تحميل رواية «تحت وصاية الشيطان» PDF
بقلم نورا نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أعوام على إصابته الحادثة المشؤومة التي تسببت بإصابته بالشلل، مما جعل الفتاة التي أراد الزواج منها تتخلى عنه. ولولا ثقته بنفسه، ومساعده جاك صديقه الذي أصر أن يرافقه لإجراء جلسات علاج طبيعي ليعود للوقوف على قدميه مرة أخرى، ولكن بمساعدة عكاز أصبح رفيقًا له بعد الحادث. وذات يوم، أثناء ما كان ليون يجلس في مكتبه يراجع بعض أوراق الشركة الخاصة به، توقف عن عمله حين تناهى إلى سمعه طرقات على باب مكتبه. ترك الأوراق من يده ثم تحدث قائلًا بصوته الأجش: "تفضل." أدارت الخادمة مقبض الباب ثم دلفت لتتحدث إليه، وهي...
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل الأول 1 - بقلم نورا نبيل
أعوام على إصابته الحادثة المشؤومة التي تسببت بإصابته بالشلل، مما جعل الفتاة التي أراد الزواج منها تتخلى عنه. ولولا ثقته بنفسه، ومساعده جاك صديقه الذي أصر أن يرافقه لإجراء جلسات علاج طبيعي ليعود للوقوف على قدميه مرة أخرى، ولكن بمساعدة عكاز أصبح رفيقًا له بعد الحادث.
وذات يوم، أثناء ما كان ليون يجلس في مكتبه يراجع بعض أوراق الشركة الخاصة به، توقف عن عمله حين تناهى إلى سمعه طرقات على باب مكتبه. ترك الأوراق من يده ثم تحدث قائلًا بصوته الأجش:
"تفضل."
أدارت الخادمة مقبض الباب ثم دلفت لتتحدث إليه، وهي تخشى النظر في عينيه، وترتجف من شدة خوفها منه، فهو أثناء عمله لا يريد من أحد مقاطعته.
تحدثت إليه الخادمة قائلة:
"سيدي، هناك امرأة مسنة وبرفقتها فتاة صغيرة بانتظارك بالخارج تريد مقابلتك لأمر هام."
قطب ليون جبينه، وضيق عينيه، وهو ينظر إلى الخادمة ثم قال لها:
"حسنًا، أدخليهم لغرفة الاستقبال، وسآتي لهم في الحال."
نهض ليون من خلف مكتبه، وأخذ عكازه ليستند عليه، فمنذ الحادث الذي أصابه بالعجز، وهو لا يستطيع مفارقته. ثم ذهب باتجاه غرفة الاستقبال.
وما أن دلف إلى الغرفة بطلعته المهيبة، وعطره النفاذ، وقعت عيناه على الفتاة الصغيرة ذات الشعر الذهبي، والبشرة البيضاء، التي ما أن شاهدته إلا وانزوت في صمت إلى جانب المرأة المرافقة لها، وأخذت ترمقه بنظرات مذعورة، وقد تملكها الذعر من هيئته.
تحدث ليون بحزم بصوته الأجش، وألقى التحية على السيدة، متجاهلًا وجود الفتاة التي ما أن شاهدها شعر أنها ستكون مصدر إزعاج شديد له.
ليون:
"مرحباً سيدتي، هل أستطيع أن أخدمك بشيء؟"
السيدة:
"بنبرة خنوع، نعم سيدي، أنا المربية الخاصة بابنة عمك لارا، لقد توفي عمي وزوجته، وقد أوصى أنه لو حدث لهم شيء أن أجلب لك ابنتهم لتكون تحت وصايتك."
ثم التفتت لترمق لارا بحنان، وتضمها إلى صدرها بود، كأنها تدرك مدى خوفها منه.
حين استمع ليون لكلمات السيدة، احتلت علامات الغضب ملامح وجهه ثم هتف بها:
"هذا ما كان ينقصني! أن أتحمل مسؤولية طفلة صغيرة. لا، هذا كثير. فكيف لي أن أعتني بتلك الصغيرة؟ أنا لدي أشغال كثيرة، وليس لدي وقت لرعايتها."
تحدثت إليه المربية قائلة:
"لا تحمل هماً سيدي، أنا سوف أقوم برعايتها. فقط مطلوب منك أن تنهي إجراءات وصايتها، وتقوم بالتقديم لها بالمدرسة لتكمل تعليمها. أما أي شيء آخر يخصها فاتركه لي. ولا تنسى أنها أصبحت وحيدة بهذا العالم، ليس لها سواك."
تأفف ليون بغضب، ثم استدار تاركاً إياها، وعاد ليكمل عمله، ثم أمر الخادمة أن ترشدها لغرفتها. ثم التفت قبل أن يبتعد، ووجه حديثه للمربية بصوت حاد قائلاً:
"لا أريدك أن ينتابك القلق، سوف أرسل بطلب المحامي لينهي إجراءات الوصاية، ومن الغد سأكلف أحد العاملين لدي ليبحث لها عن مدرسة مناسبة. لكن أريدك أن تنتبهي عليها، أن تلتزم بأوامره، وغير مسموح لها الاختلاط بالغرباء، وغير مسموح لها أيضاً الاقتراب من غرفة نومي أو غرفة مكتبي، وأن تلتزم الهدوء، ولا تكون مشاغبة، ولا تعاقبها أشد عقاب."
"حسناً، يمكنك أن ترافقها إلى غرفتها، وأنا سوف أرسل بطلب المحامي الخاص بي لإنهاء إجراءات الوصاية. أرجو أن تنبهي عليها ألا تخالف أوامري حتى لا أضطر إلى معاقبتها."
المربية:
"لا تقلق سيدي، سوف أتحدث معها، وتأكد أنها لن تخالف أبداً أوامرك، وستكون فتاة مطيعة."
حين ذهبت لارا مع مربيتها للغرفة التي خصصها لها ليون، أخذت لارا تتأمل الغرفة بفرح شديد. لقد كان أثاثها فخم، لكن يسيطر عليها جو من الكآبة. الستائر ذات لون غامق، وتبدو لمن يراها للوهلة الأولى سجن انفرادي، وليست غرفة نوم. والنوافذ تبدو كأنها لم تفتح من زمن طويل.
استدارت لارا لمربيتها لتحدثها قائلة، وهي تدبدب بقدمها بالأرض بتذمر:
"ماذا يظن نفسه ذلك ليون؟ منذ أن شاهدنا، وهو لا يتوقف عن إصدار الأوامر. أقسم أنني لن أنصاع لأوامره مهما فعل، ثم إنني لست بطفلة صغيرة، أنا عمري خمسة عشرة عام."
مربيتها وتدعى مارى، بحب، وهي تضمها لصدرها بحب أمومي:
"طفلتي المشاكسة، يجب أن تتبعي أوامره حتى لا يغضب عليك ويعاقبك. مزاجه حاد دائماً، وأنا أخشى عليك من أن يعاقبك."
لارا:
"لكن مظهره يثير الرعب في نفسي كلما شاهدته. إنه يشبه شيطاناً يريد أن ينقض على فريسته، لكن لن أستسلم لسيطرته، وسوف أتغلب على الشعور بالخوف الذي يعتريني عندما أكون بحضرته."
مارى:
"ليكن بعلمك أني قد حذرتك يا طفلتي المشاكسة، وأعتقد أنك لن تتراجعي حتى يعاقبك."
ذهب ليون لغرفة مكتبه، وهو يستند على عكازه. دلف إلى الغرفة، ثم حين أصبح بداخلها، جاهداً ليصل إلى الأريكة، وحين أصبح قريباً منها، ترك عكازه، واستلقى عليها لينال بعض الراحة، وحتى يقوم بمد قدمه قليلاً، حتى يستطيع أن يعود بعد قليل لمتابعة عمله.
ثم أمسك هاتفه، وطلب رقم المحامي الخاص به، وطلب منه أن يتحرى عن أملاك عمه، وأن يأتي له بأوراق الوصاية من أجل أن يقوم بإجراءات الوصاية على ابنة عمه.
ثم بعد أن نال قسطاً من الراحة، سمع صوت طرقات على باب مكتبه، فاعتدل، وجلس على الأريكة، ثم أمر الطارق بالدخول.
دلت الخادمة إلى الغرفة، ثم تحدثت إليه قائلة:
"سيدي، جئت لأخبرك أن الغداء جاهز."
ليون:
"حسناً، ابعثي أحد الخدم لينادي لتلك الفتاة ليخبرها أن تأتي لتناول الطعام."
الخادمة:
"أمرك سيدي، سوف أرسل لها أحد الخدم."
نهض ليون، ثم أمسك عكازه، وذهب لغرفته ليبدل ملابسه، ويغتسل قبل أن يعود لتناول الطعام.
صعد السلم بصعوبة شديدة، ثم وصل إلى غرفته، دلف إليها، ثم ذهب للمرحاض ليغتسل، ثم ارتدى ملابسه، وهبط إلى أسفل متجهاً إلى غرفة الطعام.
جلس على رأس المائدة. بعد قليل، تقدمت لارا، وهي ترتجف من شدة خوفها منه. كانت تهابه منذ اللقاء الأول، فهو دائماً متجهم الوجه، وتخشى لو يعاقبها لو أخطأت بأي شيء. تقدمت ببطء من المائدة، وجلست، وحاولت أن تتظاهر بالثبات رغم أنها ترتجف من الخوف لمجرد شعورها أنه قريب منها.
انتهت الخادمة من وضع الطعام، ثم انصرفت.
بدأ ليون يتناول طعامه بصمت، وهو يرمق لارا من وقت لآخر بنظرات نارية. أما لارا، فكانت يدها ترتجف من شدة خوفها منه. وما أن همت برفع الملعقة إلى فمها من شدة ارتجاف يديها، سقطت الملعقة من يدها لتصدر ضجة كبيرة.
مما أغضب ليون بشدة، يرمقها بنظرات نارية، ثم صاح بها بغضب قائلاً:
"أنتِ أيتها الفتاة، ألم تتعلمي كيف تمسكين بالملعقة؟ هل أنت بلهاء؟ هل أنت طفلة تحتاجين لمن يطعمك بفمك؟"
غضبت بشدة لارا من صياحه الغاضب عليها، فتركت الطاولة وفرت هاربة، تركض لغرفتها، وهي تبكي بقهرة من معاملته الجافة لها.
دلت إلى غرفتها، وأغلقت الباب عليها من الداخل.
زفر ليون بغضب، ثم نهض تاركاً الطعام، متجهاً لغرفته لينال قسطاً من الراحة.
المساء، خرجت لارا من غرفتها، وقررت أن تخرج إلى الحديقة عليها تتخلص من غضبها حين تجلس بالحديقة قليلاً.
نزعت حذائها من قدمها وأمسكتها بحذر، وتسللت ببطء شديد، وتمنت أن لا يراها أحد حتى تستطيع الخروج.
أغمضت عينيها حين كادت تصل إلى الطابق الأرضي بسلام، وأخذت تبتهل إلى الله شاكرة. ثم تقدمت بخطوات بطيئة وهي تنظر إلى موقع خطواتها. ثم حين كادت تبلغ نهاية السلم، اصطدمت بجسم صلب أمامها، مما جعلها ترفع عينيها تطالعه بذعر شديد.
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل الثاني 2 - بقلم نورا نبيل
حين كانت لارا تخطو بحذر شديد، وهي ممسكة بحذائها بيدها. وحين تيقنت أنها كادت أن تبلغ الدرجة الأخيرة بسلام دون خسائر، وأيضًا دون أن يلمحها أحد.
أغمضت عينيها، وأخذت تبتهل إلى الله شاكرة أنها قد نجت من ذلك المتعجرف ليون، الذي يظن أنه ملك والجميع حاشيته.
لكن حين كادت أن تخطو متجاوزة آخر درجة، اصطدمت بجسد صلب مما جعلها ترتد للخلف بذعر، وهي ترتجف من شدة الفزع. رفعت رأسها لتطالع وجه ليون الغاضب بشدة، الذي ما إن شاهدها حتى صاح بها بغضب، وهو ينظر إليها نظرات غاضبة، وقد كز على أسنانه، وبرزت عروق عنقه، واحمرت عيناه من شدة الغضب.
هدر بها قائلًا:
"أنتِ أيتها الطفلة المشاغبة! ألم أحذرك من أن تخالفي أوامري؟ أين تظنين أنكِ ذاهبة بمثل هذا الوقت المتأخر؟"
تعلثمت لارا ثم صمتت، ولم تجد ما تجيب به، كأن كل القوة التي ادعتها قبل أن تصطدم به قد ذهبت أدراج الرياح.
هدر بها بغضب مرة أخرى قائلًا:
"ماذا حدث لكِ؟ هل أكلت القطة لسانكِ؟ لماذا لا تتحدثين؟"
وقف قبالتها يرمقها بنظرات مسلية، كأنه يستمتع بخوفها منه. جاهد كثيرًا ليتحكم بأعصابه أمامها، فهو لا يدري لماذا كلما شاهدها تثير بداخله براكين الغضب.
تحدثت أخيرًا لارا بصوت شبه مسموع، وهي تنظر إلى موقع قدميها متحاشية النظر إليه.
قالت بصوت خافت يكاد يكون مسموعًا:
"أنا أردت الخروج لأستنشق بعض الهواء بالحديقة. لقد شعرت أني بحاجة لأن أخرج للحديقة قليلاً. هل هذا أيضًا غير مسموح به؟"
ليون بغضب شديد، وقد اسودت عيناه من شدة غضبه.
هدر بها غاضبًا:
"ليكن بعلمكِ أيتها الصغيرة، هذا المنزل له قواعد، وعليكِ اتباعها حتى لا تثيري غضبي، ولا أضطر ساعتها لعقابكِ عقابًا لن تتخيليه بحياتكِ. أتعرفين كم الساعة؟ الآن لقد تجاوزت الحادية عشر. هل تعتقدين أن هذا الوقت مناسب لتخرجي؟ إلى الحديقة؟ ألم أحذركِ من قبل؟ أن هذا المنزل له قواعد يجب عليكِ اتباعها. لذلك، هذه المرة الأخيرة التي سأنبهكِ بها. ممنوع الخروج من المنزل بعد الساعة الثامنة، ويجب عليكِ أن تتبعي أوامري وتنفذيها خيرًا لكِ، ولا أريد أن أراكِ خارج غرفتكِ إلا في مواعيد الطعام الرسمية. والآن، هيا إلى غرفتكِ، لقد حان وقت النوم."
لارا:
"بتذمر، وهي تدبدب بقدمها في الأرض. ولكني مللت من الجلوس بغرفتي، وأنا أيضًا جائعة، فأنا لم أتناول شيئًا اليوم."
ما إن تفوهت لارا بتلك الكلمات إلا وانفجر بها ليون غاضبًا:
"من السبب بعدم تناولكِ للطعام؟ ألم تغضبي؟ وتتركي الطعام عقابًا لكِ؟ ليس هناك طعام لكِ. هيا إلى غرفتكِ."
ركضت لارا إلى غرفتها غاضبة، وهي تسبه وتلعنه بصوت خافت قائلة:
"تبًا لك أيها المتعجرف المتسلط عديم الشفقة! ماذا تظن نفسك؟ هل تظنني جارية لك؟ أنت تصدر أوامر، وعليّ التنفيذ دون اعتراض؟ فلتذهب إلى الجحيم."
دلفت إلى غرفتها، وصفقت الباب خلفها بعنف، مما زاد من غضبه. وأقسم ليون لنفسه قائلًا:
"لو لم تكن طفلة صغيرة لصافعتها على وجهها. وأعطيتها درسًا لن تنساه، طفلة مزعجة."
صعد الدرجات الباقية ببطء، نظرًا لألم قدمه التي بدأت يصيبها التشنج من كثرة ما وقف عليها. دلفت إلى غرفته، بدل ملابسه، ثم استلقى على الفراش، وضغط على زر استدعاء الخدم.
جاءت له الخادمة بعد وقت قليل، طرقت على باب الغرفة، فأمرها بالتقدم إليه. دلفت الخادمة إلى الغرفة، تحدثت قائلة:
"أوامرك سيدي؟ أنا في خدمتك. هل أجلب لك شيئًا؟"
ليون:
"أجلبي لي كوبًا من الحليب، وأعدي بعض الشطائر للفتاة وكوبًا من الحليب، واذهبي بهم إليها."
أحنت الخادمة رأسها له احترامًا قائلة:
"حسنًا سيدي. دقائق وسأعدهم وسأذهب بها بهم."
ذهبت الخادمة ثم أعدت الطعام، وطرقت على باب غرفة لارا. فتحت لها المربية الباب، وأخذت منها الشطائر، ثم دلفت إلى الغرفة، وتحدثت برفق إلى لارا قائلة:
"لا تغضبي يا ابنتي من ليون. هو يمتلك قلبًا من ذهب، لكن ما مر به ليس قليلًا. لقد عانى كثيرًا إلى أن أصبح على تلك الحالة التي أصبح عليها الآن. إن ليون بالماضي كان شابًا رائعًا، ويحب المرح، ويغمر الجميع بعطفه. لكن منذ الحادث الذي أصيب به، انقلبت حياته رأسًا على عقب. تأكدي يا ابنتي أنه يدعي القسوة ليبتعد عنه الجميع، فهو لم يكن يومًا قاسي القلب."
نظرت إليها لارا بتعجب، ثم توجهت بها بالسؤال للخادمة قائلة، وهي يتأكلها الفضول لتعرف قصته:
"ماذا حدث له؟ أرجوكِ أخبريني، أود أن أعلم ماذا أصابه ليجعله هكذا؟"
الخادمة:
"أنا آسفة. لا يحق لي أن أحدثكِ في أي شيء، هذا غير مسموح لي. لكني على يقين أنه سوف يأتي اليوم الذي تعلمين به كل شيء عنه."
لارا:
"بتذمر، مدعية الغضب. ولكني لا أريد أي طعام. ألم يعاقبني هو ويمنع عني الطعام؟ هيا خذي الطعام فأنا لست جائعة."
تدخلت مربيتها لترمقها بغضب، قالت:
"آسفة يا ابنتي. اتركي الطعام، وعودي إلى عملك. إنها لازالت طفلة صغيرة ينقصها الكثير من الخبرة."
انصرفت الخادمة، ثم توجهت لغرفته، طرقت الباب، فأذن لها ليون بالدخول. فتقدمت حيث يجلس، ثم وضعت الشطائر وكوب اللبن على المنضدة المجاورة له. نظر إلى الشطائر، ولم يتحدث. استأذنت الخادمة بالمغادرة، فأذن لها. أخذ إحدى الشطائر، ثم قضم منها قضمة، وارتشف القليل من كوب الحليب. ثم حين انتهى، مد يده ليطفئ الأنوار إلى جواره، واستلقى على الفراش، وتدثر بالغطاء جيدًا، ثم غرق بنوم عميق.
مر اليوم، وفي صباح اليوم التالي نهضت لارا، ثم توجهت إلى خزانة الملابس، وحين فتحتها على مصراعيها، وقف تنظر إليها بصدمة غير مصدقة كم الفساتين المعلقة بالخزانة. وقفت تتأملهم بصمت، تفكر بينها وبين نفسها بحيرة شديدة. حدثت نفسها قائلة:
"ترى متى جاءت تلك الملابس؟ أنا لم أشاهدها بالأمس بالخزانة."
اقتربت منها مربيتها، احتضنتها بود قائلة:
"لقد أرسلهم السيد ليون صباحًا مع أحد الخدم. أخذتهم، وقمت بوضعهم لكِ بالخزانة. أرأيتِ يا لارا كم هو طيب القلب؟"
لارا:
"كلا. هو ليس حنونًا أو ذا قلب رقيق أو أي شيء من هذا القبيل. كل ما هنالك أنه فقط يشعر بالشفقة من أجلي، لذلك جلب من أجلي تلك الأشياء."
مربيتها:
"كفى ثرثرة فارغة يا لارا، وهيّا اذهبي للاغتسال، حتى تهبطي إلى الأسفل لتناول الإفطار، ويجب أن تقدمي الشكر لليون."
تذمرت لارا بغضب طفولي، وذمت شفتيها، ثم هتفت قائلة:
"لكني أنا لا أحب الحديث معه. إنه دائمًا يعاملني بقسوة ويحتد في حديثه معي دائمًا. أرجوكِ يا دادا، لا أود أن أحدثه."
مربيتها:
"هيا لارا، اذهبي للاغتسال، وكوني فتاة مطيعة. يجب أن تقدمي له الشكر، وتحاولي أن تثبتي له أنكِ فتاة مطيعة، حتى لا يظن أنكِ دائمًا مشاغبة وتودين معارضته دائمًا."
انصرفت لارا غاضبة، وهي تدبدب بقدمها في الأرض من شدة غضبها. ثم حين انتهت من الاغتسال، خرجت، وهي تحيط جسدها بالمنشفة. أقبلت عليها المربية، وساعدتها بارتداء الفستان الذي أمر ليون بأن ترتديه. كان فستانًا باللون الأبيض مزركشًا بالستان، ذو أكمام قصيرة.
ارتدته لارا، ثم صففت شعرها، وهبطت إلى حيث توجد غرفة الطعام. كانت ترتجف من الخوف، وهي متجهة إلى الغرفة، تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى. حين أصبحت أمام الغرفة، دلفت بهدوء، وعيناها بالأرض، وهي ترتجف من شدة رهبتها منه. جذبت المقعد، وجلست تتناول الإفطار بصمت تام.
حين انتهى الإفطار، تقدمت إليه لارا، وهي مذعورة منه، وهي تخشى أن يغضب عليها كعادته كلما التقاها. وقفت أمامه، ثم تحدثت بصوت يكاد يكون مسموعًا قائلة:
"أشكرك على كل ما جلبته لي."
رفع ليون عينيه إليها ليرمقها بنظرات غامضة، وهو يتفرس بملامحها، محاولًا أن يستكشف نواياها. صمت قليلًا، ولم يجب عليها في الحال. كادت أن تغادر الغرفة غاضبة، وهي تلعن نفسها أنها استمعت لحديث المربية أنها يجب أن تقوم بتقديم الشكر له.
