كون يلف المكان بعد أن أطلقت رصاصتها فأصابت صميم الهدف بإتقان قاتل محترف. أما عنه، ذلك الجريح، أخذ يتأمل الوجوه من حوله. هاله ما رأى في عيونهم من شفقة وألم. إنهم يشفقون على رجولته التي دعستها برعونة وقسوة، فعل الأجحف تجاه ذلك الثلاثيني المتيم بها. هل فقد رجولته وكبرياءه وكرامته على يد تلك المراهقة التي لا تعي توابع فعلها؟ ماذا يفعل؟
إنه لا يتحمل تلك النظرات الموجهة إليه. ما هذا العجز الذي أصاب جسده وفكره، فجعله واهن القوى، هزيل النفس، ثقيل الحركة؟ هل يلفظها كما لفظته بسهولة؟ أم يجرها خلفه ويحبسها ثم يعاقبها؟ أم يأخذها بين ذراعيها ويحتوي هشاشة روحها؟ لم يسعفه الوقت للتفكير. أطلق رصاصة حرة مدوية اخترقت حصون دفاعاتها فأردتها قتيلة على الفور. "إنتي طالق يا غزل."
قاد سيارته بسرعة جنونية والغضب يعمي بصره وبصيرته. شعر باختناق روحه. انسدلت دموعه حتى لم يعد يرى أمامه. السيارة تسير بسرعة جنونية. فتح أزرار قميصه بالكامل عندما شعر روحه بالانسحاب. تمنى أن تزهق روحه ولا يفيق أبداً. وقف على جانب الطريق يحاول أن يهدأ من روعه. هو ليس بالضعيف أبداً. اتجه إلى عمله وقدم طلب نقله لمحافظة شمال سيناء. أعاد من شروده عندما رن هاتفه برقم باسم. "أيوه ياباسم." "عامل إيه ياصاحبي؟
وحشتني ياض. كدا تنزل القاهرة ومتجيش أشوفك." نظر لعثمان وابتسم. "معلش يابسوم. أصلي بضعف لما بشوفك. وتخيل كدا ممكن تعمل إيه." قهقه بضحكات صاخبة عليه باسم. ثم أكمل مستطرداً بهدوء. "مش كفاية كدا ياجواد؟ باباك كان عندي وشكله وجعني بجد عليه. إنت بتعاقب مين بالظبط؟ "نفسي." أردف بها بهدوء. "المهم سيبك. مفيش أخبار عن عاصم ياباسم وشهيناز؟ مسح باسم وجهه، يعرف غضب صديقه ولكنه استرسل حديثه بهدوء.
"عاصم هنلاقيه متخفش. وصهيب وحازم واخدين بالهم كويس. يعني زي ماانت موجود وأحسن كمان. أنا عملت زي ماطلبت. خليت زاهر المسؤول عن حمايتها. إنت عارف زاهر من زمان. غير إنه له خبرة عسكرية محكمة. بس هو اللي أهبل زيك وحب الأمن أكتر. دا بيقولي هيعمل شركة أمن كمان." "ربنا يوفقه ياباسم. إنت كمان خلي بالك. أنا مش هرتاح غير لما عاصم يتحبس وكمان اللي هرب على برة العتال دا. قلقني وسكوتهم هما الاتنين راعبني ياباسم." تنهد باسم.
"علشان كدا بقولك لازم ترجع القاهرة ياجواد. هتفضل تهرب لحد إمتى؟ حمحم جواد برعونة ناظراً لعثمان الذي يجاوره بهدوء. "إن شاء الله قريب. علشان عثمان هيتجوز على نفسه هنا." *** في الجامعة (كلية الطب) تجلس تستمع وتشاهد بتركيز للمناظرة. الطبيب الذي يعرض لهم بعض أجزاء الجسم مع شرحه بالتفصيل العملي. وقفت تتناقش معه في كل شي يخص هذه الحالة. أشاد دكتور المادة بذكائها.
"برافو دكتورة غزل. ياله شدي حيلك. عايز إمتياز في مادتي زي كل سنة." جمعت أشيائها وهي تتحرك معه بعد انتهاء السكشن. "متشكرة لحضرتك يادكتور." نظر لها. "ربنا يحميكي يابنتي. ناوية التخصص إيه ياغزل؟ شردت للبعيد. "إن شاء الله أورام." "أورام؟ "إشمعنى أورام يعني؟ تذكرت حبيب روحها. "مفيش حاجة معينة بس حبيت التخصص." نظر لها الدكتور بفخر. "ربنا يوفقك." "خلي بالك التخصص دا عايز تعب كتير. ورغم ذلك عايز أقولك الطب بحر علوم."
