يشعر عُمر بالتوتر، إثر معرفة عائلته بوجود غزل في غرفته بتلك الطريقة. وقف في منتصف الغرفة وهو ينظر لقاسم الغاضب ولريما التي تنتظر إجابة لتساؤلها قائلًا: إنتوا فاهمين الموضوع غلط! كور قاسم يده بغضب وبدأ بالتشنج من فرط ما يشعر به من فوران دمه، ثم قال: قافل على نفسك الباب بقالك أيام والأكل بيطلعلك زي الباشا.. وفي الآخر جايب واحدة الأوضة ومقعدها معاك تحت سقف واحد؟ تفسيرك إيه بقى أو الحجة بتاعتك إيه عشان أنا ماسك نفسي.
ريما بنبرة ضيق: مين دي يا عُمر بقول! عُمر بدفاع موجهًا حديثه لقاسم: أنا مش محتاج حجة عشان أقول غزل بتعمل إيه هنا! بابا دي صاحبتي وحصلتلها مشكلة ف اضطرت تقعد معايا. قاسم بصراخ غاضب: سابت كل صحابها البنات عشان تيجي تقعد في أوضة نومك! كانت غزل تتلمس بيدها المكان حولها وهي لا ترى، تحاول الوصول لجسد عُمر خوفًا من نبرة صوت والده وظنون والدته تجاهها. لكن ما أصاب كرامتها وكبرياؤها كأنثى هو قول ريما:
إزاي تعرف واحدة بالأخلاق دي؟! بتجيلك لأوضة نومك؟ توقفت غزل عن لمس الأشياء من حولها وتحزنت ملامحها للشفقة على ذاتها.. بل كادت أن تبكي. عندما رآها عُمر في تلك الحالة هب للدفاع عن شرفها قائلًا: ماما من فضلك!! قاسم بغضب: متزعقش لأمك كدا، طب الشيشة وعديتها لكن جايبلي نسوان البيت! ريما موجهة حديثها لغزل وهي تسحبها من ذراعها بقسوة محاولة إهانتها:
وإنتي مش مكسوفة من نفسك وإنتي قاعدة ونايمة في غرفة شاب من دون علمنا، إخص على تربيتك. بدأت غزل بالتحسيس على ذراع ريما الممسك بها، وهي تنظر للأعلى وتشهق بفزع وخوف غير قادرة على النطق. توقفت ريما عما كانت تفعله وهي تقول بغضب: مالها دي مش بتبصلي ليه! قاطع عُمر ذلك الصخب القاسي حول تلك المسكينة قائلًا بعنفوان غضبه ليوقف تلك المهزلة: عشان كفيفة!!! ابتعدت ريما عنها فجأة وهي ترفع حاجبيها بصدمة وتنظُر لها بتتمعن.
بكت غزل من ضعفها وخوفها، وهدأت ملامح قاسم كثيرًا عما كان وهو يقتحم غرفة عُمر. صمت عم الغرفة لثلاث دقائق والجميع ينظر لغزل بنظرات استنكار ممزوجة بشفقة. ليقطع عُمر الصمت مرة أخرى قائلًا: ولاد الحرام حرفيًا بيضايقوها عشان ملهاش ضهر، ملهاش صحاب بنات يا بابا لا ملهاش غيري وأنا مكونتش صاحبها.. صاحبتها الوحيدة سافرت ف خوفت عليها وجبتها هنا.. دا كل الحوار! قاسم بعد أن استنشق داخل رئتيه هواء الغرفة التي لم تعد تتسع المشاركين
بالحديث والمتفرجين: طب ومبلغتناش ليه؟ مش لازم أي حد يدخل بيتنا يكون عندنا علم بيه! اتسعت عينا ريما قلقًا وقالت بتوجس: لا يكون وراها مصيبة وانت ورطت نفسك فيها! عُمر بنفاذ صبر: مورطتش نفسي ولا حاجة، هي بنت عادية مش وراها حاجة بس ملهاش حد.. زميلتي في الجامعة يعنى. ريما بنبرة تحوي الغيرة: ومقعدتهاش مع أختك تيا في أوضتها ليه؟ عُمر وهو يعقد حاجبيه تعبًا من تلك المحادثة الغير مجدية: عشان بنتك فتانة! قاسم بضيق: خلاص!
