يقود سيارته بسعادة جديدة تستحوذ عليه بعد أن رآها بعينه أمامه. منذ أشهر وهو يراها عبر الهاتف فقط، يصورها له من كُلف بحمايتها ومراقبتها ويرسل له جميع خطواتها. أما هو، فكان يتعامل مع الأمور بمنتهى الحذر والذكاء حتى لا يُعرف بأمرها. كان يسيطر على غضبه بقوة عشر رجال حتى لا يُقبض على عنق رجال ميشيل الذين أيدوا قراره في تفجير المسجد وعدم الاستثمار في مصر. حيث كان مقتنعاً أن حلفاؤه لن يروق لهم الأمر.
هم يريدون فقط عملية سريعة تشفي غليلهم، والأهم أنهم يريدون الخائن الذي بلغ عن رجالهم. لذا وجد من يؤيد قراره من رجاله وليس العائلة. فجميعهم يريدون بعد صقر، وإن اتيحت لهم الفرصة فهم يريدون تصفيته، ولكن يقيدهم ميشيل وانتباه صقر. لهذا تولى هو مهمة البحث عن الخائن. ولسخرية القدر، فالجميع اقتنعوا بأنه الوحيد القادر على جلب الخائن وتصفيته أمامهم. لهذا عندما سأله بيدرو بتوتر وهو جالس في مكتبه: –ماذا ستفعل سيدي؟
وكيف سنحصل على خائن؟ ضحك صقر وهو ينفث دخان سيجارته، واضعاً ساقاً فوق أخرى غير مبالياً بما يدور حوله، ثم قال بثبات واعتداد: –جميعنا خونة يا بيدرو، نحن لسنا ملائكة. لذلك قم بتصحيح جملتك واحذف كلمة "كيف" من قاموسك إذا أردت الاستمرار معي. والآن ابحث لي عن أكثر رجالنا سعياً للمهام، أكثرهم إجراماً. جدهُ بطريقة ذكية ودون إثارة شكوك.
تحرك بيدرو بعدها ليبحث عن هذا الخائن، لربما كان رجلاً لم يخن، ولكن جرائمه السابقة ستؤهله لهذا الغرض. أما ميشيل، الذي أخبر حلفاؤه عن أمر تفجير المسجد، والذين اعتبروه أمراً مثيراً للسخرية، فهذا لن يسبب فتنة طائفية بين الديانتين كما يعتقد، بل سيجلب تعاطفاً مع الشعبين وهذا ما لا يريدونه. لذا عليه البحث عن عملية أكثر قيمة من هذه. فوقته ينتهي وهم لا يمزحون.
وقبل ذلك، عليه تصفية الخائن في أسرع وقت، وإلا سيفقد صلاحياته هو وعائلته وسيكون هناك عقاب لا يفضله أبداً. استغرق أمر البحث عن خائن أياماً عدة كي يتم تمثيل الحجة بشكلٍ جيد. لذلك حرص صقر على إيجاد رجلٍ قوادٍ كان له عداوة مع رجلٍ ممن فجروا الكنيسة، ووجد أن هذا أنسب اختيار. كان ميشيل ينتظر بفارغ الصبر تصفية هذا الخائن، علّ حلفاؤه يتغاضوا عن أمر العملية الصعبة التي يريدونها. فهو لا يتقبل أبداً فكرة صقر في عودته إلى مصر.
يخشى تلك العودة، ومعه كل الحق في خشيتها. فعودة صقر إلى مصر واختلاطه بأهله ربما أزاحت قليلاً المظلة التي وضعها ميشيل على عقله، لسنوات وسنوات وهو يسعى لبنائه بشكلٍ قاسٍ عنيف، كاره للدين والوطن والخير. لذلك عليه البحث عن خطة بديلة، ولن يسمح لوحش العودة أن يهاجمه. أما رجلهُ الذي كلفه بحمايتها والذي اختاره بعناية، ينقل له كل ما يخصها. لم يترك تفصيلة صغيرة حتى، يتبعها كظلها، ومع ذلك لم تلاحظه.
فإن لاحظته ربما باتت حياته على المحك. وصله خبر وفاة والدها. لا يعلم لماذا أحس أنه ود لو رآها في تلك اللحظة، ود لو ضمها إليه، ود لو تولى كل شيء عنها. ولكن قبل أن تستحوذ عليه تلك العواطف، تراجع على الفور، يعود لجموده وقسوته وهو على قناعة أنها يجب أن تواجه موت غالي كي تقوى وتصبح أقسى في مواجهة الأيام، مثله تماماً. وبالفعل، وبعد أيام، تم تصفية الخائن المزعوم أمام عائلة موراكو، وأرسل فيديو تصفيته إلى حلفائهم.