تذكرت كلمات جواد لها عندما... "أحسن حاجة في الطب إن مالوش نهاية. تحسيه بحر. كل ما تتعمقي كل ما تستفادي وتفيدي." اهتز قلبها بخفقاته عندما تذكرته. لقد اشتاقت له حد الجنون. نظرت للأرض مانعة غصة تمنع تنفسها. فهو مر على سفره أكثر من أربع سنوات. لم يأتِ غير ساعات بالليل لم تعلم به. وتتفاجئ بذهابه.
شكرت دكتورها وخرجت متجهة للسيارة التي تنظرها بالبودي جارد، فقد أمن لها حازم سيارة بحارس شخصي لحمايتها بعد سجن عمها وهروب عاصم التي لا تعلم عنه شيئاً. هي تشعر أن جواد هو المسؤول عن الحارس الشخصي. وقف أمامها زاهر. "الدكتورة خلصت محاضرتها؟ "أيوه يازاهر. عايزة أعدي على الشركة ممكن تعديني؟ "تحت أمرك يادكتورة." تحركت السيارة متجهة للشركة. صعدت لمكتب نهى. دخلت وجدت تركيزها في بعض الملفات أمامها. ولكن رفعت نظرها عندما دخلت.
وقفت سريعاً عندما وجدتها. أسرعت غزل لها تختبئ في أحضانها وتبكي. ملست على ظهرها. "مالك ياغزل بس؟ فيه حد مزعلك؟ رفعت وجهها له. "وحشني أوي نهى. نفسي أشوفه وألمسه. مش كفاية عقاب لحد كدا. هو معدش بيحبني صح؟ مستحيل يبعد الفترة دي كلها ولسة بيفكر فيّا." تنهد بألم على حالتها. "شوفي يازوزو. هو هيجي قريب بس كالعادة معرفش." "سمعته بيكلم صهيب بس محددش اليوم. بس عندي خطة هتعرفك تقابليه وتشوفيه كمان." مسحت دموعها بحنان.
"هحاول أعرف حاجة من صهيب. اضحكي بقى. المهم هو يجي وتقابليه وبعد كدا كل حاجة هتتحل." مسحت دموعها. "لحد ما أشوفه وأضمه يانهى. وبعد كدا أضحك وأفرح. نفسي نرجع زي زمان." دخل صهيب. "نهى ياله علشان... ولكن قطع كلامه عندما وجد غزل تبكي. "مالك ياغزل؟ رفعت حاجبها بالأ. "بتتكلم." نظرت له غزل وتحدثت بهدوء. "انتوا كنتوا خارجين؟ "صهيب كان عازمني على الغدا. تعالي غيري جو."
"لا أنا هروح. فيه حاجات محتاجة تركيز عايزة أخلص اللي ورايا علشان أعملها. بقولك ياآبيه... عايزة جثة تعرف تصرفلي فيها." قهقه عليها. "البت دي عليا النعمة هتقطع خلفي يانهى. بقولك ياحبيبي شوفي راجل تاني يابنتي الحقي نفسك." اتجهت نهى له. أمسكت رابطة عنقه وابتسمت بحب. "ينفع ياصهيبوتي دا فرحنا آخر الشهر. ياحبيبي بعد سنتين خطوبة عايز تخليني بيا؟ وقفت غزل متجهة للباب. "أهو هيفرسوني بصهيبتي ونهانيهو. أرحمني يارب من هبلهم."
قطب جبينه صهيب. "نهانيهو. البت دي بتقول إيه؟ متغاظة مننا." ضحكت على حركته التي تعشقها منه. "لا ياحبيبي هي بتتمنى جوادها يجي يخطفها ويفرح قلبها." رفعت نظرها وعيناها تغشاها الدموع على ذكر اسمه. نظر لها صهيب. "ياله يانهى أتأخرنا." ربتت على ظهرها. "تمام حبيبتي. أنا لازم أروح. عايزة أنام كتير يمكن أنسى شوية." تحركت مغادرة للمنزل. جلست نهى تبكي عليها. "صعبانة عليا أوي ياصهيب. بتحبه بجنون." زفر صهيب بضيق.
