في صباح يوم جديد، قضت ليلة عائلة الحسيني والألفي بالمستشفى إثر انتقال كبير أبنائهم إليها بعد إصابته على يد مجهولين. تتمدد بجواره نائمة على فراشه، ممسكة بيده بقوة. فتح عينيه بتعب، محاولا تذكر ما حدث قبل فقدانه الوعي وإصابته. نظر حوله فوجد نفسه على فراش المشفى. كانت مليكة ووالدته تجلسان على أريكة بالغرفة.
حاول الاعتدال ولكن وجد نفسه مكبلاً بيد أحدهم. نظر فوجدها هي ملاكه الصغير تغفو على قدمه، وشعرها يغطي وجهها، ومتمسكة بيده قابضة عليها بقوة. بيده الأخرى أراد جمع شعرها حتى يرى وجهها، ولكنه تألم، مصدراً صوتاً موجوعاً. فاقت مليكة على آهاته، أسرعت إليه: "محتاج حاجة ياحبيبي؟ "صحيها رقبتها هتوجعها.. فين جاسر؟ استيقظت والدته على صوته، فهبت من مكانها وتوجهت إليه: "حمد الله على سلامتك ياحبيبي.. عامل إيه دلوقتي؟
أغمض عينيه ونظر إليها وأردف بابتسامة باهتة: "أنا كويس ياست الكل، متخافيش عليا.. إصابة خفيفة." ساعدته مليكة في الاعتدال، رغماً عن يد غزل التي تكبله. نظرت مليكة إليها بإشفاق قائلة: "منمتش خالص وطول الوقت بتعيط، لدرجة إن جاسر طلب من الدكتور يديلها مهدئ بس هي رفضت." ملس على وجهها بحنان مردفاً: "غزل حبيبتي قومي، رقبتك هتوجعك." فتحت عينيها المنتفخة إثر بكائها ونظرت إليه، ثم اعتدلت سريعاً وملست على وجهه ودموعها سقطت بغزارة:
"جود! إنت فقت امتى.. مصحتنيش ليه؟ عامل إيه؟ كويس ولا موجوع؟ مسح دموعها بحنان: "اهدّي ياغزل، إيه الأسئلة دي كلها؟ أنا قدامك كويس أهو." اتجه ببصره لمليكة وأردف متسائلاً: "فين جاسر؟ "قاعد بره هو وصهيب وبابا وعمو ماجد." "طيب.. نادي على صهيب وجاسر." خرجت مليكة، فلم يمر عشر ثوانٍ ووجد الباب يُدفع وتدخل منه صهيب وجاسر بلهفة وقلق. نطق جاسر بفرحة تملأ صوته: "حمد الله على سلامتك ياصاحبي، عامل إيه؟ أجابه جواد:
"بخير ياجاسر، الحمد لله.. صهيب خد ماما ومليكة وغزل يروحوا وتجهز للسفر، وكمان بابا وعمو، ملوش داعي قعدتكم، أنا كويس وساعة كدا هروح مشوار وهاجي وراكم." ضيق صهيب عينيه: "رايح فين؟ لو إنت كويس هنروح كلنا مع بعض." "صهيب.... " أردف بها جواد بغضب. "اعمل اللي بقولك عليه.. أنا كويس." اتجهت نجاة إليه: "خليك النهاردة ياجواد في المستشفى وبلاش سفر لما نطمن عليك."
"ماما أنا كويس وهنرجع النهاردة أكيد.. ريحوني بس وروحوا مع صهيب وأنا هاجي مع جاسر." جذبت مليكة جاسر من يده: "جواد ناوي على إيه؟ متخليهوش يتهور ياجاسر." ملس على يدها بحنان: "متخافيش، مش هنعمل حاجة. هو بس أكيد عايز يبلغ." نظرت إليه بعمق وأردفت: "جاسر، أنا عارفة جواد كويس، أكيد مش هيسكت." "تعالي بس روّحي وأنا معاه، عمري ما هسيبه." ملست نجاة على شعره بحنان:
"ربنا يحميك يابني ويبعد عنك الشر والأذى.. متعملش حاجة توجع قلبي ياجواد." قبل يديها مردفاً: "متقلقيش ياست الكل، أنا بس هبلغ الإدارة باللي حصل وهاجي وراكم." "أنا مش همشي إلا لما يروح معايا." هكذا نطقت غزل. زفر جواد بضيق، أيقن أنها ستعانده. رد بصوت مجهد: "غزل، شايفة مليكة.. قومي روّحي معاها، أنا مش قادر أتكلم.. نفسي تسمعي الكلام مرة واحدة." ابتلعت غضبه ورسمت ابتسامة سمجة على محياها:
"أنا مش رايحة غير معاك، ودا آخر كلام." نظر إلى الجميع بغضب: "حد ياخدها من قدامي بدل ما أزعلها." جذبها جاسر إليه: "تعالي يازوزو.. جواد كويس وبيبرقلك اهو، يعني سليم وعينه بتطلع شرار اهو، شايفة." التفتت إليه بحنق وضيقت عينيها: "حتى وانت تعبان بتبرقلي.. صعبان عليا دموعي اللي نزلت عليك." ضحك جميع من في الغرفة عليها. كانت نظراته إليها تتناقض كلياً مع كلماتها التي وقعت على صدره بعجز من ردود أفعالها الطفولية. وقفت وتقدمت من
مليكة وأردفت مستاءة منه: "والله أنا غلطانة وهبلة إني سهرانة طول الوقت وخايفة عليه، وهو أول ما فاق عامل عنتر بن شداد." التفتت إليه بحنق: "حتى وانت تعبان بتبرقلي... ضحك جميع من في الغرفة عليها، حتى جواد الذي كان يبتسم على عصفورته الصغيرة. جذبتها مليكة بضحك وأردفت: "تعالي ياغلباوية." اتجهوا للباب، ولكنها قبل خروجها نظرت إليه ووجدته يلاحقها بنظراته. رجعت سريعاً إليه وحضنته ثم همست له:
"ارجع بسرعة عشان غزالتك بتخاف عليك قوي." ملس على وجهها بحنان: "حاضر، خدي بالك من نفسك." أومأت له واستعدت للمغادرة. في تلك الأثناء، دخلت فتاة أنيقة تسير بهدوء، كانت هادئة الطباع، تجذب من ينظر إليها. أسرعت إلى جواد ووقفت أمامه وعيناها تغشاها الدموع: "جواد حبيبي، إنت كويس؟ كنت هموت أول ما عرفت اللي حصلك." نظر إليها بحب: "حبيبتي، أنا كويس. مين اللي قالك بس وقلقك كدا؟ ملست على وجهه بحب: "لو مقلقتش عليك، هقلق على مين بس."