قبل أن تغادر الغرفة، أوقفها صوت ليون الحاد قائلاً:
"لارا، انتظري! إلى أين أنتِ ذاهبة؟ هل سمحت لكِ بالمغادرة؟"
لارا بتذمر:
"لكنك لم تجب على حديثي لك، لذلك قررت المغادرة."
ليون:
"حسنًا، لا داعي للشكر، هذا واجبي تجاهكِ. إلى أين سوف تذهبين الآن؟"
لارا:
"سأخرج للجلوس بالحديقة قليلًا." ثم أكملت بتذمر: "أم هذا غير مسموح الآن أيضًا؟"
ليون:
"يرمقها بنظرات غامضة، ثم يجيبها قائلًا:
"كلا أيتها المشاكسة الصغيرة. مسموح. هيا اذهبي، استمتعي بوقتكِ، لكن أحذركِ، لا تصدري أي ضجة حتى لا تثيري غضبي. هيا انصرفي."
غادرت لارا الغرفة، وهي تشعر بالغضب منه، فهو وهو يتقبل شكرها له يعاملها بغرور وكبرياء، ويصدر إليها الأوامر.
خرجت إلى الحديقة لتجلس على المقعد المجاور من المسبح، وأخذت تتأمل الحديقة، والزهور النادرة التي يعبق رائحتها بالجو، مما يزيد من روعة المشهد بالحديقة، ويضفي عليها جوًا من السحر.
اتجه ليون لغرفة مكتبه لينهي الأوراق المطلوبة منه، وليجلس بانتظار المحامي ليجلب له أوراق الوصاية ليقوم بإمضائها. أثناء ما كان جالسًا خلف مكتبه. بعد قليل، نهض عن مكتبه، دفعه الفضول ليلقي نظرة على لارا ليرى ماذا تفعل بالحديقة. قام بإزاحة الستائر، وفتح النافذة ليقف يراقبها، وهو مستمع، وغزت ابتسامة شفتيه رغماً عنه على تصرفها الطفولي. كانت تركض خلف الفراشات وتنثر المياه حولها.
عندما ألمته قدمه من كثرة ارتكازه عليها، عاد ليجلس مرة أخرى مكانه، وبداخله شعور غريب بالسعادة يغمره لمجرد رؤيتها تمرح وترض بالحديقة. قرر ألا يجعلها تتسلل إلى داخله دون إرادته. حدث نفسه قائلاً:
"يجب ألا أفكر بها نهائيًا. إنها ليست سوى طفلة صغيرة. يجب ألا أجعلها تحتل عالمي. أنا لن أشاهدها مرة أخرى، وحتى الطعام سأجعلهم يرسلونه إلى غرفتها. لا أريد أن أواجهها مرة أخرى."
قرر ليون أن يشغل نفسه بالعمل، فجلس يكمل مراجعة الأوراق. بعد قليل، دلفت المحامي إلى الغرفة، ومعه أوراق الوصاية الخاصة بلارا. قام ليون بإمضائها، وظل يعمل حتى وقت متأخر، حتى أنه رفض أن يذهب ليتناول الطعام برفقة لارا، وطلب من الخادمة أن تجلبه له بغرفة المكتب.
أما لارا، فكانت تشعر بالراحة لكونه لم يشاركها الطعام. ثم حين انتهت من تناول الطعام، صعدت لغرفتها لتنال قسطًا من الراحة.
بقي ليون يعمل بغرفة المكتب لوقت متأخر من الليل.
شعرت لارا بالملل من كثرة بقائها بغرفتها، فقررت أن تذهب لتتفحص الغرف، فطالما تمنت أن تشاهد تلك الغرف من الداخل. ذهبت إلى أول غرفة شاهدتها، وهي تتسلل بحذر حتى لا يراها أحد، ثم دلفت إلى الغرفة، وهي تتلفت يمينًا ويسارًا لتتأكد أن لا أحد يراها، ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء شديد حتى لا تصدر ضجة.
ما إن أصبحت داخل الغرفة حتى أخذت تتأملها بتأنٍ. كان أثاثها راقيًا، لكن يحيط بها جو من الحزن والكآبة. الستائر ذات لون أسود، ويبدو أنها لم تفتح منذ طويل، ولون الطلاء قديم وباهت، مما يدخل الكآبة على النفس. لطالما أرادت أن تشاهد جميع غرف القصر، لكنها تخشى من غضبه، فهي لا تدري ماذا سيفعل لو رآها هنا.
أخذت تتفحص كل شيء بالغرفة، فوقع نظرها على صورته التي تتوسط المنضدة المجاورة للفراش، مما جعلها تضع يدها على فمها لتشهق بفزع قائلة:
"يا إلهي! إنها غرفته! يجب أن أسرع للخروج من هنا، فلو شاهدني هنا سوف يعاقبني أشد عقاب."
ركضت باتجاه الباب لتخرج، لكن حين أوشكت على أن تدير مقبض الباب، تناهى إلى سمعها صوت خطوات أقدامه باتجاهها، فأربكت، لا تدري ماذا تفعل، مما جعلها تتسمر مكانها من شدة الصدمة، وهي ترتعش من شدة الخوف. لا تدري ماذا تفعل.
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل الثالث 3 - بقلم نورا نبيل
ما أن همت لارا بإدارة مقبض الباب إلا وتناهى إلى سمعها صوت خطوات قادمة باتجاه الغرفة، فتسمرت في مكانها لا تدري ماذا تفعل، كأن هول المفاجأة قد أصابها بالذعر الشديد.
وأخذت ترتعد من الخوف، لا تدري ماذا تفعل؟
"لعنة فضولي الذي أوقعها بتلك الورطة!"
لم تجد مكان تختبئ به سوى أسفل الفراش، ركضت مسرعة لتندس أسفل الفراش، وأخذت تبتهل إلى الله أن لا يعلم ليون مكانها، وإلا سوف يقع عليها عقاب شديد.
اندست سريعاً، وما أن كادت تختفي أسفل الفراش، إلا وتناهى إلى سمعها صوت باب الغرفة يفتح ثم يغلق مرة أخرى.
واستمعت لصوت خطوات تتحرك بالغرفة، إياباً وذهاباً.
كاد قلبها أن يتوقف من شدة الشعور بالرعب، وكادت ضربات قلبها تكاد تكون مسموعة من شدة خفقانه.
أغمضت عينيها، وأخذت تبتهل إلى الله داعية ألا يعلم مكانها، فهو إذا وجدها بغرفته لن يتردد دقيقة واحدة في معاقبتها.
بعد أن أنهى ليون عمله بالمكتب، ذهب متجهاً لغرفته، وحين أصبح أمامها دلف إلى الداخل، ثم ضغط على زر الإضاءة ليغمر الضوء الغرفة.
ثم نزع ملابسه، واتجه إلى المرحاض ليغتسل.
ثم حين انتهى، خرج إلى الغرفة وهو يحيط خصره بمنشفة، وقطرات الماء تتساقط منه.
جفف شعره، ثم ارتدى ملابس النوم، ومشط شعره، ونثر عطره الذي عبق به جو الغرفة، والذي تسلسل إلى أنفها.
لتغمض عينيها تستمع برائحة عطره الذي عشقتها منذ الوهلة الأولى لرؤيتها له.
اندس أسفل الغطاء، وأطفأ الأنوار، ثم أغمض عينيه.
انتظرت لارا كثيراً حتى مر وقت كبير على وجودها أسفل الفراش.
خرجت بهدوء شديد من أسفل الفراش، ثم نهضت لتخطو بخطوات بطيئة، تحاول قدر الإمكان ألا تصدر صوتاً.
حين أصبحت خلف الباب، أدارت المقبض لكنه لم يطاوعها.
وقفت تنظر إليه تارة، وإلى الباب تارة.
وكم ما كان يضايقها الظلام الغارقة به الغرفة، لقد كادت أن تتعثر أكثر من مرة وهي تسير، تتلمس طريقها بالظلام.
تلمست أناملها موضع القفل بالباب، فوجدت المفتاح به، ففتحت الباب برفق، ثم انسلت خارج الغرفة، وأغلقت الباب خلفها.
وقفت بضع دقائق تلتقط أنفاسها، وتهدئ من ضربات قلبها التي تنبض بشدة.
ثم ركضت مسرعة إلى غرفتها، واندست أسفل الغطاء، وهي ترتعد من الخوف.
ثم نال منها التعب في النهاية، وراحت بثبات عميق.
بقيت لارا نائمة حتى وقت متأخر.
ولم تتناول الإفطار برفقة ليون.
أما ليون، فقد نهض بالصباح، واغتسل، وبدل ملابسه، وصفف شعره، ونثر بضعة زخات من عطره المحبب إليه.
وأمسك بالفرشاة ليمشط خصلات شعره الحالك السواد.
ثم، وهو أثناء ما كان يقوم بتمشيط شعره، سقطت الفرشاة من يده.
فانحنى ليلتقطها، وهو غاضب.
وما أن هم بإلتقاطها، شاهد شيئاً يلمع على أرض الغرفة.
فمد يده ألتقطه، وأخذ يتفحصه، ويديره بين يديه يميناً ويساراً.
ثم ضيق عينيه، وهو يمعن النظر به، إلى أن وجد أنه قرط، ويتدلى منه حرف الـ L.
فأبتسم نصف ابتسامة، وهو يرمق القرط بنظرات شيطانية.
قام بوضع القرط بجيبه، ثم التقط الفرشاة، وأكمل تصفيف شعره.
ثم غادر الغرفة، وبداخله بركان من الغضب على وشك الانفجار.
هبط إلى الطابق الأرضي متجهاً لغرفة الطعام، تناول وجبة الإفطار، ثم نهض متجهاً إلى مكتبه.
وقبل أن يوصد خلفه باب المكتب، أصدر أوامره للخادمة أن ترسل إليه لارا.
وأن ترسل له قهوته.
أرسلت له الخادمة قهوته، ثم صعدت لتبلغ لارا أنه يريدها.
نهضت لارا من نومها، وهي خائفة بشدة أن يكون ليون علم أنها كانت بغرفته أمس.
فتبدلت ملابسها سريعاً، وأسرعت تقطع الدرج، وهي ترتجف من الرعب من ليون، وتضغط أصابعها ببعضها البعض من شدة قلقها.
ثم توجهت إلى غرفة مكتبه، وطَرقت الباب.
أتاها صوت أجش قائلاً:
"تفضل."
دَلفت لارا إلى داخل الغرفة، وقبل أن تخطو متجهة إليه، استدار ليون ليصبح بمواجهتها.
أمرها بأن تتقدم إليه.
تقدمت لارا، وهي ترتجف من الخوف، وهي تقدم قدماً وتؤخر أخرى.
وما أن أصبحت داخل الغرفة، شعرت بالرهبة من مجرد تواجدها معه بمكان واحد.
تحدث إليها ليون بعد أن نظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها، وأخذ يمعن النظر إليها، ثم هتف بها قائلاً:
"لارا، أين قرطك؟ لماذا تريدين فردة واحدة منه؟ أم أن هذه تقليعة جديدة؟"
نظرت له لارا بذعر، ورفعت يدها تلقائياً لتتحسس موضع قرطها لتجده مفقوداً.
لتنظر إليه بفزع ونظرات الرعب تطل من عينيها.
أخرج ليون القرط من جيبه، ثم تلاعب به بين يديه، وهو يرمقها بغموض، وكأنه مستمتع بحالة الفزع التي تبدو عليها.
أغمضت لارا عينيها، وأخفضت عينيها لتنظر إلى الأرض، ولم تتحدث بكلمة واحدة، كأنها فجأة قد أصيبت بالبكم، كلما حاولت التحدث تقف الكلمات بحلقها.
هدر بها ليون بغضب، وقد برزت عروق وجهه، واسودت عيناه، وتحول وجهه للون الأحمر.
ثم هتف بها بغضب:
"من الواضح أنك تتعمدين دائماً أن تعصي أوامري؟ ألم أحذرك من ألا تدخلي إلى غرفتي؟ بحق الله يا لارا، ماذا أفعل لك؟ لقد سئمت إصرارك على عدم تنفيذ أوامري."
"إليك قرطك."
ثم قذفه إليها، وأكمل قائلاً:
"أتدرين كيف سأعاقبك؟ أرى أن أنسب عقاب لك ألا تخرجي من غرفتك لمدة يومين. لا أريد أن أشاهد طيفك خارجها. هل حديثي مفهوم يا لارا؟ أتمنى أن تلتزمي بأوامري، وألا تعصيها مرة أخرى."
تحدثت لارا، وهي ترتجف من الخوف، حتى أنها جاهدت كثيراً لتستطيع الرد عليه قائلة:
"أعتذر سيدي، لم أكن أعلم أنها غرفتك، إنها الفضول الذي سيطر على عقلي، ودفعني إلى أن أشاهد الغرفة. أعدك لن تتكرر، وأنا آسفة مرة أخرى."
ليون:
"حسناً، هيا عودي لغرفتك، وإياك ومعارضة أوامري مرة أخرى."
غادرت غرفته، وهي تركض باتجاه الدرج لتصعد مسرعة تتجه لغرفتها، وأغلقتها خلفها، ثم جلست على فراشها تنتحب بشدة، وتلعن فضولها الذي جعلها تقع بهذا المأزق.
اقتربت منها مربيتها، وأخذت تربت عليها بحب حتى هدأت تماماً.
تمر الأيام، ولا تزال لارا تشاكس ليون كلما سنحت لها فرصة.
لكنه يعاقبها، فتعود لمشاكسه مرة أخرى.
إلى أن طلبت مربيتها ذات يوم أن تحدثه، فأمر لها بالدخول.
تحدثت إليه المربية قائلة:
"صباح الخير سيدي، جئت أن أحدثك بأمر هام. إذا كان وقتك يسمح بذلك."
اعتدل ليون بجلسته، ونظر إليها، ثم أشار لها بالحديث قائلاً:
"نعم، يمكنك الحديث. أنا أستمع إليك."
أجلت صوتها، ثم أردفت قائلة:
"أنا أستأذنك سيدي، اليوم عيد مولد لارا، وأنت تعلم أنها طفلة وحيدة، ويتيمة الأبوين. لذلك أنا أستأذنك أن تسمح لي بإقامة حفل عيد مولدها. فلتسمح لها بأن تدعو أصدقائها بالدراسة إلى الحفل."
ليون، برغم من غضبه منها لكثرة ما تضايقه، إلا أنه لم يستطع أن يرفض طلب المربية.
أومأ لها برأسه علامة الموافقة.
خرجت المربية من عنده بعد شكرته، وتوجهت إلى لارا لتخبرها حتى تدعو أصدقائها، وتستعد للحفل.
بعد أن خرجت المربية، هاتف ليون صديقه جاك ليجلب هدية للارا بمناسبة يوم مولدها، وأن يأتي إليه.
أما لارا، فقد أخذت دادتها، وبرفقتهم السائق لتجلب فستاناً لكي ترتديه بالحفل.
فاخذت لارا تتفقد الفساتين المعروضة بالمحل، لكن لم يلفت نظرها سوى فستان واحد فقط.
خليط مابين اللون الأسود، والبيج مزين بالدانتيل، عاري الصدر، والذراعين.
أخذته من البائعة، ثم دلفت لغرفة القياس لتراه كيف سيصبح عليها حين ترتديه.
ما أن ارتدته، ونظرت إلى انعكاس صورتها بالمرآة، لتشهق غير مصدقة كم يبرز الفستان مفاتنها، ويحدد منحنيات جسدها بدقة، ويبز أنوثتها بشدة.
فتخرج لارا، وهي سعيدة بشدة لتريه إلى دادتها.
وما أن تشاهده الدادة، إلا وتشهق بفزع، وهي تضع يدها على فمها، ثم تهتف في لارا بغضب:
"ما هذا يا لارا؟ أأفقدتِ عقلك؟ أتعلمين لو شاهد ليون هذا الفستان ماذا سيفعل؟ سيغضب بشدة."
أصرت لارا على أن تأخذ الفستان، وأقنعت الدادة أن ليون لن يحضر الحفل، لذلك لن يراه.
خرجت الدادة، وبرفقتها لارا، ثم ذهبوا لمركز التجميل لتصفف لارا شعرها، وتستعد للحفل.
أما ليون، جلس بمكتبه بانتظار صديقه جاك.
عادت لارا إلى المنزل لتصعد الدرج متجهة إلى غرفتها لترتدي الفستان، وتقوم بتفقد نفسها بالمرآة قبل أن تتوجه إلى الحفل لتستقبل ضيوفها.
أثناء حفل عيد ميلاد لارا، الذي وافق ليون على إقامته لها بعد عناء كبير، ولولا تدخل مربيتها لأقنعته لما وافق على إقامته، لكنه وافق بالنهاية على مضض، وهو غاضب، وبشدة.
حين بدأت الموسيقى، ذهب أحد الشبان من أصدقاء لارا، وكانت قد تعرفت عليهم بالمدرسة.
تقدم الشاب ناحية لارا، وطلب منها أن ترافقه للرقص، فوافقت لارا أن ترافقه للرقص، وهي تكاد تطير فرحاً.
كانت سعيدة بذلك الفستان الذي اشترته خصيصاً للحفل، لكنها أخفته، ولم تريه لليون حتى لا يعترض عليه، فهو متزمت دائماً، وبالتأكيد سوف يعترض عليه.
أخذ جون يدور بها إلى أن أخذها لمكان منعزل بالحديقة.
أما ليون، كانت جالس بمكتبه غاضب، بشدة، وتتشعل بداخله براكين الغضب لأنها قد نفذت ما تريده، وأجرت حفل عيد الميلاد، ولم تكتفِ بذلك، بل إنها دعت أناساً غرباء لحضور الحفل، وإن حاول الاعتراض سوف تدعي أنهم أصدقائها.
أثناء ما كان يجلس بمكتبه، وجد باب المكتب يدق، فأمر للطارق بالدخول.
دلف صديقه جاك إلى داخل الغرفة، وهو يهلل فرحاً، ثم غمز لليون بمشاكسة قائلاً:
"صديقي العزيز ليون، لما أنت جالس وحدك بالمكتب، وتترك تلك الفاتنة تحتفل وحدها؟ أوه، لا يجب أن تشاركها حفل مولدها. يا ليون، ما بك يا رجل؟ هل ستظل هكذا تعزل نفسك عن العالم؟"
"اتجه إليه جاك، وجذب يده. هيا يجب أن تبدل ملابسك، وتذهب لتشاركها الحفل. ويجب أن تعلم أني لن أجعلِك ترفض؟ لماذا إذا طلبت مني أن أشتري لها فستاناً بعينه لتهديها لها يوم ميلادها إذا كنت لن تحضر الحفل؟"
صاح به ليون بغضب:
"ابتعد عني جاك، أنا لا أحب أن أشارك في حفلات من هذا النوع، وأنت تعلم ذلك جيداً، لذلك أرجوك لا تلح كثيراً؟"
بعد مناهدة كبيرة، وشد وجذب بين ليون، وجاك، نجح بأن يقنعه أن يذهب ليرتدي بذلة رسمية ليشارك لارا الاحتفال بيوم مولدها.
وأن يقدم لها هديتها بنفسه، وأن لا يرسلها لها مع أحد الخدم مثلما كان ينوي.
بعد أن انتهى ليون من تبديل ملابسه، صفف شعره، ثم نثر عطره المميز، مما زاد من أناقته، وزاده جاذبية.
اقترح عليه جاك أن يسير بدون العكاز، قائلاً له بملامح جادة وهو يرمق صديقه بحب كبير:
"إن بداخلك عزيمة وإرادة، وتستطيع السير من دونه. أنا أثق بك يا ليون، وبقدرتك على السير بدون الاستناد إليه. أنت فقط توهم نفسك يا صديقي العزيز."
ليون بوجه جامد كالصخر:
"لديك كل الحق يا جاك، يجب أن أسير وحدي بدون مساعدته أو مساعدة أي شخص آخر."
استدار إليه ليون، وعانقه بود شديد، ثم تأبط يده، وساروا معاً باتجاه الحفل، وهو يحمل بيده هديتها الذي اختارها له بنفسه، وأرسل جاك ليجلبها لهما.
إن دلف ليون، وبرفقته جاك إلى الحفل، أخذ ليون يبحث بعينيه عن لارا، إلى أن وجدها ترقص برفقة أحد الشباب، وذلك الشاب يحاول مضايقتها، ولارا تحاول تخليص نفسها من بين يديه، لكنه يأبى أن يتركها.
توجه ليون إليها، مسرعاً وهو يقاوم براكين الغضب بداخله كي لا يحطم ذلك الغبي الذي يحاول مضايقتها.
وحين أصبح أمامها، هدر بها غاضباً، وقد برزت عروق وجهه من شدة الغضب، واسودت عيناه.
قال لها وهو يتأملها بنظرات نارية:
"ما هذا الشيء الذي ترتديه؟ هيا الآن اذهبي بدلي ذلك الفستان الآن."
مد يده وجذبها بشدة حتى كادت أن تتعثر، لكنه جذبها ناحيته ليمنعها من السقوط.
حاول صديقها جون أن يعترض طريقه ليأخذه منه، فوقف أمامه ليسد عليه الطريق وقال له بغضب:
"اترك صديقتي، أنا لا أسمح لك بأخذها."
فما كان من ليون سوى أن فقد أعصابه، وأخذ يلكمه حتى كاد الفتى أن يموت بين يديه.
تدخل جاك ليخلصه من يده.
كانت لارا تقف تشاهد ليون، وهي ترتعد من الخوف، وجسدها يرتجف بشدة من شدة ذعرها منه.
هذا ما كانت تخشاه، أن يراها ليون وهي ترتدي ذلك الفستان.
ترى ماذا سيفعل بها الآن؟
التفت إليها ليون، وقد تبعثر شعره من أثر المجهود الذي بذله، وملابسه تلفت من عراكه مع جون.
جذبها من يدها، وملامحه أصبحت حادة كالصخر، وعيناه تطلق شرارات الغضب.
إلى أن أصبح أمام غرفتها.
مد يده أخرج فستاناً ذو لون بيج دون أكمام مطرز بحبات اللؤلؤ، وآخر ذو لون أسمر دون أكمام.
