لتعلم عني كل شئٍ إذاً ؛ أنا أكره القسوة ويسقط قلبي لبكاء طفلٍ صغير. أبغض العنف والدمار وتنسحب روحي عند الصدمات وأنهار. لتعلم أني أفضل فقدان الوعي عن رؤية الدماء، أرحب بالموت وأواجههُ فضلاً عن إصابة الأعزاء. ولتعلم أني هادئة كبحيرة صافية أسعى للسلام دوماً. ناردين ( نارة )
في عدة دقائق كان يتجمهر عدد لا بأس به من قوات الأمن وسيارات المطافي والإسعاف ومصفحة لمكافحة وايقاف المتفجرات أمام حطام الكنيسة خوفاً من وجود متفجرات أخرى. ضوضاء في المكان ومصابون إصابات بالغة يحاول المسعفون إخراجهم وموتى وجدوهم واخرين ما زالوا تحت الحطام.
أما نارة فتجلس في مكانها أرضاً مستندة على سيارتها كما هي، لم تتزحزح إنشاً واحداً، عيناها منكبة على أثر الكنيسة وتضم ذراعيها حول جسد مايا التى تبكي وتجهش بقوة أشبه بالصراخ. ما زال عقلها لا يستوعب ما يحدث، لا تصدق أن كل من كانت تجلس بينهم منذ دقائق هم الآن موتى ومصابون، لو لم يأتيها هذا الأتصال لكانت بينهم الآن هي وشقيقتها. يا ألهي ماذا عن أولجا؟ وعن الأطفال الصغار؟ وماذا عن صديقاتها المسلمات والغير مسلمات؟
تساقطت الدموع منها بضراوة وجسدها أصبح يرتعش، حتى أنها تناست أمر والدها. لتنتبه أخيراً والمسعفون يخرجون أناساً تتألم لذا نبش الأمل داخلها وحاولت القيام تستند على سيارتها بصعوبة وهي تبتلع مرارة حلقها وتنفض دموعها بكفها بعنف.
يقف من بعيد يتابع بدقة ما يحدث لها، منذ أن إنهارت وهو يتأمل حالتها، رؤية إنهيارها وصدمتها أثبتت له أنهما شتان بين الشرق والغرب، فما حدث أمامه الآن يعد شيئاً مألوفاً بل كان يمكن أن يكون هو المتسبب به، ربما أسكت ضميره منذ سنوات حتى لا يظل يشعر بالألم كالسابق.
ولكن حاله الآن يشبح سطح مياة عسرة لبحيرة ساكنة وقع تألمها عليه كحجرٍ أحدث به توتر كلي، نعم هو الآن غاضب وداخله شعورٌ سئ يتمنى لو ينزعه ويسحقه، شعورٌ انتشله ميشيل من داخله ليصبح متلبد المشاعر، رؤيتها وهي في صدمتها لا تؤلمه بل تخيفه والخوف في قاموسه ذنبٍ عظيم.
وقفت نارة هي ومايا التى كانت في حالة يثرى لها، بدأت نارة تهدئ من روعها قليلاً علها تجد أكبر عدد من الناجيين. نعم ربما نجى الكثير، تتأمل ذلك وتدعو الله أن يكون، لذا استندت تقف وكادت تتحرك لتسأل عنهم تاركة مايا عند سيارتها ولكن قاطع طريقها رجل شرطة يطالعها بتفحص مردفاً: –هل أنتِ من المارة أم كنتِ تنوين الدخول؟
نظرت بإرهاق ولم تجد الحروف لتجيب، وكأن لسانها شُلّ تماماً، ليعيد سؤاله بشكٍ لم يصل إليها بسبب حالتها، ابتلعت لعابها المتصلب وتحدثت ببطء وحزن يتوغلها ودموعٍ تأبى التوقف منذ أن انهمرت: –أنا صديقة العروس وكنت بالداخل وخرجت أنا وشقيقتي قبل الإنفجار بلحظات. ضيق الشرطي عينيه ثم مد يده يردف بنبرة يملؤها الإتهام: –هل لي أن أرى هويتكما؟
مدت نارة يدها المرتعشة في حقيبتها وعقلها لم يستدل على أي شئٍ بعد، ما زال عقلها داخل الكنيسة من مع أصيبوا، بينما مايا لم تفعل بل كانت في حالة أشبه بفقدان الوعي، تستند على السيارة بصمتٍ تام حتى دموعها تسقط ساكنة. تناول الشرطي هوية نارة وبدأ يقرأ بياناتها وفجأة أشار لآخر قائلاً: –ستأتيان معنا إلى مكتب التحقيقات.
