً مشروطاً بالمنصب والمكانة الاجتماعية.
انطفأت آخر بقايا الدفء في عينيه، وحل محلها برود جليدي. أكمل الغداء وهو يستمع إليها تتحدث بحماس عن خططهما المستقبلية، عن الشقة التي تريدها في "الكومباوند"، وعن نوع المدعوين الذين يجب أن يحضروا حفل زفافهما. كان جسده حاضراً، لكن عقله وروحه كانا يخططان في صمت لإعادة تقييم كل شيء في حياته، وأول قرار اتخذه بصمت هو أن هذه المرأة لن تكون جزءاً من مستقبله الحقيقي. ***
كانت نغم تقف على درجات السلم الخشبي العالية، جسدها الصغير يتمايل بخفة مع كل حركة. كانت تمسك بقطعة قماش مبللة، وتمررها ببطء ومنهجية على كل واحدة من كريستالات الثريا الضخمة. لم تكن تنظر إلى الأسفل، حيث كان جاسر يقف، يراقبها كصقر يراقب فريسته. مرت ساعة، ثم ساعتان. العرق يتصبب من جبينها وذراعاها ترتجفان من الإرهاق. كانت المهمة شاقة وخطيرة، مصممة لإجبارها على الصراخ، على طلب المساعدة، على التوسل.
لكنها لم تفعل. كانت صامتة. حركاتها آلية، وعيناها فارغتان. نفد صبر جاسر من هذا الصمت، من هذا الاستسلام الذي كان أشبه بالهزيمة له. مش عاجبني. قال ببرود. لسه فيه تراب، انزلي وغيري الماية واطلعي تاني من الأول. لم تلتفت إليه. أكملت مسح الكريستالة التي في يدها، ثم بدأت في النزول ببطء بنفس الهدوء القاتل. مرت من أمامه وكأنه غير موجود، واتجهت لتغيير الماء. هذا التجاهل، هذا الانصياع الخالي من أي عاطفة كان يثير جنونه.
تبعها إلى حيث كانت تفرغ الدلو. مبتسمعيش لما بكلمك؟ أمسك بذراعها ولفها لتواجهه. رفعت عينيها إليه، كانتا صافيتين، خاليتين من أي شعور. لا غضب، لا كراهية، لا خوف، لا شيء. قالت بصوت هادئ: سمعت وهعيد الشغل تاني. ضيق عينيه بشك ولم يعد يفهم سبب ذلك الاستسلام. لم ترفض شيء أمرها به. وكلما ضغط عليها كلما اطاعته. سألها بشك: إيه؟ إيه سبب الاستسلام ده؟ اومال فين نغم الرفاعي... "ماتت."
قالتها ببساطة كأنها تذكر حقيقة علمية. وتابعت بهدوء مزيف يخفي خلفه عاصفة مدمرة: أهلها قتلوها، وأنت دفنتها. اللي واقفة قدامك دي مجرد واحدة بتنفذ أوامرك عشان تسيبها في حالها. عايزني ألمع الثريا عشر مرات، هلمعها. عايزني أمسح الأرض مية مرة، همسحها. بس متتوقعش مني أي حاجة تانية لأني خلاص... كانت كلماتها كصفعة جليدية. لقد اعترفت بهزيمتها، لكنها في نفس الوقت سلبته كل متعته في النصر.
لقد أراد أن يكسر روحها، لكنه وجد أنها مجرد قوقعة فارغة. أراد أن يشعل فيها النار، لكنه وجد كومة من الرماد البارد. ترك ذراعها ببطء، ونظر إليها وهي تعود لتملأ الدلو من جديد، وكأن هذا الحوار لم يحدث. أدرك برعب أن أقسى أنواع العذاب التي خطط لها لن تؤثر فيها. كيف تعذب شخصاً لا يشعر بشيء؟ كيف تكسر شخصاً محطماً بالفعل؟ لأول مرة منذ أن بدأ هذه اللعبة، شعر جاسر بالهزيمة. لم يهزمها، بل هزمته هي بفراغها.