"بس هي دبحته برضو يانهى. والبركة فيكي لو عرفتيني قبلها مكنوش وصلوا لكدا. لا جاية تقولي بعد المحضر ماوصل." "خلاص ياصهيب اللي حصل حصل. أنا مكنتش أعرف هيوصلوا لكدا. هي كانت مفهماني إنها بتهدده بس معرفش الموضوع هيكبر كدا." ضمها من خصرها. "ولا يهمك حبيبتي. كله هيتصلح. تعالي نروح نتغدى. أنا واقع من الجوع." *** في مكتب حازم
تجلس بجواره يعملون على تنفيذ المشروع باهتمام. قاطع تركيزها عندما ضمها إليه ووضع وجهه في حجابها منتشيا برائحتها العبقة. "مش كفاية ياملاكي؟ هنفضل لحد إمتى كدا؟ أنا بفكر أروح أجيب جواد من رقبته." ملست على وجهه بحنان. "قريب هيجي ياحازم. أنا حاسة بكدا. هو بيهرب. هو لو زي مابيقول مكنش هرب. كان واجه." صمت للحظة ورفع نظره إليها.
"اللي مزعلني إنه محضرش كتب كتابنا يامليكة. تخيلي يعني ميجيش. دا معناه إنه لسة بيعاني من اللي حصل." أغمضت عيناها عندما شعرت بآلامه. "أنا زعلانة عليه أوي. نفسي يرجع ويهزر معانا. نفسي نرجع زي زمان. نتجمع تاني أول يوم رمضان في الفيوم. من ساعة عمو ماجد وجاسر سابونا والدنيا بقت وحشة عندنا." ضمها حازم لأحضانها. "كل حاجة هترجع حبيبتي وأحسن من الأول. بس اللي راحو للأسف دول صعب يرجعوا." نظر داخل مقلتيها.
"لسة بتفكري في جاسر يا مليكة؟ *** في فيلا الألفي قبل قليل دخلت لغرفته. جلست كعادتها على فراشه تستنشق رائحته. انسدلت دموعها وأمسكت صورته التي توضع بجانب الفراش. "كدا ياجود؟ هانت عليك حبيبتك؟ أربع سنين حرمني منك. شبعت عقاب حبيبي. تعالى وأعمل اللي إنت عايزه. كفاية هجر وفراق. طيب والله ياجواد لما أشوفك لأعاقبك. لدرجة دي كارهني ومش عايز تشوفني. لدرجة دي معنتش فارقة معاك."
وضعت رأسها على وسادته وضمت صورته بأحضانها ثم ذهبت في النوم. لعل رائحته تخفف من آلام قلبها. *** جلس عاصم في منزل بعيد عن أنحاء القاهرة. بعد القبض على والده في أعمال مشبوهة وجاري البحث عنه ولكنه هرب. دخل عليه شاب في أواخر العشرينات. "كله تمام ياباشا. عربية فيها شخص بيوديها كالعادة كليتها. بس النهارده عدت على شركة الألفي." رمق الشاب بنظرات نارية. "البنت دي عايزها بأي تمن. حتى لو هبيع كل ما أملك لازم تجبهالي يا عصام."
"تمام ياعاصم باشا. فيه خبر كمان لازم تعرفه." نظر له مستفهماً. "فيه إيه؟ "نجلاء هانم بقت بتروح عند فيلا الألفي كتير. وأنا حذرتها زي ماحضرتك أمرت. لكن هي مصّرة وبتقولي حضرتك ملكش دعوة." ابتسم عاصم بسخرية قائلاً. "الهبلة عشقت حضرة الضابط. متعرفش إنه هيمان غزالتي اللي أكيد أنا اللي هفوز بيها. الحمدلله نقله دا جه في مصلحتنا واتأكدنا إن الجواز كان إشاعة من ندى مش أكتر. روح شوف حد ينفذ المهمة دي." *** في تركيا
جلست تقرأ كتاباً وهي حزينة. فاليوم بعد أكثر من أربع سنوات يتصل بها ولدها ليطمئن عليها. تنهدت بحزن وتذكرت عندما أتى وكشف جبروتها وحزن قلبه. فلاش باك وصل حازم إلى تركيا بعد طلاق جواد وغزل. دخل منزله وجد والدته وزوجها يجلسون يشاهدون التلفاز. حياهم. سعدت كثيراً بمجيئه وضمته بحنان أموي. جلس بجوارها لبعض الوقت حتى ينفرد بها بعد مغادرة هاشم.