ليس لديها قوة لتجادل ولكنها تعجبت ثم استردت عندما تذكرت أمر والدها المريض مردفة بمعالم وجهٍ حزينة مجهدة وبكاءٌ كطفلةٍ ضلت طريقها: –والدنا الآن في مشفى ميلانو وعلينا أن نذهب إليه، هل لك أن تطمئني عن الناجون لأغادر، أخبرني فقط هل العروس بخير؟ زوجها؟ الأطفال في الداخل؟ تحدث الشرطي وهو يحاول التحلى بالهدوء قائلاً بنبرة ساخرة يشوبها الإتهام: –لم نحصِ الناجون من الموتى بعد، والآن ستأتيان معنا إلى مكتب التحقيقات.
نظرت لشقيقتها المذعورة والمصدومة إلى الآن ثم سحبتها بوهن وتحركتا إلى سيارة الشرطة مع الشرطي الآخر واستقلاتها سوياً وانطلق بهما الشرطي ومساعده إلى مكتب التحقيقات. ظل يتابع بعيونه الثاقبة ما يحدث وهو على يقين تام لما تم أخذهما من قِبل الشرطة، وهذا ما أشعل فتيل نيرانه حتى وإن لم يظهر ذلك على ملامحه. تحرك أخيراً بسيارته ليغادر وهو يفكر ماذا عليه أن يفعل. في المشفى
تمدد شفيق على سرير طبي مجهز والأجهزة تصدر أصواتاً عن مؤشراته الحيوية، يتنفس عبر جهاز الأوكسجين المتصل بفمه وأنفه، تجاوره آسيا تتلو آيات القرآن مناجية ربها أن يرده إليها، تعلم أنه يعاني من المرض الذي يهدده منذ زمن ويستهدف معدته، هذا المرض الخبيث الذي علم به منذ أشهر قليلة وشاركته زو جته آسيا كل لحظاته المؤلمة بعيداً عن بنتيهما، لهذا وافق شفيق على ذهاب مايا إلى ناردين حيث مدينة بولونيا، لم يرد أن تراياه وهو في تلك الحالة.
تأمل أن يعود إلى وطنه بهن ولكنها تخشى فقدانه، تتمنى وجوده دوماً بجانبها، هو شريك حياتها ومعينها الدنيوي على الصعاب، تتساءل بكيف وليت هناك من يجيب، تؤمن بقدر الله وحكمته في تيسير الأمور ومع ذلك هي في أشد لحظات حزنها وتألمها. تعلم أنه يتألم فقد أخبرها الأطباء أن حالته متأخرة، لذلك طلبت من إبنتيهما الحضور فعليهما أن ترياه، قول هذا صعب ولكن تلك هي الحقيقة الوحيدة.
انتبهت على صوته الخافت شبه المسموع وهو ينادي بإسمها فصدقت واقتربت منه على الفور تردف بحنو وحب وحزن وهى تملس بيدها على يده: –نعم يا حبيبي، حاسـ.س بوجع؟ نزع الماسك المتصل بالأوكسجين عن وجهُ ليتحدث بأريحية قائلاً بجهدٍ مبذول: –البنات، البنات تاخديهم وتنزلي مصر، هنا مش أمان ليهم.
التقطت كفه ترفعه لفمها وتلثمه عدة مرات باكية بنحيب، حديثه يحطم قلبها، يبدو أنه يودعها، كلماته تسقط على روحها كجمراتٍ ملتهبة ولا يوجد بيـ.دها ما تقدمه سوا الإستماع لمطالبه. أسترسل يتنفس بصعوبة: –أنزلوا وأشتري بيت كويس، ومتخليش البنات يحتاجوا حاجة، خليكي قوية يا آسيا، أوعي تضعفي علشان ميتكسروش، هما لسة صغيرين أوعي تقصري معاهم. عن أي قوة يتحدث!
هي الآن في أوهن حالاتها، كيف ستقوى من دونه، تبكي وبكائها يحزنه، ولكن عليه أن يكمل ما يريد قوله، لذلك تابع بأنفاس مهدورة: –عمر. تنبهت للإسم ونظرت له مستفسرة فتابع: –دوري على عمر، اللى كان في الدار مع ناردين، هو اللى ممكن يساعدك ويقدر يحميهم، هو كان متعلق بناردين أوي والست لبنى قالت أنه دايماً بيسأل عليها، الشاب ده جدع من صغره، أول ما تنزلي مصر روحيله واتكلمي معاه، سمعاني يا آسيا؟ اعملي كل اللي بقولك عليه وريحيني.