لقد فاز بالمعركة لكنه خسر الحرب، لأنه اكتشف أن الجائزة التي قاتل من أجلها... لم تعد موجودة. *** مر يومان آخران في منزل التهامي على نفس المنوال. جاسر يصدر أوامر شاقة ومهينة، ونغم تنفذها بهدوء آلي كأنها آلة لا روح فيها. كان يراقبها وهي تنظف الجناح الواسع، أو تصعد للأعلى كي تضع الملابس تحت الشمس الحارقة، أو تلمع شيء في ساعة متأخرة من الليل. كان ينتظر منها أن تنهار، أن تبكي، أن تصرخ... لكنها لم تفعل.
هذا الصمود السلبي، هذا الفراغ في عينيها، كان يستنزفه هو أكثر مما يستنزفها. لقد أصبح سجيناً لرد فعلها الذي لا يأتي أبداً. في مساء اليوم الثالث، وبعد أن أنهت نغم ترتيب مكتبه الضخم دون أن تنطق بكلمة، وقبل أن تخرج، أوقفها صوته فجأة. استني. توقفت وأعطته ظهرها، تنتظر الأمر التالي. بكرة الصبح... حضري نفسك. قال بنبرة مختلفة، نبرة لم تسمعها من قبل، فيها شيء من القرار الحاسم الذي يغير مسار الأمور.
لم ترد، فاستدارت لتنظر إليه بعينيها الفارغتين، في انتظار بقية الأمر. كانت هذه هي المرة الأولى التي يتغير فيها تعبير وجهها منذ أيام. ظهرت لمحة خفيفة من الارتباك في عينيها. لماذا؟ هنروح المركز، تجيبي هدوم بدل الهدم اللي بتلبسيها دي. لم يكن هذا هو السبب الحقيقي. السبب الحقيقي هو أنه أدرك أن هذا القصر، بكل أدوات التعذيب النفسي التي فيه، لم يعد يؤثر عليها. لقد تحصنت داخل فراغها.
ربما كما فكر، إذا أخرجها من هذا المكان، إذا تمر أمام بيئة مختلفة، غريبة وصاخبة، قد يتصدع هذا الجدار الجليدي الذي بنته حول نفسها. لقد كانت خطوة يائسة ومحاولة أخيرة منه لاستعادة السيطرة على اللعبة، وإيجاد طريقة لإعادة "نغم" التي يريد كسرها، لا الشبح الذي أصبحت عليه. *** عاد مالك في المساء إلى منزل الخادمة السابقة، أم فرح. كان قلبه يخفق بقلق وترقب. هذه المرة وجد ابنته "فرح" قد عادت من عملها في منزل التهامي.
كانت فتاة صغيرة في مقتبل العمر، تبدو عليها علامات الإرهاق والخوف. جلسا في غرفة متواضعة، وأم سعيد تحوم حولهما بقلق. خير يا مالك بيه؟ سألت فرح بصوت خافت، وهي تتجنب النظر في عينيه مباشرة. أمي جالتلي إنك عايزني. قال مالك بنبرة هادئة ليطمئنها: أيوة يا فرح، أنا عارف إن طلبي صعب، وممكن يعرضك للخطر، بس أنتي أملي الوحيد، عايز أعرف كل حاجة عن نغم، كل حاجة. ارتبكت فرح وقالت: بس والدك جاني من فترة وطلب مني نفس الطلب.
حتى جاسر بيه عرف ومتكلمش معاي، زي ما يكون مش فارق معاه. ضغط مالك على قبضته بغضب. وتابعت فرح بتأثر حقيقي: الوضع صعب جوي يا بيه، أصعب مما أي حد يتخيل. جاسر بيه... بيعاملها بجسوة متتوصفش، بيخليها تشتغل شغل الخدم بإيدها. تنضف وتلمع وتشيل وتحط، وبيرفض حد يساعدها. انقبض وجه مالك من الألم والغضب. وهي... هي عاملة إيه؟ بترد عليه؟ بتقاوم؟ هزت فرح رأسها بأسى:
هي دي المشكلة يا بيه، مبتعملش أي حاجة واصل، ساكتة، بتنفذ كل أوامره وهي ساكتة. عينيها فاضية، كأنها مش هنا، كأنها بتموت بالبطيء قدام عنينا كلنا. لقد كان جاسر يلعب بهم جميعاً. إذا لم يكن يكتفي بتعذيب نغم، بل كان يستخدم هذا التعذيب ليعذب والده عن بعد، مستمتعاً بعجزهم وقهرهم. كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر مالك. شعر بغضب عارم ورغبة في القتل. أخرج من جيبه هاتفاً صغيراً، ووضعه على الطاولة أمام فرح. قال بصوت مصمم: ده...