كانت تقف على باب الغرفة تنظر إليهما بنظرات عميقة الحزن والألم. هاهي حبيبته تظهر لتتخذ مكانها بجانبه. أحست بألم في فؤادها. هل يمكن أن يكون عشقها له سراباً ووهم؟ نظرت إليه نظرة أخيرة وهي تحدث حالها كأنها تحدثه: "في البداية كنت أبكي كلما آلمني قلبي، أتواري لبضعة أيام دون تواصل إلا معك. كنت أختفي ولا أتعامل مع أحد غيرك. الآن اعتدت أن أحزن وأنت بجانبي. كيف لي التعامل والابتسام معك؟ وكيف أخرج ما يجيء صدري إليك؟
كان يتحدث إلى ندى، ولكنه وجدها تقف شاردة على باب الغرفة. عندما تأخرت في الخروج، عاد إليها جاسر ليجدها واقفة تراقب الحبيبين، فأسند أخته مائلاً عليها: "يالا ياغزالي، كفاية كدا. إزيك ياندي؟ أخبارك إيه؟ "هوصل الجماعة وأرجعلك ياجواد." ثم سحب أخته للخارج. اتجه جاسر إليها بعدما رأى حالتها، ولكنه عندما وجد حالة أخته، نظر إليه وأردف: "أنا هوصل غزل وأرجعلك بعد شوية." ولكن قطع حديثه برفع يديه وقام بالمناداة عليها:
"تعالي ياغزالتي... احتقن وجهها بدماء الحرج عندما وجدته ينظر إليها. سكنت لثوانٍ وحاولت تنظيم أنفاسها واتجهت إليهما، ولكن جاسر همس لها: "غزل، شكلك باين عليه أوي. امسكي نفسك شوية وبعدين نتكلم." اهتزت نظراتها لأخيها ولم تسعفها الكلمات. ورغم ذلك، أومأت برأسها واتجهت إليهما: "دي ندى ياغزالتي." ثم أشار على غزل. "ودي غزولتي يا ندى، بنت أبوها." نظرت إليها ندى من أعلاها إلى أسفلها مردفة:
"أهلاً ياغزل. جود مش بيبطل يجيب في سيرتك، فعلاً اللي يشوفكم يقول بنت وأبوها." كانت ندى تتحدث بثقة ومغزى. أرادت غزل أن تضايقها فأردفت: "أنا مميزة جداً في حياة جود، ومحدش يقدر ياخد مكاني عنده، وهفضل العمر كله غزالته." من كلماتها ونظرات التحدي، أيقنت ندى أن ارتباط غزل بجواد ليست علاقة أبوية. ولكنها عندما نظرت لجواد، فهمت أنه لا يدرك تلك العلاقة، فأردفت بدلال: "طبعاً، هو في أب بينسي ولاده؟
دايماً بيعطف عليهم وبيدلعهم عشان بيحبهم حب أبوي." اهتزت نظرات غزل واشتعلت نيران قلبها تطالبها بالفتك من تلك الدخيلة. كان جاسر يقف بعيداً يراقب أخته ويضغط على يديه بغضب. ماذا عليه أن يفعل؟ أخته تعشق صديقه الذي بمثابة أخيها. قلبها يكتوي بنار الحب. "صغيرة، إنتِ حبيبتي على آلام الفؤاد."