مما جعلها تنظر إليه بصدمة، وهي تضع يدها على فمها، وتشهق غير مصدقة.
ثم تردف قائلة:
"أهذا من أجلي؟"
ليون:
"عيد ميلاد سعيد لارا."
بوجه عابس ومازال يرمقها بغضب، اقترب منها، ثم همس لها.
ثم لانت ملامحه قليلاً، وهمس لها، وطيف ابتسامة غزت شفتيه قائلاً:
"لقد أصبحتِ فتاة كبيرة يا لارا، لكن أحذرك، عليك باتباع أوامري كي لا تتعرضي للعقاب. سأغفر لك اليوم فقط لأنه عيد مولدك."
تهلل وجه لارا، ونظرت إليه سعيدة، ولم تجد ما تعبر به عن امتنانها له، إلا أن وقفت على أطراف أصابعها لتصبح بمستواه، لتلثم خده برقة متناهية، مما يجعل ليون يقف يحدق بها بصدمة مشدوهاً، غير قادر على النطق.
تتركه لارا، ثم تذهب لتبدل ملابسها، ثم تخرج، وقد ارتدت الفستان البيج، وتضع العقد والقرط الذين كانوا برفقة الفستان.
ثم خرجت لتتهادى فوق الدرج بذلك الفستان الذي زادها أنوثة ورقة.
وقف ليون أسفل الدرج ينظر إليها بتيه وشرود، إلى أن أصبحت أمامه.
مد يده لها لتتأبط ذراعه ليذهبوا معاً للحفل.
أصطحبها ليون ليقوم بمراقصتها.
تهمس له لارا بصوت خافت:
"أشكرك سيدي على هذه الهدية الرقيقة، وأشكرك أيضاً لسماحك لي بإقامة الحفل."
أجابها ليون قائلاً:
"لا داعي للشكر، أنت تحت وصايتي، ومن واجبي أن أوفر لك كل سبل الراحة."
امتعضت لارا من حديثه، وصمتت ولم تجبه، كانت تتوقع منه رداً آخر.
أخذ ليون يدور بها على نغمات الموسيقى، ويحاول قدر الإمكان الظهور بوجه جامد حتى لا تنكشف مشاعره أمامها.
ما كاد ليون ينهي الرقصة حتى استمع لصوت أتى من خلفه يقول:
"مرحباً ليون، اشتقت إليك."
واندفعت إليه لتلتم بين يديه.
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل الرابع 4 - بقلم نورا نبيل
تهادت راكيل بثوبها الأسود الذى يكشف أكثر مما يخفى ثم دلفت إلى الحفل متجهة بخطوات واثقة لحيث يقف ليون.
ثم تحدثت إليه قائلة، وهى ترمق لارا بنظرات متعالية، وبضحكة خبيثة:
"ليون اشتقت إليك."
وقبل أن تعطيه الوقت ليجيب، كانت قد ارتمت بين ذراعيه تعانقه. وهو يقف مشدوهاً كأنه أصابه البكم حين شاهدها. ولارا تقف ترمقهم بنظرات غاضبة، وعيناها تشتعلان من الغضب.
تندفع إلى ليون، وترتمي بين يديه ثم تعانقه، وهو يقف مشدوهاً يحدق إليها، وعلامات الاندهاش ترتسم على محياه. لم يرفع يديه ليحاول إبعادها، بل تركها ليرى فقط، ليرى ماذا تريد، وإلى أين سينتهي ذلك المشهد.
شاهدتهم لارا، التي كانت تقف ونظراتها مسلطة على راكيل، وهي تشتعل من شدة الغضب، وكأنها تقاوم رغبة كبيرة لديها بالانقضاض عليها، وجذبها من شعرها، ووضعها أسفل قدميها. لا تدرى ما سر هذا الإحساس الذي انتابها؟ لماذا هي غاضبة؟ إنه لا يعني لها شيئاً، كذلك هو متزمت وقاسٍ، من المستحيل أن تسمح لمشاعرها بالتعمق أكثر من ذلك.
اصطحبها ليون لمكان بعيد عن زحام الحفل، ليستطيع التحدث معها بعيداً عن الإزعاج والعيون المتطفلة.
تحدث ليون إليها محاولاً تمالك أعصابه كي لا ينفجر بها غاضباً:
"ماذا أتى بك إلى هنا؟ أعتقد أن ما بيننا انتهى منذ زمن. لذلك رجاء خاص راكيل، غادري، ولا تريني وجهك مرة أخرى. أنا أشمئز كلما نظرت إلى وجهك."
بصق ليون الناحية الأخرى، ثم هم بالانصراف. لكن راكيل جذبته من يده ليستدير لمواجهتها. ثم حين شاهدت لارا قادمة باتجاههم، أخذت تنتحب لليون بدموع زائفة، وقالت:
"ليون ارجوك سامحني، أنا لازلت أحبك."
ثم اندفعت إليه تقبله بنهم، وهي ترمق لارا بنظرات تشع بالشماتة. دفع ليون راكيل لتبتعد عنه، ثم نظر إليها باشمئزاز، وبصق من فمه أمامها. ثم نظر إليها بغضب، وهو يقاوم براكين الغضب بداخله التي كانت على وشك الانفجار.
قرر أن يلقنها درساً لن تنساه مدى الحياة. جذبها من يدها متجهاً بها إلى خارج المنزل حتى لا يفسد حفل عيد ميلاد لارا. أثناء ما كان يقبض على يدها بشدة، حتى أن راكيل حاولت تحرير يدها من قبضته، لكنه لم يتركها، بل اشتدت قبضته لتصبح كالفولاذ.
حين أصبح ليون خارج القصر، أخذ منها مفاتيح سيارتها، ثم فتحها، وزجها بعنف داخل سيارتها، وهدر بها بغضب قائلاً، وقد اسودت عيناه من شدة غضبه، وقست ملامح وجهه لتصبح كالصخر بحدتها:
"أياك أن أشاهدك مرة أخرى راكيل، وإلا لن يعجبك ما قد أفعله بك. ساعتها كفى عن أفعالك القذرة تلك، وأساليبك الملتوية. ما بيننا قد انتهى منذ زمن."
هتفت به راكيل، وهي تنتحب بدموع زائفة:
"إلى هذه الدرجة قد أعماك حب تلك الطفلة؟ لقد تغير ذوقك كثيراً ليون. لم أكن أعلم أنك تحب معاشرة المراهقات؟ كنت أظن أنك لا تزال تحبني؟ أنسيت ماذا فعلت بالماضي حتى أوافق على الزواج بك؟ لقد عانيت كثيراً في ابتعادك عني. صدقني ليون، كنت ومازلت أحبك. أنت لا تعلم ماذا فعلت حين علمت بأن لك حادث. أعطني فرصة لأشرح لك عما حدث. أقسم ليون أنني أحبك. أرجوك ليون، فقط فرصة واحدة."
ما إن استمع ليون لحديثها، إلا وانفجرت بداخله براكين الغضب الذي حاول كثيراً السيطرة عليه. لكن تماديها في إهانة لارا هو ما أغضبه. فقام بجذبها خارج السيارة، وقد تحولت ملامحه لتصبح مرعبة لراكيل، التي كانت تنظر إليه برعب، وهي ترتجف من هيئته. فقد احمرت عيناه بشدة وتحولت ملامح وجهه لتصبح كالصخر. ثم جذبها من شعرها، وصفعها على وجهها بشدة قائلاً:
"أنت إنسانة مستهترة عديمة الحياء. كيف تجرؤين على التفوه بهذا الحديث؟ القذر مثلك، اغربي عن وجهي، لا أود رؤيتك بأي مكان، وإلا أنا لست مسؤولاً عما قد يحدث لك وقتها. وأحذرك، ابتعدي عن لارا، لا شأن لك بها. إياك أن تحاولي مضايقتها؟ وإلا أقسم أنني سوف أنال منك بطريقتي، وسأجعلك تندمين أشد الندم."
تحدثت إليه راكيل، وهي ترمقه بنظرات خبيثة، وقالت:
"أنت من اخترت أن نكون أعداء، لذلك انتظر ليون، لنا لقاء آخر. تذكر ذلك جيداً. كل ما كنت أريده أن أتحدث معك قليلاً، لم أطلب أكثر من ذلك."
استقلت السيارة، وداخلها يغلي من الغضب، وأقسمت أن تنتقم من تلك المراهقة أشد انتقام. يبدو أنها قد سحرته، حتى أنه نسي تماماً عشقه لها. لقد كاد يقبل يديها حين تقدم للزواج منها لتوافق عليه؟ رفعت يدها، وأزالت الدموع التي انهمرت رغم عنها تشق طريقها على خديها، ثم قادت السيارة مبتعدة.
ساور ليون القلق من حديث راكيل، فهو لا يعلم ما الذي تنوي فعله تلك الحية الرقطاء. ما ذنب لارا لتحمل ثمن أخطائها؟ ثم إن حديثها أغضبه بشدة، وأعاد إليه الماضي بكل ما حدث به، مما فتح بقلبه جرحاً قد ظن أنه اندمل منذ زمن، إلى أن أتت تلك الحقيرة لتنبش جراحه من جديد.
عاد إلى الداخل بوجه جامد كالصخر، ويبدو الحزن على ملامحه، ويسير كأنه غائب عن العالم. ثم توجه إلى غرفة مكتبه، وأغلق عليه. مما أغضب لارا بشدة، فكيف له أن يترك الحفل ويغادر هكذا؟ أليس هذا يوم مولدها؟
حدثت نفسها قائلة:
"جيد أنه لم يبق حتى أستطيع أن آخذ راحتي في الحفل."
ثم دبدبت في الأرض بغضب طفولي قائلة:
"لكن ترى ما ذا قالت له تلك الحيزبوبنة؟ ليجعله يعود كأن كل شياطين الأرض تلاحقه."
ثم جلس خلف مكتبه، وقد شرد بخياله إلى الماضي، كأن الماضي تجسد أمامه مرة أخرى من جديد.
"فلاش باك"
تذكر يوم تعرف بها لأول مرة، كان في حفل بمنزلهم، كان قد قام والدها بدعوته لحضور حفل عيد ميلادها. قدمها والدها إليه قائلاً:
"سيد ليون، أعرفك بابنتي راكيل."
مد ليون يده ليصافحها بود شديد. ومنذ ذلك اليوم، أعجب بها ليون، وتعلق قلبه بها، ودق قلبه لها. وبالفعل، بعد عدة لقاءات، تقدم لخطبتها. وكان ذلك اليوم من أسعد أيام حياته، حتى أنه كاد يرقص فرحاً بقرب تحقيق حلمه، وارتباطه بحبيبته. كان يجلب لها كل شيء تطلبه منه، ولا يرفض لها طلباً.
إلى أن جاء اليوم المشؤوم الذي كان به يوم زفافه. ومن شدة لهفته للذهاب لجلبها من منزلها لينتهي مراسم الزواج، كان يقود سيارته بسرعة جنونية، ولم ينتبه لتلك السيارة النقل الكبيرة القادمة باتجاهه، لتصطدم سيارته بها، لتنقلب السيارة عدة مرات، لينقل ليون على أثرها للمشفى. وحين علم صديقه جاك، أسرع إلى المشفى ليرى كيف هي حالته.
انتظر جاك أمام غرفة العمليات حتى خرج الطبيب من الغرفة. تحدث إليه جاك بلهفة ونظراته قلقة قائلاً:
"كيف هي حالته الآن أيها الطبيب؟ أرجوك طمئني عليه. هل هو بخير؟"
الطبيب بصوت جاد:
"أنا آسف، لقد بذلنا كل جهدنا للخروج من الحادث بأقل الخسائر، لكنه ويا للأسف قد أصيب بشلل كامل. لكني من يدري، ربما مع الوقت نستطيع إجراء عملية جراحية له فيعود كما كان."
استند صديقه إلى الحائط، وأخذ ينتحب بحزن شديد عما قد أصاب صديقه العزيز، وكيف سيواجه تلك الحقيقة المرة حين ينتهي مفعول المخدر.
بعد عدة أيام من إصابته، جلس جاك إلى جواره، وأخبره بأنه أصيب، لكنه قد أصر على أن يعرض حالته على كونسلتو من الأطباء ليقرروا ما يجب فعله. في البداية، غضب ليون بشدة، وأخذ يبكي بألم، وقال:
"لجاك، أين راكيل؟ أود رؤيتها. جاك، أرجوك أرسل بطلبها."
تحدث جاك إليه، وهو يتحاشى النظر بعينيه:
"حدثتها ليون، فقالت لي إنها تحبك، لكن والدها قد منعها من الخروج، وأنه قد أغلق عليها غرفتها، وهي سوف تبذل كل جهدها لتأتي إليك."
حزن ليون بشدة، وسالت دموعه، وأخذ ينتحب على حالته. جلس جاك إلى جواره محاولاً أن يهدئ من روعه، ويحاول طمئنته أنه بقوة إرادته سوف يتغلب على المرض، ويعود قوياً كما كان.
بعد أن تم عرض حالته على مجموعة أطباء، قرروا أنه يجب أن يُجرى جراحة عاجلة في العمود الفقري. وبالفعل، أجرى ليون الجراحة، وخرج منها سالماً، لكن الأطباء قد أمروه أن يلازم كرسياً متحركاً لمدة لا تقل عن عام، وأنه يجب أن يداوم على جلسات العلاج الطبيعي ليستطيع الوقوف على قدميه مرة أخرى. ومع الوقت والمثابرة، ووقوف صديقه إلى جواره، استطاع أن يمشي بمساعدة عكاز، رغم أنه يستطيع أن يمشي بدونه، إلا أنه كان كالغريق الذي يتعلق بقشة، كان خياله يصور له أنه لو تخلى عنه فسوف يسقط. لولا أن جاك أقنعه أنه يستطيع السير بدونه، لبقي طوال حياته يعتمد عليه.
وتلك التي تدعي أنها تحبه، حاول كثيراً محادثتها فلم تفلح أي من محاولاته، ورفضت تماماً أن تجيب على اتصالاته، حتى أنه ذهب لمنزلها فأخبره الخدم أنها غير موجودة. فلماذا إذن الآن قد أتت إليه؟
عاد ليون من شروده على صوت طرقات على باب الغرفة. اعتدل بجلسته، ثم تحدث قائلاً:
"تفضل، ادخل."
دلف صديقه إلى الداخل، ثم تحدث بمرح قائلاً:
"ما بك ليون؟ لماذا عدت للاختلاء بنفسك مرة أخرى، وتركت الحفل؟"
ليون:
"ليس لي رغبة بالبقاء وسط كل هذا الضجيج، أريد أن أختلي بنفسي قليلاً يا جاك."
جاك:
"ليون، أنت تعلم أني أعرفك أكثر من نفسك. هل ضايقتك تلك الحقيرة؟ هل قالت لك شيئاً يزعجك؟ أنا متأكد أنها هي وراء حالة الضيق التي انتابتك الآن."
ليون:
"لا تقلق يا صديقي، أنا بخير. كل ما هناك أني شعرت أن رأسي يؤلمني، ففضلت الاختلاء بنفسي قليلاً. أنا سوف آخذ قرص مسكن، وسوف أذهب لغرفتي لأرتاح قليلاً."
جاك:
"حسناً صديقي، وأنا سأبقى بضع دقائق أخرى، ثم سوف أغادر، لأن لدي عمل في الصباح."
ليون:
"حسناً يا صديقي."
ثم أردف قائلاً بود حقيقي:
"شكراً لك يا جاك، لولا وجودك ودعمك الدائم لي، ما كنت قد استطعت أن أتجاوز كل ما مررت به من محن."
عانقه جاك بود، وتركه، وغادر.
خرج ليون من مكتبه متجهاً لغرفته، ثم بدل ملابسه، واستلقى بالفراش، وحاول كثيراً أن يتناسى تلك الضوضاء المزعجة بالخارج، وأن يخلد للنوم. لكنه لم يفلح.
نهض، ثم اعتدل في الفراش، وضغط على زر استدعاء الخدم. حين جاءت له الخادمة، قالت:
"مساء الخير سيدي. أنا في خدمتك، هل تأمرني بشيء؟"
ليون:
"نعم، اذهبي إلى لارا، أخبريها أن هذا يكفي، وأن تصعد لغرفتها، واجلبي لي كوباً من الحليب."
الخادمة:
"حسناً سيدي، أنا في خدمتك، سوف أخبرها."
ذهبت الخادمة لتخبر لارا. حين وصلت إلى حيث توجد لارا، قالت لها:
"آنسة لارا، السيد ليون يقول لكِ أنهي الحفل الآن، واذهبي لغرفتك."
لارا بغضب، وهي تدبدب بقدمها في الأرض:
"ولكن الوقت لا يزال باكراً، وأنا كنت أتمنى البقاء وقتاً أطول مع أصدقائي."
الخادمة:
"يكفي هذا يا ابنتي، يجب أن تتبعي أوامره حتى لا يغضب منك."
لارا بتأفف، وهي تلوّي فمها بامتعاض:
"حسناً، سوف أنهيه، وأذهب للسجن الذي يود دائماً أن يسجنني به."
توجهت لارا لأصدقائها، واستأذنت منهم، تحججت أنها قد تعبت، وتود نيل قسط من الراحة.
اقترب منها أحد أصدقائها، ثم همس لها قائلاً:
"نحن سوف نذهب لإكمال الحفل بأحد الملاهي الليلة، فما لا تأتين لتنضمي إلينا؟ وأنا سوف انتظرك لتبدلي ملابسك، وأصطحبك بالسيارة."
لارا:
"آسفة، لا أستطيع، فلو علم ليون سوف يغضب مني بشدة."
ماك:
"انتظريه إلى أن ينام، ثم غادري القصر من الباب الخلفي، وسأكون بانتظارك. يجب أن تستمتعي بحياتك، إنه يوم مولدك."
لارا تفكر، وهي تحك طرف رأسها:
"حسناً، انتظرني يا ماك، وحين أجد الفرصة مناسبة، سوف آتي لنغادر سوياً."
ذهبت لارا لغرفتها، ثم بدلت ملابسها بفستان أسود قصير بدون أكمام، عاري الصدر، يصل إلى فوق ركبتها بقليل. ثم استلقت بالفراش، وجذبت الأغطية فوقها، إلى أن مر وقت طويل. ثم نهضت، وأمسكت حذاءها بيدها، وخرجت من غرفتها تتسلل ببطء، وضربات قلبها تكاد تكون مسموعة، وداخلها يرتجف من الخوف. كانت تخشى لو رآها ليون، ترى ماذا سيفعل بها؟
هبطت الدرج بخطوات سريعة، إلى أن أصبحت أمام باب الخروج، وما أن همت بفتح الباب، إلا واستمعت لصوته الأجش الذي تعرفه جيداً، وهو يقول من خلفها بغضب شديد:
"لارا، إلى أين تظنين أنك ذاهبة بهذا الرداء الخليع؟"
تسمرت لارا بمكانها بفزع، وهي ترتجف من شدة الخوف.
يتبع...
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل الخامس 5 - بقلم نورا نبيل
أثناء ما كان ليون يجلس بغرفته غير قادر على النوم، جاءت إليه الخادمة بكوب من الحليب. فمد يده ليتناوله منها، ثم ارتشف منه عدة رشفات. وضع الكوب على المنضدة المجاورة له حين رأى أن الخادمة لا تزال تقف كأنها تريد قول شيء لكنها مترددة.
رمقها ليون بنظرات استفهام، ثم قال لها:
"مابك؟ أرى أنك تودين قول شيء لكنك مترددة. لذلك هيا تحدثي، أنا أستمع إليك."
أردفت الخادمة قائلة بصوت قلق:
"نعم سيدي، أريد أن أنبهك لشئ هام جداً عن الآنسة لارا. لقد استمعت لحديثها مع أحد أصدقائها بعد أن أخبرتها بما أمرتني أن أبلغها إياه. ثم ما كدت أن أبتعد سيدي إلا وقد استمعت لحديثها مع أحد الشباب يخبرها أنه سينتظرها بسيارته ليرافقها إلى أحد الملاهي الليلية. لذلك جئت لأخبرك أنها ستحاول الليلة أن تتسلل خارج المنزل لترافقه إلى أحد الملاهي الليلية."
ضغط ليون على فكيه بغضب، وقد برزت عروق وجهه من شدة غضبه. ثم أشار للخادمة بالانصراف، وارتدى الروب فوق ملابس النوم، ثم هبط الدرج متوجهاً إلى الطابق الأرضي. ثم جلس بغرفة الاستقبال بمكان متوارٍ عن الأنظار، وأطفأ الأنوار، وجلس بانتظارها.
مر وقت ليس بقليل، وهو لا يزال يجلس بانتظارها. ثم حين كان يجلس بانتظارها تناهى إلى مسامعه صوت خطواتها وهي تهبط على الدرج مسرعة. بقى مختبئاً بمكانه، وتركها حتى أصبحت على وشك أن تدير مقبض الباب.
أما لارا، أثناء مغادرتها القصر وهي تتسلل لكي لا يلاحظ أحد خروجها، استمعت لصوته الأجش من خلفها يقول بغضب:
"إلى أين تظنين أنك ذاهبة الآن، وبهذا الفستان غير المحتشم؟"
تسمرت بمكانها، وهي ترتعد من الخوف خشية أن يعاقبها لعدم تنفيذها لأوامره. لكنها استجمعت شتات نفسها، والتفتت إليه لتجده يحدق بها بغضب. فتحدثت بصوت حاولت أن يبدو عادياً، قائلة:
"ماذا هناك ليون؟ أنا ذاهبة لأستنشق بعض الهواء، أليس مسموحاً لي بذلك أيضاً؟"
تأملها ليون من رأسها حتى أخمص قدميها، ورمقها بنظرات غامضة وهو يضيق عينيه. ثم هتف بها بصوت غاضب:
"تستنشقين بعض الهواء!! في مثل هذا الوقت؟ وبهذه الملابس الخليعة؟ أم أنك ذاهبة إلى إحدى الملاهي الليلية مع أحد رفقائك التافهين؟ فليكن بعلمك أني عندي علم بكل ما كنت تنوين فعله. والآن هيا عودي لغرفتك، لن تذهبي إلى أي مكان. وبالصباح لي حديث آخر معك، ولن تتخيلي لارا بماذا سأعاقبك؟ لقد حذرتك أكثر من مرة، لكنك دائماً تصرين على معارضتي."