ده لنغم، عايزك تديهولها بأي طريقة. جوليها ده من مالك. وجوليها إني مش هسيبها. وإني هعمل أي حاجة عشان أخرجها من الجحيم ده. بس أنا محتاج أسمع صوتها. محتاج أتكلم معاها وأطمن عليها بنفسي. نظرت فرح إلى الهاتف بخوف. دي مخاطرة كبيرة يا بيه، لو جاسر بيه عرف... مش هيعرف. قاطعها مالك بحزم. أنا واثق فيكي يا فرح، أنتي الوحيدة اللي تقدري توصليلها، أرجوكي.
نظرت فرح إلى وجهه المليء بالألم والرجاء، فهزت رأسها بموافقة صامتة، وأخذت الهاتف وخبأته في ملابسها. بعد ذهابه، أخرجت هاتفها من جيبها وقالت: أيوه يا بيه، لسة ماشي دلوقت وعملت زي ما جولتلي. ... أيوه، واداني تليفون أدهولها. ... تحت أمرك يا بيه.. *** كانت نغم تمسح الغبار عن الكتب في مكتب جاسر الضخم. لم تكن مجرد عملية تنظيف، بل كانت هروباً. كل كتاب تمسحه، كل رف ترتبه، كان يبعدها عن التفكير في واقعها المر.
كانت رائحة الورق القديم والجلد أهون عليها من رائحة سجنها الذهبي. فتح الباب بهدوء ودخلت الخادمة فرح، وفي عينيها نظرة شفقة لم تستطع إخفاءها. ست نغم، العشا جاهز، جاسر بيه والكل مستنيين على السفرة. نظرت نغم إلى الطاولة التي لا تزال مغطاة بالأتربة، وقالت بصوت هادئ ومنهك دون أن تلتفت: لسة مخلصتش، خليهم ياكلوا هما. حاولت فرح الإصرار برفق: بس يا ست هانم... قاطعتها نغم بنبرة حادة لم تعتدها على نفسها، نبرة ولدت من رحم القهر:
جولتك لسة. تراجعت فرح، وتأثرت بشدة لحالها. هذه الفتاة التي كانت "هانم" في بيت أهلها، التي كانت تخدم ولا تُخدم، أصبحت الآن تقوم بعمل الخدم في بيت زوجها، بل وترفض حتى أن تجلس معهم على مائدة واحدة. خرجت فرح بصمت وقلبها يعتصر ألمًا عليها. على مائدة العشاء كانت المائدة تجمع العائلة في صمت متوتر. جاسر يجلس على رأس الطاولة كملك على عرشه. عن يمينه أمه، وعن يساره مكان نغم الفارغ.
وقبالته عمه صخر وبجانب صخر جلست زوجته، ثم شروق التي كانت ترمق مكان نغم الفارغ بنظرات تشفي. وصلت فرح إلى غرفة الطعام، ووقفت بتردد. "جاسر بيه، ست نغم بتجول إنها مش هتتعشى لسة بتنضف المكتب." قبل أن يرد جاسر، تحدثت شروق بصوت عالٍ فيه نبرة شماتة واضحة. "أحسن أصلاً الواحد مبيعرفش ياخد راحته في الأكل وهي جاعدة مكانها الطبيعي مع الخدم مش وسطينا."
ساد صمت جليدي فجأة تجمدت الشوكة في يد صخر، بينما نظرت زوجته إلى شروق نظرة حانقة. أما ونس، فأغلقت عينيها في استياء صامت. لم يرفع جاسر عينيه عن طبقه. أكمل قطع اللحم ببطء شديد وهدوء مخيف. ثم وضع الملعقة بجانب طبقه بدقة متناهية، وأصدر صوته المعدني على الصحن صدى كطلقة رصاص في الصمت المطبق. رفع رأسه ببطء، ولم ينظر إلى شروق، بل وجه نظره الحادة كالصقيع إلى عمه صخر مباشرة.