لم يستطع على الصمود، توجه إليها عندما وجدها تحاول أن تضغط على نفسها في حضرة ندى التي تتحدث أمامها برقة لجواد. ولكن هل بالفعل جواد لم يشعر بمشاعر غزل تجاهه؟ أم إنه أرجعها إلى حب أبوي منذ طفولتها؟ وقف جاسر أمامها وهي ساكنة لم تتحدث، في الوقت التي تتحدث ندى وجواد ويضحكان مع بعضهما البعض. جذب أخته بهدوء: "تعالي ياقلبي نخرج نشم هوا." تحركت معه كإنسان آلي ولا تشعر بما يدور حولها. ولكن تيبست قدماها عندما
استمعت لندى تتحدث إليه: "وحشتني قوي ياجود. أنا موافقة إننا نعمل فرحنا بعد شهر. إنت كنت عمال تأجل عشان امتحانات غزل، وغزل خلصت ونتيجتها كمان قربت تظهر." التفتت غزل إليهما فوجدتهما متشابكي الأيدي. أغمضت عينيها بقهر، ثم توجهت إلى جاسر الذي كان يتابع بصمت. ضم أخته إليه وخرج دون كلام. أثناء ذلك، كان جواد يوجه حديثه لندى: "ربنا يسهل ياندي. إنتِ جاية لوحدك، ولا فيه حد معاكي؟ أجابته بابتسامة:
"لا حبيبي، جيت لوحدي. شريف كان عايز يجي بس أنا رفضت." ": ليه بس ياندي؟ على الأقل كنت هبقى مطمن وهو معاكي. هترجعي إزاي دلوقتي؟ "اممم.... " همهمت بها. "يمكن أدلع على خطيبي شوية وهو اللي يوصلني، أو ممكن أقعد عنده كام يوم هنا." لفت انتباهه معنى كلماتها الأخيرة، والتي جعلته يقول: "ينفع تقعدي عندنا كام يوم ياندي ومفيش ارتباط رسمي بينا ولوحدك؟ على الأقل حد من أهلك يكون معاكي." جحظت عيناها بقوة: "إيه اللي بتقوله دا ياجود؟
الكلام دا كان من زمان يا حبيبي، دلوقتي الحاجات دي بقت عادي." لوهلة صدمته بردها، ولكنه ابتسم وتحدث: "مش معاكي طبعاً ياندي في كلامك دا. آه ممكن نزور بعض عادي لما يكون فيه ارتباط، بس إنك تكوني موجودة لوحدك ومفيش رابط زي كتب الكتاب دا اللي مش فاهمه." نظرت إليه بحنق واستغراب: "أفهم من كده إنك بتطردني؟ احتقن وجهه بدماء الحرج: "مش دا قصدي ياحبيبتي...
أنا بقولك رأيي مش أكتر، بس إنتِ عارفة مستحيل طبعاً أطردك، وعلى فكرة فرحت بجيّتك." على جانب آخر في تركيا، دخل حازم على والدته الدكتورة حسناء: "ماما فاضية؟ ممكن نتكلم شوية." أومأت برأسها وأشارت له بالجلوس: "طبعاً حبيبي، اتفضل." تنهد بعمق ثم نظر لوالدته وأردف متسائلاً: "ممكن أعرف هننزل مصر إمتى؟ إحنا هنفضل كدا متغربين...
عارف عمو هاشم على طول مسافر وحضرتك مشغولة، بس أنا تعبت وعايز أرجع بلدي، وميرنا كمان مستنية تتجوز وتقعد هنا، ولا إيه؟ مش فاهم حضرتك الصراحة." كانت تشعر بالخوف من ردة فعل حازم عندما أخذت قرار بعدم عودتها لمصر حتى لا تجني آلام الماضي. أغلقت حاسوبها واتجهت وجلست أمامه: "حازم حبيبي، أنا معنديش وقت للسفر، وكمان إنت نسيت حاجة مهمة، مفيش حاجة بقت تربطنا بمصر، خالك سافر أمريكا، وخالتو ليلى قاعدة هنا. إنت عايز تنزل مصر لمين؟
وكمان شغلك يا حبيبي، هتخسره، إنت بقيت رجل أعمال له وضعه، بلاش تضيع الحاجات دي لمجرد حنين وتعاطف." هوت كلمات والدته عليه كالصاعقة، واحتقن وجهه بالغضب: "مش فاهم برضو كلام حضرتك، قصدك هنفضل عايشين غرب في بلاد تانية." وأكمل حديثه: "نسيتي ولاد خالتي ولا إيه؟ اللي المفروض نكون أقرب لهم من الغرب." ثم وقف أمام والدته وتحدث بغضب: "ماما، أنا هسافر وأستقر هناك، وانسي إني أقعد هنا تاني." تغضن جبين والدته بعبوس:
"قصدك هتكسر كلامي ياحازم؟ وبعدين ولاد خالتك مع أبوهم، مش مع الغريب." تبسم متهكماً: "حضرتك مصدقة كلامك دا!!! ولاد خالتي ربتهم طنط نجاة ياماما، في الوقت اللي كان المفروض إنت اللي تهتمي بيهم، هي اهتمت.. بس نقول الجري ورا النجاح والشهرة تخلينا ممكن ندوس على كل حاجة." وقفت والدته مذهولة من حديثه: "إنت بتقول إيه يا حازم؟ أنا كدا في نظرك." زفر بضيق، وكأن صفعات والدته له لم تنتهِ، وأردف مستاءً:
"أنا هسافر بكرة وحضرتك براحتك، أنا معنتش هقعد هنا ولا يوم تاني، فهمتيني ياماما؟ أنا كرهت الغربة، نفسي أحس بكياني في بلدي، مش عايزة الشهرة دي." جلست حسناء بعد مغادرته وبدأت تسترجع حديث إنها وتساءلت بينها وبين نفسها. هل ما فعلته خطأ؟ هل إبعاد أبنائها عن مصر كان سلبياً لهم؟ ظلت لعدة دقائق، وأخيراً خرجت عن صمتها وذهبت إليه لإقناعه بوجهة نظرها.