بعد قليل دلف حجرته. دخلت والدته خلفه بعدما أذن لها. وجدته جالساً واضعاً رأسه بين يديه. تقدمت ناظرة إليه بخوف أم على ولدها. "حبيبي مقولتش ليه إنك جاي؟ وبعدين فين ميرنا؟ مجتش معاك ليه؟ وقف يصوب لها نظراته المحيرة وحديث نفسه. "لماذا فعلت بي هذا؟ "ليه عملتي فيّا كدا؟ ليه موتيني وإنتِ عارفة حياتي فين؟ ليه عيشتيني كدبة وإنتِ شايفة ابنك عايش ومش عايش؟ قولي ليه ياماما؟ هو إنتِ فعلاً أمي ولا بابا كان متجوز واحدة تانية؟
قولي ياماما. قولي وريحيني." أصابها الهلع عندما عرفت بكشف حقيقتها أمام ولدها. شعرت بأنها سوف يغشى من نظرات ولدها النارية لها. اقتربت منه تلامس وجهه. ولكنه نفر من قربها. كانت نظراته كارهة لمستها وقربها. "جاوبيني لو سمحت. قوليلي ليه سمعتيني تسجيل لمليكة وهي بتقولي إني زي جواد وصهيب وتروحي تقولي لها إني مواعد بنت غيرها؟ لا وكمان تقنعيني بحبها لجاسر واتفاجئ إنك ورا خطوبة جاسر ليها." انسدلت دموعه رغماً.
"ليه صدمتيني فيكي يا أمي؟ ليه ذبحتيني بسكينة باردة؟ ليه يا أمي؟ أردف بها بقهر. "حازم اسمعني حبيبي." وضع يديه ليوقفها. "إجابة واحدة عايز أسمعها. ليه عملتي كدا؟ "علشان أقهر أبوها عليها." أردفت بها بقهر. ضربت على صدرها. "علشان يحس بالنار اللي كانت جوايا." وقف أمامها مذهولاً تكاد تخرج مقلتيه من محجريه وقلبه أوشك أن يتوقف من شدة الصدمة التي أودت به إلى الهزيان. "إنتِ مين؟ أنا معرفكيش." *** في شمال سينا
وصل إلى البحر هو وعثمان. جلس هو وعثمان أمام البحر. ابتسم واستنشق الهواء النقي. "شوف فيه أجمل من كدا؟ تقولي القاهرة وزحمتها ودوشتها." "فعلاً يابا شا عندك حق. المنظر تحفة. بفكر أجي أقضي شهر العسل هنا." ربت على كتفه. "ربنا يسعدك ياحبيبي." قاطعهم رنين هاتف عثمان. "آسف ياباشا تليفون خاص." هز رأسه. "تمام. روح رد."
ظل كما هو. أغمض عينيه كأنه يسبح بجمال الطبيعة الساحرة حوله من بحر وجبال والهواء النقي. راحت ذاكرته لجنيته كما أطلق عليها. "كان لازم نروح لباسم النهارده ياجود. أنا ماليش نفس والله." جذبها لأحضانـ. ـه. "مش هتندمي ياحبي." وصلا بعد قليل كان باستقباله باسم وزوجته إيمان وابنه حمزة. بعد الترحيب. جلس لتناول الغداء. بعد فترة من الوقت. جلست إيمان بجوار غزل فيما ذهب جواد وباسم للعب التنس. أمسك حمزة خد غزل وقبلها.
"طنط غزل حلوة أوي ياماما تتجوزيني طنط غزل." قهقهت إيمان عليه. "لو سمعك عمو جواد هيموتك." وصل جواد على ضحكاتهم. قطب جبينه. "بتضحكوا علي إيه؟ قبل غزل حمزة. "وأنا موافقة ياحموزة." "موافقة على إيه يازوزو؟ عايزين تلعبوا ولا إيه؟ ضحكت بضحكات صاخبة. "عايز يتجوزني." ضيق عينيه. "تتجوز مين يالا؟ تتجوز مراتي؟ يخربيت أبوك." سحبها من يدها. "تعالي يابنتي دا حتى المفعوص عينه منك." سحبها من يدها ودخل المنزل. وقفت أمامه.