"علم بنتك الأصول يا عمي، علمها إمتى تتكلم، وإمتى تسكت." تجمد صخر في مكانه كانت كلمات جاسر الهادئة تحمل إهانة وسلطة مطلقة، تتجاوزه لتصل إلى ابنته وكأنه هو المسؤول عن خطئها. تدخلت زوجة صخر، محاولة الدفاع عن ابنتها وتصويب الموقف من وجهة نظرها. "وإيه الغلط اللي قالته يا جاسر؟ أنت نفسك عاملها خدامة في البيت، وسايبها تنضف بدل ما تقعد ويانا." هنا، استدارت نظرات جاسر الحارقة نحوها.
لم يرفع صوته، بل تحدث بنبرة جليدية قاطعة، كل كلمة فيها تفرض قانونًا لا يمكن كسره. "مراتي هنا لخدمتي أنا وبس، أنا اللي أقرر تشتغل إيه، وتاكل إمتى، وتنام فين. هي تحت رحمتي أنا، مش تحت رحمة أي حد تاني في البيت ده." ثم أضاف، وعيناه تتنقلان بين شروق وزوجة عمه، في تهديد واضح ومباشر. "أنا جبتها هنا عشان أذل بيها أهلها، مش عشان أخليكم تتسلوا بإذلالها.
محدش فيكم ليه حكم عليها، محدش يوجه لها كلمة، ولا يأمرها بحاجة، ولا حتى يتنفس في وشها من غير إذني. اللي هيعمل كده، هعتبره بيتدخل في شؤوني الخاصة... وبيتح تحداني." كانت كلماته الأخيرة بمثابة إعلان حرب على أي شخص يفكر في تجاوز حدوده. أمام قوة جاسر المطلقة، لم يستطع صخر أن ينطق بحرف لقد ألجمه ابن أخيه تمامًا، وأشعره بصغر حجمه أمام الجميع. كل ما فعله هو أن نظر إلى ابنته نظرة غاضبة، بينما طأطأت زوجته رأسها في صمت مهين.
نهض جاسر من على الطاولة، وقال بصوت لا يقبل النقاش وهو ينظر إلى فرح التي كانت ترتجف في مكانها. "الكلام ده هعيده تاني." ثم استدار وغادر غرفة الطعام، تاركًا خلفه جوًا من الخوف والإذلال، ومؤكدًا للجميع حقيقة واحدة: نغم قد تكون سجينته، لكنها "ملكيته الخاصة"، وهو الوحيد الذي يملك مفتاح هذا السجن.
ما إن نهض جاسر وغادر غرفة الطعام كإعصار هادئ، حتى وضعت أمه ونس منديلها على الطاولة ونهضت بهدوء لتلحق به، تاركة وراءها جوًا مشحونًا بالصمت والإهانة. في اللحظة التي اختفيا فيها، استدارت شروق نحو أبيها صخر، وعيناها تطلقان شررًا من الغضب والاستياء. لم تعد تهمس، بل تحدثت بصوت عالٍ ومرير. "عجبك كده؟ شوفت بيدافع عنها كيف قدام الكل؟ بيهزأني أنا عشان خاطرها! لم يرد صخر على الفور.
كان ينظر إلى الكرسي الفارغ الذي كان يجلس عليه جاسر، وشعر ببرودة تسري في أوصاله، لم تكن المشكلة في دفاع جاسر عن زوجته، بل في الطريقة التي فعل بها ذلك. الطريقة التي ألجمه بها هو شخصيًا، وأمر "عمه" بأن يؤدب ابنته. لقد شعر بأن كل شيء يفلت من بين يديه. جاسر لم يعد ذلك الشاب الذي يأتمر بأمره ويستشيره في كل صغيرة وكبيرة. لم يعد مجرد امتداد لسلطته، لقد كبر... كبر كثيرًا، وأصبح يرى نفسه فوق الجميع، حتى فوقه هو.
تدخلت زوجة صخر، وهي لا تزال تشعر بمرارة الإهانة، وقالت بصوت حاد. "زودها قوي يا صخر لازم تحط له حد. كيف يتكلم معاي بالطريقة دي؟ ده نسي نفسه خالص، لازم تفكره بمكانك، وتعرفه إنك لسه كبير العيلة." أخذ صخر نفسًا عميقًا، وأعاد الملعقة إلى مكانهما ببطء شديد، كأنه يحاول السيطرة على غضب يغلي بداخله. رفع رأسه، وفي عينيه كانت هناك نظرة قاسية ومظلمة، نظرة رجل أُهين في عقر داره وقرر أن يستعيد سلطته بأي ثمن.