على الجانب الآخر، جلس صهيب في مكتبه يراجع بعض المشروعات المتعلقة بشركاتهم. دخل إليه جاسر ووجهه حزين. جلس ولم يتفوه بكلمة. صوب نظره إليه: "إنت جيت ليه؟ مش المفروض تكون مع جواد." أخرج نفساً ثقيلاً يعبئ به رئتيه: "جبت غزل وسبت ندى هناك معاه." اتجه صهيب وجلس أمامه، مربتاً على يده ثم أردف متسائلاً: "مالك ياجاسر؟
أغمض عينيه بحزن كلما تذكر حالة أخته. قلبه حزين من أجلها. شعر بعجزه ولا يعلم ماذا يفعل حتى لا يستطيع البوح مع أحد بما يشعر به. نظر بتيه لصهيب ثم أردف بهدوء: "مفيش ياصهيب. أنا هخرج أشم شوية هوا لحد ما جواد يتصل، ونشوف هنعمل إيه." لحقه صهيب بتساؤل واضح: "من إمتى بنخبي على بعض مشاكلنا ياجاسر؟ تخبط لا يعرف بماذا يجيبه. ظل ينظر إليه ولم يتحدث. "إنت زعلان عشان غزل؟ " أردف بها صهيب بهدوء.
نظر إليه مستفهماً لأنه ظن أنه لا يعرف، فحاول تشتيت تفكيره فتحدث قائلاً: "مالها غزل؟ أمسك صهيب قلمه وبدأ يطرق به على المكتب، ثم وقف واتجه إلى النافذة ونظر للخارج وهو يتحدث: "عن حبها لجواد مثلاً." صدمة وقعت على جاسر، جعلته لا يستطيع التنفس. كيف له أن يعرف هذا؟ "إنت ليه بتقول كدا؟ وبعدين كلنا عارفين حب غزل لجواد، إنت نسيت إنه هو اللي مربيها." استدار إليه صهيب ورفع حاجبه بغيظ وأردف مستاءً:
"مش هتسيبك من شغل التشتيت دا ياحضرة الضابط.. إنت نسيت إني دارس علم نفس كمان وأعرف أقيم الحالة اللي قدامي كويس، فبلاش تستغبي نظرتي." تنهد بضيق أمامه ووقف بجواره: "أنا خايف جواد يعرف، أو يحس بحبها ليه." "غزل لسه صغيرة ومشاعرها متخبطة، ممكن يكون تعلقها به هو اللي وصلها لحالة الإعجاب دي."
"وممكن يكون حب طاهر ونضيف، ويتحول لعشق كمان ياحضرة الضابط.. إنت متعرفش إن حب القلوب النضيفة بيفضل معلم في القلب، بدليل حبك لمليكة لسنين ليه متغيرش، وقولنا إنه طايش، سواء عندك أو عندها." أرجع شعره للخلف بضيق، وكأنه سيقتلعه: "أنا عاجز ياصهيب ومش عارف أعمل إيه." "تفتكر إن مشاعرها دي حقيقية؟ زفر صهيب بضيق وتحدث متيقناً: "للأسف ياجاسر، بتحبه جداً. ودا شفته في عيونها.. اسألني أنا يا صاحبي، عارف النظرات دي وحافظها كويس."
"طيب العمل؟ هفضل ساكت عليها لحد ما تتبدل كدا وتتوجع وهي بتشوف ندى مع جواد؟ إنت مش شفت نظرة وجعها اللي أنا شفتها لما ندى جت لجواد وقعدت مكانها جنبه." ربت صهيب على كتفه: "ربك يعدلها من عنده، منعرفش بكرة فيه إيه." في هذه الأثناء، كانت تقف شهيناز خلف الباب وسمعت حديثهما بالكامل. ضحكت بشماتة وأردفت: "والله وأخيراً عرفت اللي بيوجعك ياجاسر. أما أشوف هتفضل رافضني لحد إمتى."
في غرفتها، تجلس تضم ركبتيها وتضع رأسها فوقهما، تحدق أمامها بصمت بالغ وعيون مترقرق بالدمع، ولكنه دمع يأبى السقوط حتى لا يزعج خد صاحبتها، يكفيها وجع قلبها. بعد فترة، قامت واتجهت إلى حمام الغرفة وتوضأت، ثم اتجهت لتريح صدرها وتزيح همها. فردت مصلاها ووقفت بين يدي الرحمن بمنتهى اليقين حتى ذابت جوارحها وانشرح صدرها، وكيف لا وهو الرحيم بعباده أرحم من الأم بولدها. جلست على السجادة فترة:
"خفف عني يالله ألم قلبي، وأزل التعب عن روحي، وأخرجه من قلبي الضعيف.. فأنا أحببته حباً جما بقدر رحمتك ياأرحم الراحمين." قامت مليكة بالطرق عليها، ثم دخلت لغرفتها بهدوء. نظرت بأسى إليها. جلست بجوارها ثم أردفت مبتسمة: "حرمة حبيبتي.. تقبل الله." نظرت إليها بشرود هادئ: "جمعاً إن شاء الله ياقلبي، منا ومنكم." قامت بخلع إسدالها وجلست على فراشها. جلست مليكة ونظرت إليها بحزن:
"برضو مش عايزة تقوليلي مالك وإيه اللي عامل فيكي كدا." تنهدت بوجع ونظرت إلى مليكة: "مفيش، بس ماما وحشتني... نفسي أترمي في حضنها قوي... استرسلت حديثها بحزن ووجع: هو حضن الأم أمان زي مابيقولوا كدا يامليكة؟ أصل مجربتوش، فكنت عايزة أعرف." أدمعت عيون مليكة على كلماتها وأشفقت على حال تلك المسكينة. قبل قليل، وصل جواد وندى إلى منزله. قابلته والدته: "كدا ياجواد؟ مسمعتش كلامي وجيت برضو." ثم اتجهت بأنظارها لندى:
"حبيبتي حمد الله على السلامة... مليكة قالتلي إنك جيتي.. عاملة إيه؟ مكنش له لزوم تعبك." قامت ندى بالسلام عليها برقتها المعتادة: "هو أنا عملت إيه بس ياطنط؟ أنا جيت أطمن على خطيبي، وبعدين حضرتك متعرفيش غلاوة حضرة الضابط عندي ولا إيه." ملست على شعرها بحنان: "ربنا يسعدكم ويكمل فرحتكم... يالا بقى شدوا حيلكم وإتجوزوا، عايزة أشوف أحفادي." "مش كدا ياجواد؟ نظر لوالدته ولكنه كان شارداً، ثم أردف متسائلاً: "بتقولي حاجة ياماما؟
جلست ندى بجواره: "لا حضرة الظابط مش معانا خالص." نظر لوالدته: "فين مليكة ياماما؟ "كانت هنا من شوية بس جاسر وصهيب نادولها وخلوها تروح لغزل." وقف سريعاً حتى تألم، ثم تساءل: "مالها غزل؟ "إهدى حبيبي... مالهاش!! بس شكلها تعبت شوية وجاسر خرج مع صهيب وقال تروح عندها لحد ما يرجعوا.. أصل عاصم كان هنا وشد مع جاسر كمان وكان عايز يتكلم مع غزل." اتجه للخارج: "هروح أشوف إيه." "جواد استنى." هذا ما أردفت به ندى. نظرت إليه باستياء:
"ممكن أعرف حضرتك رايح فين وإنت تعبان كدا؟ "ندى روحي عند ماما، أنا لازم أشوف صهيب وجاسر ضروري وأطمن على غزل." "بس إنت تعبان ياحبيبي، اتصل بيهم وهم هيجوا." "أنا مضروب في دراعي مش رجلي ياندي، ممكن تدخلي دلوقتي وأنا مش هتأخر." غادر متجهاً إلى منزل جاسر. قابلته شهيناز. نظر إليها بمقت: "جاسر فين؟ "معرفش!! خرج هو وصهيب من شوية." نظرت للأعلى وتحدثت قائلة: "مليكة فوق مع غزل.. ممكن تطلع لهم." اتجه للأعلى:
"أنا مش مستني منك تقوليلي أعمل إيه!! ابتسمت بخفة وتحدثت مع نفسها: "اجري ياحبيبي.. عايزة أعرف بكرة هتعمل إيه لما تعرف إن الننوسة بتاعتك بتحبك." وصل إلى باب غرفتها ولكنه أغمض عينيه بحزن ووجع عندما استمع لحديثها مع أخته. سقطت كلماتها على قلبه شقته لنصفين. فتح الباب بهدوء ووقف على أعتابه ينظر إليها بقلب مفطور عندما وجد مليكة تحتضنها وتربت على أكتافها.
اعصر عينيه بقوة حتى لا يضعف أمامها، ولكن كيف وهو شعر بضعف العالم يحتل كيانه بعد سماع حديثها الذي أدامى قلبه. اتجه إليهما ثم نظر لمليكة التي رأته عندما فتح الباب: "سيبيني مع غزل شوية يامليكة." عندما استمع لصوته، شعرت بذبذبات في أنحاء جسدها. رفعت عينيها الباكية إليه، ثم قامت بمسحها ووقفت: "مالوش داعي ياآبيه. أنا كويسة... وإزاي أصلاً تيجي وإنت لسه تعبان؟ مش خايف جرحك يفتح تاني... وممكن تتعب و...
وضع يده على شفتيها، ونظر لمليكة حتى تخرج. نظرت إلى الأرض يهتز وجيف قلبها بسبب قربه منها. قطع شرودها عندما ضمها لصدره بحنان أبوي وملس على شعرها: "مكنتش أعرف مهما أحاول أقرب منك وأرعاكي بكل قوة ليا، يكون لسه فيه حاجة ناقصاكي.. حاولت أعمل اللي أقدر عليه صدقيني عشان مشوفش دمعة من عيونك الحلوين دول اللي بيخلوني عامل زي الجبل المهدود."