انتهى النقاش على كدا، المودموزيل الحلوة دي مينفعش تقعد معانا في البيت، هشوفلها شقة صغيرة على قدها وأحطلها حرس أظن كدا عداني العيب واتصرفت معاها كرجل جنتل، لكن تقولي قاعدة معايا في الأوضة وقافل عليها الباب، إيه الكلام الفارغ والاستهتار دا! ثم قال وهو يشمر عن ذراعيه موجهًا حديثه لريما: تعالي ورايا يا مدام عشان عاوزك في موضوع، وانت يا عُمر بيه خد زميلتك وانزلوا لتحت. خرج قاسم من الغرفة وخلفه زوجته.
وقف عُمر ينظر لتيا وشقيقه عامر مشيرًا لهما برأسه للخروج من الغرفة. بعد ما خرجوا نظر لغزل التي ترتجف وقال بنبرة حنونة: إنتِ كويسة؟ بهتت ملامحها وهي تقول بنبرة مرتجفة: بلغ والدك ووالدتك اعتذاري، هي عندها حق ميصحش بنت تقبل تقعد في أوضة شاب حتى لو كفيفة. مد عُمر يده سريعًا وهو يلتقط يدها المرتجفة ليقول بنبرة محاولًا من خلالها زرع الثقة داخل غزل قائلًا: إنتِ معملتيش حاجة غلط، ولا أنا كمان!
الظروف اضطرتنا لكدا، وأنا مقولتش لوالدي على حوار الخطف والناس دول عشان حابب أتصرف في الموضوع دا بنفسي! شدت غزل على يده واتسعت عيناها رعبًا ثم قالت: عشان خاطري بلاش يا عُمر، الناس دول مش زي ما انت فاكر، وكفاية أوي البهدلة اللي سببتها لك بسبب وجودي هنا في أوضتك. عُمر وهو يتأمل ملامحها المرتجفة وقال بإصرار رجولي:
ثقي فيا بس ومتفتكريش إني مقدرش عليهم، الموضوع محتاج شوية ذكاء ودا عندي منه كتير، المهم انزلي اقعدي تحت مع تيا وعامر وأنا هروح لأبويا مكتبه هنا في البيت وأتكلم معاه بخصوصك، فهماني يا غزل! بكت غزل برعب وهي تقول: طب ومنار! عُمر وهو يسحبها بهدوء ورقة للخارج: هعرفلك مكانها فين.. متقلقيش انتِ وانزلي. خرج عُمر من غرفته متوجهًا لمكتب والده، بعد ما أوصل غزل للأسفل لتجلس مع أشقائه. *** داخل غرفة المشفى الخاصة ببيان.
جلست على فراشها وأمامها طاولة الطعام الصغيرة، طعام صحي غير مشبع بالمرة. نظرت لها الممرضة وهي تقول: بالشفاء إن شاء الله. بيان بملل: معلش خدي الأكل دا معاكِ، أنا مش هاكل. نظرت الممرضة لقطعة الدجاج الجافة والخضرة الباهتة ثم قالت: ليه دا أكل صحي هينفعك عشان تقومي بالسلامة؟ بيان بغضب واضح: يا ستي شيليه قولتلك!
دا أكل يجيب المرض الفراخ من غير ملح والسلطة باينة إنها مش فريش، شيليه أنا هكتفي بالتفاحة دي، إياكش بس متكونش مدودة. سحبت الممرضة الطاولة وخرجت للخارج. حذفت بيان الغطاء عن جسدها وهي تحرك ثوب المشفى الخفيف على جسدها بتعب وتنظُر للنافذة التي تطُل على الخارج. التفتت بفزع على صوت الممرضة المكتوم، وهي تحاول الخلاص من يد ذلك المتشح بالسواد الذي يقزم بكتم أنفاسها.