أومأت عدة مرات وهى تبكي محتضنة كفه داخل صدرها، لا تعلم لمَ تذكر هذا الطفل الآن بعدما كان يتجنبه، ولكن لن تسأل، لتريحه فقط، لتنفذ كل ما قاله، ولكن لاااا، لن تحتمل لذا تحدثت بقبضات تنغز حلقها وتؤلم صدرها قائلة: –هنرجع مصر سوا يا شفيق، مش هسيبك هنا وانت هترجع معانا على رجليك، علشان خاطري قاوم، قاوم يا حبيبي أنا عارفة إنك اتعذبت كتير بس هانت، هتبقى كويس، صدقنى هتبقى كويس وأول ما ترجع مصر وتشوفها هتخف.
كانت تتحدث وتحاول إقناع نفسها بهذا الحديث وليس هو، أما هو فيبدو الحديث أرهقه لذلك سحب زفيره بصعوبة وأغمض عينه ليرتاح وظلت كما هي تبكي بصمت. في سيارة الشرطة تحتـ.ضن نارة أختها بحماية وتنكمش مايا إليها وهما ما زالتا تحت تأثير الصدمة، لا تعلم لمَ يأخذونهما وتريد أن تسأل ولكن حقاً لسانها معقود وعقلها يستعيد ما حدث. أولجا جيستن الحضور صديقاتها كيف بين لحظة وثانية باتوا كأنهم لم يكونوا أحياء أبداً.
لقد كانت بينهم، تحدثت معهم، ابتسمت لأولجا ولوحت لها، عاشت الفرحة مثلهم، كان بينهما وبين الموت لحظات ومد الله بعمرهما بطريقة يصعب على البشر استيعابها. وحال مايا كحالها، تفكر فيما حدث، تشعر أن من سحبها لتغادر تلك الكنسية لم تكن نارة شقيقتها بل كان ملاكاً حارساً، ماذا إن لم تغادر؟ ماذا إن لم يأتيهما هذا الإتصال؟ ماذا عن البقية والحيوانات الأليفة والأطفال؟ انتفضت مبتعدة من بين قبضتي شقيقتها الحانية ثم
تحدثت بغضب وبكاء هستيري: –ماذا حدث وكيف تم ذلك، كيف انفجرت الكنيسة؟ ، لما تأخذوننا وتتركون أناساً أبرياء تحت الأنقاض؟ ، عد فوراً لنساعدهم، أرجوك عد إلى هناااك، ربما لم ينفجر؟ ، ربما ما رأيناه خدعة! ، أجل خدعة، عد بنا رجاءاااااً. قالتها بصراخ وبكاء يخفي ملامحها فنظر الشرطيان لبعضهما ولم يصدقا حالتهما وصدمتهما بل يقود ليصل إلى مكتب التحقيقات ليؤكد شكوكه.
لم تتفوه ناردين ببنت شفه، مقيدة بصدمتها حتى أنها لم تستطع الإطمئنان على والدها أو مهاتفة والدتها لذا عادت تحتـ.ضن مايا وتهدأها بشرود وحزن طغى على وجـ.هها، للمرة الثانية تشهد حدثاً مروعاّ في تلك المدينة التى كانت تحبها، منذ عدة سنوات وقد تم اغتـ.يال أحدهم أمامها، والآن تم تفجـ.ير كنيسة تحتوي على أبرياء أمام عيـ.نيها، لم تعد تحتمل المزيد من تلك الصور التى يسجلها عقلها في ذاكرة دائمة ليتها تفقدها.
وصلت السيارة أمام مبنى الشرطة وترجل الشرطيان ونزلتا الفتاتان بمساعدتهما ثم دلفوا جميعاً وبدأوا يحاصرونهما واحداً تلو الآخر وكلما تحركوا خطوة إنضم إليهم آخر جديد حتى شعرت ناردين بالإختناق بينهم وأصبحت على دراية لما هما هنا وهذا ما أرعبها وجعل فكها يرتعش لا إرادياً. أدخلوهما إلى غرفة خالية من أي نوافذ، فقط طاولة وكرسيان، ولكن في الحائط المجاور مرآة ضخمة سوداء تعكس صورتهما.