كانت تستمع إليه مدركة ما يحاول قوله. هي تعرف أنه حاول بكل قوته حتى ينال رضاها ورعايتها. ضمته بكل قوة لديها كأنها وعدت نفسها سيكون هذا آخر أحضانه. ظلت تتشبث به أكثر وأكثر حتى غاصت داخل أحضانهما. أجمل هذا الشعور وهي بأحضان حبيبها وأبيها وعشقها الأول. ملس على شعرها بحنان وأردف وهي مازالت بأحضان:
"أوعي عقلك الصغير دا يفكرلك إني ممكن أقصر معاكي أو أبعد عنك مهما طالت بينا المسافات أو دخلت ناس تانية حياتنا. لا ندى ولا غيرها ممكن يبعدني عن بنتي الحلوة اللي ضحكتها بتملى قلبي بهجة وسعادة." أخرجها من أحضانه ونظر داخل عيونها: "ينفع العيون الحلوة دي تحزن وتوجع قلبي كدا؟ اعتصرت قلبها قبل عيونها ووعدت نفسها ألا تحزنه أبداً مهما كلفها، حتى لو هتدوس على قلبها. هو لا يستحق منها غير السعادة فقط. في غرفة ماجد، قامت
شهيناز بالاتصال بسامح: "سامح.. عامل إيه.. شوفت اللي حصل؟ الزفت عاصم اتقدم لغزل، والدنيا قامت حريقة... وجواد هدد يحيى، وطبعاً معجبوش الكلام فضربوه بالنار." _جواد مات قصدك؟ -ياريت كنا ارتحنا منه... اتصاب في دراعه وغزل كانت معاه. لو شوفت الرعب اللي كان فيه ماجد، تصدق صعب عليا." -وماجد ماله؟ مش قولتي ضربوا جواد؟ -ما دا تهديد لماجد كمان. لما يضربوا جواد الضابط يبقى ماجد لازم يخاف على بنته، فهمتني؟ زفر سامح وتحدث بغضب:
"ويمكن يكون خاف على جواد ليحصل له حاجة... أنا مش مرتاح لعلاقة جواد بماجد وبتمنى موته بأي طريقة." -فيه مفاجأة كمان محدش يتوقعها خالص. مش السنيورة طلعت بتحب جواد." استاء سامح من كلمات شهيناز: -إنتِ بتخرفي؟ بتقولي إيه.. كلنا عارفين علاقتهم ببعض، يعني دي واحدة متربية على إيده، إزاي هتفكر بحبه؟ ومتنسيش فرق السن وغزل لسه عيلة." -زفرت بضيق وتحدثت قائلة: واهي كبرت غزل وحبته، ناوي تعمل إيه؟ -شهيناز متنرفزنيش...
غزل مبتحبش حد، وأنا هنزل أسبوعين كدا.. وسيبك من كلامك الأهبل دا، أنا عارف إنك بتغيري منها." -صاحت بقوة وأردفت مستاءة من حديث أخيها: بقولك سمعت صهيب وجاسر بيتكلموا، دا لو جواد عرف ممكن يتجوزها." -إنت اتجننت؟ بتقولي إيه... دا أنا أقتلهم هما الاتنين، غزل محدش هيتجوزها غيري." وأكمل مسترسلاً:
"خلصيني بس من ماجد، وبعد كدا أعرف إزاي آخدها من الكل. أنا بديله الدوا زي ماقولتلي، بس المشكلة مش في ماجد، المشكلة في جاسر والمصيبة جواد، الاتنين قاموا الدنيا حريقة لما عرفوا بعاصم. وبعدين جاسر شاكك أصلاً فيا، وخايفة من موضوع دوا ماجد دا ياسامح، لو حصله حاجة هروح في داهية." -متخافيش، مش هيموتوا دلوقتي ومحدش هيحس بيكي. المهم نخلص منه بطريقتنا، وجاسر معرفتيش توقعيه زي ما خططتي؟
-أنا بحبه ياسامح بجد، بس هو اللي رافضني عشان الزفتة مليكة... بفكر أحطلها دوا من بتاع ماجد." -اياكي تعملي حاجة جنونية من ورايا، سمعتيني؟ أنا هقفل دلوقتي عندي شغل، واتفقي مع ماجد إن هكتب على غزل في أسبوع. فرح جواد وجاسر دا أنسب وقت وهم مش موجودين، ويبابلوني بعدها لو بس لمحوا ضفر منها." في فيلا يحيى الكومي، يسير عاصم ذهاباً وإياباً. يتخبطه الخوف مما سيحدث. دخل عليه أمنه الخاص:
"خرج من المستشفى ياباشا، وكان معاه واحدة ست، وقبله بشوية جاسر بيه والست غزل." -متعرفش قال إيه للبوليس؟ -قالهم شكلهم حرامية، حاولوا يثبتوهم بس قاومهم، فضربوه بالنار." توهجت عيناه بغضب حتى تحولت للون الأحمر وأردف غاضباً: "ناوي على إيه يابن الألفي؟ دخل والده وظل ينظر له بترقب، وتحدث بهدوء ما قبل العاصفة: "إنت اللي بعت حد يضرب على جواد نار، مش كدا؟ زفر بضيق وبدأ يركل في الأشياء التي تقابله وأردف غيظاً:
"وهو لسه عايش ابن الألفي؟ مامتش ولسه فيه الروح.. بس وديني لأكون مموته." صفعه بشدة على وجهه، ثم تحدث قائلاً: "كنت مفكرك أذكى من كدا، بس طلعت غبي. إنت ليه تعمل حاجة من دماغك من غير ما ترجعلي.. حمار! أنا كنت بخطط لتقيل وإنت بغبائك ضيعت كل حاجة." ضيق عيناه ونظر له مستفهماً: "مش فاهمك يابابا.. تخطيط إيه وإنت سهران طول الليل بره؟
_ياغبي، عندي فكرة هتخلي ماجد راسه في الأرض والزفت جواد هينطرد من وظيفته بفضيحة.. بس إزاي الأهبل رايح يموت! ضيق عيناه وأردف متسائلاً: "خطة إيه دي اللي كنت عايز تعملها؟ _غزل دلوقتي كبرت.. وبقت خطر على جواد، إحنا نستغل النقطة دي." "نستغلها إزاي يعني مش فاهم؟ وإيه اللي يجيب غزل لجواد في إننا نطرده بسببها؟
"تعالى وأنا أفهمك، وشوف أبوك بيفكر إزاي عشان لما تتجوزها وتاخد كل اللي وراها واللي قدامها، تفتكر لولا أبوك مكنتش وصلت لكدا." -بس أنا بحبها يابابا." -واللي يحب حد يسهر في الكباري طول الليل يا عاصم." رجع صهيب وجاسر. دخل جاسر الفيلا، وجد شهيناز تقف على الباب تنظر إليه بصمت، فهي عندما رأته من شرفتها، انتظرته: "جاسر عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم."