اعتدلت بيان في فراشها وهي تحاول أن تدخل لرئتيها بعض الهواء من الخوف. نظرت له وهي تحاول العودة للوراء قبل أن يخرج سلاح أبيض من جيب بنطاله ويقترب منها. صرخت بيان بعلو صوتها ليتقض عليها محدثًا عن طريق الخطأ إثر فرط حركتها.. جرح سطحي صغير فوق جبهتها من جهة اليسار. صرخت بيان وهي تحاول الإفلات منه.. قبل أن ينهال بقبضة يده فوق رأسها ليفقدها الوعي.
عندما سقطت بين ذراعيه حملها فوق أكتافه وخرج بها من الغرفة مسرعًا وهو يتلفت حوله خوفًا من ظهور شخص آخر من العاملين بالمشفى. أشار لزملائه برأسه أن يأتوا خلفه، فخرجوا جميعًا من باب الطوارئ هربًا. *** بالقرب من متجر حلوى صغير داخل منطقة شعبية. توقفت منار وهي تستند بجسدها على حائط المتحر وتنظُر للرجل الجالس داخله. كانت تلهث تعبًا وهي تمسح حبات العرق التي تناثرت فوق جبهتها، قالت بصوت متقطع: م.. ممكن أعمل تليفون؟
تنهد الرجل الذي كان يعد بين أصابعه أوراق مالية، وضع الأوراق في أحد الأدراج الحديدة.. ثم مد يده بهاتف قديم لمنار التي قالت للتأكيد: مش معايا فلوس، ينفع تخليها جدعنة منك عشان أرجع لأهلي. الرجل بقلة من الأدب: بيبقى معاكُم بس مبتتشطروش غير على الغلابة اللي زينا.. إتصلي ياختي. منار بأسف ونبرة تعب: والله ما معايا، مكالمة صغيرة مش هعطلك. أمسكت بالهاتف وبدأت بكتابة رقم، قامت بالاتصال به لكنها لم تحصل على رد.
كان صاحب المتجر ينظر لها بنظرات شرزة من وقت لآخر، فوضعت الهاتف امامه وهي تشكره وتهم بالانصراف.. وقدميها كادا أن تنقطعا. لا تعلم ماذا تفعل! النقود التي أعطاها إياها خميس لم تكن كافية لمكالمة المتجر لذلك ادعت أنها لا تملك نقود. أشارت لإحدى سيارات الأجرة ف توقفت أمامها. عندما جلست داخل السيارة أخبرت السائق بعنوان المنزل الذي كانت تقطنه هي وغزل.