لم ينظر إلى زوجته أو ابنته، بل ظل يحدق في الكرسي الفارغ، كأنه يتحدث إلى جاسر نفسه. "هيحصل." صمت للحظة، ثم أكمل بنبرة هادئة ومخيفة، نبرة تحمل وعدًا بالانتقام. "وهيحصل قريب... قريب قوي." أدركت زوجته وشروق أن الأمر لم يعد مجرد خلاف عائلي. لقد تحول إلى صراع على القوة والنفوذ.
صخر لن يسمح لابن أخيه بأن يسلبه مكانته وسلطته التي بناها على مدار سنوات والهدوء الذي يتحدث به الآن، هو هدوء الصياد الذي يراقب فريسته، وينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض. لقد دقت ساعة المواجهة بين العم وابن أخيه. *** عادت نغم إلى الجناح، خطواتها ثقيلة بالكاد تحملها لقد انتهت أخيرًا من تنظيف المكتبة وغرفة المعيشة الملحقة بالجناح، تاركة كل شيء يلمع تحت الأضواء الخافتة.
أغلقت الباب خلفها، واستندت عليه للحظة مغمضة عينيها، شعرت وكأنها ركضت لمسافات طويلة دون توقف. سارت نحو السرير وجلست على حافته، وشعرت بكل عضلة في جسدها تصرخ من الألم. ظهرها يؤلمها من الانحناء، وذراعاها ترتجفان من الإرهاق، نظرت إلى يديها كانتا حمراوين ومتعبتين. لم تكن معتادة على مثل هذا المجهود البدني الشاق، كل ما كانت تحتاجه الآن هو أن تغمر جسدها بالماء الدافئ وتنام، ربما لدهر كامل.
لم تكد تنهض لتتجه إلى الحمام، حتى سمعت طرقة خفيفة على الباب، تلتها دخول ونس، والدة جاسر. كانت تحمل صينية فضية تفوح منها رائحة طعام شهي. تحركت ونس بخطواتها الهادئة وابتسامتها الدافئة التي لم تفارق وجهها، ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة بجانب الأريكة. "قلت لفرح تسيبك ترتاحي، وأنا اللي هطلعلك العشا." نظرت إليها نغم بتعب. "مليش نفس، شكراً. أنا بس عايزة أرتاح."
جلست ونس بجانبها على السرير، ومدت يدها بحنان ومسحت على ظهر نغم المتألم كانت لمستها كبلسم، لمسة أم حنون تدرك حجم التعب الذي تشعر به. "كيف يعني ملكيش نفس؟ وشك بقى قد كده، مش هينفع تفضي من غير أكل، جسمك مش هيستحمل." تنهدت نغم، وشعرت بأن مقاومتها تتلاشى أمام هذا الحنان غير المتوقع. "الشغل كتير قوي، وتعبانة." قالت ونس بنبرة لوم رقيقة، لكنها موجهة لابنها الغائب.
"خابرة يا بتي، خابرة ربنا يهديه بس لحد ما يهديه، لازم تاكلي عشان تجدري تقفي على حيلك. أنا مش هقدر أساعدك في شغل البيت عشان جاسر ميقولش إني بتدخل، بس محدش يقدر يمنعني أهتم بأكلك وصحتك." نهضت ونس، وأمسكت بيد نغم وسحبتها برفق نحو الطاولة. "يلا، كلي لقمة واحدة بس عشان خاطري أنا اللي طبختهالك بإيدي."
نظرت نغم إلى وجه السيدة الطيب، وإلى عينيها اللتين تحملان قلقًا حقيقيًا. في تلك اللحظة لم ترى فيها والدة عدوها، بل رأت فيها أمًا. شعرت بقلبها يدفأ قليلاً، وبدمعة امتنان تتجمع في طرف عينها. أومأت برأسها بصمت، وجلست أمام الصينية. بدأت تأكل ببطء، ليس لأنها جائعة، بل لأنها لم ترد أن تكسر خاطر هذه السيدة التي أصبحت تمثل لها النقطة المضيئة الوحيدة في هذا الظلام الحالك.