"بيت مين دا حبيبي؟ تبع باسم برضو؟ ضم وجهها بيدها واستطرد حديثه. "دا بيت مراتي الحلوة." "نعم ياخويا بيت مين؟ حركاتها. جمالها الطفولي جعله لم يتحكم في نفسه. جذبها متذوقاً شهدها. واضعاً جبينه فوق جبينها وأنفه تلفح وجهها. "بيتك ياحبي. دا هدية عيد ميلادك. كنت بفكر أجيبلك إيه. عارف إنك بتحبي الهدوء. فاشتريتلك البيت دا وكتبته باسمك." "جواد." أردفت بها بهدوء ساكن لروحه وقلبه. تعمق بنظراتها الجميلة.
"بحبك فوق ما تتخيلي وشكلك هتموتيني يازوزو." "بعد الشر عليك ياحبي." "أمـ. ـسك يدها جاذبها لداخل." "صفقت بيديها. الله مانجو." أسرعت لأشجار المانجا وهي تضحك كالأطفال وتحاول الصعود عليها. "فيه تحت أهو حبيبي تعالي خديها وأغسليها." نظرت حولها. "المنظر تحفة ياجود. أنا بحبك اوووووي." "تعالي يامجنونة رايحة فين. لسة فيه مفاجأة هتعجبك." أسرعت له تحضـ.ـنه. "انت أكبر مفاجأة ليه."
"غزل عايز مفيش غير الثقة بينا. اوعي يجي حد يهز ثقتك فيّا أو في نفسك. لازم تعرفي إنك أغلى حاجة عندي. وكمان أي حاجة تحصل بينا اوعي تبعدي عن حضني. خليكي متأكدة من حبي ليكي. ودلوقتي هندخل البيت وعايز رأيك." خطى خطوتين ولكنها أوقفـ.ـته عندما جذبته من يديه. "وأنا مستحيل أشك فيك مهما صار. ومهما يحصل هجري على حضنك حتى لو هشتكي منك. هشكتيلك من نفسك." ملس وجهها بحب. "حبيبي اللي دايما بيديني دفعة لحياتنا قدام."
دخلت المنزل بهدوء وإذا فجأة وجدت الجميع بالمنزل ويغنون لها. "هابي بيرز داي." نظرت لجواد وترقرقت عيناه بالدموع. "هحبك أكتر من كدا." وصل حازم لها. "كل سنة وانتِ طيبة يازوزو. كبرتي يابت سنة كمان." أما صهيب. أمسك بالونة وقام بنفخها وضربها في رأسها. "والله إنت رخم وبارد كمان." رفع حاجبه وأنـ.ـزله بطريقة طفولية. "عمرك ما هتكبري. هي سنين بتعدي. الجسم بيكبر لكن العقل عقل بيبي. مش كدا ياجود." لكمته بكتفه.
"أنا طفلة ياآبيه. ماشي. بكرة أردها لك." نظر صهيب لجواد. "أنا بقول تتجوز وتجيب بنوتة صغيرة وتربيهم هما الاتنين مع بعض. دي عايزة تتربى مش عايزة تتجوز." اتجهت مليكة إليها. "بس ياصهيب إسكت. دي زوزو ست البنات." بينما نهى التي دعاها جواد. "كل سنة وإنتِ طيبة ياحبيبتي وعقبال سنين كتير حلوة." بعد الاحتفال غادر الجميع. ولم يبق غيرهما جالسين بالحديقة. جلست مستندة بظهرها على الشجرة.
"المنظر يخطـ.ـف العقل حقيقي ياجود. بفكر نيجي نقعد هنا كل أسبوع يوم." فرد جسده نائماً على ساقيها. "اللي إنتِ عايزاه حبيبتي. وكمان لو عايزة تقعدي فيه أيام الجامعة علشان الهدوء والتركيز معنديش مانع." ملست على شعره. "جواد هتفضل تحبني على طول ولا تقول دي عيلة زي ماصهيب بيقول." اعتدل جالساً أمامها. "إيه اللي بتقوليه دا ياغزل؟
إنتِ مش طفلة. إنتِ ناضجة ما فيه الكفاية. بس متهورة ومندفعة وساعات بتتسرعي. عايزك تحكمي عقلك قبل الرد. إنتِ مش غبية. لا ماشاء الله ذكية وذكية جدا كمان. والدليل على كدا جننتي أمي وخلتيني مهو.س بيكي." اقترب وعينيه تتفحص كل إنش بها. أغمضت عيناه استمتاعاً بأنفاسه القريبة منها. همس أمام شفتيها. "هو إحنا ممكن نتجوز على فكرة قبل ما تخلصي الكلية عادي. ماهو أنا مش هصبر دا كله. دا لسة سبع سنين. هكون كدا تحت التراب."