قالت لارا:
"ما به ردائي ليون؟ ما الذي يعيبه؟ أنت دائماً تصر أن تنتقد كل ما أفعله."
ثم ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت أن تسيطر على مشاعر الخوف بداخلها. ثم هتفت قائلة:
"ثم إنك لا يحق لك التدخل فيما أرتديه، أنا لست جارية لك."
ما أن استمع ليون لحديثها، اقترب منها وجذبها من يدها بشدة ألمتها. ثم هدر بها غاضباً:
"نعم لارا، لي كل الحق بالتدخل في كل شيء يخصك طالما أنك تحت وصايتي، وأنا مسؤول عنك. لذلك لارا، أقسم لك سأعاقبك عقاباً لن تتخيليه. هيا غادري لغرفتك، لا أريد أن أرى وجهك الآن."
ركضت لارا إلى أعلى متسلقة الدرج، وهي تحدث نفسها بغضب، وهي تدبدب بقدمها بالأرض قائلة:
"يا إلهي، يا لك من شخص بغيض قاسٍ ومعقد! أنا لا أدري لماذا يصر دائماً أن يتحكم بي؟"
ما كادت لارا تصعد إلى أعلى إلا وقد استمعت لصوت بوق سيارة ماك ينطلق لتنبيهها أنه بانتظارها. فوقفت أعلى الدرج، وهي ترتجف من الخوف، وقد علت دقات قلبها حتى كادت تكون مسموعة.
أخذت تلعن ماك الغبي قائلة:
"أيها الغبي، لقد اتفقنا أن لا تصدر صوتاً! أنت شخص بغيض! يا إلهي، ماذا أفعل الآن؟ لو انتبه ليون لمصدر الصوت سيشدد عقابه لي."
أخذ ماك يطلق بوق سيارته ثلاث مرات متواصلة. لكن ليون أزعجه ذلك الصوت، فأمر الخدم أن يتفقدوا سبب هذا الصوت المزعج.
ذهب أحد الخدم مثلما قال له ليون ليرى من ذلك المزعج الذي يطلق بوق سيارته دون توقف. ذهب أحد الخدم ليبحث عن مصدر هذا الصوت المزعج. وبمجرد ما شاهد ماك ينتظر داخل سيارته، ويده تضغط على بوق السيارة، وهو يتلفت حوله بقلق ونظرات زائغة خوفاً من أن يشاهده أي شخص من داخل القصر.
ما أن شاهده الخادم، ذهب باتجاهه ثم هتف به قائلاً:
"أنت يا هذا! كف عن الضوضاء التي تصدرها، وارفع يدك عن بوق السيارة قليلاً، وهيّا غادر المكان حالاً."
أدار ماك سيارته، وانطلق مسرعاً بها، وهو يلعن تلك الفتاة التي أخبرته أنها سوف تأتي إليه بمجرد أن تسنح لها الفرصة.
"تلك الغبية! لن أصدقها مرة أخرى."
ثم قاد سيارته بسرعة جنونية مبتعداً عن القصر.
أسرعت لارا بتسلق الدرج، ثم دلفت إلى غرفتها، وبدلت ملابسها، واستلقت بالفراش، وتدثرت بالغطاء. ثم بعد قليل راحت بسبات عميق.
دلف ليون إلى غرفة مكتبه، جلس بها، وأخذ يفكر بماذا سوف يعاقب لارا. ثم أخذ يحدث نفسه متسائلاً قائلاً:
"أنا لا أدري لماذا كلما شاهدتها أشعر بشعور مبهم ينتابني. كلا، أنا لن أدع تلك الصغيرة تسيطر على مشاعري. فمهما كانت هي فتاة صغيرة، الحياة أمامها، وليس من حقه أن يفرض عليها أن تبقى بحياتي. يجب أن أرسلها بعيداً جداً. لأنني مهما مرت السنوات سيظل الماضي دائماً حاجزاً بيننا، بل سيظل مشكلتي الأبدية. لن تستطيع أبداً هي أن تسبر أغواره، أو أن تتفهم حقيقة شعوره. فقلبه ينزف منذ أعوام عديدة، وجرحه لا يندمل. فمهما مرت السنوات عليه، قلبه أصبح كأرض عطشى، كلما مر عليه الوقت يزداد الجرح عمقاً. أما هي، فما زالت كنبتة ندية، يخشى عليها من ظلام روحه."
بقى ليون جالساً بمكتبه حتى ساعات الصباح الأولى، وقد أرهقه كثرة التفكير. ثم حين شعر بأنه قد أنهكه كثرة الجلوس بالمكتب، نهض متوجهاً لغرفته، وقد اتخذ قراره وعزم على تنفيذه بمجرد أن ينهض من نومه.
في الصباح، نهضت لارا، ثم اغتسلت، وبدلت ملابسها، وهبطت إلى الطابق الأرضي لتتناول الإفطار. أخذت لارا تبحث بعينها عن ليون في أرجاء المكان، لكنها لم تجده، فتعجبت كثيراً، لكن انتابها، ولو قليلاً، من الراحة لعدم تواجده معها على مائدة الإفطار.
وضعت الخادمة الطعام على الإفطار، ثم همت بالانصراف. فقالت لها لارا:
"أين السيد ليون؟ لماذا لم يأت لتناول الإفطار؟"
ردت الخادمة:
"إنه ما زال نائماً، لم ينهض بعد، وحين ينهض سوف يرسل بطلبي."
تناولت لارا الإفطار، ثم حين انتهت من تناول الإفطار، خطرت لها فكرة مجنونة وصممت على أن تقوم بتنفيذها، لعل ليون قلبه يرق إليها، ولا يقوم بمعاقبتها.
نهضت لارا، ثم اتجهت إلى المطبخ، وطلبت من الطاهية أن تسمح لها بإعداد طعام الإفطار والغداء، وأن تخبرها كيف تعده. وافقت الخادمة بعد أن أصرت لارا أن تعد الطعام بنفسها، وقالت لها:
"يمكنك تناول كوب العصير الطازج هذا بينما ينهض السيد ليون، وأن تساعديني بتحضير المكونات لطعام الغداء."
انهمكت لارا في إعداد المكونات لطعام الغداء. بعد أن شعرت أن قد أرهقها من شدة المجهود الذي بذلته، جلست على أقرب مقعد تنال قسطاً من الراحة، وترتشف من عصير الليمون بالنعناع المثلج التي أعدتها لها ليساعدها على الانتعاش قليلاً.
ثم أثناء ما كانت تجلس، تناهى إلى سمعها صوت الجرس. فعرفت على الفور أن ليون استيقظ. فأرسلت الطاهية الخادمة إليه لترى ماذا يريد.
ذهبت الخادمة مسرعة لترى ماذا يريد ليون. حين أصبحت أمام غرفته، طرقت الباب. أمرها ليون بالدخول، فا فتحت الباب، ودلفت إلى الداخل. تحدثت إليه قائلة:
"صباح الخير سيدي، هل تود أن أجلب لك شيئاً؟"
قال ليون:
"صباح الخير، أعدي لي طعام الإفطار، واجلبيه إلى هنا إلى أن أبدل ملابسي."
ردت الخادمة:
"حسناً سيدي، سأعده وآتي به سريعاً."
عادت الخادمة لتخبر الطاهية بما أمرها به ليون. نهضت لارا، وأخذت تعد هي طعام الإفطار لليون، متبعة إرشادات الطاهية. كان الطعام يتكون من البيض المقلي، وفطائر الجبن، وعصير البرتقال. ووضعت لارا الطعام على الصينية، وأرفقت به زهرة الجوري الحمراء. ثم حملت الصينية متوجهة لغرفة ليون. طرقت الباب، ثم دلفت إلى الداخل لتجده يجلس على الفراش بعد أن بدل ملابسه، وصفف شعره، ورائحة عطره تفوح بجو الغرفة.
أغمضت عينيها تستمع برائحة عطره التي دائماً تسحره. تفاجأ ليون بأنها هي من تحمل صينية الطعام. نظر إليها بتعجب، ثم قال لها:
"مرحباً لارا، لماذا لم تأت بها الخادمة؟" قال ذلك، وهو يشير إلى صينية الطعام.
ابتسمت لارا، وهي ترمقه بنظرات إعجاب، وأعادت بعض خصلات شعرها الذي انسدل على وجهها. مما جعل ليون يحدق إليها مشدوهاً برقتها المتناهية، وبهيئتها البريئة، كأنها ألقت عليه تعويذة سحرها.
اقتربت لارا منه، ثم وضعت صينية الطعام على المنضدة المجاورة، وجلبت منضدة صغيرة لتضعها أمامه، ثم وضعت المنضدة أمامه، ووضعت عليها صينية الطعام. ثم تحدثت إليه قائلة بصوت ساحر:
"لقد أعددت لك طعام الإفطار، أتمنى أن ينال إعجابك."
ثم أكملت قائلة:
"هل تريد شيئاً آخر؟ أعده لك."
انتبه ليون من شروده، وحاول أن تبدو ملامحه جادة، حتى لا تظن لارا أنه يكن لها أي مشاعر. أجابها قائلاً:
"شكراً لك لارا، الطعام يبدو شهياً جداً."
قالت لارا:
"لا داعي للشكر، أتمنى فقط أن ينال إعجابك."
غادرت لارا الغرفة، وتركته يتخبط بين شتى المشاعر، ما بين فرحته باهتمامها به، وإعدادها الطعام بنفسها من أجله، وبين رغبته بأن يبتعد عنها لأقصى بقاع الأرض حتى لا تغلبه المشاعر الغريبة التي بدأت تجتاح قلبه.
مد يده وأخذ قضمة من فطيرة الجبن، فأغمض عينيه يستمتع بمذاقها الرائع، ثم هتف لنفسه قائلاً:
"واو، إنه رائع، مذاقه جيد جداً. الفتاة تبدو طاهية ماهرة."
أنهى تناول الطعام، ثم أمسك بكوب العصير ليرتشف منه عدة رشفات، ثم أخذ يغمغم قائلاً:
"ياله من رائع، يبدو مذاقه رائع جداً."
نهض بعد أن انتهى من تناول الطعام، وهبط إلى الأسفل ليبحث عن لارا. أخذ ينادي عليها، وبيده زهرة الجوري التي وضعتها لارا بجانب الطعام.
أتت إليه لارا مسرعة من داخل المطبخ. تعجب ليون حين شاهدها تخرج من المطبخ. مد يده إليها بالزهرة قائلاً:
"أشكرك لارا على الإفطار، سلمت يداك، لقد كان رائعاً. لكن لدي تساؤل، لماذا قمت بإعداده اليوم؟"
قالت لارا:
"فقط أردت أن أعتذر لك عن تهوري بالأمس، ليون، أنا آسفة أني في الآونة الأخيرة قد أزعجتك كثيراً، ولم أستمع لنصائحك."
نظر إليها ليون بغموض، وهو يتساءل بينه وبين نفسه:
"ترى ما سر هذا التغير المفاجئ؟ ربما هي تفعل ذلك ليعفو عنها؟ لو كان ذلك صحيحاً لن يحدث، وسأعاقبها مثلما قررت."
تحدث إليها ليون، وهو يرمقها بغموض قائلاً:
"حسناً لارا، لا داعي للاعتذار. أنت ما زلت صغيرة، وغير مدركة للمخاطر التي تعرضين نفسك لها."
تحدثت لارا إليه برقة:
"أشكرك ليون، هل تريد أن أعد لك شيئاً؟"
قال ليون:
"شكراً لك لارا، لا شيء، سأذهب لأتمشى قليلاً."
خرج ليون ليتمشى قليلاً كعادته كل يوم بعد أن يتناول الإفطار. أما لارا، عادت لتعد له طعام الغداء، وهي تتبع إرشادات الطاهية.
حين عاد ليون إلى المنزل، دلف إلى مكتبه، ثم أجرى بعض المكالمات التليفونية، وكلف صديقه جاك أن يأخذ أوراق لارا من مدرستها العادية، ويجلبها إليه. انهمك ليون بمراجعة بعض الأوراق الخاصة بالعمل إلى أن شعر بالإرهاق الشديد، فنهض لينال قسطاً من الراحة على الأريكة.
استلقى ليون على الأريكة لينال قسطاً من الراحة. بعد وقت قليل، غفى ليون على الأريكة. انتهت لارا من إعداد طعام الغذاء، وصنعت أيضاً بعض حلوى الكريمة التي يحبها ليون، بعد أن أعدت له طاجن اللحم بالخضار، مع ملفوف ورق العنب باللحم المفروم والتوابل.
ذهبت لارا إلى مكتبه لتطرق الباب عليه، فلم يجب. دلفت إلى الداخل بهدوء تبحث عنه بعينيها إلى أن وجدته نائماً على الأريكة. فأقتربت منه ببطء شديد، وأخذت تتأمله بإعجاب شديد، وقد شردت بملامحه. انسدلت خصلة من شعره على عينيه، مدت يدها لتزيحها.
ففتح ليون عينيه على أثر لمستها للوجه. تفاجأ بها قريبة جداً منه، حتى أن أنفاسها تلفح صفحة وجهه. رفع عينيه لتقابل عينيها بنظرات طويلة، بقى يحدق إليها كأنه غائب عن العالم، وغرق ببحور عينيها. وجد نفسه يحدق بشفتيها دون إرادته، إلى أن أصبح على بعد سنتيمترات من شفتيها. لم يشعر بنفسه إلا وقد التهم شفتيها بقبلة عميقة طويلة، وهو يقربها منه أكثر.
ثم ابتعد عنها، وقد تحولت ملامحه للغضب، غضبه من نفسه ليس أكثر.
"فكيف له أن يضعف إلى هذا الحد؟ إنها ليست سوى فتاة صغيرة."
ابتعد عنها، وتركها، وخرج مسرعاً من مكتبه كأن كل شيطان الأرض تلاحقه. استقل سيارته، ثم أخذ يدور بها كثيراً بالشوارع إلى أن هدأ غضبه قليلاً، فأعاد إلى المنزل.
وجد لارا التي كانت تجلس بانتظاره. ذهبت لارا إليه، وقد غزت حمرة الخجل وجهها. سألته قائلة:
"أين كنت ليون؟ لقد تأخرت كثيراً بالخارج، ولم تتناول طعام الغداء."
صاح بها ليون غاضباً:
"ما شأنك أنت؟ متى أعود؟ وإلى أين أذهب؟ ابتعدي عني، ومن الغد سأرسلك بعيداً عن هنا حتى يعاد تربيتك من جديد."
ثم دفعها بيده، وصعد إلى غرفته، وأغلق عليه باب غرفته، ثم جلس بغرفته يحدث نفسه بغضب قائلاً:
"كيف تماديت في مشاعري تجاهها؟ كم أنا غبي وعديم المسؤولية، فهي ليست سوى طفلة صغيرة."
جلست لارا تنتحب بقهرة، وتعنف نفسها قائلة:
"أنا غبية حمقاء حين ظننت أن قلبه تحرك من ناحيتي. حسناً، فليُرسلني إلى أي مكان، المهم أن يكون بعيداً عنه. لقد كنت مخطئة حين ظننت أنه سوف يؤثر به أن أهتم بما يحبه."
مر اليوم، وفي الصباح، استيقظ ليون، وأمر الخادمة أن تبلغ لارا أن ترتدي ملابسها، وأن تخبر مربيتها أن تعد لها حقيبتها.
قامت الخادمة بإخبار لارا بما طلبه منها ليون. قلقت لارا من ما يريده ليون، ولماذا يريد منها أن ترتدي ملابس للخروج الآن؟ نهضت اغتسلت، ثم ارتدت ملابسها، ورافقها المربية حاملة حقيبتها.
أمر ليون الخادمة بوضع الحقيبة بالسيارة، ثم ساعدها على أن تصعد إلى السيارة، ثم قاد السيارة بسرعة غير عادية، وانطلق بها. وطوال الطريق، والغضب يحتل ملامح وجهه، ولم يحدثها بكلمة واحدة.
ثم حين وصل إلى وجهته، أمرها بالترجل من السيارة. وحين ترجلت لارا من السيارة، رفعت رأسها لتتأمل المبنى الذي توقف أمامه. فشهقت بغضب حين قرأت اللافته.
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل السادس 6 - بقلم نورا نبيل
“مشاعر حائرة”
ترجل ليون من سيارته ، وبرفقته لارا ، تطلعت لارا الى اللا فته المعلقه على المبنى لتشهق بفزع ،وهى ترمق ليون بنظرات مترجيه كأنها ترجوة الا يتركها هنا لكن ليون اشاح بعينيه عنها حتى لا تؤثر على القرار الذى أتخذة.
،وقفت لارا أمامه.
ثم تحدثت اليه،وهى ترمقه بنظرات مليئه باللوم ،والعتاب
ثم هتفت به بصوت حزين :-
ليون انها مدرسه داخليه هل ستتركنى هنا وحدى؟ .
ارجوك ليون لا اريد البقاء هنا انا على استعداد لتنفيذ اى طلب تطلبه لكن ارجوك ليون لا تتركنى هنا.
نظر ليون بالناحيه الاخرى متجنبا النظر بعينيها حتى لايضعف ، ويعدل عن قرارة.،وامسك يدها متجها بها الى داخل مبنى المدرسه الداخليه.
اخذها ودلف الى مكتب المديرة ،وانهى الاجراءت اللازمه لألتحاقها بالمدرسه .
واوصى عليها المديرة ان تعتنى بها جيدا.
ثم تركها دون ان ينظر ناحيتها ،وغادر مسرعا ثم
ماكاد ليون أن يغادر المدرسه التى اودع بها لارا بعد ان الأجراءات .
كان يسير بخطوات سريعه كأنه يفر منها ، ومن مشاعرة المتأججه بداخله ،فلو بقى اكثر من ذلك لا أصطحبها مغادر هذا المكان عائدا الى القصر ،سيظل دائما يتذكر نظرات اللوم ، والقهر بعينها حاول كثيرا الا تقابل عينيه عينيها .
حتى لا يضعف امامها ، فبداخله نار مشتعله لا يستيطع
اخمادها زفر بغضب قائلا:-
يا ألهى ماذا فعلت بى تلك الصغيرة قلبى يؤلمنى بشده من اجلها اى تعويذة سحريه القتها على تلك المشاكسه.
اغمض عينيه ليسيطر على مشاعرة المتأججه بداخله .
ماكاد يبعتد بضعه خطوات عن سيارته تفاجئ بلارا ترتمى بين يديه ،وتبكى بلوعه ،وقهر فوق صدرة.
اندهش ليون بشده من فعلتها تلك ،وتشتت مشاعرة بقوة مابين رغبته بضمها لصدرة، وتشديد عناقه لها ، وما بين قسوته عليها ، وزجها بعيد ا عنه.
بالنهايه تغلب قلبه على عقله ، واحاطها بذاعيه ،مقربا اياها من صدرة ،وقلبه يخفق بعنف مفرط ،
ربت عليها بود ،وابعدها عنه ليقوم بمسح دموعها التى كانت كأنها نار مستعرة تشتعل بقلبه .
تحدثت اليه لارا
من بين شهقاتها ،وهى ترتجف من اثر البكاء قائله :-
ارجوك ليون لا تتركنى هنا عاقبنى بأى شئ لكن لاتتركنى هنا وحدى ثم اخذت تتهته من بين دموعها واكملت حديثها لو بقيت هنا سأموت ليون رجاء سأكون مطيعه.
زفر ليون عدة مرات ليهدئ اعصابه قليلا حتى يستيطع مواجهتها.
ثم قام بأزاله الدموع من على وجهها ،وتحدث اليه بصوت جاد قائلا:-
أستمعى الى جيدا لارا هذا من اجلك من اجل مصلحتك يا صغيرتى ،ثم من قال انى سأتركك كلا مشاكستى الصغيرة سأحضر لزيارتك دائما ، وبرفقتى مربيتك ،واعدك انى
سأحضر لك أشياء كثيرة جميله ،وبعطله نصف العام سأفا جئك مفاجائه ستعجبك كثيرا.
هل انت راضيه الأن مشاكستى الصغيرة؟
لارا بتذمر ، وغضب طفولى :-
كلا لست راضيه اريد ان اعود معك للمنزل ليون لا احب البقاء هنا.
زفر ليون بغضب ،وهو يمسح على رأسه عده مرات ليهدئ قليلا .
ثم حدثها قائلا،وهو يحاول تمالك اعصابه :-
لارا هذا قرار نهائى لارجعه فيه لذلك عودى الأن الى الداخل هيا ،وكونى مطيعه كى اكافئك،والا فأنت تعلمين كيف سأعاقبك ؟
لار ا :-
بغضب شديد لكن ليون انا لا ارتاح لهذا المكان ارجوك لا تتخلى عنى ، وتتركنى به.
هدر ليون بها غاضبا :-
لارا عودى الى الداخل رجاء لا أريد أن افقد اعصابى سيكون ردى قاسيا ، وستندمين لأثارة غضبى.
تركته لارا ،وعادت مسرعه ،وهى ترتجف من شده الغضب ،وتبكى بقهر ،ولوعه .
واخذت تحدث نفسها قائله :-
الهذا الحد ليون؟ لا تحب تواجدى معك، وتريد ان تتخلص منى بأى طريقه ماذا فعلت لك لتفعل بى ذلك ؟
لماذاليون ماذنبى انا ؟ لتخرج عقدك على .
استقل ليون سيارته مغادرا لكنه كان حزين للغايه لتركه اياها هناك رغم توسلاتها اليه ليأخذها معه.
حدث نفسه قائلا :-
كان يجب ان افعل ذلك اردت ان أمنح لنفسى فرصه بالتفكير بشكل جيد بعيدا عن تأثيرها .فأنا كلما كانت بقربى لا ادرى ماذا يحدث لى؟ يدق قلبى بقوة .
انا قد تألمت كثيرا بالماضى لاأريد ان أؤذيها فهى مازالت صغيرة .
لا يمكننى ان انساق خلف مشاعر ى تجاهها يجب ان اتركها لتنضج بعيدا عنى .