وقفت ونس بجانبها، تتابعها بنظرات راضية، وهي تربت على شعرها بحنان، وكأنها تحاول أن تعوضها بلمساتها عن قسوة ابنها وجبروت هذا العالم الجديد الذي أُلقيت فيه. *** كانت طاولة العشاء في منزل آل الرفاعي تبدو وكأنها مسرح مقسوم إلى نصفين، كل نصف يعرض مسرحية مختلفة تمامًا. على أحد الجانبين، وضعت وعد الطعام في طبق سند وهي تقول بود به بعض الخجل. "دوق البطاطس دي وجولي رأيك، أنا اللي عملتها.
هتعجبك لإني خابرة إنك بتحبها بالطريقة دي." ابتسم سند بود مماثل. "كفاية إنك تعبتي حالك وعملتيها، كله زين." ابتسمت وقلبها يرقص فرحًا من هذه الكلمة البسيطة التي كانت تعني لها العالم. على الجانب الآخر من الطاولة، كان الصقيع هو سيد الموقف. كانت روح تجلس بجانب عدي، الذي كان يضع هاتفه بجانب طبقه، ووجهه لأسفل، يتفقده كل بضع ثواني. قالت والدته محاولة كسر الجليد. "عدي، الأكل هيبرد سيب التليفون ده من إيدك وكل."
رفع عدي عينيه للحظة، نظرة فارغة مرت على الجميع دون أن تستقر على أحد. "باكل يا أمي." قال بحدة طفيفة ثم عاد ليحدق في طبقه، يأكل ببطء دون أي اهتمام. حاولت روح أن تخلق جسرًا للتواصل، أن تحصل على فتات الاهتمام الذي تراه عند وعد. "الأكل عاجبك يا عدي؟ سألت بصوت ناعم، فيه رجاء خفي. لم يرفع رأسه، فقط قال كلمة واحدة، جافة، وقاطعة. "كويس."
شعرت روح بوخزة الإهانة. "كويس" هذه كانت أبرد من صفعة على وجهها، نظرت خلسة إلى سند ووعد مرة أخرى. كانا يتهامسان الآن حول شيء ما بصوت خافت. شعرت بحرقة في صدرها. لم تكن غيرة، بل كانت حسرة، حسرة على الحلم الذي يموت أمام عينيها كل يوم. أخيرًا لاحظت ليل شيء منذ رحيل ابنتها وسألت روح. "مالك يا روح يا بتي؟ مش بتاكلي ليه؟ أجابت وابتسامة باهتة على وجهها ثم التفتت إلى عدي مرة أخرى، في محاولة يائسة أخيرة.
"باكل يا أما، الحمد لله... عدي، ممكن تناولني الملح؟ مد يده وأخذ المملحة ووضعها أمامها بقوة طفيفة دون أن ينظر إليها، ثم عاد ليمسك بهاتفه مرة أخرى. هنا، لم تعد روح تحتمل. لقد أصبحت شفافة تمامًا من مجرد كرسي فارغ بجانبه. نظرت إلى مالك الجالس في الجهة المقابلة، والذي كان يراقب المشهد كله بصمت. التقت أعينهما للحظة، فرأت في عينيه الشفقة، وهذا زاد من شعورها بالمهانة. هي لا تريد الشفقة، هي تريد حياة.
وضعت الملعقة بهدوء بجانب طبقها الذي لم تمس نصفه. "الحمد لله." قالت بصوت مسموع، لكنه كان خاليًا من أي تعبير. قالت والدتها بقلق. "إيه يا بتي؟ ملحقتيش تاكلي." "شبعت يا أما، الحمد لله." وقفت، وسحبت كرسيها بهدوء. عن إذنكم، حاسة إني مصدعة شوية وهطلع أرتاح. قال سالم بقلق: خير يا بتي ألف سلامة. حاولت الابتسام فخرجت باهتة: مفيش يا عمي برد بسيط. سألت وعد بلطف حقيقي: أطلع معاكي يا روح؟ هزت روح رأسها:
لأ خليكي أنا هبجى زينة تصبحوا على خير. قالتها للجميع، لكن عينيها لم تتجها ناحية عدي، الذي لم يرفع رأسه من هاتفه حتى ليودعها. صعدت الدرج، وكل خطوة كانت تثقل قلبها أكثر. سمعت صوت ضحكة خافتة من الأسفل، ربما من سند ووعد كانت ضحكة بريئة لكنها سقطت على روحها كقطعة من الجمر. دخلت غرفتها وأغلقت الباب، واستندت عليه وأغمضت عينيها بقوة، لتمنع الدموع التي تهدد بالهطول.