حاولت الاتصال بها قبل الذهاب خوفًا من أن يكون هناك هؤلاء الرجال ليؤذوها مرة أخرى. انطلق بها سائق الأجرة وهي تقرأ ما حفظت من القرآن خوفًا من أي مكروه قد يصيبها. *** داخل مكتب قاسم الكاشف. قاسم وهو يضغط على رأس القلم الذهبي الخاص به: وانت مبتجيش زي الرجالة تكلمني ليه؟ ليه بتجيبها وتخبيها والجو دا! عُمر بتماسك:
ما أنا عشان راجل، وعندي نخوة محبيتش أشوف بنت ضعيفة وعاجزة محتاجة مساعدة وأعمل من بنها، حضرتك مربيتناش أنا وعامر كدا.. قلبنا طالع جامد زيك.. مش لو انت مكاني كنت عملت كدا! وضع قاسم القلم فوق سطح مكتبه وهو يقول بابتسامة:
كنت عملت أكتر من كدا كمان مش هغلطك غير في حاجة واحدة، إنك برضو مصارحتنيش.. زي ما ربيتكُم قلبكُم يكون جامد.. ربيتكُم تكونوا صرحاء، وعلى فكرة جزء كبير من تربيتكُم الحلوة كان الفضل فيه لريما، برضو مينفعش تخبي حاجة عن أمك.. دلوقتي يا عُمر اللي هيحصل كالأتي.. هتحكيلي موضوع البنت دي بالظبط ومن غير تحوير دا رقم واحد، رقم اتنين كلمت سمسار معرفة شاف شقة كويسة وواسعة وواحدة ست تقعد مع زميلتك فيها تراعيها.. ك نوع من المساعدة المادية اللي بعملها للناس كل سنة بس ليك انت خليتها Special.. عداني العيب؟
ازدرد عُمر ريقه وهو يقول بخوف على غزل: هتقدر تقعد لوحدها؟ قاسم وهو يحرك عنقه إرهاقًا: يابني ما أنا بقولك جبتلها واحدة تراعيها، وهحط اتنين من الحرس بتوعي على الشقة بتاعتها.. عاوز إيه تاني؟ أصل حوار تقعدها في أوضة نومك ميصحش يا بابا.. والدتك مش هترتاح في الوضع دا.. يلا قوم خد زميلتك للشقة دي وهبعتلك اللوكيشن على الواتس أب.. ظبط الدني هناك وإملالهم الثلاجة عشان يعرفوا يعيشوا.. هي أهلها على قيد الحياة؟ عُمر بضيق:
مش عارف.. عن إذنك يا بوب. خرج عُمر من مكتب والده وهو يجلس بجانب غزل. كانت ريما داخل المطبخ تكمل تقطيع قالب الحلوى. صعدت تيا وعامر للأعلى لقضاء حاجاتهم.. ف بقيت غزل بمفردها مع عُمر. التقط عُمر كف يدها وهو يقول: بابا جهزلك الشقة والحراسة وكمان واحدة تاخد بالها منك.. هتكوني بخير؟ وهتسمحيلي أجي اطمن عليكي. غزل ببكاء: دا كتير أوي، يعني الفلوس دي كلها هردها لك إزاي وأنا.. قاطعها عُمر وهو يضغط على كف يدها ويقول:
بابا عامل الخدمة دي ليا يعني دا مش دين عليكي، وبالنسبة لصاحبتك هحاول اعرف خدوه فين وعايشة ولا لا. أغلقت غزل عيناها لا تستطيع أن تتخيل حدوث شيء لصديقتها. تلقائيًا ودون وعي سحبها عُمر داخل حضنه وهو يضع ذقنه التي نمت مؤخرًا فوق رأسها.. يضمها بقوة غير مكترث بالمكان والتوقيت وكأنه مغيب فقط يود أن يحتويها. ليقول بنبرة حنونة للغاية ورجولية: طول ما أنا معاك.. متخافيش من أي حاجة.
كانت ريما مذهولة مما ترى وهي تمسك بيدها صحون الحلوى وتنظُر لهما بوجه مشدوه! *** داخل أحد الأماكن الخاصة بهم. ألقاها الحارس الشخصي بقسوة أرضًا ف صرخت ألمًا من توابع الحادث ومن قسوة السقوط. مدت يدها وهي تسحب تلك الشريطة السوداء التي تخفي عيناها.. لتجد.. رجل.. لا لا ليس رجل؟ كان يرتدي جلباب قصير من الحرير ويجلس بوضعية قذرة كاشفًا عورته.. وخلفه رجل يدلك أكتافه بطريقة قذرة. هو بصوت أنثوي مصطنع:
أهلًا كاتبتنا الكبيرة.. مش المفروض اللي يكتب عن حد يستأذنُه؟ كانت إجابتها حادة نوعًا ما، لقد قامت بالبصق عليه من شدة القرف. لكنها بعد أن فعلت ذلك وضعت الحارس رأسها تحت قدمه.. وهو يجهز سلاحه للفتك برأسها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!