فتحت عيونها فجأة ووضعت يديها على شفتيه. "بعد الشر عليك. متقولش كدا. دا إنت الهوا اللي بتنفسه." اقترب واقترب حتى ارتشـ.ـف من عشقها ماهو ألذ لقلبه الذي ألتهـ.ـب نيرانه بقربها. ذبذبات بجسدها من قوة مشاعرها التي فُرضت عليها في حضرته. "جواد." نطقتها بهدوء ذلذل كيانه. ملس على وجهها وقام بخلع حجابها ثم فرد جسده وجذبها على صدره ويديه في خصلات شعرها. "غزل عايزك تهتمي بنفسك شوية." رفعت رأسها وشعرها يغطي عيناها.
"مش فاهمة تقصد إيه ياجود." رفع يديه يرفع خصلاتها ونظر لجمال عيناها. "لون عيونك بيخطفني ياحبي." ظلت يديه تسبح في خصلاتها بحرية.
"عايزك تهتمي بدينك أكتر. صلاتك ياغزل دي دينك حبيبتي مهما يكون انشغالك اوعي تفرطي فيها. أنا عارف إنك بتصلي. بس فيه أوقات بتأخريها وتفضلي نايمة للضهر لولا جاسر الله يرحمه. عايز أقولك الصلاة أهم ركن في الإسلام. يعني لو ضيعتيها. ضيعتي إسلامك. وكمان أول ما يسأل عليه العبد يوم القيامة الصلاة. فهماني ياقلبي. وكمان مش عايز مكياج مهما كان بسيط. لبسك تغيريه. الحجاب مش كفاية. لازم تستري نفسك باللبس الواسع. فيه لبس للمحجبات كويس جدا. عايزك تلتزمي بيه."
"حبيبي البنت زي الجوهرة. شوفتي الجوهرة بتكون مغلفة إزاي. وبتكون غالية. البنت غالية أوي يازوزو بحفاظها على قيمها وأخلاقها. يعني فيه حاجات لازم تتلاشيها زي ضحكاتك في وجود حد. كمان بلاش تـ.ـ ـلا. ـمـ. ـس بينك وبين صهيب وسيف نهائي. حتى بابا بلاش لبس نص الكم والترنجات الضيقة في البيت. عندك أوضتك اعملي اللي تحبيه ووقت ما تنزلي تحت اسدالك عليكي. دي مش غيرة علشان تبقي عارفة. دا اللي ربنا أمر الست بيه. عارف حازم أخوكي في الرضاعة بس ميدكيش الحق تقعدي معه بشعرك."
داعب أنفها بأنفها. "بغير منه على فكرة على رغم عارف إنكم أخوات." لمست جانب وجهه. "أنا كنت بقعد معاك بنفس اللبس وبشعري ليه مقولتش قبل كدا؟ قبل يديها التي تضعها على وجهه وتعمق بنظراته داخل عيونها. "أولاً علشان كنتي صغيرة وكنتي بمثابة بنتي الحلوة اللي بموت فيها. وثانياً دلوقتي أنا جوزك. بخاف عليكي ونفسي ننجى من الدنيا دي وإحنا فايزين بالجنة. ناخد بإيد بعض." اقتربـ.ـت منه وبنوتك كمان بتغير عليك."
فاق من ذكرياته التي تشطر قلبه وجعلته يتلـ.ـظى بنيران الشوق إليها. أرتجف قلبه وتمنى أن يراها أمامه حتى يطفئ بركانه الذي إشتعل. اتجه بنظره لعثمان. "عايز تنزل القاهرة ياعثمان." "قول والله. يعني خلاص هننزل ياباشا." صوب نظراته لارتطام موج البحر وغرق بنظره للطبيعة ثم تنهد بـ. "أيوه جهز نفسك هننزل بكرة إن شاء الله." *** باليوم التالي
استيقظت على صوت الحي القيوم، الذي لا يغفل ولا ينام. على صوت صلاة الفجر. "الصلاة خير من النوم." ولما لا وركتا الفجر خيراً من الدنيا وما فيها كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم. فتحت عينها ونظرت حولها وجدت الظلام يسود الغرفة إلا من إضاءة النافذة من نور القمر الذي يسطع بالسماء. مازالت في غرفته من ليلة أمس. فكلما تأتي تشتكي منه إليه تذهب بنومها العميق.