اخذيدور بسيارته كثيرا ،الى ان شعر بالأرهاق فعاد الى القصر ثم صعد الدرج متوجها لغرفته دون ان يتحدث الى اى شخص فحالته المزاجيه غير ملائمه للحديث مع اى شخص.
ما ان دلف لغرفته حتى فوجئ بصوت طرقات على باب غرفته .
تحدث قائلا:-
تفضل بالدخول
تقدمت مربيت لارا الى داخل الغرفه ثم تحدثت اليه قائله
بصوت قلق،وعيون مليئه بالدموع :-
سيدى كيف هى لارا؟ اين ذهبت بها؟
انها مازالت صغيرة سيد ليون ، ولكن قلبها برئ، ونقى أخشى عليها ان تصاب بأزمه نفسيه من جراء ابعادك لها عنى
،وعن القصر فأنا لم افارقها منذ ولدت ،ولا يوم واحد.
زفر ليون بغضب وقد احمر وجهه بشده من شده غضبه وانتفضت عروق رقبته بشده حاول السيطرة على اعصابه كى لا ينفجر كل الغضب الذى بداخله
تحدث اليها قائلا:-
انت تصوريننى كأنى شيطان قاسى القلب اردت زجها بمدرسه داخليه لأرضى غرورى ،وأتأكد من انى افرض سيطرتى عليها فقط ،واعتقد انك تظنين انى وحش كاسر لايرحم فعلت ذلك لأعاقبها ،لكتك غفلتى عن شئ هام
الا ،وهو أن اجعلها تتربى على طريقه لائقه ، تصنع منها فتاه قويه تستطع الاعتماد على نفسها ،اردت ان يعاد تهذيبها لم اكن اقصد ابدا تعذيبها انا ما اراسلتها الى هناك الى لأنى اخشى عليها من ظلام روحى خشيت ان اؤذيها.
بالظلام الذى استوطن قلبى ، وحياتى
صدقينى سيدتى انا لم اقصد ابدا أن اؤذيها ،وبعطله نهايه الأسبوع سأخذك لزيارتها.
مدت المربيه يدها بصنيه عليها بعض الشطائر ،وكوب من الحليب ثم قالت :-
انا اسفه سيد ليون لقد اندمجت معك بالحديث ،ونسيت ان اقدم لك عشائك ثم اكملت بنبرة حانيه لأنى أعلم انك لم تتناول اى طعام اليوم.ثم اكملت حديثها بنبرة حزينه قائله:-
انا اسفه حقا سيد ليون لم اقصد ان اتهمك بأى شئ لكن قلبى يؤلمنى من اجل طفلتى ادعو الله ان تكون بأفضل حال ، وشكرا لك سيدى على كل ما فعلته من اجلها.
أخذ ليون الطعام منها ثم شكرها ،وتحدث اليها قائلا،:-
لاداعى لأن تشكرينى او ان تعتذرى انت بمقام والدتى ،وسأكتب لك عنوان المدرسه لكى تراسليها أن اردتى.
غادرت المربيه غرفته ،ثم توجهت الى غرفتها لتنال قسطا من الراحه .
اما لارا كانت تقف بشرفه غرفتها ،وترتسم علامات الحزن على محياها ،وترتسم ابتسامه حزينه على شفتيها ،وقفت تتأمل الأشجار المحيطه بالمبنى ،وقد تلألأت عيناها بالدموع .
والام قلبها لا تنتهى ،فحدثت نفسها قائله :-
ماذا كنت اظن انه سيفعل حين أرتمى بين ذراعيه؟ ،واتوسل اليه توقعت ان هناك بريق أمل لأجعله يشعر بما بقلبى من مشاعر تأججت بداخلى حين وقعت عينى عليه بأول لقاء انتابنى شعور غريب تسلل الى قلبى .
،واحتل كامل وجدانى شعرت بمشاعر متضاربه ما بين خوف ،وحب ،ورهبه.
اخذت تتذكر وجه الحاد الملامح ذو البشرة السمراء ،وشعرة الحالك السواد ،وجسده الرياضى القوى ،اغمضت عينيها ،وتذكرت مذاق قبلته التى كانت بالنسبه اليها كدرب من الخيال لقد حملتها القبله لعالم وردى ،وشعرت كأنها
تحلق بالسماء انتزعها من شرودها صوت احدى الفتيات من
رفيقاتها بالغرفه .،وهى تعرفها بنفسها ،وتسئلها عن اسمها.
اجابتها لارا :- بغضب شديد ،وهى ترمقها بنظرات ناريه قالت لها ماذا تريدن؟ ابتعدى عنى فلست بميزاج يسمح لى بالتعرف على أحد ثم اشارت لها بيدها قائله :-
لذلك رجاء اتركينى ،وشأنى ارجوك .
ابتعدت عنها الفتاه ،وهى ترمقها بنظرات غامضه ،وقد ارتمست علامات الحيرة على وجهها .
اخذت تتسائل الفتاه وتدعى ليزا قائله :-
ترى ماالذى يغضبها؟ لهذا الحد يجب ان أعلم ما سر هذا الغضب الشديد.؟
مر اليوم ،ولم تحاول لارا ان تندمج مع زميلاتها بالمدرسه كانت تأكل طعام قليل فقط ليسد رمق جوعها ليس الا .
،وانزوت بنهايه الفصل بمقعد وحدها لا تريد مخالطه احد ،ولم تسمح لأحد بالاقتراب منها.
اما ليون نهض بالصباح ،وهبط الى الاسفل متجها الى غرفه الطعام ،وجلس يتناول طعامه لكنه لم يستيطع ان يضع لقمه واحده بفمه ،ونهض ،وهويشعر ان داخله براكين من الجحيم على وشك ان تنفجر بوجه اى شخص يحادثه
الأن ،فهو حين جلس على المائده ،ورمق مقعدها ليجده خالى كأن كل غضب العالم تجمع بداخله بتلك اللحظه ود لو يصفع نفسه معنفا اياه على حماقته ،وكيف انه ترك
عقله بصور له انه بوقوعه بحبها قد ارتكب جريمه ،وكيف سمح للظلام المستوطن داخله ان يسيطر عليه ليقوم بأبعدها بعيدا عنه ،وصم أذنيه عن توسلاتها كأن قلبه قد صنع من حجر صوان واصبح قاسيا حتى انه لم يرق، ولو لحظه واحده لتلك التى قد احتلت عالمه ،وقلبته رأسا على عقب ببرائتها، ونقاء قلبها.
ذهب الى الحديقه ليدلف الى غرفته الخاصه التى اقامها بالحديقه، وزودها بجميع الالعاب الرياضيه .
دلف اليها ،بوجه مشتعلا من شدة الغضب ،وصعد على جهاز الركض ، وقد ضبطه على اقصى سرعه ليصب به جام غضبه.
بعد وقت ليس بقليل ترجل من فوقه ،وانفاسه تتسارع بقوة ،والعرق يتصبب من جبهته بغزارة .
جفف وجهه بالمنشفه ثم توجه الى المرحاض الملحق بالغرفه ، غمر جسده كله بالماء ،ثم جفف نفسه وارتدى ملابسه ، وعاد الى االقصر.
ليجد الخادم يحمل بيده ظرفين ،ويتجه بهم اليه.
يتحدث اليه ليون ،وهو ير مقه بنظرات استفهاميه ، وهو يشير له قائلا:-
م
هيا اخبرنى من الذى قام بأعطائك هذين الخطابين ؟
الخادم بخنوع :-
لقد جلبهم ساعى البريد سيدى ،وقال انى يجب ان اسلمهم اليك.
مد ليون يده ،ليأخذ الخطابين ثم يتوجه الى مكتبه بعد ان يأمر الخادم بالانصراف.
دلف الى غرفه مكتبه ،واخذ بفض الخطابين ليتطلع على فحواهم.
ليجد بالخطاب الاول دعوتين من احد اصدقائه لقضاء عطله نهايه الاسبوع بجزيرته .
وضع الخطاب الاول امامه ثم أخذ يتفحص الخطاب الثانى ليجد.به دعوة من احد رجال الأعمال الذين يعرفهم يدعوة لحفل عيد مولد ابنته مساء الغد .
ليزفر ليون بحنق ،وينحى الخطابين جانبا ،ثم يضغط على زر استدعاء الخادمه .
تأتى اليه الخادمه تهرول بعد قليل ،لتدلف الى الغرفه ثم تقول :-
اوامرك سيدى هل تريد ان اعد لك شئ ؟
ليون :-
اعدى لى فنجان قهوة ، وشيطرة جبن هيا اسرعى.
انصرفت الخادمه لتعد له ما طلبه ثم تعود به اليه
حين عادت الخادمه ، وهى تحمل فنجان القهوة،وبجانبه الشطيرة .
حين رأها ليون قادمه بأتجاهه لاح طيف لارا امامه ،وارتمست على شفتيه طيف ابتسامه حين تذكر انها وقفت طوال اليوم بالمطبخ لتعد له الطعام الذى يحبه.
اسند رأسه على المقعد للخلف ثم تحدث الى الخادمه قائلا:-
وهو يقطب جبينه،ويحدق بالفراغ قائلا:-
الطعام الذى اعدته لارا هل لازال موجودا ؟
الخادمه :-
نعم سيدى مازال كماهو هل تريد ان اعيد تدفئته ،وأجلبه اليك ؟
ليون بفرح شديد نعم هيا اذهبى ،واجلبيه سريعا فأنا اتضور جوعا.
انصرفت الخادمه لتعد له ما طلب ، وهى تتعجب من تبدل حال سيدها من االنقيض الى النقيض.
دلفت الى المطبخ لتعد له ماأمر به
ثم شرعت فى تحضير الطعام له ،وحين انتهت سكبته بالطبق ،وكادت ان تنصرف فقالت لها الطاهيه ان تنتظر لتأخذ معها كوب عصير برتقال ،والحلوى التى اعدتها لارا
اخذت الخادمه الحلوى ، والعصير ، واتجهت بهم الى الغرفه حيث يجلس ليون.
دلفت الخادمه الى الغرفه ،وهى تحمل صنيه الطعام ،وضعت منضده صغيرة بجانب الاريكه التى بالغرفه .
ثم قالت :-
هل تريد شئا اخر سيدى اجلبه لك .؟
ليون :-
كلا شكرا لك لا اريد شيئا يمكنك الانصراف.
اخذ ليون قطعه ملفوف من الطبق ليتذوقها ليغمض عينيه ،وهو يغمغم وهو متلذذ بمذاقها الشهى ليأخذ،الثانيه ، والثالثه الى أن ينهى الطعام .
ثم يتذوق حلواة المفضل التى تتكون من جوز الهند ،والعسل الصافى .
ليهتف ،وهو مازال يشعر بمذاق الطعام بفمه قائلا:-
ما اروعك لارا كم انت طاهيه بارعه مذاق الطعام اخذ
عقلى انا منذ توفيت والدتى لم أتناول بروعه ذلك الطعام
ترى ماذا تفعلين الأن مشاكستى الصغير ة أشعر بفراغ غير عادى من دونك .
بعد ان انهى طعامه خرج ليستقل سيارته متجها لفرع الشركه ليراجع بعض الاعمال ثم يعود لينال قسطا من الراحه.
ذهب ليون متجها الى شركته ثم دلف الى مكتبه بعد ان صف سيارته امام الشركه ،ثم توجه الى حيث يوجد مكتبه ،وقام بمراجعه بعض الأوراق ،وانهى مراجعه بضعه ملفات ثم حين انتهى عمله نهض متوجها الى خارج مبنى الشركه .
أستقل سيارته عائدا الى المنزل لينال قسطا من الراحه قبل موعد الحفل.
ترجل من سيارته ثم تقدم الى داخل القصر ، بطلته المهيبه التى تخطف الأنظار بخطوات واثقه . دلف الى القصر ثم صعد الدرج متوجها لغرفته ليغتسل ،ويرتاح قليلا قبل ميعاد الحفل.
دلف الى غرفته ثم توجه الى المرحاض اغتسل ، وبدل ملابسه ثم هذب ذقنه ،وتوجه الى الفراش ، وتدثر جيد بالغطاء ثم راح بسبات عميق.
اما لارا حاول الجميع التقرب منها لكنها رفضت كل محاولاتهم بالتوددلها لم تسمح سوى لليزا لانها توسمت بها خيرا رأت انها غير الباقين ،وودودة ،واحبتها بشده،واصبحت صديقتها المقربه .
اقترحت عليها ليزا أن تنهض ليقوموا معا باللعب سويا بصاله الالعاب حتى تخرجها من حاله الحزن المسيطرة عليها.
وافقت لارا بعد الحاح شديد من ليزا ،وتوجهوا سويا
الى صاله الالعاب ،واخذوا يلعبوا سويا كرة قدم ،واخذت لارا تركض لارا وليزا ،ويدفعون الكرة الى بعضهم البعض.
حتى ان لارا نسيت كل أحزانها وسط اجواء المرح التى حاوطتها بها ليزا.
نهض ليون على صوت المنبه ليعتدل جالسا نصف جلسه بالفراش ، ويضع يده على فمه ،ويتثائب،ويقوم بفرد ذراعيه ليتخلص من اثار النوم ،ثم ينهض ،ويرتدى ملابسه ،ويصفف شعرة ،وينثر عطرة المميز ويعدل من وضع الكرافات ثم يلتقط هاتفه ،ومفاتيح سيارته ،ويهبط الدرج متوجها الى الخارج.
أستقل سيارته ثم قادها متجها الى حفل عيد مولد أبنه صديقه .
قاد ليون السيارة ،وهو شارد فى لارا ،واخذيتسائل بينه ،وبين نفسه قائلا:- بصوت يقطر عشقا ،وعيناه تلمع بشده ودقات قلبه تنبض بشده.
لارا كم اشتقت اليك ا؟نا اشعر بك دوما حولى ارى طيفك بكل مكان اتمنى ان تستيطع ان تتفهم موقفى، وتسامحنى.
حين وصل ليون الى منزل صديقه ترجل من سيارته ،ودلف الى الداخل بخطوات ثابته ،و قد انتشرت رائحه عطرة بالاجواء، لتحيطه بهاله من الجاذبيه بمجرد ان دلف الى الحفل التفت اليه الجميع ،واصبحت جميع العيون تحدق اليه بأنبهار ، واعجاب .
تقدم الى حيث يقف صديقه ،وهو يرسم بسمه على شفتيه ثم مد يده يصافحه بود شديد .
ثم تحدث قائلا:-
عيد مولد سعيد لأبنتك اين هى ياترى؟
اشار صديقه لابنته لتقترب ليعرفها بليون
اقتربت ابنته منه وقامت بتحيه ليون ،وهى تمد له يدها ،وهى تنظر اليه بأنبهار ،واعجاب شديد
تحدث والدها ، وهو يغمز لابنته قائلا:-
اعرفك يا هلين بصديقى السيد.ليون
ثم تحدث الى ليون قائلا :-
سيد ليون تلك ابنتى الجميله هلين
تحدثت اليه ،وهى لم ترفع عينيها من عليه قائله:-
مرحبا بك سيد ليون قد حدثنى والدى عنك كثيرا هل ترافقنى لنرقص معا .
تحدث ليون بتأفف ،وقد شعر بالاختناق من تلك الفتاه .
قائلا:-
بالطبع تفضلى ،ولكن قبل ان يذهب معها لحلبه الرقص اخرج خاتم سولتير من جيبه ،واعطاه اليها ، وقال :-
عيد مولد سعيد انسه هلين .
نظرت هلين الى الخاتم بأنبها ر، وتوجهت بالشكر الى ليون قائله :-
اووة ذوقك رائع سيد ليون ثم ابتسم اليه بدلا ،والتصقت به بشده مما جعله يقطب وجهه بغضب ،ورمقها بنظرات ناريه .
لكنه لم تتأثر بل زادات التصاقا به ،وجذبته معها لحلبه الرقص.
لكن ما كاد ت تبدء الرقص ،وهى تتمسك به بشده كأنه صيد ثمين تخشى فقدانه.
صدح هاتف ليون برنين متواصل.
مما جعله يدفعها بعيدا عنه ليذهب للحديقه ليرى من المتصل.
يجيب ليون على الهاتف ،وقد انتابه القلق ، ودارت بمخيلته عده اشياء اقلقته بشده بمن قد يكون المتصل به بوقت كهذا .؟
اجاب ليون على الهاتف بترقب شديد قائلا :-
مرحبا من معى ؟
على الطرف الأخر :-
مرحبا سيد ليون انا مديرة المدرسه التى بها لارا اردت اخبارك بأن لار قد سقطت أثناء ماكانت تركض ،بملعب الكرة فألتوت قدمها ونحن قد قمنا لها بالاسعافات الاوليه لكن يجب ان تجبر قدمها سريعا.
ليون بصوت قلق يشوبه اللهفه ،والتوتر ،وقد اخذ،قلبه ينيض بشده ،:-
حسنا حسنا سأكون لديكم بأقرب وقت مسافه الطريق فقط.
ركض ليون باقصى سرعه لديه ليستقل سيارته ثم قادها بأقصى سرعه متجها بها الى المدرسه ،والقلق يتاكله عليها ،وكل ذرة بجسده تنتفض من شده قلقه عليها.
قطع ليون االطريق بوقت قياسى ، واخيرا اصبح امام المبنى المنشود ترجل من سيارته،واطلق ساقيه
للريح ،كأنما جميع شيطان الأرض تلاحقه الى ان اصبح امام باب المبنى طرق على الباب بكل ما يملك من قوة حتى كاد الباب ان يتحطم من شده طرقه عليه.
تنفس الصعادء حين فتحت له احدى المشرفات االباب ،ورافقته لغرفه لارا.
دلف ليون الى داخل الغرفه ،وهو يبحث عنها بنظراته بجميع انحاء،الغرفه كان يشعر بالغضب الشديد ،ومشاعرة مشحونه بالقلق لأجلها.
لم يصدق حين رأها وهى نائمه بفراشها ،وعلامات الالم تظهر بوضوح على محياها
كانت بداخله مشاعر كثيرة متضاربه مابين لهفته عليها ،ورغبته بضمها الى صدرة ، وبين خوفه عليه كى لا يؤذيها بجعلها تتعلق به .
فحياته ،وقلبه قد خيم عليهم الظلام فكيف للظلام ان يلتقى
بالنور .
فهو لم يخطط يوما ان يقع بحب فتاه فى السادسه عشر من عمرها كيف حدث هذا ،ومتى لا يدر ى
فبدلا من ان يحميها من مخاطر الحياه ،ترك العنان لمشاعرة.
حين شعرت لارا بوجودة نظرت اليه بلهفه ،وحزن توجه اليها ليون ،وقام بحملها بين يديه ،
ثم وقف ليوجه حديثه الى المديرة قائلابصوت جاد :-
حسنا سيدتى اشكرك كثيرا لأعتنائك بها اليك شيك مقبول الدفع ، وهى ستكمل دراستها من المنزل هل يمكنك ان ترسلى احدبرفقتى بحقيبه ملابسها.؟
المديرة:-
بالطبع سيد ليون حقيبتها جاهزة ،ويمكنك ان تدثرها بهذا الغطاء .
دثرها ليون بالغطاء ،وخرج من المبنى متوجها الى السيارة ،وضعها على الاريكه الخلفيه بالسيارة.
ثم انطلق بالسيارة دون أن يتحدث اليها بكلمه واحده طوال الطريق .
فهو كان يخشى لو تحدث اليها لا يستيطع التحكم بمشاعرة امامها .
فتكشفه نبرة صوته امامها.
سلك طريق اخر غير الطريق المؤدى الى القصر.
استغل كونها غرقه بالنوم من اثر المسكنات ،وقاد السيارة متجها بها لأكثر مكان يشعر فيه بالراحه.
ثم دار بالسيارة ليتوجه لحيث الطائرة الخاصه ليذهب الى وجهته .وبرفقه لار .
ماكاد يترجل من السيارة ،وكان شاردا لذلك لم يشاهد ما كان قادما نحوه لتنهض لارا فى ذلك الوقت ،وحين تشاهده تصرخ به قائله بفزع :-
ليون احترس.
يتبع….
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل السابع 7 - بقلم نورا نبيل
حين شاهدت لارا ليون وهو يعبر الطريق، شاردًا ولم يشاهد تلك السيارة القادمة باتجاهه، لم تأخذ وقتًا للتفكير، بل صرخت قائلة:
"ليون، احترس!"
وتناست ألم قدمها، وحاولت الترجل من السيارة لتذهب إليه. وما كادت تضع قدمها خارج السيارة وتحاول أن تقف عليها، محاولةً منها أن تذهب إليه، إلا أنها لم تتحمل الألم الذي شعرت به فسقطت وهي تصرخ قائلة:
"ليون، أدركني!"
لينتبه ليون على صوتها، ويركض إليها مهرولًا وهو قلق عليها، يخشى لو كانت قدمها تأذت. رفعها ليون بين يديه برفق، ثم وضعها داخل السيارة. وقف يرمقها بنظرات نارية، وهو غاضب بشدة منها. لم يستطع التحكم بانفعاله أكثر من ذلك، فصرخ بها قائلاً:
"هل فقدتِ عقلك بالكامل؟ لارا، أنسيتِ أن قدمك مصابة؟ لماذا تفعلين بي ذلك؟ أ تتعمدين دائمًا إثارة جنوني؟"
وغضب، ثم طرق على السيارة بغضب. لم تجبه لارا بأي شيء، وأخفت وجهها بعيدًا عنه، وأجهشت بالبكاء. شعر ليون بفداحة خطئه، فابتعد قليلًا عنها ليهدئ من روعه قليلًا. تحدث إلى نفسه بغضب شديد، وقد احمر وجهه من شدة غضبه قائلاً:
"يا إلهي، إنها جميلة وهادئة، تشبه وتر الكمان… وأنا مجنون وغاضب. هي بعيدة جدًا عني، بيني وبينها ما بين السماء والأرض، وأنا وحيد هنا في وسط الجحيم."