تمعنت ناردين النظر بتلك المرآة العاكسة وادركت أن هناك عيون تطالعهما خلفها. الآن تأكدت من شكوكها، هما متهمتان بأمرٍ خطير، كان عليها أن تعلم ذلك عندما تفحص الشرطي هويتها ولكن كانت منشغلة في صدمتها وحزنها، يا إلهي كيف ستخرجا من هذا التهمة البشعة؟ ارتعشت وأرتفع الأدرينالين في جـ.سدها إرتفاعاً لم يسبق له مثيل، ماذا سيحدث معهما هنا هي وشقيقتها ومن سيساعدهما، حتى والدهما في حالة يثرى لها؟
ضاق صـ.درها بشعورٍ سئ ورددت بيقين وخوف وهو تتمـ.سك بكفِ مايا التى تبدو فاقدة للإدراك حتى: –يارب، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين. ظلت ترددها سراً مع دموعها التى تسقط حتى دلف إليهما رجل قانون مخضرم نُحتت الجدية على ملامحه يطالعهما من رأ سهما لأخمص قـ.دميهما وهما تحتميان ببعضهما وتنظران له بذعر خاصةً مايا التى تنكمش في جـ.سد شقيقتها كقطةٍ مرتعشة.
أشار لهما بالجلوس فجلستا بتمهل وخوفٍ ينهش كلاهما، هما في حالة لا تحـ.سدان عليها. خوف وصدمة واستنكار وحزن ومجهول يواجههما، ربما مايا لا تدرك حقيقة الأمر بعد ولكن ناردين بالطبع تدركه جيداً، هما مسلمتان وخرجتا من الكنيسة قبل لحظات من الإنفجار، الشكوك تتزايد حولهما، ضاق عقلها ولم تعرف سبيل النجاة لتعود وتردد دعاء نبي الله يونس وهو في بطن الحوت. تحدث الرجل بصرامة وتساؤل مريب كأنه لا يود سماع أي حديث سوا ما يريده:
–أخبرانى ماذا حدث؟ ، وكيف تم تفـ.جير الكنيسة وكيف إستطاعتما الخروج في الوقت المناسب تماماً، ألا يبدو هذا مريباً وغريباً؟؟؟ نظرت مايا لشقيقتها وكأنها لا تسمعه أو لا تدرك ما يقول بينما ناردين تنظر لعينيه بخوف ورعشة فهو لا يوجه لهما أسئلة بل شبه متأكد من إدانتهما.
تحدثت متلعثمة على أمل أن تستيقظ من هذا الكابوس قائلة بصدقٍ تام وقد تعلقت غيمات الدموع في عيـ.نيها وتغلبت على صدمتها فهما تواجهان تهمة شديدة الخطورة وعليها أن تقوى قليلاً:
–لقد تـ.تمت دعوتى لأحضر حفل زفاف أولجا، واصطحبت شقيقتي وذهبنا إلى هناك وكنا بين الحضور نشاركهم كل لحظة حتى أتت العروس مع والدها وقبل أن أكمل فرحتي أتاني إتصالاً هاتفياً من والدتي تخبرني أن والدي قد سقط مغشياً عليه وتم أخذه إلى المشفى في ميلانو وطلبت منا الحضور على الفور فأخذت شقيقتي لنخرج فوراً بعد هذا الخبر الصادم. زفرت بقوة بعد أن انتهت ثم تذكرت فعاد البكاء يملأ مقلتيها وهي تسترسل بقبضات تنهش حلقها:
–ولم نكد نصل إلى سيارتنا حتى رأيت وسمعت مالم تصدقه حواسي، إنفـ.جرت الكنيسة في ثواني، بل في لحظات لا أعلم كيف ولا أستوعب إلى الآن؟ نظر لها المحقق بقوة وتفحص خبير، تبدو صادقة وانفعالاتها توضح ذلك ولكن هذا لا ينفي إحتمالية إرتكابهما أو مشاركتهما في هذا العمل الإرهابي. وهذا ما أستشفته نارة من ملامحه التى لم تتغير بل نظر إلى مايا وتحدث متجاهلاً حديث نارة: –وانتِ؟ ، هل لديكِ شيئاً تخبريني به؟
ارتعشت مايا وهزت رأ سها وتبخرت الكلمات من فوق لسـ.انها لذلك تحدثت ناردين بدفاع بدلاً عنها: –شقيقتى في حالة مزرية ونحن ما زلنا لا نستوعب ما حدث بعد، ووالدي الآن بين الحياة والموت ومنذ دقائق فقدتُ صديقاتى في مشهدٍ مروّع، فهل لك أن تكون منصفاً؟ ، هل تظن أن فتاتين في عمرنا فعلتا هذا الفعل الإجرامي؟ ضحك الرجل وهو يطالعها ثم هز منكبيه قائلاً باستفزاز: –وما المانع؟
، ربما تم إستغلالكما لصالح بعض المنظمات الإسـ.لامية الإرهابية؟ ، أولم يكن هذا ممكناً؟ هزت رأ سها وابتلعت لعابها وهى تردف بجهدٍ وضعف والقليل من الذكاء والفطنة التى تُعرف بها:
–لا، أقسم لك أن ما أخبرتُكَ به هو الحقيقة كاملة، ثم يمكن أن تنجو أولجا أو جيستن، نعم أتمنى ذلك من كل قلبي وحينها سيخبرونك بالحقيقة، يمكنك حتى أن تتأكد من خلال حالة والدي وحتى مكالمة والدتي لنا مؤكد أنها مسجل في شركات الإتصال، هناك مليون طريقة لتتأكد أنني وشقيقتي أضعف وأقل من أن نقوم بالإشتراك في مثل هذا الفعل الإجرامي، كيف نفعلها؟ ، بالطبع مستحيييل.