"مفيش بينا كلام، وامشي من قدامي.. أصل ورب الكعبة أجرّك من شعرك وأرميكي من البيت دا." رمقته بغضب وأردفت متحفزة: "هتسمعني ياجاسر، ماهو لما الموضوع يكون متعلق بغزل، هتسمعني." ضيق عيناه ونظر إليها مستفهماً: "غزل؟ "وإنتي مالك ومال غزل؟ " ثم تركها وخطى عدة خطوات، ولكن حديثها جعله يتسمر مكانه عندما أردفت: "حتى بعد ما عرفت عشقها لجواد." استدار إليها وكان الرعب قد تسلل إلى قلبه، وخاصة عندما علم ما تنويه شهيناز. تقدمت منه عدة
خطوات ونظرت داخل مقلتيه: "ياترى جواد ممكن يعمل إيه لو عرف غزل بتحبه؟ فكر معايا كدا." صوب نظرات نارية تجاهها وتساءل بصوت قوي عميق: "وياترى الست شهيناز عرفت المعلومة القيمة دي إزاي؟ اممممم وهي بتصنت على الأبواب؟ ماهو دا شغل الحواري اللي جاية منه." ثم استكمل حديثه: "أوعي تفكري يا بت إنك بتلوي دراعي وتهددي والكلام الأهبل بتاع الأفلام القديمة دي... أعلى ما في خيلك اركبيه يا رخيصة يا تربية الشوارع."
ثم تركها وغادر، ورغم خطواته الواثقة وحديثه الواثق أمامها، إلا أن شعوره بالضياع يضغط عليه بقوة. جزت على أسنانها بقوة وبدأت تهذي بكلمات: "والله بقي كدا؟ مش خايف من حاجة ياسي جاسر؟ طيب ياجاسر أما نشوف إن ما خليتها زفت على دماغ الكل، مبقاش أنا شاهيناز." في غرفة غزل:
"غزل إنتِ مخبية عني حاجة.. حاسس إنك متغيرة ومش مقتنع بكلامك بحضن والدتك.. أكيد موجوعة من حاجة، ماهو ما يوصلكيش للحالة دي إلا إذا كنتِ موجوعة جامد.. فين غزل بنتي اللي كانت أول ما يحصلها حاجة تجري عليا وتحكيلي إيه اللي تعبك؟ حبيبتي احكيلي." رفع ذقنها ونظر داخل عيونها بعمق، مما جعلها تغمض عينيها. زفر بضيق وشعر بانقباضة في شقه الأيسر. سحب نفساً عميقاً وتنهد زافراً:
"أنا عارف إنك في مرحلة خطر وأنا آسف، قصرت معاكي في الحتة دي.. ممكن يكون سهو مني، أو ممكن مفكرتش في النقطة دي. بس عايز أقولك أنا بحاول بكل قوتي أني أتابع تفاصيلك وأي حاجة تخصك، دا وعد قطعته على نفسي زمان وهفضل ملتزم بيه العمر كله. أنا مش هقولك أنا أبوكي عشان متكبرنيش.. إنتِ خلاص كبرتي يابت. عشان متكبرنيش.. إنتِ خلاص كبرتي يابت ومينفعش تكوني طولي وأقولهم دي بنتي. هقول أنا أخوكي الكبير اللي بيخاف عليكي أكتر من روحه، مش أنا زي جاسر برضو ياغزل."
سكنت لثوانٍ تحاول تنظيم أنفاسها المضطربة من سؤاله الذي أوقعها به. فركت يديها دليلاً على ارتباكها. ظل ينظر لها بتقييم. هنا أغمض عينيه وحاول أن يهدأ من روعه. ارتفعت وتيرة أنفاسه عندما تأكد من شكوكه. ماذا يفعل الآن؟ وكيف يخرج كلاهما من مأزقه؟ هو يعتبرها طفلته المدللة التي راعاها كأب لها. هل أخطأ في ذلك؟ أم خطؤه الأكبر أنه لم يفكر بشيء كهذا؟ وقف أمامها أخيراً وتحدث لها: "غزل، اللي عامل فيكي كدا أنا مش كدا."
نظرت إليه بذهول وشعرت أن الأرض تميد بها حتى شعرت أنها ستغشى عليها. الآن فقط شعرت بهاوية ستسقط بها. أولته ظهرها عندما ارتجفت أوصالها: "إيه اللي بتقوله دا.. قالتها بتقطع، إنت هتكون عامل لي إيه يعني؟ دايماً جنبي وبتحسسني إني أهم فرد في العيلة حتى لو معاملتك قاسية أحياناً." ثم استدارت له: "عمرك ما فرقتني عن مليكة، بالعكس كنت دايماً بتحسسني إني أكتر حد مميز في حياتك. عمرك ما قصرت معايا، متخفش من كدا."