ولكن ضاع ظن ميشيل هباءً حينما طالبوه بالعملية التي ينتظروها أمام الجميع. لذلك قرر داروين شقيقه إلقاء عرض صقر عليهم فجأة دون إخبار ميشيل. فلن يضحي بالعائلة مقابل أوهام شقيقه. أخبرهم بالعرض الذي سلب عقولهم لثوانٍ، وقرروا التفكير فيه. وبعد المزيد من الوقت، قبلوا العرض المثمر بالنسبة لهم، هادمين كل طموح ميشيل.
فلم يستطع الرفض أو الاعتراض، فهم كبار الكبار وليس هناك من يقابل أوامرهم بالرفض بل بالسمع والطاعة، خصوصاً وأن العقاب حياته. لذلك بدأ بالفعل يغير مسار شركة مارلين في مصر لتصبح تابعة لشركتهم القابضة لصناعة السيارات في إيطاليا. ولأن صقر يمتلك الجنسية المصرية، كان له الأولوية في إدارتها. وتمت خطته بشكلٍ رائع. نعم، كلفته بعض الوقت، ولكن ما يهم أن ما أراده قد كان.
لذا جمع أمتعته واتجه إلى مصر بعد أن هدأت الأمور، وبعد أن حدد له ميشيل عاماً واحداً فقط هناك حتى تهدأ الأوضاع ثم العودة. وها هو يقود متجهاً إلى مقر الشركة الجديدة ليراها ويتعرف على من فيها. فقد أتى اليوم من إيطاليا وذهب فوراً إلى الفيلا الخاصة به التي اشتراها مجاورة لڤيلتها حتى لا يبتعد عنها مجدداً. أما نارة، فما زالت في دهشتها من الأمر، تحاول التفكير ولا تستوعب. حتى أن عقلها ألقى بأصابع الاتهام على شقيقتها.
ربما كانت هذه مزحة غليظة منها، ورحبت بهذا الظن نظراً لأنه من الصعب توقع أمر آخر. لا يمكن لأحدهم أن يأتي خلفها من إيطاليا إلى هنا. وحتى إن أتى، فأين هو ولماذا إلى الآن يختبئ؟ أسئلة لم تجد لها جواباً لا سابقاً ولا الآن. لذا فإن احتمال وضع مايا لتلك الرسالة في إيطاليا وهذه الرسالة هنا كان هو المسيطر عليها، بالرغم من أن ما دون لا يشبه خط مايا.
لذلك، حينما دلفت مايا المنزل تلقي بحقيبتها بإهمال على المقعد بعدما أدت رياضتها، نزلت نارة إليها تطالعها بهدوء متسائلة: –مايا، هسألك سؤال ولو سمحتِ تردي عليا بصراحة. زفرت مايا بضيق ولفت وجهها في عدة اتجاهات ثم تحدثت بلا مبالاة ظاهرية باتت تحتمي بها: –اسألي. تنهدت نارة ثم تحدثت بتوتر: –إنتِ اللي كتبتي رسالة ورمتيها في البلكون بتاعي؟ نظرت مايا لعينها ثم ابتسمت ساخرة وهي تتحدث بتهكم: –وهعمل كده ليه؟ عندي فراغ مثلاً؟
حقيقي يا ناردين أنا مش فاضية لحالميتك دي. عن إذنك بقى علشان طالعة أنام. تركتها وصعدت غرفتها، بينما زفرت نارة من أفعال تلك المراهقة التي تعاند وتتمرد على كل شيء. أصبحت لا تحتمل، ومع ذلك عليها تحملها والتعامل معها حتى تخطو من هذه المرحلة بسلام. والآن عاد السؤال يطرق عقلها، إن لم تكن شقيقتها، فمن هذا الذي يتعمد ويتلذذ بحيرتها؟ من هذا الغامض وما هدفه؟ إن علمت هويته ستوبخه، نعم، فلا يحق له أن يتعامل معها بهذا التحايل.