قالت الأخيرة وكأنها تقنع عقلها هي، كأنها تحدث ذاتها وليس هذا الذي نظر لهما نظرة أخيرة ثم تحرك للخارج تاركاً إياهما في الغرفة ثم التفت ليقف مع الآخرون خلف الزجاج الفاصل وهو يزفر متسائلاً وعيـ.نيه عليهما: –ما رأيكم؟ ، أنا أشك أن لهما شأن في هذا الأمر؟ تحدث آخر يردف بقسوة وعنصرية: –دعك من هذا الوجه المقنع البرئ، سنتحقق من الأمر وسيثبت أن لهما يـ.د في هذا، فهل تظن أن خروجها قبل الإنفـ.جار بلحظة يعد صدفة؟
، إذا دعني أخبرك معلومة، المسلمون لا يؤمنون بالصدفة، هم على يقين أن كل شئ مخططً له مسبقاً. نظر له الآخر بشك ثم قال: –حسناً سنتحقق من الأمر جيداً، ربما ثبت العكس، وعلينا أن نبدأ من ميلانو ونتحقق من إدعاء مرض والدهما. تحدث هذا القاسي إلى رجل آخر متسائلاً بملامح حانقة مخيفة: –هل تم جمع جميع المقاطع لكاميرات المراقبة حول المكان؟ تحدث الشرطي باحترام: –أجل سيدي، خلال دقائق سيكون بين يـ.دينا كل المقاطع حول المكان.
أومأ ينظر لتلك الفتاتين من خلال الحاجز مردفاً بحقد وتوعد: –حسناً، لنثبت الأمر إذاً. عودة للقاهرة في منزل سامح. تقف عفاف في المطبخ تعد الغداء وتجاورها زينب تساعدها، كانت تضع ملحها في الطعام بكمية مناسبة لتأتى عفاف من خلفها وتتذوقه قائلة بانتقاد غير مبرر: –لا يا زينب ملحه خفيف، زودي علشان سامح بيحب الأكل مضبوط. ابتسمت زينب خفيةً فهي مؤكد تعلم عن زو جها هذا الأمر البسيط ولكنها اصبحت تخشى عليه من علو ضغطه الذي أصيب
به لذا تحدثت بهدوء مبررة: –عارفة يا طنط بس سامح دلوقتى لما بياكل أكل ملحه زيادة بيتعب وضغطه بيعلى، وأنا بحاول أقلل الملح علشانه. زفرت عفاف وشعرت بالقليل من الغيرة، ودت لو أنها فعلت هذا قبلها، لتردف بعدها بنبرة متملكة: –بصي يا زينب، أنا عارفة إنك مراته ومع بعض بقالكم كام سنة، بس أنا أمه يا حبيبتى ومربياه وعارفة إيه بيفرحه وإيه يزعله وإيه يتعبه، وأنا بقولك أهو لو لقى الأكل دلع مش هياكله.
إنحنت قليلاً تهدئ اللهب على الأطعمة ثم وقفت أمامها تربت على كتفها وتتابع بنبرة يشوبها النصح حسب مفهومها: –وعايزة أقولك على حاجة، الراجل يا بنتي عايز اللى تريحه وتسمع كلامه وتعمل اللى بيحبه مش اللى على مزاجها، أنا بنصحك وانتِ حرة طبعاً بس صدقيني ده ابني وأنا عارفاه كويس.
نظرت لها زينب بعمق وشردت في أفكارها، زو جها محق في حديثه عن ضعف والدته، هي لا تفقه بعض الأمور عن الحياة الزو جية السليمة، ولكنها لن تجادلها، لتترك أمر الجدال لغيرها إحتراماً لها وليس ضعفٍ، لذا تحدثت زينب بحكمة: –متقلقيش يا طنط إن شاءلله مش هعمل أي حاجة تضر سامح، اطمني عليه معايا.