مسحت على وجهها. وبدأت تدعي دعوات الاستيقاظ "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا." وظلت تستغفر لكي يبعد عنها الشيطان. ثم اتجهت إلى المرحاض لكي تؤدي فرضها وهو صلاة الفجر التي تنجينا من عذاب الدنيا والآخرة. أدت فرضها وجلست تسبح على يديها بعض الوقت وقرأت وردها التي جعلته كالصلاة يومياً. نظرت لساعتها وجدت مازال الوقت مبكراً.
اتجهت لخزانته تلمس ملابسه بإشتياق. فتحت بعض الأدراج وجدت عطره ومسبحته وفرشاة شعره. لمستهم بإشتياق وانسدلت دمعاتها. كيف فعل بها ذلك وهو يعلم أن حياتها تتمحور حوله فقط.؟ هي الآن أصبحت لا شيء بدونه. ثم اتجهت لغرفتها سريعاً وهي تلملم جراحها على حبيب روحها المهدورة. في تمام العاشرة تجهزت ونزلت بالأسفل. "صباح الخير ياماما نجاة." "صباح الورد حبيبتي. عاملة إيه؟ عندك محاضرات كتيرة النهارده؟
"لا عندي سكشن واحد وهرجع على طول. هم كلهم مشيوا ولا إيه؟ "أيوه صهيب مشي مع مليكة وحازم جه سأل عليكي امبارح وكان طالعلك بس أنا قولـ.ـتله إنك نايمة." مسحت على ظهرها. "كنتي نايمة في أوضة جواد مش كدا؟ ماهو إنتِ مابتجيش هنا غير لما تباتي في أوضته. حبيبتي حاولي تنسيه وتعيشي حياتك. جواد خلاص مسحك من حياته." كانت تنظر لها بقلبها المفطور. كل ذرة بمشاعرها تنتحب لبعده وجفـ.ـاه. ورغم ذلك أجابتها بابتسامة باهتة.
"جواد دلوقتي بقى ماضي ياماما متخفيش عليه مني. أنا بس اشتقتله زيو زي صهيب." قالتها وغادرت وآهات قلبها تصرخ بداخلها ليصبح شذ.ايا. بعد عدة ساعات دخل جواد بهدوء وجد والدته تجلس تردف أذكارها بعد الصلاة. "إزيك ياست الكل." هبت واقفة وهي تبتسم ابتسامة أم سعيدة برجوع ولدها من غربته التي طالت لسنوات. هذا ماشعرت به. تنهد باستسلام لدموع والدته. "إيه ياست ماما؟ أنا كنت هنا من شهر يعني مش غايب بقالي سنين." وضعت وجهه بين راحتيها.
"كدا ياجواد؟ هونت عليك شهر كامل يابني؟ دا إنت كنت بتغيب أسبوع وكنت بموت عليك." مسح دموعها. "ماما حبيبتي دا شغلي لازم تعذريني. وبعدين أنا قدامك أهو كويس الحمدلله." "حمد الله على سلامتك ياحبيبي. إلتفت حوله. فين مليكة وصهيب؟ أمسكته متجهة للأريكة وجلست وأجلسته بجورها وهي تربت على ظهره بحنان أموي. "راحوا الشغل من شوية. وغزل راحت الجامعة." قالتها وهي تنظر بعمق لعيناه.
"تمام أنا هطلع آخد شاور وأرتاح لحد ماصهيب وحازم يرجعوا أشوفهم. علشان هرجع بعد ست ساعات." صاحت به بقوة. "هو فيه يابني؟ إنت من إمتى وإنت كدا؟ حرام عليك يابني فين حقي عليك؟ ذنبي أنا وأبوك إيه؟ تحرمنا من وجودك جنبنا. وغزل يابني البنت بتموت وعرفت غلطها دي. كانت لسة عيلة. مش كفاية عقاب بقى." صعد لغرفته. "ماما مش عايز أتكلم في الموضوع دا تاني."