ولكن هل حقاً هناك من أتى من إيطاليا خلفها؟ هل يوجد شخص كهذا؟ إذاً، لمَ يختبئ؟ لمَ يتلاعب بمشاعرها الغميضة وكأنه ينتظر إيجادها له؟ في شقة سامح. عاد من مشواره ووضع بضاعته في مكانها ثم صعد ليتناول غداءه. طرق باب منزل والدته لتفتح له عفاف تبتسم مرحبة به. دلف يلقي السلام ثم نظر حيث السفرة ليجد ابنته تجلس عليها تتناول طعامها. فبحث بعينه عن زوجته متسائلاً وهو يدنو من ابنته يقبل رأسها: –أومال زينب فوق ولا إيه؟
ابتسمت له ابنته، بينما تحدثت عفاف بترقب: –باباها كلمها وقالها إن مامتها تعبت تاني وهى راحت لها. هي كلمتك بس أنت تليفونك كان مقفول. تعجب وتساءل بقلق: –تعبت تاني إزاي؟ أنا فعلاً تليفوني فصل شحن مني. طيب أنا هنزل أشوفها. شعرت بالغيرة وتحدثت بضيق توقفه:
–استنى بس لما تاكل لقمة، وبعدين متقلقش كده الوقتي، شوية تعب زي كل مرة. طب دا أنا النهاردة لما زينب مشيت وقفت أطبخ وأخلص لقيت ظهري وجعني أوي ومكنتش قادرة أكمل بس اتحاملت على نفسي عشانك، أنا عارفة إنك هتيجي تعبان وجعان. نظر لها بحنو، برغم إدراكه لمحاولاتها في استقطاب حنانه، لذا تحدث بنبرة حنونة قائلاً: –لا طبعاً يا حاجة، بما إنك حسيتي بالتعب، كنتِ ارتاحي وأنا آكل أي حاجة مش مشكلة. تحدث تلقي ما في جوفها:
–إزاي بس يابني ينفع، أنا قولت لزينب تستناك لما ترجع وتعرفك إنها هتروح بس هي يا حبيبتي من زعلها باين متحملتش، فقولت لازم أكمل أنا بقى مكانها. تنفس بقوة وتحدث وهو يستعد للتحرك: –معلش يا أمي، أنا قايلها قبل كده لو على مشوار بيت أهلها تروح عادي، دول أهلها يا حاجة عفاف وليهم حق عليها زي ما إنتِ ليكِ حق عليا. تحرك باتجاه إحدى الأدراج يفتحه ثم يلتقط منه عبوة المرهم المخصصة للعظام وهو يتابع:
–تعالي لما أدهنلك ظهرك وهتبقي زي الفل، وبعدين هروح أطمن على أم زينب وأجيبها وأجي ناكل سوا. لا تعلم أتسعد أم تشعر بالضيق. تسعد لاهتمامه بها وخوفه على صحتها أم تشعر بالضيق لأنه سيذهب إلى منزل أهل زوجته يصطحبها. حقاً، داخلها مشتت ومتناقض. أحياناً يؤنبها ضميرها ولكن تبرر لنفسها أنها على حق. اتجهت معه لإحدى الغرف كي يدلك لها المكان الذي يؤلمها في ظهرها والصغيرة تكمل طعامها.
ثم انتهى وتحرك يغسل يده ليعود بعد ذلك يجدها تستريح على الأريكة. ابتسم لها وتساءل بترقب: –أحسن شوية؟ أومأت له تردف بنبرة طفولية قليلاً: –أيوه أحسن بس جعانة وكنت مستنياك. ابتسم عليها يهز رأسه ثم أخرج هاتفه من جيبه واتجه يضعه على شاحن البطارية ويوصله بالكهرباء ليقول وهو منشغل به: –ماشي يا حاجة، هطمن بس على زينب ومامتها وادخل أحضر لنا لقمة وبعدين أبقى أنزل.