أومأت عفاف تطالعها بعمق ثم زفرت والتفتت تكمل تحضيراتها وتفكر، داخـ.لها ثوابت عن أن المرأة هي الطرف الأضعف في الحياة الزو جية وهي من على عاتقها زمام الأمور كاملة لإصلاح أعمدة البيت، تعلم أن زينب زوجة وأم جيدة، ولكن هناك شعور دوماً يلازمها أن إبنها يعطي أكثر مما يلزم، ترى أن عليه أن يتأنى قليلاً في محبته حتى لا يستغله الطرف الآخر وتراه ضعيفاً بعد ذلك. في إيطاليا. بعد عدة ساعات في مكتب التحقيقات.
تجلسان نارة ومايا في غرفة أخرى تم نقلهما بها، كانت عبارة عن غرفة بيضاء بها فقط أريكة تشبه السرير قليلاً. الغرفة لا تحتوي على أي نوافذ إلا فقط باب حديدي. بدأت مايا تشعر بالوهن فتمددت لتضع رأ سها على سـ.اق نارة التى تجلس على الأريكة وتتدلى ساقـ.يها أرضاً تفكر في الأمر بوهن وضعف وقلة حيلة مرددة ذلك الدعاء دوماً، كل ما يشغلها الآن كيفية خروجهما وحالة والدها وتمنيها بأن يخرج أحداً من هذا الإنفجار سليماً. تحدثت
مايا وهي على وشك النوم: –ناردين؟ ، هو ممكن فعلاً يفكروا إننا عملنا حاجة زي دي أو حتى مشتركين فيها؟ تنهدت نارة بقوة لتزيح ثقل صـ.درها قليلاً ثم تحدثت قائلة بعيون مرهقة ونبرة حزينة: –هو مش ممكن يا مايا، للأسف هما حالياً نفسهم يدينونا أنا وإنتِ، إحنا مسلمين يا مايا، وهما بيتلككوا وأسهل حاجة عندهم إنهم يتهمونا. استفاقت مايا بعد أن كانت تشعر بالنوم واعتدلت تطالعها بغضب قائلة بكره واستنكار:
–أنا كرهت المسلمين دول وبقيت أكره إن حد يعرف إنى مسلمة، دول إرهابيين معندهمش رحمة، شوفتي الكنيسة انفجرت إزااااي؟ نظرت لها نارة بتمعن، هي ليست في حالتها الجيدة لتتقبل هذا النقاش، بل هي في أسوء حالتها على الأطلاق، وتأتى هذه وتزيدها عليها؟ تحدثت نارة بجمود وقهر وضيق يعتـ.لي مجرى تنفسها: –تمام، يبقى ده معناه إن لينا دخل فعلاً، إيه اللى عرفك إنى مش مشتركة مع تنظيم في اللى حصل ده؟ ، ما يمكن هما فعلاً معاهم حق.
هزت مايا رأ سها ترفض رفضاً قاطعاً تلك الفكرة فهي تعلم شقيقتها جيداً لذلك قالت بتأكيد: –مستحيل، مستحيل تعملي حاجة زي دي أو تأذي أي حد. تساءلت بحزن ودموع معلقة وروحٍ متعبة على وشك السقوط وتحاول أن لا تسقط: –وليه مستحيل؟ ، إيه اللى يخليكي واثقة أوي كدة؟ هزت رأ سها ومدت يـ.ديها تتمـ.سك بيـ.دي نارة وتقول مؤكدة ببكاء متبادل: –لإنى عارفة أختي كويس أوي، مستحيل تأذي حد. بادلتها نارة نظرة الثقة وتحدثت:
–وأنا كمان عارفة وواثقة إن الإسلام بعيد تماماً عن الأرهاب، ومتأكدة إن مستحيل ده يكون عمل إسلامى، الإرهاب بالنسبالي ملوش دين يا مايا، وزي ما انتِ عرفانى كويس جداً لازم تعرفي دينك كويس جداً وقتها بس هيبقى عندك ثقة فيه أكتر من ثقتك فيا. زفرت مايا ونظرت لها بصمت ثم عادت تتمدد بحزن لتنام على سـ.اقيها ثم تساءلت بنعاس مغيرة دفة الحديث: –تفتكري بابا بقى كويس؟ أنا قلقانة أوي عليه. هربتت نارة على شعرها تردف مطمئنة برغم قلقها
وحزنها وانعدام طاقتها: –هيبقى كويس ان شاء الله، متقلقيش، نخرج بس من الأزمة دي على خير ونروح علطول، بس الأحسن إنهم ميعرفوش اللى حصل لإن كدة ممكن بابا يتعب أكتر. أومأت مايا وقد غفت بينما شردت نارة تفكر في الأمر التى لا تعلم كيف ستخرجان منه ولكنها تثق في الله لذلك ظلت تردد دعائها المعهود وقد غفت مايا قليلاً. بعد ساعة أخرى
يجلس صقر يتابع بتركيز التسجيلات التى وصلت إليه الآن بعد أن أتى بها رجلاً يعد متخصصاً في المهام الإلكترونية الصعبة. يتابع بتمعن تلك التسجيلات والتى تظهر أربعة من رجال ميشيل يقومون بزرع المتـ.فجرات داخل الكنيسة بشكلٍ دقيق في أماكن متفرقة بعد أن أصبح المكان خالى من الناس تماماً.