لقد أدركت في تلك اللحظة أنها لا تعيش في جحيم صاخب، بل في فراغ بارد وهذا كان أشد إيلامًا. في اليوم التالي.. كان جاسر واقفًا أمام الشرفة الواسعة لمكتبه، يراقب ظلام الحديقة بالخارج ويداه في جيوبه. لم يلتفت عندما سمع صوت الباب يفتح، فقد كان يتوقع دخولها. دخلت فرح بارتباك واضح، ووقفت تنتظر أن يتحدث. الصمت في حضرة جاسر كان دائمًا ثقيلًا ومخيفًا.
بعد لحظة استدار جاسر ببطء، وكانت عيناه حادتين كالعادة سألها مباشرة بصوته الهادئ الذي لا يخلو من الأمر: التليفون اللي ادهولك مالك... معاكي؟ أومأت فرح برأسها بسرعة، وقالت بصوت خافت: أيوه يا بيه. أخرجت الهاتف الصغير من جيبها ومدت يدها لتعطيه له، لكنه لم يأخذه. بدلا من ذلك، أشار برأسه نحو الأعلى: اطلعي إديها التليفون هي لوحدها دلوجت. صمت للحظة ثم أضاف بنبرة تحذيرية واضحة، وكأنه يقرأ أفكارها:
ومتعرفيهاش إني عارف حاچة ولا تجيبي سيرة. سحبت فرح يدها بسرعة، وهي تضم الهاتف كأنه جمرة من نار. فهمت على الفور أنها مجرد رسول في لعبة أكبر منها بكثير. حاضر يا بيه اللي تأمر بيه. أومأ لها جاسر إيماءة قصيرة كإذن بالانصراف، ثم استدار مرة أخرى نحو الشرفة، عائدًا إلى مراقبة مملكته المظلمة. خرجت فرح من المكتب، وقلبها يدق بقوة لم تكن تفهم ما يحدث، لكنها
كانت متأكدة من شيء واحد: هذا الهاتف ليس مجرد هاتف، بل هو طُعم، أو فخ أو ربما كلاهما معًا. وجدت فرح الفرصة المناسبة وجدت نغم وحيدة في غرفتها للحظات قليلة، بينما كانت أم جاسر في الأسفل. دخلت فرح بسرعة وأغلقت الباب خلفها. ست نغم. همست بسرعة، وهي تتقدم نحو نغم التي كانت تجلس على حافة السرير، تحدق في الحائط. التفتت نغم إليها ببطء، بعينيها الفارغتين: عايزة حاچة يا فرح؟ أيوه يا ستي. قالت فرح وهي تخرج الهاتف الصغير
من ملابسها وتمد يدها به: ده... ده ليكي. نظرت نغم إلى الهاتف دون أن تفهم: من مين؟ من مالك بيه. قالت فرح بحماس خافت: أني جابلته امبارح هو جلجان عليكي جوي. جالي أجولك إنه مش هيسيبك، وإنه هينقذك من هنا. هو بس عايز يكلمك، عايز يطمن عليكي بصوته. كانت فرح تتوقع أن ترى بصيصًا من الأمل في عيني نغم، دمعة فرح، أي رد فعل لكنها لم تجد شيئًا. نظرت نغم إلى الهاتف في يد فرح، ثم رفعت عينيها الباردتين إلى وجهها: مالك.
نطقت الاسم وكأنه من لغة غريبة لا تعرفها. أيوه يا ست هانم ابن عمك شكله بيعزك جوى وخايف عليكي. ارتسمت شبه ابتسامة ساخرة ومريرة على شفتي نغم، كانت أول تعبير يظهر على وجهها منذ أيام، وكانت أكثر إخافة من فراغها. بيعزني؟ قالت بهدوء جليدي وهي تنظر إلى الهاتف في يد فرح بنظرة تحمل مزيجًا من الشفقة والازدراء. رجعي التليفون ده لصاحبه، وجوليله... جوليله نغم ماتت وخليه ينسى إنه كان له بت عم بالاسم ده.