تنفست براحة وجلست ممتدة على الأريكة وهي تراه يحاول تشغيل هاتفه كي يتحدث إلى زوجته. بعد دقائق، اطمأن عليها وعلى والدتها ثم تحرك إلى المطبخ كي يحضر وجبة لهما تحت أنظارها المنتصرة. في إيطاليا. يجلس ميشيل يتحدث مع من كلفه بتتبع صقر قائلاً بغضب: –كيف لم تستطع تتبعه أيها الغبي؟ هل أرسلت خلفه امرأة وأنا لا أدري؟ تحدث الرجل بانزعاج يبرر:
–سيد ميشيل، أنا حقاً لا أعلم كيف يحدث ذلك. يكن أمامي وفجأة يختفي، مع أنني أتعامل بحذر شديد ولكن بدا لي كأنه يعلم بأمري. غضب ميشيل وشرد يفكر. كان يعلم أن صقر لن تنفع معه تلك الحيل، ولكن حقاً عليه معرفة خطواته كاملة. لقد حاول اختراق حاسوبه وهاتفه، ولكن بالطبع لم يستطع، فقد وضع صقر نظام حماية على إلكترونياته يصعب اختراقه. ابتسم ميشيل برغم غضبه، فهذا هو المفضل لديه. هو يحسب لجميع الخطوات بمنتهى الذكاء، لذا يخشاه.
راودته فكرة ما. إن لم يستطع اختراق أجهزة صقر، فيمكنه اختراق حاسوب ماركو، فمؤكد أن صقر سيكون على اتصال دائم معه. ابتسم بخبث وتحدث بعد أن طال صمته وبعد أن استدل على تلك الفكرة: –حسناً، أكمل مراقبتك له في الخفاء، وأدعو أن لا يراك، وإلا حينها فلم تكن مرئياً لأي بشري. أغلق معه وطلب رقم رجلاً آخر من رجاله والمتخصص في اختراق الإلكترونيات ليملي عليه ما يريد. صباحاً، استيقظت نارة على صوت يأتي من الخارج يشبه دوي الدبور.
وبرغم أن الصوت ليس صاخباً، إلا أنها من أصحاب النوم الخفيف تستيقظ من أقل الأصوات. تعجبت من هذا الصوت غير المألوف بالنسبة لها. اعتدلت تلتقط مئزرها الحريري وترتديه فوق قميصها الناعم، لتقف تخطو باتجاه شرفتها كي ترى ما يحدث. لتتفاجأ بطائرة صغيرة الحجم تشبه الألعاب يحركها جهاز عن بعد، موصول بطرفها وردة جوري حمراء وبها ورقة يبدو أن من يحركها كان يود تركهما هنا. تعجبت ونظرت حولها.
كانت عيناها تبحث عنه، حتى أنها تناست أمر ملابسها التي تظهر مقدمة صدرها وخصلاتها المتراقصة مع نسمات الهواء، خصوصاً وأن حركة الطائرة تزيدها. وفجأة لمحته. نعم، هو. نفس النظرة تماماً. برغم أنها لم تلمح سابقاً سوى طيفه، ولكن نظرة عينيه كانت مميزة، لم تنساها. يقف في الشرفة المجاورة للفيلا المجاورة أيضاً. يا إلهي، هل جاء خلفها وسكن جوارها والآن يقف قبالتها؟ ما حكاية هذا الغامض وماذا يريد؟
ولكنه لم يعد غامضاً، بل ها هو واضح أمامها بملامحه كاملة. ولكن ثوانٍ، لمَ ترتجف؟ لمَ تشعر بالبرودة الشديدة؟ لمَ ينظر لها نظرة حادة كصقر يتربص لفريسته؟ أما هو، فقد اشترى تلك الطائرة الصغيرة ليرسل لها زهرتها اليومية ويضعها صباحاً في شرفتها لتستيقظ وتجدها. نعم، تفاجأ من استيقاظها، ولكن كانت مفاجأة سارة. باتت الآن تعرفه ولم يعد هناك داعٍ لإخفاء هويته. عينه عليها وهي كذلك تنظر له بدهشة، متناسية ما هي عليه.
وللحظة شعر بفقدان التحكم في جسده الذي غمرته مشاعر لم تزره يوماً. يعلم أنها باتت تشكل جزءاً هاماً في حياته، ولكن ما يستحوذ عليه الآن جديد في عالمه، جديد عليه وهو الذي كان يعتقد أنه استعمل كل المشاعر وجربها. ولكن يبدو أن الصقر أخطأ تلك المرة. شرد فيها لثوانٍ يتأملها ويديه تقبض على جهاز التحكم الخاص بالطائرة. إلى أن لاحظ شعرها المتطاير وملابسها الظاهرة للمارة.
فبرغم السور المحيط بالفيلا، إلا أن المارة يستطيعون رؤية من يقف في الشرفة. ولكن في قانونه، إن نظر أحدهم لها سيدفع ثمناً باهظاً، ربما كان فقأ عينه. ولحسن خط الجميع، لم يلاحظها شخص غيره. لذا وجد يده اليمنى تتحرك للأعلى مشيرة لبداية صدره وعينه منكبة عليها، يرشدها بنظرته الثاقبة أن تتبع حركته. وبالفعل، تعجبت وضيقت عينيها مستفهمة، ثم انحنت برأسها قليلاً تنظر لما يشير على مثله، فرأت ما ترتديه.