حتى أن الهكر الخاص بهم اخترق كاميرات المراقبة المحيطة بالمكان ومن حوله لحين الإنتهاء ثم أعادها كما كانت ولكن هناك كاميرا خاصة بميشيل تسجل كل ما يقومون به فقط ليحصل على ولائهم دوماً أو لتصبح رقـ.بتهم تحت ضرسه إن حاولوا خيانته. وهذا التسجيل هو ما يراه صقر الآن خفية دون علم أحداً قط بعد أن دفع الكثير من الأموال ليحصل عليه.
ابتسم إبتسامته الخبيثة، سيضحى بهؤلاء ليبرءها، سيتلاعب بمشيل لأول مرة من أجلها وهذا يروق له فهو عاشق لتلك الألعاب التى ستجعل من ميشيل ألة غضب كهربائية. ستغادر هذا المكان قبل منتصف الليل ودون أن يتم اتهامها رسمياً، وليكن هذا درسه الأول في حماية ممتلكاته. أغلق الحاسوب ونزع القرص المدمج بيـ.ده التى يغطيها قفازات حتى لا يترك أثر بصماته على أي شئ ثم قام بدثهُ في ظرفٍ ورقي ثم هاتف بيدرو يطلبه فأتى يلبي فوراً.
دلف يطالعه بترقب فتحدث صقر بملامح ماكرة تليق به وعينه عليه: –تعلم أين سيصل، أليس كذلك؟ أومأ بيدرو برأ سه يردف بثقة وانتماء: –بالطبع سيدي، سيصل في المكان الذي تريده وخلال دقائق من الآن. أشار له بطرف يـ.ده أن يغادر وبالفعل غادر بيدرو بعد أن تناول منه الظرف ليوصله بطريقته الملتوية إلى مكتب التحقيقات بينما ظل صقر ينظر للأمام ويخطط بعقله للقادم، مؤكد ستكون هذه صفعة قوية لميشيل وعليه أن يساعده.
إبتسم ساخراً على خطته، فهو من تسبب في ذلك وهو من سينظف. تحدث لنفسه بمرح لا ينتمى إليه أبداً ونادراً ما يحدث وهو يحك فكه بتعالى: –تستحقين يا صاحبة الشعر الناري، لنرى كيف ستكون مكافأتي. في المكان الذي تم التفجير فيهاستطاع المسعفون إخراج القليل من المصابون والناجون بينما للأسف توفى عدداً كبيراً ومن بينهم جيستين وأولجا فهما كانا قريبان من الإنفجار وفقدا حياتهما بسبب تلك الفعل الإرهابي الغادر.
أما رجال الشرطة فبدأوا بتفريغ الكاميرات التى بالطبع لا تظهر أي شئ يحمل شكوكاً فكما قولنا هؤلاء اخترقوا الكاميرات المحيطة وتحكموا بها لصالحهم. بينما في مكتب التحقيقات ( بقلم آية العربي ) كان المحقق الذي استجوب نارة قد أجرى مكالمة مع شركة الإتصال ليعلم هل تلك الفتاة تكذب أم حقاً وردها إتصالاً يستدعيها.
بالفعل ثبت أنها تقول الحقيقة وثبت أن والدها في مشفى ميلانو وبرغم ذلك صمم المحقق الآخر أن هذا ليس دليلاً على براءتهما، بل صمم على إدانتهما. ربما كل هذا مخطط له، حقده عمى عقله عن الدلائل التى أمامه وكل ما يريده الآن هو إدانتهما بسبب ديانتهما. لم يكن من المحقق الأول إلا أن يستجيب له فهو أشد خبرة منه وليرى ماذا هم بفاعلون.