جففت لارا دموعها، ثم أخذت تحدث نفسها قائلة:
"أحبه بجنون، ولكني أكرهه بشدة. هل يجتمع الحب مع الكراهية؟ بقدر تباعد الحب عن الكراهية، ربما يفصل بينهما خيط رفيع. ويجب أن أحتكم إلى العقل بدلًا من بناء الآمال الكبيرة… ولكن هل يمكن الاستماع إلى صوت العقل عندما يتورط القلب؟"
وتساءلت لارا قائلة:
"هل هي الشفقة التي تدفعه إلى أن يهتم بي؟"
صمتت لارا عندما استمعت لصوت خطواته قادمة باتجاهها. فتح باب السيارة، ثم حملها برفق، وقام بالصعود إلى الطائرة، وأجلسها بالمقعد المجاور لمقعده، ثم عاد لجلب حقيبتها من السيارة.
بعد أن وضع ليون الأمتعة بالسيارة، استقل الطائرة وأدارها محلقًا بها في الفضاء. وطوال الوقت لم يتحدث إليها، ولم يفتح معها مجالًا للحديث، غير أنه كان يرمقها بين الحين والآخر ليطمئن أنها لازالت نائمة.
حين أصبحوا على مشارف الجزيرة المتجهين إليها، أخفض ليون الطائرة قليلًا إلى أن هبط بها فوق الأرض. ثم ترجل من الطائرة وذهب إليها، وقام بحملها بين يديه برفق، حرصًا ألا يؤلمها، كأنها شيء هش يخشى عليه من العطب. ثم توجه بها بخط ثابت إلى داخل بيته الذي بالجزيرة. ثم توجه بها إلى إحدى الغرف، ودنا من الفراش، وقام بوضعها برفق، ودثرها جيدًا بالغطاء. وتحدث إليها قائلاً بصوت أجش، وجاهد كثيرًا ليخرج صوته عاديًا كي لا يكشف عما يدور بداخله:
"سأبلغهم أن يأتوا بالحقائب ويجلبوا لنا الطعام هنا، ثم بعد ذلك سيأتي صديقي الطبيب أندرو ليقوم بفحص قدمك."
ثم رمقها بنظرات حانية.
أجابته لارا بصوت ضعيف، كاد أن يكون مسموعًا له:
"حسنًا ليون، شكرًا لك على كل شيء."
أجابها ليون، وهو يتفحصها بنظرات دافئة:
"لا داعي للشكر يا صغيرتي المشاكسة. شفاكِ الله لتعودي لمشاكستي من جديد."
ثم ابتسم لها ابتسامة أذابت قلبها وجعلته يدق بعنف مفرط، وغادر ليبدل ملابسه ويغتسل من آثار السفر. ثم حين انتهى، هاتف صديقه أندرو ليأتي لفحص قدم لارا. ذهب إلى الفراش، ثم حاول أن يغمض جفنيه قليلًا إلى أن يتم تجهيز الطعام.
ما كاد أن يغمض عينيه، استمع لصوت طرقات على باب غرفته. نهض جالسًا وهو يتأفف بغضب شديد، فالجلوس بالطائرة ثماني ساعات أمر مرهق للغاية. لكنه تحامل على نفسه، ثم نهض ليرى من الطارق. حين قام بمواربة باب الغرفة، شاهد الخادمة.
ألقت عليه تحية المساء قائلة:
"مساء الخير سيدي، الطعام أصبح جاهزًا."
ليون بأرهاق شديد، وكل خلية بجسده تئن من الألم:
"حسنًا، أحضريه لغرفة لارا."
الخادمة:
"حسنًا سيدي، دقائق وسأجلبه للغرفة. هل تأمرني بشيء آخر سيدي؟"
ليون بملل:
"كلا، هيا أسرعي بجلب الطعام."
ارتدى ليون روبًا فوق ملابسه، ثم توجه إلى غرفة لارا. فتح الباب ببطء شديد، محاولًا ألا يصدر صوتًا ليزعجها. ألقى نظرة عليها ليجدها تغط في نوم عميق، وبضع قطرات العرق تنضح على جبينها. رَق قلبه لحالته تلك، اقترب منها ببطء شديد، وأحكم الغطاء فوقها، ثم أزال حبات العرق من على جبهتها، وتحسس جبينها مرة أخرى ليتأكد من درجة حرارته. ليجدها عادية.
وما أن شعرت لارا بيده على جبهتها، انتفضت لارا، ودق قلبها بعنف مفرط حتى كاد صوت دقاته أن يكون مسموعًا، وأصبح صوت تنفسها مسموعًا، مما أقلق ليون.
تحدث إليها ليون بقلق، وهو يتفحصها بنظراته قائلاً:
"هل أنتِ بخير يا لارا؟"
ثم قطب جبينه، وهو يتأملها بقلق، وهتف بها:
"هل تشعرين بالبرد؟ هل أجلب لكِ غطاءً آخر؟"
طالعته بعينين زائغتين، تنظر ذات اليمين وذات الشمال، كأنها تخشى أن تقابل عينيه فتفتضح عيناها مشاعرها تجاهه. ولم تعلم بماذا تجيبه؟ أمن المعقول أن تخبره أن قلبها هو من أصابته الرجفة، وليس هي؟ ولكن هيهات، فهو لن يهمه مشاعرها، فهو ما فعل كل ذلك إلا بدافع الشفقة.
عندما لم تجبه لارا، أعاد عليها ليون الحديث، وهو يرمقها بنظرات غامضة. أشار لها بإيماءة من رأسه قائلاً:
"ما بكِ يا مشاكسي الصغيرة؟ ما الذي يؤرق فكركِ هكذا؟"
أجابته لارا بصوت خافت دون أن تنظر إليه:
"لاشيء ليون، فقط قدمي تؤلمني قليلًا."
لانت نظرات ليون، وحدثها بصوت حرص أن يبدو لينًا:
"لابأس يا صغيرتي، سنتناول الطعام، وبعدها سوف يأتي أندرو صديقي ليرى قدمك."
أثناء حديثهم، دلفت الخادمة للغرفة، وهي تدفع أمامها عربة الطعام. تركتها أمامهم، فأشار لها ليون لتغادر. وقرب العربة منها، ثم أخذ يطعم لارا، وهو يرمقها بنظرات حنونة، مما جعلها ترتبك، وتتسارع أنفاسها باضطراب شديد نظرًا لقربها الشديد منه. حاولت أن تعترض، وأن تحاول إقناعه بأن يتركها تتناول الطعام وحدها، لكنه أصر على أن يطعمها بنفسه.
ثم حين انتهوا سويا من تناول الطعام، غمز لها ليون، وهو يبتسم قائلاً:
"نسيت أن أخبرك شيئًا."
ثم اقترب من أذنها، وهمس بأذنها بصوته العذب الذي أربكها بشدة قائلاً:
"أحببت ملفوف ورق الكروم، كان مذاقه شهيًا للغاية، فليكن بعلمك ستكون تلك وجبتي المفضلة دائمًا. أتمنى أن تشفي سريعًا يا مشاكسي الصغيرة، لتعيديها لي مجددًا."
أخفضت لارا وجهها بخجل شديد، وقد غزت حمرة الخجل ملامح وجهها.
ضغط ليون على زر استدعاء الخادمة حتى تأتي لتأخذ الطعام. دلفت الخادمة لتأخذ عربة الطعام، فطلب منها ليون أن تعد له فنجان قهوة. أومأت له الخادمة برأسها علامة الموافقة، ثم قبل أن تغادر، تذكرت أن تخبره أن السيد أندرو ينتظره.
تحدثت إليه الخادمة، وتدعى ماري، قائلة:
"سيدي، السيد أندرو ينتظرك بالأسفل."
ليون:
"حسنًا، دعيه يأتي إلى هنا، وأعدي لنا فنجانين من القهوة."
ماري:
"حسنًا سيدي، هل تأمرني بشيء آخر؟"
ليون:
"كلا، هيا يمكنك الانصراف."
غادرت الغرفة، ثم توجهت حيث ينتظر أندرو، وتحدثت إليه قائلة:
"سيد أندرو، السيد ليون ينتظرك برفقة آنسة لارا."
أندرو:
"حسنًا، شكرًا لكِ ماري."
صعد أندرو إلى الطابق العلوي، متسلقًا الدرج بخطوات رشيقة. كان أندرو شابًا طويل القامة، ذو لون برونزي، عيناه زرقاء، وذو شعر بني، يبلغ السادس والعشرين من عمره. كان ذو طلة مرحة، فهو دائمًا ما يمزح مع مرضاه، حتى أن جميع مرضاه يحبونه بشدة.
دلف أندرو إلى غرفة لارا، التي سبق وأرشدته مارى إليها. حين دلف إلى الغرفة، التفت إليه ليون، ورفعت لارا عينيها لتستطلع من القادم؟ وكيف يبدو؟ حين وقعت عيناه عليها بتلك الهيئة الملائكية، وشعرها الأشقر يحيط بوجهها كهالة من الذهب، وقف أندرو يحدق إليها، وفمه مفتوح في بلاهة، ينظر إليها بتيه وشرود، كأن كل الكلمات التي يحدث بها مرضاه ليخفف عنهم قد تبخرت أمام حسنها.
لكزه ليون بقدمه لينتبه. تحدث قائلًا بعد أن رمق ليون بنظرات غاضبة، وهو يتوعده بنظرات عينيه المسلطة عليه بغضب.
تحدث ليون إليه، وهو يرمقه بنظرات نارية قائلاً:
"هل ستظل واقفًا كثيرًا تحدق إليها، أم ستبدأ عملك الذي جئت من أجله؟"
شعر أندرو أن ليون لو بقى كثيرًا يحدق إليها، سوف يقوم بدفنه حيًا دون أن يرف له جفن.
حنح أندرو، وابتسم، وهو يرمق ليون بنظرات ماكرة، ثم توجه إلى لارا، وبدأ بفحص قدمها، وأجرى كشفًا شاملًا عليها. ثم أعاد أدواته الطبية إلى حقيبته، وتحدث إلى ليون، ونظراته مثبتة على لارا، وهو يرمقها بإعجاب شديد.
تحدث قائلاً:
"لا داعي للقلق يا آنسة الجميلة. أحب أن أعلمك أن قدمك ليس بها شيء سوى التواء بسيط بالكاحل. سأضمدها لكِ، وكل ما هو مطلوب منكِ أن تلزمي الفراش إلى أن يتم شفاؤها، وألا تحاولي أبدًا أن تضغطي عليها. سأكتب لكِ على أقراص مسكنة وباسط للأوردة حتى يساعد على شفائك سريعًا، وأنا على يقين تام أنه في مدة لا تتجاوز العشرة أيام سوف تصبحين على ما يرام."
تحدث إليه ليون مزمجرًا بغضب، وقد تحول وجهه للون الأحمر من شدة غضبه قائلاً، وهو يضم قبضه يده:
"هل انتهيت يا أندرو؟ يمكنك الآن الانصراف."
تحدث أندرو موجهًا حديثه إلى لارا، متجاهلًا حديث ليون:
"من الجيد أن ليون قد جاء بكِ إلى الجزيرة بهذا الوقت من السنة، حيث أنه سيقام كرنفال كبير بالجزيرة بعد عدة أيام، ولو شئتِ سوف اصطحبكِ إليه."
هنا ثار ليون بغضب شديد، وجذب أندرو إلى خارج الغرفة، ثم تحدث إليه بغضب شديد وصوت كالرعد:
"غادر يا أندرو، وإلا سوف أفقد أعصابي، وأنا غير مسؤول عن ما قد يحدث."
أزاح أندرو يد ليون، ورمقه بنظرات غامضة، ثم وجه إليه حديثه، وهو يرمقه بترقب قائلاً:
"اهدأ من روعك يا صديقي، ماذا يغضبك إلى هذا الحد؟"
ثم غمز له بعينيه، وهو يبتسم:
"أوانك تغار يا ليون. هيا اعترف، كن شجاعًا، وأخبرني أنك تحبها وتغار بشدة وبجنون."
ليون بصوت غاضب:
"هيا اذهب يا أندرو، ولا شأن لك بـ لارا. أنا أحذرك، هيا غادر."
أندرو:
"سأغادر يا ليون، ولكن قبل أن أغادر، أود أن أخبرك أنك تملك جوهرة ثمينة لا تعلم قيمتها. إن لم تعتني بها جيدًا، سوف تفقدها. ثق بذلك يا ليون."
وأشار إلى قلبه، وقال:
"استمع إلى قلبك يا ليون، لا تدع الماضي يفسد عليك حياتك. أنا واثق أنها تعشقك، رأيت كيف تحدق إليك، وكيف كانت نظراتها محملة بالشغف."
زفر ليون بضيق، وشعر أنه على وشك الاختناق، فقرر أن يخرج إلى الحديقة قليلًا ليجلس وسط الزهور، لعله يتخلص من هذا الشعور بالضيق الذي ينتابه.
جلست لارا تفكر بتفسير لتلك النظرات التي كان ليون يرمقها بها، قائلة:
"هل هو حقًا يحبني؟ ويغار علي؟ أم كل ذلك خيال ليس إلا؟ لكني أكاد أجزم أنني شاهدت نظراته المشتعلة غضبًا حين كان يحدثني أندرو."
شعر ليون أنه يجب أن يأخذ هدنة معها، ولاداعي للصراخ بوجهها كلما شاهدها، وقرر أن يأخذها للعشاء بالخارج، ويتنزهوا سويًا وهي برفقته، حتى يعوضها عن الأذى الذي تسبب لها به.
ترك الحديقة بعد أن شعر الوقت قد تأخر، والظلام قد حل، فهو لم يشعر بمرور الوقت أثناء جلوسه بالحديقة. صعد الدرج متوجهًا إلى غرفة لارا ليلقي نظرة عليها قبل أن يذهب لتبديل ملابسه.
ما أن دلف إلى غرفتها، وجدها غارقة بالنوم. اقترب منها بهدوء شديد، وأعاد إحدى الخصلات المتمردة إلى خلف أذنها، ثم أيقظها بهدوء. قائلاً:
"هيا يا مشاكسي، انهضي، سآخذك بجولة بالجزيرة."
فتحت لارا عينيها ببطء، وهي تحدق به غير مصدقة أنه يوقظها بنفسه. حاولت الجلوس، لكن لم تستطع، فساعدها ليون على الجلوس. غمز لها بحب، وغادر الغرفة. ذهب إلى غرفته ليبدل ملابسه، ويستعد لقضاء السهرة برفقته بالخارج. ثم أرسل الخادمة لتساعدها بتبديل ملابسها.
حين انتهى ليون من تبديل ملابسه، توجه إلى غرفة لارا ليجدها قد استعدت، وصففت شعرها، وارتدت فستانًا من الشيفون الأخضر يبرز لون عينيها، حتى أنه حبس أنفاسه حين شاهدها بهذا الجمال غير العادي.
توجه إليها ليون، وحملها بين يديه، لتحاوط هي عنقه بيديها، وتضع رأسها على كتفه، وهي تستمتع برائحة عطره التي تسللت إلى أنفها. وضعها ليون على المقعد المجاور له برفق. ثم استقل السيارة متوجهًا إلى مطعم أحد أصدقائه، يعد أنواعًا لذيذة من القريدس الأبيض.
أثناء الطريق، أخذت لارا تتأمل الطريق بشغف. البيوت بسيطة وألوانها زاهية، وأشجار الزيتون تنبت في كل مكان، وأيضًا البحيرة التي مروا بها في طريقهم تبدو مياهها نقية، والأشجار تحيط بها، تبدو كأنها في عالم من السحر.
حين أصبح ليون أمام المطعم، أوقف السيارة، وترجل منها، وحمل لارا متوجهًا بها إلى الداخل. حين دلف ليون إلى الداخل، شخصت كل العيون إليه، تتطلع به، وتنظر إلى لارا بتعجب. أخذ الجميع يتساءلون فيما بينهم: ترى من تلك الشقراء التي ترافق ليون؟
كانت هناك فتاة تجلس بعيدًا، ترمق ليون ولارا بنظرات مليئة بالحقد. حين شاهدت ليون يحمل لارا، عزمت على أن تنتقم منها وتجعلها عبرة أمام الجميع.
ذهبت الفتاة إلى أحد الجرسونات، وأعطته مبلغًا ماليًا كبيرًا، ثم همست بأذنه ببعض الكلمات، وعادت لتجلس بمكانها تراقب من بعيد، وكأن شيئًا لم يكن.
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل الثامن 8 - بقلم نورا نبيل
ذهب النادل لينفذ ما قالته له السيدة، فقام باستبدال المقعد الموجود بآخر معطوب، حتى إذا قام أي شخص بالجلوس عليه سوف يسقط به.
ثم ذهب باتجاه ليون ليرشده لتلك الطاولة. بالفعل، توجه ليون إلى المائدة وقام بمساعدة لارا بالجلوس على المقعد. وذهب ليجلس هو على المقعد المقابل، لكنه ما كاد يجلس على المقعد حتى تهشمت قدم المقعد، لكن ليون تثبت بالطاولة. ولحسن حظه، لم يسقط.
نهض ليون على الفور، وهدر بالجرسون غاضباً:
"أجننت؟ ألا تعلم من أنا؟"
ثم رمقه بنظرات نارية، وأردف بنبرة غاضبة:
"كيف سولت لك نفسك أن تقدم لي مقعداً معطوباً؟ هيا اذهب، وبدل المقعد بمقعد غيره، وأنا أقسم لك ستدفع ثمن فعلتك تلك غالياً."
بينما هو يوبخه، كانت الفتاة التي أمرته بتنفيذ المهمة جالسة ترمق لارا بنظرات مشتعلة مليئة بالحقد والغضب. كانت تود لو تذهب إليها لتوسعها ضرباً، لكنها كانت تخشى ليون وأن يقوم بكشف شخصيتها.
ترك ليون لارا، وتوجه إلى حيث مكتب مدير المطعم، حيث إنه صديقه ويدعى أريان. توجه ليون إلى مكتبه بخطوات واثقة حتى أصبح أمام مكتبه.
دلف ليون بوجه مكفهر من شدة غضبه. حين شاهده أريان بتلك الحالة، نهض من مقعده متوجهاً إليه ليعانقه بود. لكن ليون كان غاضباً بشدة، فاستوقفه بيده ثم هدر غاضباً، وهو يحاول كبت غضبه حتى لا ينفجر بصديقه، قائلاً بغضب جامح:
"أريان، أريد أن توضح لي الآن كيف لك أن تجعل أشخاص عديمي المسؤولية يعملون لديك؟ أقسم لولا أنه يعمل لديك لأوسعته ضرباً حتى تهشمت أسنانه."
تحدث أريان إلى ليون محاولاً تهدئته:
"اهدأ ليون، وأخبرني عما حدث من أدى إلى إغضابك إلى هذا الحد؟"
ليون، وقد اشتد غضبه:
"ذلك النادل الذي يعمل لديك، كيف له أن يدعوني إلى الجلوس على مقعد معطوب؟ كدت أسقط على الأرض لولا تشبثي بالطاولة."
أريان:
"حسناً، اهدأ قليلاً. هيا بنا، سوف آتي معك، وصدقني سأقوم بمعاقبة المتسبب بذلك أشد عقاب. أنا أعتذر لك بالنيابة عنه ليون."
ليون، وقد لانت ملامحه قليلاً وهدأت نبرة صوته:
"لا داعي للاعتذار، لكن يجب أن أعلم من المتسبب بذلك. فلنفترض أنه لم يكن أنا، وكانت لارا، ابنة عمي، وهي قدمها مصابة، أتدري ماذا كان قد حدث لها؟"
توجه برفقته أريان، وهو رجل أربعيني قد خط الشيب بعض شعيرات من شعره، لكنه من أقرب أصدقاء ليون، وهو يقدره بشدة ويعتز بصداقته.
دلفوا معاً إلى الداخل حيث توجد الطاولة. قام ليون بالتوجه إلى حيث يقف الجرسون، ثم قام بجذبه من ياقة قميصه، وتوجه به إلى حيث يقف أريان. ثم دفعه أمامه بشدة حتى كاد أن يسقط على وجهه.
تحدث ليون بغضب شديد بصوت كصوت الرعد قائلاً:
"إليك، ها هو النادل الذي أرشدني إلى الطاولة."
وقف النادل مذعوراً يرتجف من الخوف، وهو يتابع ليون بنظرات مرتعبه، وقد ابيض وجهه من شدة خوفه من ليون.
أريان بصوت جاد، وهو يرمق ليون بنظرات مترجية:
"حسناً ليون، اتركه لي، وسوف أتفاهم معه وأوقع عليه العقاب اللازم، أعدك بذلك. لكن الآن تفضل بالجلوس، وإليك قائمة الطعام، وأنا سأقوم بجلب نادل آخر ليكون في خدمتك."
زفر ليون بغضب، وهو يود لو يفتك بذلك النادل ويوسعه ضرباً.
جلس ليون على المقعد أمام لارا، ثم أمسك بقائمة الطعام وأخذ ينتقي منها نوع طعام له وللارا أيضاً. بعد أن أخذ ليون يتفقد القائمة، استقر رأيه على القرع المحشو بالدجاج والخضروات، وبجواره لحم بقر مقدد وبعض المقبلات، ثم عصير برتقال.
نهضت الفتاة التي حاولت إيذاء لارا سابقاً وفشلت خطتها. فقررت أن تكرر ما فعلته، لكن هذه المرة أصرت أن تنفذ خطتها ببراعة. توجهت إلى حيث يتم إعداد الطعام، ووجدت النادل يضع ما طلبه منه ليون ليهم بأخذه.
بعد أن يتم وضع جميع الأطباق على حامل الطعام، استغلت انشغال النادل بجلب الطعام الباقي، ثم نظرت إلى عصير البرتقال، ثم رمقت الأكواب بنظرات شيطانية، وأخرجت من حقيبتها زجاجة مشروب الأوزو، وهو مشروب قوي مسكر، هو مشروب صيته ذائع لدى اليونيانين. ثم وضعت في إحدى الأكواب، ولم تضع بالأخرى، وتسللت عائدة إلى خارج المطعم نهائياً، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة شيطانية وهربت سريعاً حتى لا ينكشف سرها، ولو علم ليون بأنها أتت هنا خلفه لن يدع الأمر يمر مرور الكرام.
أما ليون، كان يجلس يتأمل لارا بنظرات عاشقة، وهو شارد بها، يتابع كل همسة تهمسها أو أي حركة بسيطة تقوم بها.