شهقت بخفة وأسرعت تغلق مقدمة ثوبها لتخفي ترقوتها، ثم نظرت له جاحظة قبل أن تلتفت راكضة للداخل وتغلق الباب وتسحب الستار، وقلبها حاله كمن يقفز فوق لعبة ترامبولين بصخب. لسببين: أحدهما أنها تعرفت أخيراً على ذلك الغامض، وثانيهما خجلها لظهورها أمامه بتلك الملابس الغير مناسبة على الإطلاق.
أما هو، فبالجهاز الذي في يده استطاع وضع الزهرة والورقة في شرفتها وأعاد الطائرة إليه، ثم دلف يبتسم بانتشاء على توترها وخجلها وملامحها وكل حركة فعلتها أمامه، وهذا ما زاده إلا سحراً بها. فالخطة التالية بعد لفت انتباهها كاملاً له هو الاستحواذ على قلبها كاملاً له أيضاً. فهو يكره المشاركة، إما له وإما له. خصوصاً بعدما علم كل بيانات عمر أمس ولماذا أتى وماذا سيفعل هنا، ولكن ظل جزءاً خفياً عنه، ألا وهو طفولة نارة.
تجلس مايا في غرفتها بعد أن استيقظت على هذا الحلم العجيب الذي راودها. ترسم في إحدى لوحاتها هذا الوجه الذي التقت به أمس. تتذكر ملامحه، بل وحفظتها، وها هي تدونها بتعجب. لا تعلم لماذا راودها في حلمها وقد جاء وكأنه يبتسم على عكس توبيخه لها في الأمس. حقاً، رأته يضحك ويدلل إحدى القطط التي كانت تركض حوله في حديقتهن. لذا وجدت نفسها تجلس أمام لوحتها لترسم هذا الحلم.
ربما انشغلت بالتفكير به مساءً وحديثه لها، ربما ودت لو شاكسته، ربما أرادت حقاً أن ينتشل حزنها الذي تدفنه داخلها. لا تعلم، ولكنها أعجبت به. وها هي ترسم عينيه وتبتسم له كأنه حقيقياً أمامها. تبتسم بمكر وتوعد له وعقلها يحيك بعض الخطط الماكرة لتنفذها. بعد ساعة، عند نارة، وبعد تفكير عميق في هذا الشخص، حسمت أمرها. فكان عليها الاختيار بين أمرين.
الأول هو الذهاب إليه والتحدث معه وسؤاله ما سبب تلك الأفعال، ومن هو، وكيف أتى خلفها، ومن أين يعرفها، و و و. أما الثاني، فهو اللامبالاة والتجاهل كأن شيئاً لم يكن. وقد قررت الثاني لاعتزازها بنفسها كأنثى. وبل وقررت أيضاً تركيب حائط زجاجي لشرفتها حتى تمنعه من الوصول إليها. نزلت للأسفل فوجدت آسيا قد أعدت الفطور. ألقت عليها السلام ورحبت بها وجلست لتتناول معها. وأتت مايا أيضاً تخطو بصمت وجلست وتناولن فطورهن.
ثم تحدثت مايا بضيق وتأتأة: –هنروح إمتى نختار العربيات؟ تحدثت آسيا دون النظر إليها: –هيكلمونا من البنك النهاردة، وقتها هنروح نتقابل مع الموظف في المعرض ونختار اللي عايزينه. بس دلوقتي السؤال الأهم هو دراستك، ليه رافضة تقدمي طب؟ نظرت بعيون تضج تمرداً قائلة برفض قاطع: –مستحيل، طب لاء، أنا هقدم في الـ college اللي تعجبني، أنا حرة. تحاول آسيا جاهدة حتى لا تنفعل. بينما نارة تشبك ذراعيها بعد أن أنهت فطورها وتتابع بترقب وصمت.