"متغيرة من يوم ما عرفتي إني خطبت، ليه ياغزل؟ ويا ريت تكوني صريحة معايا.. دي آخر مرة أسألك." تهدجت أنفاسها باضطراب وبدأ صدرها يعلو ويهبط بانفعال عندما علمت أنه فضح أمرها وبات الشك يقيناً. أنقذها جاسر عندما فتح باب الغرفة ودخل: "جواد! إنت هنا من امتى وفين مليكة؟ نظر إليه جواد مستاء: "فيه حد يدخل كدا من غير مايخبط ياحمار؟ وإيه إنت هنا دي، هو أنا أول مرة أجي ولا إيه؟ نظر جاسر إلى أخته بشك وتحدث:
"أبداً، أنا بس استغربت إنك تعبان وتيجي، وبعدين كانت مليكة هنا.. أما ليه مخبطش عشان سمعت صوتك بس، فأكيد مش هستأذن. فيه حاجة ولا إيه ومالها غزل؟ "إنت اللي هتجاوبني على السؤال دا ياجاسر، مالها غزل؟ "أنا بحب واحد ووحشني لإني بقالي فترة مش شفته." هذا ما أردفت به غزل سريعاً دون تفكير حتى تقطع أمامه شكه بها أو يقينه بحالتها وتربط ذلك بخطبته لأخيه. ضيق عينيه ونظر متسائلاً بهدوء يسبق العاصفة: "سمعيني كدا، قولتي إيه؟
عايز أسمع، أصل الإصابة تقريباً كانت في وداني مش في دراعي." اهتزت نظراتها أمام ثورته الطاغية حتى وقفت الكلمات ولم يسعفها النطق. فركت يديها ونظرت لجاسر: "مش كدا ياجاسر، أنا قولت لجاسر وهو قالي بعد ماننزل القاهرة هيتعرف عليه." نظر بذهول لجاسر: "البت دي بتخرف؟ بتقول إيه؟ ياحليتها." ركل جاسر في قدمه. اتجه جواد لصهيب مضيقاً عينيه: "إنت بتقول إيه يالا.. نفسي مرة واحدة تكون عاقل وأفهم منك حاجة." وقفت أخيراً من صمتها:
"ممكن أعرف سيادة الضابط ماله، عمال يحاسب في الكل ليه؟ إيه يعني لما حبيت واحد وحبني؟ ليه محسسني إن الدنيا اتهدت؟ إنت مالك أصلاً؟ محدش له الحق يحاسبني... أنا كبرت ومحدش له حكم عليا، وإنت لما رحت حبيت حد، وقفت وقلت لك عملت كدا ليه؟ أنا حرة ياجواد سمعتني؟
رعشة قوية أصابت جسده بالكامل بعدما استمع لحديثها. صدره يستعر مثل البركان. لوهلة صدمته بردها. لثوانٍ كان الصمت يعم الغرفة الذي يتنافى مع صدمة كلاهما. ابتسم بحنق قبل أن تقسو عيناه وينظر إليها نظرات مرعبة ووصل إليها بخطوة واحدة ثم رفع سبابته أمامها:
"عارفة نفسك اللي بتتنفسيه دا من حقي أنا، وبقولك أهو قدام أخوكي الحيلة اللي عرف يضحك عليا، قسماً عظماً لأربيكي من أول وجديد، وأعرفك إزاي توقفي قدامي بكل بجاحة وتتكلمي بقلة أدب كدا... وعايز أعرف إزاي حياتك دي وإنتِ حرة فيها. ومن النهاردة ألمحك قدامي هوريكي عذاب عمرك ما كنتي تتخيليه مني وشوفي مين اللي هيرحمك مني ياغزل." توجه بنظره لصهيب وجاسر: "شوفتم آخر دلعكم فيها؟ مبسوطين؟ برافو. البت دي يتاخد منها تليفونها."
اتجهت إليه وبدأت تضربه في صدره حتى أصابته موضع جرحه: "إنت مين؟ مفكر الكل يقولك آمين؟ أنا مش هسمع كلامك بعد كدا سمعتني؟ مش هسمع كلامك." أردفت بها بصوت صاخب. اقترب منها وأمسك يدها بعنف حتى تألم من موضع جرحه الذي بدأ ينزف: "اضربي كمان اضربي.. حسابك بقى عسير معايا من يومين تقوليلي القلب فاضي.. حب إيه يابت اللي بتقولي عليه؟ بتكدبي عليا وبتشتغليني ياغزل... وجاية تقولي حياتك وإنتِ حرة." ثم دفعها على جاسر بقسوة:
"متخرجش من باب أوضتها." نظر جاسر إليه بذهول عندما وجد قميصه به قطرات دماء: "جواد استنى جرحك بينزف." رفع إصبعه أمامه: "ملكش دعوة، خليك مكانك. دقيقتين وتحصلني، ورانا مشوار." ثم صوب نظراته لصهيب الذي يقف صامتاً: "وانت يافلانتينو زمانك.. خليك مع الأمورة واسيها لفراق حبيبها عنها، ولا أقولك اتصل بيه أصله واحشها.. هاتي تليفونك يابت." لم تستمع لحديثه تنظر فقط موضع جرحه. أسرعت إليه ووقفت أمامه ووضعت يديها على جرحه:
"جود استنى الجرح..... "اخرسي وابعدي عني. وبعدين اسمي آبيه جواد، إياكي تتمادي." ثم أخذ تليفونها وقام بدفعها بقسوة وخرج. سار بخطوات متخبطة وبدأ يبتسم باستخفاف: "وأنا الأهبل كنت مفكرها بتحبني. أتاريها خايفة مني لأكشفها." ولكن قبل خروجه من باب الفيلا أوقفته شهيناز: "جواد فيه موضوع مهم لازم أكلمك فيه." نظر إليها بشك ثم أردف متحدثاً: "موضوع عن إيه؟ "غزل!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!