جاء النادل بالطعام، ثم قام بوضعه أمامهما، وغادر بعد أن قام بتحيتهم وتمنى لهم قضاء وقت ممتع.
أخذ ليون يلتهم الطعام، وهو يرمق لارا من حين لآخر بنظرات عاشقة. ثم حين انتهى، مد يده ليأخذ كوب العصير، وبدأ يرتشف منه رشفة، ثم تلتها رشفة أخرى، يتبعها عدة رشفات. ثم ما هي إلا دقائق إلا وقد بدأ تأثير المشروب يسري عليه.
نهض ليون واقفاً، وترنح قليلاً، لكنه تماسك حتى لا يسقط. ثم بدأ حديثه قائلاً، وعيناه مثبتة على لارا. شعر كأن الكلمات تتدفق من فمه دون إرادته، ولا يستطيع أن يوقفها. أخذ يتحدث قائلاً:
"أنتِ أيتها المدعوة لارا، أتظنين ما كان شعوري حين شاهدتك للمرة الأولى؟"
ثم أكمل قائلاً:
"لقد كرهتك بشدة، شعرت أنكِ جئتِ لتهددي عرش قلبي وتسرقي مني راحة بالي. لكم تمنيت لو أني أعيدكِ لحيث أتيتِ، لكنني لم أستطع لكونكِ فتاة صغيرة. لقد حملتكِ ذنبي، وأنتِ ليس لكِ ذنب. صببت عليكِ جام غضبي لشيء لم تفعليه، وليس لكِ به يد. ومع الوقت، تسللتِ إلى شريان قلبي. عشقتُ براءتكِ وروحكِ البريئة. أنا لا أعلم إن كنت أحببتكِ؟ أم غرقتُ بحور عشقكِ حتى الثمالة؟ أنا أصبحت أتنفس عشقكِ يا لارا. على قدر ما قد كرهتكِ، أحببتكِ كأني لم أحب من قبل. أعدتني لأيام الصبا حيث كنت لا أحمل للدنيا هماً، كنت سعيداً مشرقاً مرحاً، أنشر السعادة حولي، كنت محبوباً من الجميع. لا تصدقي القسوة التي أتظاهر بها، فأنا بداخلي لكِ حباً كبيراً وشغف بكِ ملأ روحي. بينما القسوة التي أتظاهر بها ما هي إلا غلاف خارجي."
الصدمة كانت شديدة على لارا. كنت أظن أني واقع بحبه، لم أكن أعلم أن هذا مهو إلا وهم، مجرد انبهار بجمالها ليس إلا. أما أنتِ، فجئتِ اقتحمتِ قلبي دون مقدمات. خشيت عليكِ من الظلام الذي كنت غارق به، لكنكِ قابلتِ ظلام قلبي بالنور المنبعث من روحكِ النقية. حاربتُ كثيراً بكل ما أوتيتُ من قوة. أرسلتكِ بعيداً عني، لكن بمجرد أن علمت أنه أصابكِ مكروه، جننتُ، فقدتُ عقلي، حتى أنني كدتُ أنقلب بالسيارة أكثر من مرة. حين رأيتكِ أمامي يومها، لم يصيبكِ شيء سوى التواء بسيط بقدمكِ، تنفستُ الصعداء، شعرتُ كأن روحي عادت لي من جديد."
ثم انحنى إليها، ورفعها بين يديه، وقبلها برقة متناهية بكل مشاعره المكبوته التي حاول منعها من التعمق داخله. أما لارا، ارتجفت بين يديه كورقة بين مهب الريح، وقد زادت ضربات قلبها لتصبح كقرع الطبول، وتشبت بعنقه بشدة.
أبعدها عنه لينظر بعينيها بنظرات مليئة بالعشق والشغف. أما هي، فكانت تنظر إليه بصدمة، وبداخلها مشاعر عميقة تجاهه، ما بين خوف منه، وحب كبير قد مس شغاف قلبها. لا تدري أتكرهه لأنه كان يكرهها؟ أم تذوب بعشقه كما يذوب بها هو؟
حملها ليون بعد أن قام بمحاسبة النادل، وأعطاه بقشيشاً كبيراً، وخرج بها إلى الخارج. وما كاد يضع قدمه خارج المطعم، فوجئ بسيل من الأمطار، مما جعله يركض بها تحت الأمطار ويدور بها، وهو سعيد للغاية، وكأنه كان مقيداً بأغلال من حديد تقيد روحه. وحين باح لها بكل شيء، شعر كأنه أصبح حراً أخيراً، وقد انزاح عن كاهله ثقل كان يجثم فوق صدره، وأخيراً قد تحرر منه. تمنى لو كانت قدمها ليست مصابة، لكانت شاركته الركض بالمطر.
بعد أن تسلع ليون برفقتها بالجزيرة، وزاروا معاً أغلب الأماكن السياحية الموجودة بها، عاد بها إلى المنزل، وذهب بها إلى غرفتها، ثم وضعها بالفراش، وتمنى لها ليلة سعيدة. لكنه قبل أن يغادر، وقف يرمقها بنظرات عاشقة، ثم تحدث إليها بصوت دافئ يغمره الحب قائلاً:
"أرجو أن تكوني استمتعتِ برفقتي صغيرتي المشاكسة."
ثم غمز لها، وغادر الغرفة دون أن يعطيها الفرصة لتجاوب.
تمنت لارا بتلك اللحظة أن تنهض لتركض بكل ما أوتيت من قوة، وأن تصرخ قائلة: "أحبك أيها الشيطان! هذا إن كنت أنت شيطان، أنت لست شيطان يا ليون، أنت ملاك أرسله الله لي. أعشقك أيها الليون."
ذهب ليون إلى غرفته، وبدل ملابسه، ودلف إلى الفراش، ثم غفى بمجرد أن وضع رأسه على الوسادة.
نهض بالصباح، ورأسه تكاد تنفجر من شدة الألم الذي فتك به. ضغط على زر استدعاء الخادمة، ثم نهض متكاسلاً، وهو يستند إلى الطاولة المجاورة ليذهب ليأخذ ملابسه ويغتسل، لعل الألم الذي فتك برأسه يذهب قليلاً.
جاءت الخادمة مسرعة إليه، ثم دلفت إلى الحجرة بعد أن طرقت باب الغرفة.
تحدث إليها ليون، وهو يضغط على جبهته بشدة متمنياً زوال الألم الذي فتك برأسه بقوة شديدة:
"من فضلكِ يا ماري، اجلبي لي قرص دواء لآلام الرأس، وفنجان قهوة، ثم أعدي لي الإفطار بغرفة لارا."
ثم دلف إلى المرحاض، اغتسل، وبدل ملابسه، وقام بتمشيط شعره، ثم توجه إلى غرفة لارا، وجلس بجوارها. وجدها مستيقظة وجالسة بالفراش. ألقى عليها تحية الصباح قائلاً:
"مرحباً لارا، صباح الخير صغيرتي. كيف حال قدمك اليوم؟"
لارا، وهي ترمقه بابتسامة مشرقة ارتسمت على شفتيها.
جلب مقعداً إلى جوار الفراش، ثم جلس، وأخذ يتأملها بنظرات غامضة، وهو يضيق عينيه.
تحدثت لارا إليه قائلة:
"ليون، هل يمكن أن أطرح عليك سؤالاً؟"
ليون:
"بالطبع صغيرتي الجميلة، تفضلي، كلي أذن صاغية."
ما أن نعتها ليون بالصغيرة حتى تبدلت ملامحها، وعبست بشدة، وهتفت به غاضبة:
"ليون، لا تقل صغيرتي مرة أخرى، أنا لست صغيرة."
ليون يرمقها بنظرات ماكرة، وقد اتسعت ابتسامته:
"لماذا يا صغيرتي؟ ألستِ صغيرة؟ عمركِ لم يتعدَّ السادسة عشر، إن لم تكوني أنتِ الصغيرة، فمن إذن؟ أنا الرجل الكهل الذي خط الشيب رأسي."
ليون:
"لا تغضبني، قلت لكِ لستُ صغيرة. دعكِ من كلمة صغيرتي تلك، وأخبريني شيئاً واحداً، هل ما تفوهتُ به بالأمس كان صحيحاً؟ هل كنت تقصده، أم أنك كنت تهذي أو واقع تحت تأثير شيء لا أعلم ما هو؟"
ليون بتعجب، وهو يرمقها بنظرات مستفسرة قائلاً:
"أنا لا أذكر أي شيء، ماذا قلت لكِ أمس؟"
لارا:
"أنت تمزح يا ليون. ألا تذكر ماذا قلت لي بالأمس؟ أخبرني أنك تمزح معي."
هو كان يذكر كل شيء حدث بالأمس، لكنه كان غير مستعد للاعتراف بمشاعره بتلك السهولة. لقد جعله المشروب الذي احتساه يقول أشياء كثيرة لطالما رغب بقولها. لكنه غير مستعد الآن لكل تلك المشاعر المتدفقة بشدة نحوها.
تظاهر بأنه لم يتذكر شيئاً، فقال لها:
"بالطبع لا أمزح لارا، أنا لا أتذكر أي حديث دار بيننا بالأمس."
نظرت إليه لارا بحزن شديد، وشعرت بجرح غائر أصاب قلبها، وتلألأت الدموع بعينيها، مما أغضبه، وتمنى لو يفصح لها عن الحقيقة.
اقترب منها، وقام بإزالة الدموع من على خديها، وانحنى ليقبل وجنتها برقة متناهية، حتى لفحت أنفاسه وجهها. شعرت لارا بالخجل الشديد لقربه منها إلى هذا النحو، وتسارعت دقات قلبها بشدة.
أخذ ليون يحدق بشفتيها بشرود وتيه. هنا، دلف الخادمة إلى الحجرة، وهي تحمل طعام الإفطار والقهوة لليون، مما جعل ليون يبتعد سريعاً عنها للجلوس على المقعد.
أخذ فنجان القهوة، ارتشق منه رشفين، ثم جلس يتناول الإفطار برفقة لارا، وأخذ قرص الدواء.
بعد أن تناول الإفطار، ثم تحدث إلى لارا قائلاً بندم:
"لارا، أنا آسف حقاً، لم أقصد أن أسبب لكِ أي حزن، لكنني مشتت حالياً. أريدكِ أن تعطينني وقتاً حتى أتخلص نهائياً من الماضي وأغلقه للأبد."
لارا بصوت باكي:
"حسناً يا ليون، أنا لست غاضبة منكِ، ومقدرة تمام ما مررتِ به، وأعلم أنه ليس من السهل عليكِ أن تتخطاه بسهولة."
ليون بنبرات تقطر عشقا:
"فتاني الجميلة، أحسنتِ يا صغيرتي. باقي أيام قليلة على الكرنفال، وأعدكِ سوف تستمعين به، ونقضي وقتاً رائعاً به. أترككِ الآن لأذهب إلى مكتبي، لدي بضعة أوراق سأرجعها، ثم سآتي لأصطحبكِ بنزهة بحرية مميزة."
انصرف بعد أن قذف لها قبلة بالهواء.
دلف إلى مكتبه، وأخذ يراجع الأوراق، وانهمك بالعمل، إلى أن قاطعه صوت طرقات على غرفته. عاد إلى الخلف ليستند على مقعده، ثم هتف قائلاً:
"تفضل بالدخول."
دلت الخادمة إلى الغرفة، وتحدثت قائلة:
"سيد ليون، هناك شاب يريد مقابلتك، ويقول إنه يريدك بأمر هام."
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل التاسع 9 - بقلم نورا نبيل
ترك ليون مكتبه، وذهب لغرفة الاستقبال، والفضول يتأكله ليرى من ذلك الذي قد جاء لمقابلته.
حين دلف ليون إلى الغرفة فوجئ بشاب يبدو مألوفاً لديه، كأنه شاهده بمكان ما لكن لا يتذكر أين.
حين شاهد الشاب ليون نهض، ثم مد يده ليصافحه، فبادله ليون المصافحة، وتحدث إليه بصوت جاد ونبرة واثقة، وهو يتفحصه محاولاً أن يتذكر أين شاهده.
تحدث إليه قائلاً:
سيدي، أقدم لك نفسي، أنا أدعى خوان، والدي من أكبر أثرياء الجزيرة. لقد شاهدت أمس الفتاة التي كانت برفقتك.
صمت قليلاً، كأنه يسترجع ذكرى رؤيته لها، وليون يأخذها أمامه على الفرس، وشعرها الذهبي يتطاير خلفها كأنه غيمة من الذهب الخالص تنتشر بالأجواء.
ثم أكمل قائلاً بعد أن انتبه أن شرد كثيراً:
أنا أقسم لك، أحببتها منذ الوهلة الأولى التي سقطت بها عيني عليها. أرجوك، أود أن تزوجني إياها، أليست هي ابنتك؟
رمقه ليون بنظرات مشتعلة، وقد اشتد احمرار وجهه. حاول كثيراً كظم غيظه حتى لا يلكم هذا المدعو خوان لكي يجعله يصمت إلى الأبد.
تحدث إليه ليون، وهو يحاول كظم غيظه والسيطرة على انفعاله، هتف به مقاطعاً إياه بنفاذ صبر قائلاً:
لكنك لا تعلم عنها شيئاً، وهي لا تزال صغيرة بعد. لن أسمح لها بالزواج قبل بلوغها السن القانوني، ثم أنها ليست ابنتي، هي تحت وصايتي.
تحدث إليه الشاب بغيظ شديد، وقد احتد بالحديث على ليون قائلاً بغضب:
لكن لم لا تأخذ رأيها؟ فربما لديها رأي آخر. لماذا أنت متحكم هكذا وتفرض سيطرتك عليها؟ أعطها فرصة بأن تختار، فربما يكون يعجبها الأمر.
هدر به ليون غاضباً، وقد اصكتت أسنانه ببعضها البعض من شدة غضبه، وبرزت عروق وجهه من شدة غضبه، ثم قال له بصوت غاضب كالرعد:
ألم أقل لك أنها تحت وصايتي، وأنا وحدي فقط المسؤول عن أي شيء يخصها. نعم، أنا دكتاتور ومتحكم، وليس لها الحق بأن تتنفس دون إذني. لذلك، أخبرك بأن طلبك مرفوض، وهيا غادر الآن، وإياك أن أراك هنا مرة أخرى. الفتاة لا تزال صغيرة.
غضب الشاب بشدة، وهتف به غاضباً بنبرة متوعدة، وهو يشير بيده قائلاً:
ليكن بعلمك، سأتزوجها سواء شئت أو لم تشأ. سوف ترى يا سيد ليون بأم عينيك، سآخذها رغم عنك.
هتف به ليون بصوت غاضب كالرعد، وقد غامت عيناه لتتحول للون الأسود القاتم من شدة غضبه، وبرزت عروق عنقه بشدة، ثم أجابه بحنق شديد:
في أحلامك أيها الفتى. أنت لا تعلم من هو ليون؟ وأقسم أن شاهدتك بأي مكان، لا تعلم ماذا سأفعل بك.
غادر الشاب مزمجراً بغضب، وخرج من منزل ليون كالعاصفة الشديدة التي تدمر ما يمر بطريقها.
أمسك ليون بالمزهرية، وقذف بها خلفه لتسقط وتتحول إلى أشلاء صغيرة متناثرة بكل مكان.
اندفع ليون خارجاً من المنزل بأكمله كالأعصار الثائر.
كان الغضب يسيطر على كل خلية من جسده، حتى أنه كان جسده ينتفض بقوة من شدة غضبه.
سار ليون بمحاذاة شاطئ البحيرة، لعله يهدئ من بركان الغضب المشتعل بداخله.
صاح قائلاً:
يا إلهي، أنا أتمنى لو أذهب إليها لأخبرها بمشاعري تجاهها، لأتحدث إليها قائلاً: "ماذا لو أخبرتك؟ أن الحديث معك يشبه احتضان ألف غيمة؟ يشبه بياض الطمأنينية... وبالمناسبة؟ أحبك جداً."
ماذا لو ضربت عرض الحائط بكل شيء؟ وبحت لها بمكنون قلبي بدلاً من هذا العذاب الذي فرضته على قلبي.
هل سوف أظل هكذا أحارب مشاعري المتوهجة ناحيتها بقوة؟ إلى متى سوف أستطيع أن أخمد تلك النار المتأججة بصدري؟
بعد أن هدء قليلاً، عاد إلى المنزل، وحين شاهد زهرة الجوري ذات اللون الأحمر تتألق وسط مثيلاتها من الورود، انحنى ليون ليقوم باقتطافها ليهديها للارا.
كم اشتاق إليها؟ فهي دائماً تسكن أيامه ولياليه، بل إنها استوطنت بدمه، أصبحت تستوطن بوريده كأنها داء ابتلى به ليس له علاج، وليس منه شفاء.
عاد ليون إلى المنزل، وهو يكاد يهرول من شدة شوقه إليها، فهو لم يرها منذ تناولوا الإفطار معاً.
دلف إلى المنزل، ثم تسلق الدرج متجهاً حيث غرفتها. قام بمواربة باب غرفتها ليلقي نظرة عليها ليستطلع إذا كانت نائمة أو مستيقظة.
حين أصبح بمنتصف الغرفة، اقترب من فراشها ليلقي نظرة.
فوجدها مستلقية بالفراش، وعيناها مغمضتين. جلس إلى جوارها، وأخذ يداعب شعرها الذهبي الذي يتألق فوق جبهتها كشلال من الذهب الخالص.
انحنى ليلثم خدها بود شديد.
بود شديد، فتألقت عيناها الفيروزيتان بنظرات السعادة، وهي ترمقه، وهو جالس إلى جوارها يتأملها بشغف وعشق مس شغاف قلبها.
هتفت به بسعادة:
ليون، متى جئت؟ لقد سألت عنك الخادمة، قالت لي أنك خرجت من المنزل بعد مشاجرة مع أحد الأشخاص.
ثم أكملت قائلة بنبرة استفهامية:
من ذلك الذي تشاجرت معه يا ليون؟
ليون، وقد عاد لذاكرته تفاصيل الحديث مع ذلك المدعو خوان، مرت مسحة حزن على وجهه، ثم أغمض عينيه ليزفر بقوة، واقترب منها، وأمسك بيدها بين يديه قائلاً:
أريدك أن تستمعي إلي جيداً يا لارا، وأنا أعدك، أي قرار سوف تأخذينه سأدعمه به، ولن أغضب.
أجابته لارا قائلة بقلق:
ماذا حدث يا ليون؟ لقد أقلقتني، أخبرني، هل هو شيء خطير لهذه الدرجة؟
ليون، وهو يحاول أن يتحكم بغضبه كي لا يتحدث إليها بنبرة غاضبة، تحدث إليها قائلاً:
لقد كنت أتشاجر مع شاب جاء لخطبتك، وأنا رفضت بشدة أن يتزوجك. لكن بعد أن هدأت قليلاً، أيقنت كم أنا كنت مخطئاً، وكان يجب أن آخذ رأيك. سامحيني يا لارا إن كنت قد قررت بدلاً عنك، وقد طردته شر طردة.
أرجو ألا تكوني غاضبة مني يا صغيرتي.
تأملته لارا بنظرات تقطر عشقا قائلة:
لا تظن أني غاضبة يا ليون، أنا قد عشقتك منذ الوهلة الأولى التي تلاقيت بك بها. لا تظنني طفلة وصغيرة، ولا أعلم حقيقة مشاعري. كلا يا ليون، أنا أعشقك، أذوب شوقاً إليك كلما ابتعدت عني، ولو برهة يا حبيبي.
ارتجف قلب ليون بين أضلعه حين اعترفت له لارا بمشاعرها تجاهه. تمنى لو يحتضنها ويمطرها بالقبلات، لكنه تراجع باللحظة الأخيرة.
وقف يتأملها، وقد حاول أن يبدو غير مبالٍ بحديثها، وأن يرسم على وجهه قناع اللامبالاة.
ليون:
لكن يا صغيرتي، هذه حياتك، ومن حقك أن توافقي أو ترفضي. أنا آسف أنني قد احتديت عليه بالحديث. كان يجب أن آخذ رأيك بالبداية. وأنا كبير جداً عليك. لارا، بيني وبينك عقد وحزن وألم وعذاب أشياء كثيرة، وأنت ما زلت طفلة صغيرة في مقتبل العمر. غير معقول أن أجعلك تقضين حياتك مع شخص مكبل بالماضي، قلبه ليس به مكان للحب.
ما زلت صغيرة، وغير مدركة لحقيقة مشاعرك. سأعتذر للشاب، وأحدد له موعداً ليقابلك.
بكت لارا، وهي ترمقه بنظرات حزينة وقلب مفطور، وهتفت به بغضب قائلة:
أنا لا أريد أن أقابل أحد. لن أتزوج سوى من اختاره قلبي. أنت كاذب ومخادع يا ليون. أنا واثقة أنك تعشقني مثلي، وأكثر. بل إنك تذوب بي عشقا، لكني لا أعلم لماذا أنت تريد أن تعذب كلانا؟
ليون بغضب جامح لم يستطع أن يتحكم به هتف بها قائلاً:
أنا لا أحبك يا لارا، ولن أحبك. بيني وبينك عقبات كثيرة لن أستطيع أن أتجاوزها. أرجوك يا لارا، أنا لست مؤهلاً للحب، أنا شخص معقد.
أمسكت لارا يديه بين يديها الصغيرتين الناعمتين، وهتفت به:
امنحني فقط يا ليون فرصة، لننسى سوياً الماضي، وأنا سأجعلك تتغلب عليه. أو سنتغلب عليه معاً.
– كانت عيناها تفيض بالجمال والرقة. فشدد قبضته على يدها ثم قال:
دعي كل شيء للوقت المناسب. من يدري يا صغيرتي، ربما الأيام تخفي لنا شيئاً جميلاً.
أما الآن، أريدك أن تستعدي لنتنزه معاً. سآخذك بجولة رائعة بالجزيرة، وسنقضي يوماً ممتعاً، وهناك بلدة صغيرة بأطراف الجزيرة سنزورها معاً، ستعجبك كثيراً يا صغيرتي المشاكسة.