فحقاً شقيقتها باتت لا تحتمل وأصبحت فظة الحديث وحادة الطباع، ولكنها لم ترد التدخل. تحدثت آسيا بهدوء وهي تطالعها علها تؤثر عليها: –مايا، فكري كويس، دي كانت أمنية بابي الله يرحمه، مش إنتِ بتحبيه يا مايا؟ ليه مش حابة تحققيله حلمه. وقفت منتفضة تردف بهياج يعبر عن بعثرة داخلية وعدم رغبتها في الحديث عن تلك النقطة قائلة: –وليه بابي حكمش على ناردين هي اللي تدخل طب؟ وليه كل اللي هي كان نفسها تعمله بتعمله؟
وليه أنا دايماً لازم يكون عليا رقابة؟ أنا هدخل Fine Arts (فنون جميلة) يا إما مش هروح كليات خالص. تحدثت نارة لوالدتها قائلة برتابة حتى تهدئ الأجواء: –على فكرة يا ماما مايا معاها حق، لو دخلت طب وهي مش عايزة ده للأسف هتفشل لأنها عنيدة، خليها تدخل الكلية اللي بتحبها. وصدقيني بابا الله يرحمه هيكون مبسوط بأخلاقنا قبل علمنا، وهيكون مبسوط أوي لو ريحناكي واتعاملنا معاكي بهدوء.
قالت جملتها الأخيرة بتعمد، لذا ابتلعت مايا لعابها وشعرت بالندم. دوماً تحاول أن تتعامل بهدوء ولكن تجد نفسها تتمرد حتى عليها. وفجأة يعلو صوتها وتعاند. شقيقتها محقة. شقيقتها التي كانت تمثل لها كل شيء. ابتعدتا كثيراً عن بعضهما، بل هي من ابتعدت. فكلما حاولت نارة فتح حديث هادئ بينهما تمردت وابتعدت. ولكنها إلى الآن في حالة استنكار لهذه الحياة ولموت والدها، لذا تختبئ من مواجهة الحزن داخل صدفة العناد والتمرد.
وقفت نارة تجمع أطباق الفطور وتأخذها للمطبخ، بينما قررت مايا مغادرة المكان والصعود للأعلى لترسم. أما آسيا، فجلست تتفحص هاتفها، ولكن أصدر موسيقى معلناً عن اتصال من رقم غير مسجل. تعجبت وظنت أنه من البنك برغم تسجيلها لرقم موظفه، ولذا أجابت قائلة بترقب: –ألو؟ تحدث صقر بالإيطالية يردف بثبات وثقة: –صباح الخير سيدة آسيا، أعتذر عن الإزعاج، أنا أُدعى صقر الجارحي مدير شركة hawk لصناعة السيارات.
جئت من إيطاليا أمس وأود لو تعطيني من وقتكِ ساعةٌ فقط، هناك موضوع هام يجب أن نتحدث فيه. تعجبت آسيا من هذا الاتصال العجيب وصمتت لثوانٍ تستوعب ثم تحدثت بنفس اللغة وبتساؤل: –تشرفتُ بك، ولكن هل لك أن تخبرني كيف أساعدك؟ كان يعلم جيداً كيف سيدور الحديث وجهز كلماته، لذلك تحدث قائلاً برتابة: –الحديث خاص بابنتكِ ناردين، لذا إذا سمحتِ لا أريد سوى ساعة وأقل. هل آتي إلى المنزل أم نجعل اللقاء خارجياً؟
زفرت ونظرت لساعتها ثم تحدثت بهدوء بعدما بدأت تستشعر الحدث: –حسناً، ليكن في الخارج بعد قليل، في مطعم Delicious، هل تعرفه؟ ابتسم بغرور. وهل يجهل شيئاً؟ تحدث مرحباً: –سأصل هناك بعد دقائق، شكراً لكِ سيدتي. أغلق معها ووقف يهندم حاله أمام مرآة غرفته ويبتسم. أصبح على شفا خطوة من تحقيق هدفه. ولكن عليه الحذر جيداً. لا يجب أن يعلم ميشيل بها قبل زواجه منها، لا يجب أبداً.
وذلك لإخفاء حقيقته التي إن ظهرت الآن ستعيق الوصول لهدفه بطريقة هادئة. ولكن هو على يقين أنه سيصل إليها بكل الطرق الممكنة والغير ممكنة. فقد حسم الأمر وباتت ملكه. خرجت نارة من المطبخ تنظر لوالدتها الشاردة. فاتجهت تجلس جوارها وتتساءل بتعجب: –ماما! حصل حاجة؟ تنبهت آسيا لها فتنهدت وأردفت دون مراوغة: –فيه واحد كلمني دلوقتي، بيقول إن اسمه صقر الجارحي.