استدارت واتجهت نحو الشرفة، وأعطتها ظهرها، كإعلان بنهاية الحديث. وقفت فرح في مكانها، والهاتف في يدها يبدو ثقيلًا كالجمر. لقد أتت تحمل الأمل، لكنها واجهت بجدار من اليأس والرفض القاطع. كان جاسر يستمع من خارج الغرفة بحيرة. لما رفضت تلك الفرصة؟ كان يظن أنها ستتشبث بها ويكون بصيص أمل لها. وعندما وجد فرح تخرج من الغرفة أشار لها بأن تنسحب. أومأت بهدوء ودلف هو للداخل فيجدها جالسة على الأريكة التي تستخدمها كملاذ لها.
كانت شاحبة منطفئة، لم تعد تلك الفتاة التي تملك ثقة العالم بنفسها وبأهلها بل أصبحت منطوية ومنكسرة. والعجيب في الأمر بأنه لم يشعر بلذة الإنتصار. تقدم منها يسألها: چاهزة؟ هزت له رأسها وكأنها تعلم بوجوده. لن تقبل تلك المرة. مش النهاردة. نهضت لتدلف المرحاض تاركة إياه ينظر في أثرها بنظرة حائرة. غداء اخر اكثر فتور مع ليلى، عاد أكمل منه إلى شقته وهو يشعر بخيبة أمل عميقة. لم يعد يرى مستقبله معها بنفس الوضوح.
كان يجلس في شرفة شقته، يفكر في جده، وفي مالك، وفي كل هذه الفوضى، عندما رن هاتفه كان رقمًا غريبًا. تردد في الرد، ثم رد. ألو؟ أكمل بيه؟ جاءه صوت رجل حذر. أيوه، مين؟ جنابك متعرفنيش بس اني خابرك زين، انت حفيد الحچ قاسم. انتفض قلب أكمل وسأله بلهفة: ماله جدي في حاجة؟ رد الرجل مسرعًا: هو كويس يا بيه، متقلقش. أنا اسمي فواز، بشتغل عند ناس ليهم علاقة بآل التهامي. مالك بيه طلب مني أراقب الأمور من بعيد وأعرف أخبار الست نغم.
شعر أكمل بقلبه ينقبض. وعرفت حاجة؟ صمت الرجل للحظة، وكأنه يختار كلماته. الوضع صعب يا بيه صعب جوي الست هانم... بيعاملوها أسوأ من الخدم. جاسر بيه بيخليها تشتغل بإيدها شغل محدش يستحمله، بيحاول يكسرها بكل طريجة. أغمض أكمل عينيه بألم كان يتوقع هذا. أكمل فواز بصوت أكثر انخفاضًا وحذرًا: بس ده مش المهم. المهم... إن فيه حاچة تانية حصلت. حاچة كبيرة. قال أكمل بنفاد صبر: حاچة إيه؟ اتكلم! همس الرجل: صخر التهامي... عم جاسر.
الخدامين اللي جوه بيجولوا إنه... إنه اتهجم على الست نغم في أوضتها وهي لوحدها محدش عارف إيه اللي حصل بالظبط، بس من يومها والست هانم بجت واحدة تانية خالص بقت زي اللي روحها مسحوبة منها. سقطت الكلمات على أكمل كالصاعقة شعر بغضب عارم وبغثيان يجتاحانه صخر... هذا الوحش. لقد تجاوز كل الخطوط. لم يعد الأمر مجرد ثأر أو إذلال، لقد أصبح انتهاكًا شنيعًا. أنت متأكد من الكلام ده؟ سأل أكمل بصوت متحشرج.
زي ما أنا متأكد إني بكلمك يا بيه. الخبر ده متكتّم عليه جوه القصر، بس الخدامين شافوه وهو طالع من أوضتها وكان سكران طينة والست أم جاسر من يومها مبتسيبهاش لحظة واحدة. سأله أكمل فطنة: وانت ليه مقولتش لمالك، ليه بتكلمني انا. عشان لما احلف إني مجلتش لحد من الرفاعية ابجى صادج. لم يعد يستطيع الوقوف متفرجًا لقد تحولت القضية من قضية عائلية إلى قضية جنائية. نظر من شرفته إلى أضواء القاهرة، لكنه لم يعد يراها.
كل ما كان يراه هو وجه نغم، ووجه صخر التهامي. وفي تلك اللحظة، اتخذ قرارًا. لم يعد أكمل صديق العائلة، بل أصبح "أكمل وكيل النيابة". وهذه المرة، لن يستخدم منصبه ليحافظ عليه كما تريد ليلى، بل سيستخدمه ليحقق العدالة، مهما كان الثمن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!