ما كاد يخرج ليون حتى نادته لارا قائلة:
ليون.
التفت إليها، يرمقها بنظرات عاشقة قائلاً:
أوامرك يا ملكتي الصغيرة.
لارا:
شكراً لك على كل شيء، وشكراً لأنك طردت ذلك الفتى. لو لم تطرده، لقمت أنا بطرده.
عاد إليها، ثم تذكر أنه لم يقم بإهدائها زهرة الجوري الحمراء.
مد يده بها.
أخذتها لارا، قبلتها، وعزمت على أن تضعها بشعرها لتحتفظ بها بين طياته.
ابتسم لها ليون، وغادر الغرفة ليستعد للنزهة التي وعدها بها.
ذهب لغرفته، اغتسل، وبدل ملابسه، وصفف شعره، ثم أحكم إغلاق ربطة عنقه، واتجه لغرفتها. وجد الخادمة برفقته، وتساعدها بارتداء ملابسها.
وقف ليون، واستند إلى الجدار، وأخذ يتأملها، وهي ترتدي فستاناً من الشيفون المزركش بحبات اللؤلؤ الذي يتدلى حولها ليصبح كهالة من اللون السماوي يحيط بها كأنها نجمة وسط السماء، وشعرها الذهبي يتطاير بحرية فوق كتفيها.
أخذ يحدق إليها بتيه وشرود، مأخوذاً بجمالها الفاتن.
مد يده ليمسك بيدها، وأسندها لتمشي بجواره، وهي تستند عليه، فقـدمها كانت قد تحسنت قليلاً.
كان يتأملها بنظرات عاشقة، وهمس لنفسه بينما يتأملها قائلاً:
لقد عقد الود قلبي وقلبها، عقد لا يحله رب الكون. فأنا لا أرى لذة العيش إلا بجوارها، ولذة السعادة إلا في فجر ابتسامتها، ولا أؤثر على ساعة اقتضيتها بجانبها، ملذات العيش ومسرات الحياة.
أخذها ليون، وغادر حيث توجد السيارة، ثم ساعدها على الجلوس بجواره بالمقعد الأمامي، وجلس خلف المقود.
ثم أدار السيارة متجهاً إلى المرفأ حيث سوف يستأجر قارباً صغيراً ليذهب به إلى الجانب الآخر من الجزيرة ليتجه إلى القرية التي وعد لارا بزيارتها.
كانت لارا تجلس إلى جوار ليون، وتتشبث به، وتتأمل روعة المناظر المحيطة بها.
حين وصل ليون إلى وجهته، ترجل من القارب، وأسند لارا لترافقه بالخروج من القارب.
ضم يدها بين يديه، وتوجه بها إلى أقرب مطعم ليتناولوا طعام الغداء.
سألها ليون ماذا تريد أن تأكل؟
تحدثت إليه قائلة:
أي شيء يا ليون، أنا أتضور جوعاً، لذلك أنا سوف آكل أي شيء.
ليون:
حسناً، سوف أطلب لك على ذوقي.
دلف ليون إلى المطعم، وبرفقته لارا التي كانت تستند عليه أثناء سيرها.
جلسوا معاً على الطاولة، ثم صفق ليون للنادل ليجلب له قائمة الطعام.
تأمل ليون قائمة الطعام، ثم اختار طبق الباذنجان باللحم المفروم والصوص الأبيض، وطبقاً من اللازانيا، وفطيرة توت، وعصير برتقال.
ثم شكر النادل، وبدأ بتناول الطعام، ثم توقف فجأة أثناء تناوله الطعام، وأخذ يتأملها بحب شديد، وهو هائم بها، ثم همس لنفسه قائلاً:
أرغب بك حباً... وعشقاً... وجنوناً... وقصة لا نهاية لها.
أحبك بعين تعشق النظر إليك.
أحبك بلسان لا يكتفي من الغزل بك.
انتبهت لارا أنه يتأملها. فقامت بوضع يدها فوق يده، فانتبه ليون ليمنحها ابتسامة رائعة أذابت قلبها، وجعلته ينبض بشدة.
تحدثت إليه بنبرة رقيقة بصوت هامس قائلة:
ما بك يا ليون؟ ما الذي يشغل تفكيرك إلى هذا الحد؟
تنحنح ليون، وحاول إخفاء مشاعره المتقدة بقربه منها، وقام برسم قناع من الجمود على وجهه، وأجابها قائلاً:
لاشيء هام يا طفلتي المشاكسة. هيا، فل تكملي طعامك، لنكمل نزهتنا.
بعد انتهوا من تناول طعامهم، حاسب ليون النادل، ثم أخذ يدها ليكملوا نزهتهما.
أخذوا يسيرون معاً حتى شاهدوا بعض الحقول المترامية على الأطراف، مما جعل لارا يبدو على وجهها علامات السعادة، وكانت تود لو كانت قدمها قد شفيت، كانت قد ركضت حتى تقطعت أنفاسها.
كانت ترمق ليون من حين إلى آخر لتجد أنه غامض، لا يبدو على وجهه أي شيء ينبئ عما يفكر به.
شاهد ليون بعض الشباب يمارسون الألعاب الحركية، فأخذ لارا ليشاهدوا معاً الألعاب. فرحت لارا بشدة، وهي تشاهدهم يقفزون في الهواء.
بعد أن انتهوا من مشاهدة الألعاب، أكملوا سيرهم سوياً ليكملوا باقي النزهة.
ذهبوا لزيارة المعالم الأثرية القليلة المتواجدة بالقرية.
ثم حين شعروا بالتعب من كثرة السير، وكان الوقت قد تأخر، وقد عم الظلام، اقترح عليها ليون أن يبحثوا عن فندق لينالوا به قسطاً من الراحة.
أخذ ليون يستعلم من أهل القرية عن مكان ينالوا به قسطاً.
وصف له أهل القرية فندقاً صغيراً يبعد حوالي مسافة ربع ميل.
حمل ليون لارا لشعوره بأن قدمها أصبحت تؤلمها، وتوجه بها إلى الفندق، وحين وصلوا قام بإنزالها، وتوجه بالسؤال لعامل الاستقبال عن غرفتين لقضاء الليلة بهما.
أجابه العامل قائلاً:
آسف سيدي، ليس هناك غرف شاغرة سوى واحدة فقط. أليست تلك زوجتك؟ يمكنكم قضاء الليلة بنفس الغرفة.
وافق ليون، ثم أخذ المفتاح، وصعد إلى الغرفة وهو يحمل لارا.
دلف إلى الغرفة، وقام بإنزال لارا، ووقف يتأمل الغرفة. كانت صغيرة نوعاً ما، بها تختين، ومقعد صغير، ونافذة صغيرة تطل على حديقة صغيرة.
توجه إلى الفراش، واستلقى عليه، وقال للارا التي كانت تشعر بالخجل من تواجدهم بغرفة واحدة:
يمكنك النوم يا صغيرتي، فلابد بأنك مرهقة.
لارا:
حسناً، سأنام. تصبح على خير يا ليون.
ليون:
(بتثاؤب) وأنت من أهل الخير يا طفلتي الفاتنة.
غفى ليون من شدة إرهاقه، وكذلك لارا.
بالصباح، نهضت لارا أولاً، ونهضت لتدلف إلى المرحاض لتضع بعض الماء على وجهها لتزيل آثار النوم.
ألقت نظرة على ليون لتجده مازال يغط بنوم عميق.
فقررت أن تخرج من الغرفة لتتنزه بحديقة الفندق.
جلست بجوار إحدى الأشجار، وأغمضت عينيها لتستمتع بروعة المكان والهدوء المحيط به.
بعد قليل، تفاجئت بمن يقبلها برقة، ويحتضنها. فتحت عينيها ظناً منها أنه ليون، لتجد شخصاً غريباً يحدق بها.
تنظر إليه بفزع قائلة:
ابتعد عني، من أنت؟
رواية تحت وصاية الشيطان الفصل العاشر 10 - بقلم نورا نبيل
نهض ليون من نومه، نظر إلى فراش لارا فوجده خاليًا. انتابه القلق لعدم تواجدها بالفراش، ترك الغرفة، وركض مسرعًا على الدرج خوفًا من أن يكون قد أصابها مكروه. لقد أخذت الظنون تتلاعب برأسه، والقلق دبّ في قلبه خوفًا من أن تتعرض للمضايقة من أي شخص، لأنها لا تعرف المكان جيدًا. ركض ليون على الدرج، وهو قلق للغاية، وأخذ يبحث عنها بعينه بكل مكان ثم توجه إلى الحديقة فأستوقفه مشهد أثار غضبه بشدة، وهي مغمضة العينين، وذلك المدعو خوان يقبلها بينما هي يبدو على وجهها علامات السعادة. غضب ليون بشدة ثم توجه إلى حيث تجلس وقد أعمته الغضب، وبرزت عروق عنقه بشدة، وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر، واندفع إلى ذلك المدعو خوان كالإعصار الذي يدمر كل ما يمر بطريقه. ثم حين أصبح على مقربة منهم شاهد لارا، وهي تبدو عليها السعادة بين يديه. فكظم غيظه بشدة، وقرر أن يلقن ذلك الخوان درسًا لن ينساه. أما لارا عندما فتحت عينيها، وعلامات السعادة ترتسم على محياها ظنًا منها أنه ليون من قام بتقبيلها تفاجأت بشخص غريب يحدق إليها بنظرات نهمة، ارتعبت لارا، وانكمشت على نفسها وصاحت به غاضبة:
- من أنت أيها المعتدي ابتعد عني!
لكن الشاب لم يستجب لحديثها بل أنه أراد تقبيلها مرة أخرى، بالقوة، فأخذت تدفعه بصدره لكنه لم يؤثر به دفعها له، وازداد إصرارًا بأن يقبلها. وما كاد يلامس شفتيها للمرة الثانية فوجئ بلكمة أطاحت به بعيدًا ليرفع عينيه ليرى من الذي قام بضربه. ليقطع ليون المسافة الفاصلة بينهم بلمح البصر، ويصيح به غاضبًا:
- أنت أيها الليون أقسم لك ستدفع ثمن فعلتك غاليًا! ألم أطلب يدها منك، وأنت رفضت حسنا سأخذها رغم عنك، والآن أمام عينك!
وهم بأن يفتك بلارا مرة أخرى لكن ليون لم يعطه الوقت ليقوم بلمسها مرة أخرى بل أخذ يلكمه عدة لكمات، وهو يلهث من فرط انفعاله، وأنفاسه تعلو وتهبط بشدة. ثم دفعه ليسقط مغشيًا عليه، وذهب إلى لارا التي كانت ترتجف من شدة الخوف، وقد تحول وجهها إلى اللون الأصفر من شدة ارتعابها. جذبها من يدها بشدة، وذهب إلى الغرفة، ومظهره الغاضب لا يوحي بخير، كانت عروق عنقه بارزة بشدة، وعيناه تحولتا إلى اللون الأحمر من شدة غضبه، وطوال الطريق إلى الغرفة لم يتفوه بكلمة واحدة. حين أصبح داخل الغرفة صفق الباب بشدة أرعبتها، وزاد انكماشها خوفًا منه، فهي لا تدري على ماذا ينوي فمظهره لا يبشر بخير. دلف إلى الغرفة بهيئته التي أثارت الرعب في قلبها، صفق الباب بقوة. ثم اتجه إليها، وعاود إمساكها بقوة. دفعها إلى الحائط، وهو يحدق بها بنظرات نارية، مما جعل الرعب يدب في قلبها، وهي ترمقه بنظرات مترجية بأن لا يؤذيها. هدر بها غاضبًا:
- استمتعت جيدًا بقبلته؟ وأعجبك مذاقها، إذًا لماذا كذبت؟ وأخبرتني أنك لا تريدينه، طالما أنك ترغبين به هكذا؟
أردفت لارا قائلة بحزن شديد، وقد انهمرت دموعها بشدة على خديها قالت له:
- ليون ماذا تقول؟ أتعتقد أني استمتعت بقبلته أقسم أنا؟!! ظننت أنه أنت لم أكن أعلم أبدًا أنه شخص غريب أنت تعلم جيدًا كم أحبك!!
ليون بغضب شديد هدر بها:
- كاذبة لقد رأيتك بعيني، وأنت مستمتعة بقبلته بماذا تبررين ذلك؟
أخذ يحدق بشفتيها بنظرات مبهمة، ثم تحدث قائلًا:
- كيف كانت قبلته؟ هل أعجبتك؟
ضمها إليه بقسوة حتى كادت أضلاعها أن تتهشم بين يديه ثم أخذ يقترب منها ببطء، ومازالت عينيه على شفتيها والغضب يزداد بداخله، وأنفاسه تتزايد بحدة. ثم دون مقدمات قبلها بقسوة شديدة كأنه يفرغ كل الغضب بداخله بتلك القبلة التي تحولت رويدًا رويدًا لتصبح قبلة رقيقة ناعمة. ابتعد عنها أخيرًا ليتلقط أنفاسه، ويدفعها بغضب شديد بعيدًا عنه لتسقط على الفراش باكية. تألم قلبه لرؤية مظهرها الباكي، وعينيها الحزينتين لكنه أخفى شعوره بداخله، وهتف به قائلًا:
- هل أعجبتك القبلة؟ كيف وجدتيها هل هي أفضل من قبلته؟
نهضت لارا، وقفت أمامه بوجهها الذي غزاه اللون الأحمر من شدة بكائها، وعينيها التي ذبلت من كثرة البكاء هتفت به قائلة من بين شهقاتها:
- كم أنت قاسٍ؟ وعنيد، ومغرور أقسمت لك مئة مرة أني لم أحب غيرك، وليس لي بالحياة سواك. لماذا أنت دائمًا تريد أن تعذبني، وتعذب نفسك أنا أقسم لك ليون إن لم تعطِ فرصة لقلبك بأن يدق، ويشعر بالحب سوف أبتعد عنك، ولن تعلم أبدًا إلى أين ذهبت. فليكن بعلمك لا تظنني طفلة بلهاء، سأتركك تعاملني كما تريد، وإن أكون دائمًا رهن إشارةك ثم أشارت له بيدها قائلة:
- كفاك تحكمًا، وإصدار أوامر، وكأنني أنا المسؤولة عن كل شيء وأنت الملاك البريء لا تفعل شيئًا هل يجب أن أظل دائمًا أتحمل نتيجة أخطائك، كلا ليون لن أسمح لك بإهانتي بعد الآن ماذا تريد أكثر من ذلك؟ لقد صرحت لك بحبي لك، وبأني لم أعشق غيرك، وأنت رفضت الاعتراف بحبك نحوي، ودائمًا ما تحرص على إخفائه.
ثم خرجت إلى الشرفة، وتركته، وأخذت تنتحب بشدة، وعزمت ألا تدعه يتحكم بها بعد الآن. تألم ليون بشدة من أجلها، وشعر بأن قلبه يتمزق من الألم لأجلها، فهو لم يكن يريد أن يسبب لها كل هذا الحزن لكن حين شاهد ذلك الحقير خوان يقبلها اندلعت النار في صدره، وأعمته غيرته عليها. توجه إلى حيث تستند على الشرفة، ثم أدارها برفق إليه، وأزال قطرات الدموع المنهمّرة على خديها، وأسكنها بين أحضانه، وضمها إلى صدره بحنو، ثم أخذ يهدئها برفق حتى هدأت، وحاول أن يتغلب على الغضب المتقد بين جنبات صدره، وهمس بأذنها بصوت حنون:
- آسف صغيرتي اللعنة على ذلك المدعو خوان، أقسم أن أقتله لو أقترب منك مرة أخرى لا تغضبي مني صغيرتي لديك كل الحق أنا أناني، ومتملك، وشياطين الأرض تتلبسني لو شاهدت أيًا كان يقوم بلمسك.
ثم همس لها بأسف قائلًا:
- أنا آسف صغيرتي أني قد أذيتك، وتركت الغضب يسيطر على أفعالي أعدك سأعوضك عن كل ذلك قريبًا. هيا طفلتي المشاغبة لنعود إلى القصر فغدًا هو يوم الكرنفال أريد أن نستمتع به معًا.
وقبلها من وجنتها بحب شديد ثم أردف قائلًا:
- هل عفوتِ عني طفلتي المشاغبة؟
لارا من بين شهقاتها المستمرة:
- لا بأس لكن تلك المرة أخيرة،
ثم أشارت له بيدها:
- وإياك أن تغضبني مرة أخرى لو فعلت ذلك لن أسامحك.
ليون بنظرات تقطر عشقًا:
- حسنا صغيرتي كفى دموعًا خسارة فادحة أن تهدري حبات اللؤلؤ الثمينة على الأرض. هيا ابتسمي دعي الشمس تشرق من جديد، وتبدد الغيوم.
ابتسمت لارا، ورمقته بحب شديد مما جعل ضربات قلبه تزداد بشدة، فهي لا تعلم تأثير ابتسامتها المُهلكة عليه فهي تدفعه إلى الجنون، وتفقده صوابه. أخذ ليون يتأملها بعشق وهيام، وهو شارد بها ثم حدث نفسه قائلًا:
- مشاكسة ما زالت تتعمد قتلي بإتقان… منذ أخبرتها أن وراء موتي سبب من اثنين… أما سهم ترميه من عينيها… بإمعان أو شنقًا بلمسة من أصابعها.
اقترب منها أمسك بيدها، وأخذها ليغادروا المكان عائدين إلى القصر. ساروا معًا، ويده تعانق يدها، إلى أن وصلوا إلى المرسى، ساعدها ليون على أن تستقل القارب، ثم جلس، وهي بقربه، وقام صاحب القارب بالتجديف بهم إلى الشاطئ الآخر. حين وصلوا إلى الشاطئ الآخر ترجّل ليون من القارب، وساعد لارا على النزول من القارب. استقل سيارته، وبرفقته لارا، وقادها متجهًا إلى المنزل، توجهت لارا إلى غرفتها لتبدل ملابسها، وتنال قسطًا من الراحة. اغتسلت لارا، وبدّلت ملابسها إلى أخرى مريحة عبارة عن تيشرت بنصف كم، وشورت قصير، وقامت بتجميع شعرها كذيل حصان، وجلست على الفراش، بعد قليل سمعت صوت طرقات على باب الغرفة فقالت:
- تفضل.
دلفت الخادمة، وهي تحمل صينية عليها كوب من الحليب، وبضع شطائر الجبن. تحدثت الخادمة إليها قائلة:
- لقد طلب مني السيد ليون أن أعد لك بعض الشطائر، وكوب من الحليب.
قالت لها لارا:
- بأمتنان حسنا شكرًا لك ماري لكن هل تناول إفطاره هو أيضًا؟
الخادمة:
- نعم آنستي لقد أعددت له بضع شطائر، وعصير البرتقال.
لارا:
- حسنا شكرًا لك ماري.
تركتها وانصرفت مغادرة. جلست لارا تفكر لمَ لا تذهب إليه ليتناولوا معًا طعام الإفطار. أخيرًا عزمت أمرها على أن تأخذ الطعام، وتذهب إليه. حملت الصينية، وتوجهت إلى غرفته طرقت على باب الغرفة فلم يجب عليها أحد. فأدارت مقبض الباب، ودلفت إلى الداخل، أخذت تفتش عنه بعينيها داخل الغرفة فلم تجده. وضعت ما بيدها على الطاولة، وأخذت تصيح قائلة:
- ليون أين أنت؟
خرج ليون من المرحاض، وهو يرتدي شورت قصير، وصدره عاري، وقطرات المياه تتساقط من شعره مما جعل لارا تنتفض بفزع حين رأته يخرج من المرحاض، وانتابها الخجل الشديد، وأشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى، وقد غزا الاحمرار خديها بشدة. أراد ليون مشاكستها فاقترب منها، وأخذت هي تتراجع إلى الخلف، وحدثته قائلة:
- كفاك وقاحة ليون تأدب قليلًا.
ليون بمكر، وهو ما زال يقترب:
- ماذا فعلت أنا لارا أنا فقط أردت أن أرحب بك بغرفتي،
قالها ثم أخذ يقهقه على مظهرها الخجول، إلى أن أصبح لا يفصل بينهم شيء، تحدث إليها هامسًا أمام شفتيها، وهو يتأملها بشغف:
- تبدين فاتنة مشاكستي الصغيرة أنت تبدين رقيقة كقطعة سكر تذوب في فنجان من الشاي.
همّ بتقبيلها لكنها دفعته ليبتعد، وقالت:
- إن لم تلتزم حدود الأدب سأغادر غرفتك.
ابتعد عنها رافعًا يديه باستسلام، قائلًا:
- حسنا لا داعي لأن تخشيني.
ثم التقط التيشرت، وارتداه. وجلس يتناول إفطاره، ودعاها للجلوس بقربه لكنها جلبت مقعدًا، وجلست أمامه، وأخذت تتناول الإفطار. تحدث إليها ليون وهو يقضم من شطيرة الجبن قائلًا:
- لا تعلمي كم أنا سعيد؟!! لأنك جئت تشاركيني طعام الإفطار تواجدك معي شيء مبهج يا صغيرتي.
أثناء تناولهما الإفطار طرقت الخادمة على الباب فأمرها ليون بالدخول. تحدثت إليه قائلة:
- سيدي هناك فتاة ترغب بمقابلتك تقول أنها تريدك لأمر هام.
تضايق ليون بشدة، فهو لم يكن لديه استعداد لمقابلة أي كان الآن. تحدث إليها بتأفف قائلًا:
- حسنا أدخليها إلى غرفة الاستقبال، وسأرتدي ملابسي، وأذهب إليها.
الخادمة:
- حسنا سيدي،
ثم غادرت إلى الأسفل. قبل ليون لارا على خديها بحب، ثم ارتدى ملابسه، وغادر الغرفة متأففًا ليرى من تلك البغيضة التي قطعت عليه وقتًا رائعًا كان يمضيه برفقة لارا. أخذت لارا تشتعل من الغضب والغيرة بسبب تلك البغيضة التي جاءت لتعكر عليها صفو يومها. توجه ليون إلى غرفة الاستقبال، وما إن شاهد الفتاة التي تجلس بانتظاره حتى صاح بها بغضب شديد:
- أنت ماذا جاء بك إلى هنا؟