اتكلم معايا إيطالي وقال إنه عايز يقابلني علشان نتكلم في موضوع خاص بيكي، تعرفي حد بالإسم ده؟ صُدمت بصمت لثوانٍ تتذكر هذا الغامض ثم هزت رأسها وأردفت بتوتر تخفي أمر ما حدث عن والدتها: –لاء معرفهوش خالص، عايز إيه ده؟ لمحت آسيا توترها ولكن قررت تمرير الأمر ثم تحدثت وهي تستعد للوقوف: –هنشوف يا نارو، هروح دلوقتي أقابله في مطعم Delicious ولما أرجع هعرفك أكيد.
أومأت لوالدتها بينما تحركت آسيا لغرفتها لتبدل ثيابها وتغادر على الفور. وجلست نارة لا تستوعب أمر هذا الرجل. لقد قررت صباحاً تجاهله ولكنه يفعل أموراً تفوق استيعابها. مؤكد هو المتصل، ولكن ماذا يريد؟ ولما قرر التحدث مع آسيا أولاً؟ حسناً، يبدو رتيباً في تصرفاته. أم أنه خبيثاً؟ في المطعم المنشود. يجلس صقر ينتظر آسيا التي لم تأت بعد. ها هي تدلف وتتلفت باحثة عنه، فهي بالطبع تجهله.
بينما هو يعرفها جيداً، لذلك وقف يشير لها بيده. فلمحته، جاءت إليه فمد يده يبادر بالسلام. فبادلته وتحدثت بالإيطالية متسائلة: –هل تتحدث المصرية؟ ابتسم قليلاً، فهو يتذكرها وقد أعاد مراجعتها قبل مجيئه، لذا قال بلهجة مصرية مبعثرة قليلاً: –شوية، وقت طويل متكلمتش مصري. شعرت بالراحة قليلاً وانفرجت ملامحها وجلست تطالعه بتمعن. يبدو وسيم وهادئ وثري. وعلمت ذلك من ملابسه وهيئته.
يرتدي نظارة شمسية تحجب عينيه عنها، ولكنه نزعها حينما لاحظ نظراتها. يردف بثقة: –هل لي أن أجيبك عن ما يدور في عقلك؟ تعجبت من فهمه لها وقالت وهي تشبك كفيها على الطاولة الفاخرة: –اتفضل، أنا جاية أسمعك. تنهد وارجع ظهره للخلف قليلاً ثم تحدث بثبات وعينه ثابتة تطالعها وبلغة إيطالية مريحة بالنسبة له: –لقد قابلتُ نارة في إيطاليا منذ عدة أشهر، أو لأكن أكثر وضوحاً، أنا من رأيتها وهي لم ترني.
ولكن حقاً، ابنتك أسرت حواسي منذ النظرة الأولى. لذلك بحثت عنها وعن هويتها وعلمت عنها ما يجب أن أعلمه. وكنت سآتي إلى والدها لأطلب يدها. ولكن أيضاً علمت بخبر مرضه ورغبتكم في العودة إلى هنا. لذلك تمهلت قليلاً إلى أن أستطيع تنظيم أموري العملية، خصوصاً وأنكم انتقلتم إلى مصر. وبالفعل، أقنعت عائلتي بإنشاء فرع لشركتنا الأم هنا وأنا من يتولى إدارتها. فعلت هذا من أجلها، لقد أحببتها حقاً. ويمكن أن أثبت لك ذلك بسهولة.
لذلك أنا هنا أطلب يدها منكِ، خصوصاً بعد أن مر وقت على وفاة والدها وأعتقد أن الأوضاع الآن أفضل من ذو قبل. استمعت له آسيا وكادت تتحدث فقاطعها صقر يتساءل بطريقة منمقة: –عذراً منكِ، ولكن أولاً دعني أسألك، أي مشروب تفضلين سيدتي؟ ابتسمت وأشارت بيدها قائلة: –لا شيء، شكراً لك. ما أخبرتني به جيد، ولكني أجد صعوبة في فهم بعض الأمور. كيف تركت أعمالك وعائلتك وجئت خلف ابنتي؟ وهل لديهم علم بطلبك هذا؟ حدثني عنك أكثر من فضلك.