ولكن فجأة وقبل حتى أن يتحركوا إنشاً واحداً وصل إليهم ظرفاً من مجهول وجده شرطيٌ فوق مكتب المحقق لا يعلم كيف دخل إليه فأتى به إلى سيده يردف وهو يمده إليه: –سيدي وجدنا هذا الظرف على مكتبك. مد يـ.ده يتناوله ثم نظر لزميله بتعجب وعاد ينظر للشرطي متسائلاً: –كيف حدث ذلك؟ ، ومن وضعه؟ تحدث الآخر بثبات قائلاً: –لا أعلم سيدي.
أشار له أن يغادر وزفر يبدو ظرفاً يحمل شيئاً هاماً، مزقه وأخرج منه القرص المدمج، اتجه لحاسوبه على الفور وجلس ومعه زميله والمحقق الحاقد وبعض الشرطيين حولهم ليضع القرص مكانه ويبدأ في تشغيل المقطع. اتسعت حدقاتهم جميعهم وهم يرون أربعة رجال يقومون بزرع القنابل في أماكنها وتثبيتها بمؤقت مضبوط للتحكم عن بعد، ملامحهم واضحة كالشمس فهذا التسجيل سريٌ للغاية.
ليغضب ذلك القاسي لفشل خطته في إتهام هاتان الفتاتان بينما الآخر نظر له وتحدث بثقة بعد أن تأكدت شكوكه: –لقد أخبرتك أن هاتان الفتاتان ليس لهما شأن في تلك العملية، هما أضعف من ذلك بكثير، ها هم الفاعلون الحقيقيون. أومأ الآخر بضيق ثم نظر لرجاله وتحدث بنبرة يغلفها الجمود آمراً: –تحركوا على الفور، علينا اعتقال هؤلاء قبل أن يغادروا البلاد، لنعلم من ممولهم الحقيقي. بعد ساعة
تم إخلاء سبيل نارة ومايا وها هما تغادران من هذا المكان بخطوات مهزوزة. تخطو متمـ.سكة بشقيقتها وداعمة لها، تحمد الله جهراً وعلانية والحزن مرتسماً على ملامحها فلم تعد تقوى، أصبحت على وشك السقوط ولكن برغم ذلك لا يمكنها أن تسقط، تتحامل على نفسها فالوقت ليس في صالحها، عليها أولاً أن تطمئن على والدها. تمـ.سكت بهاتفها وفتحته ثم فوراً طلبت رقم والدتها التى أجابت باكية ومتسائلة بقلق: –إنتوا فين يا ناردين؟
، أنا قلقت جداً عليكوا وموبايلاتكوا مقفولة، مجتوش ليه؟ زفرت نارة وتحدث بهدوء: –جايين يا ماما، حصل حاجة كبيرة هنا ومعرفناش نخرج من بولونيا، بس خلاص هنيجي، طمنيني عن بابا، عامل إيه دلوقتي؟ تحدثت آسيا غير منتبهة لهذا الحدث فهي منشغلة تماماً بحالة زو جها النائم لتقول بحزن: –ادعيلوا يا ناردين، بس متتأخروش، يمكن لما يشوفك إنتِ ومايا يبقى كويس. تنهدت بقوة ثم تحدثت وهي تنظر لمايا المرهقة تنتظرها:
أغلقت معها ونظرت لمايا قائلة بضعف تدعي القوة ولكنها بعيدة تماماً عنها: –لازم نروح نغير هدومنا وناخد حاجتنا ونسافر ميلانو دلوقتى حالاً يا مايا، بس الأول نركب تاكسي ونروح نجيب العربية. أومأت لها مايا بوهن وأوقفتا سيارة أجرة تنقلهما إلى مكان سيارتهما لتصطحباها. بينما كان يقف بيدرو على مسافة مناسبة ليتأكد من خروجها وبعد تأكده طلب رقم صقر الذي فتح الخط ولم يتحدث بل ينتظر سماع ما يريده فقط ولا شئٍ سواه ليقول بيدرو بثبات:
–لقد خرجتا للتو سيدي، والآن استقلتا سيارة أجرة. ابتسم متباهياً بعدما ربح في تحديه، وتحدث دون أن يرف له جفن: –إحرص على أن لا تفارقها عيناك حتى تصل آمنة. أغلق بعدها ورفع ساقـ.يه على مكتبه يضعهما متعامدين وظهره ثابتاً على المقعد الجلدي الفاخر ليحك ذقـ.نه النامية بيـ.ده مبتسماً بمكر وهو يضع في عقله خططاً ينوي فعلها معها الأيام المقبلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!