لقد كنت أنا وزوجي نعمل في مجال الإلكترونيات في إيطاليا منذ زمن وسمعت اسمك مسبقاً أو ربما تشابه أسماء لا أعلم. تحدث بنبرة يشوبها الغرور: –لا، إنه أنا، لا يوجد في إيطاليا غير صقر الحارجي واحد فقط وهو الماثل أمامك. وعندما قلت عائلتي أقصد عائلة والدتي (موراكو) فوالدتي مسيحية ووالدي مصري مسلم. وللعلم، فقد أتيت أمس والآن أصبحتُ جاركم. وضيفي إلى معلوماتك أنني قضيت طفولتي هنا، بمعنى أنني لست غريباً عن مصر.
أومأت له ثم قالت بتفاجؤ: –أعلم جيداً عائلة موراكو وشركتهم القابضة لصناعة السيارات. ولكن هل لديهم علم بطلبك؟ تحدث بالقليل من التعجب وبثبات: –وما دخل عائلتي في اختياري لمن أتزوج؟ ومع ذلك هم لن يعترضوا كوني مطمئنة. هزت رأسها تردف سريعاً: –لا بالطبع لا أقصد ذلك، فقد أبحث عن الاطمئنان قليلاً. ابتسم بجانب فمه وتحدث بثقة وتأكيد: –أطمئني سيدتي، ولن آخذ منك أي قرار إلا بعد أن تستشيري ناردين وتقرر هي إن كانت تقبل بلقائي أو لا.
وسأحترم قرارها بكل تأكيد. أومأت مؤيدة قائلة: –حسناً، هذا جيد. ولكن دعني أسألك، ماذا تعلم عنا؟ زفر وبدأ يخبرها بما تود سماعه وبما يريده هو. لتلين ملامحها بعد دقائق وتتناول معه القهوة التي أصر عليها. وقفت بعد ذلك وتحدثت بابتسامة هادئة: –حسناً سيد صقر، سعدت بلقائك وسأتحدث مع ناردين وأبلغك قرارها. عن إذنك. وقف هو الآخر ومد يده للسلام مودعاً إياها بابتسامة هادئة تحمل خلفها قصصاً وأساطير عدة لا يعلم عنها أحد. بعد وقت قليل.
تجهت آسيا تجلس مجاورة لها، فأغلقت نارة كتابها ووضعته جانباً ثم اعتدلت تلتفت لها قائلة بترقب تخفي فضولها للأمر: –إيه يا ماما عملتي إيه مع الراجل ده؟ زفرت آسيا ونظرت إليها بسعادة. فخورة بها وبتربيتها وبنضجها وأفكارها. هي ابنتها الكبرى والمتفهمة والهادئة. هل أصبحت عروس ويبدو أن أحدهم وقع في عشقها كوقوع زوجها لها منذ زمن. فرت دمعة هاربة من عينيها عندما تذكرت شفيق. فأسرعت نارة تجففها بكف يدها مردفة بتفاجؤ: –مالك يا ماما؟
هو الشخص ده قالك حاجة تزعلك؟ هزت رأسها رافضة ثم قالت مبتسمة: –ده واحد شافك في إيطاليا وأعجب بيكي جداً. وجه وراكي مصر وطالب يتزوجك. حتى قال إنه اشترى الفيلا اللي جنبنا هنا. هو حكالي كل حاجة. إسمه صقر الجارحي وعنده شركة لتصنيع العربيات في إيطاليا. عيلة مامته تبقى عيلة موراكو أكيد تعرفيها. بس هو مصري وباباه مصري مسلم. أقنع عيلته يفتحوا فرع هنا لشركتهم عشان ينزل يديره ويبقى قريب منك. بس اللي حسيته إنه بيحبك فعلاً.
برغم أنه كان هادي ورزين بس كان باين لهفته وهو بيتكلم عنك. طبعاً الأول محتاجين نفكر كويس يا نارو ونسأل أصحابنا في إيطاليا. لازم نسأل عنه كويس، ولا إنتِ إيه رأيك؟ كانت مع كل كلمة تلقيها والدتها تفكر وتربط الأحداث ببعضها. عائلة موراكو؟ تلك العائلة القابضة التي تعد أكبر عائلات بولونيا؟ كيف ومتى وأين رآها وهي لا تختلط بأجوائهم أبداً؟ ولكن للإجابة على كل تلك الأسئلة ليس عليها إلا... نظرت لوالدتها بتتمعن قائلة:
–ماما بعد إذنك قبل أي قرار أنا عايزة أقابله، لازم أتكلم معاه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!