وجد رائحتها تعم بالغرفة بأكملها. معقول بتنام هنا. رفع وسادته ليستنشقها. أغمض عينيه منتشيا رائحتها التي ملئت صدره. ولكنه فجأة دفعها بعيداً عنه وهو يمسح وجهه بعنف ثم اتجه لحمامه هروباً من رائحتها التي تطارده في كل مكان. في المساء وصل كلاً من صهيب ومليكة وجلسوا جميعاً لتناول وجبة العشاء ووالدهم الذي انضم لهم. "هتنقل إمتى ياجواد؟ هذا ما أردفه حسين. زفر جواد بضيق. "بابا وبعدين." قاطعهم دخول حازم.
"غزل لسة مرجعتش لحد دلوقتي." على الرغم قلقه إلا أنه تظاهر بعدم الاهتمام. قاطعهم رنين هاتفه. "جواد جالي معلومة عاصم بيجهز ليخطف غزل. خلي بالك وشدد الحراسة. وأنا مراقب من بعيد حتى أوصل لحاجة توصلنا له. كل ما نوصل له يهرب." هب واقفا. "تمام متقلقش." نظر لحازم حتى لا يشعرهم بالقلق. "شوفها ممكن تكون بتتمشى هنا ولا هنا ولا اتصل بزاهر." "اتصلت وقالي وصلها لحد باب البيت بس مش موجودة. أنا مش عارف أعمل إيه؟ تليفونها مقفول."
نظر في هاتفه متجهاً لسيارته سريعاً. وجد إشارة سلسالها في بيت المزرعة. تنهد قليلاً. وتذكر بعد خطفها وضياع سلسالها. دلف غرفتها ذات مساء. "زوزو جايبلك هدية حبيبي مكان اللي ضاعت." قطبت جبينها بمعنى. "هدية إيه دي ياجواد وإيه اللي ضاعت؟ أخرج سلسال من الفضة يتوسطه فراشة ذهبية. ضحكت عليه. "إيه موضوع الفراشة والسلاسل معاك؟ رفع شعرها وألبسها إياه مقبلاً جبهتها. "دي مهما يحصل إياكي تخلعيها." همس أمام شفتيها.
"روحي في السلسال دا. يوم ما تضيعها اعرفي إنك ضيعتيني." طوقت عنقه. "غلطان ياحبيبي. روحك عندي هنا." قالتها وهي تشير لقلبها. تنهد بحزن. "معرفش إيه اللي حصل بعد الحب دا كله ياغزل. إزاي قدرتي تكسريني كدا." شعر بنيران صدره من ذكرياته التي تزيد آلامه في اشتياقها. قاطعه رنين هاتفه. "جواد لقيت غزل." "لسة ياحازم بشوفها اهو. اتصل بباسم خليه يشوف تليفونها فين." قبل قليل اتصل عصام.
"عاصم باشا البنت لوحدها في بيت ريفي في منطقة بعيدة عن القاهرة. أنا راقبتها لحد ماوصلت بقالها أكتر من ساعتين. كنت مفكرها جاية تزور حد بس اتضح البيت تبعهم." وقف عاصم وأردف سعيداً. "خليك مكانك ياعصام أنا جي. إنت معاك فريقك." "أيوه ياباشا. بعد ماعرفت اتصلت بيهم للاحتياط." "تمام ابعتلي اللوكيشن."
وصل لباب المزرعة. ركن سيارته ناظراً حوله مستكشفاً المكان حوله. شعر بحركة غريبة في الحديقة التي تجاوره. سيارات مركونة على جانب الطريق. نظر في زجاج نظارته كأنه يقوم بتنظيفها حتى لا يشكو بأمره. وجوههم مقنعة. هنا علم أنها بخطر. دلف للداخل بهدوء وحذر. أرسل رسالة لباسم. "باسم أنا في بيت المزرعة ومحاصر من مرتزقة وغزل شكلها جوا." نظر لغرفتها وجدها مضاءة. صعد سريعاً عندما وجدهم بالتحرك اتجاه المنزل. قبل قليل.
تجلس تراجع بعض محاضراتها. قاطع تركيزها اتصال نهى. "نهانهيو عاملة إيه حبيبتي؟ "كويسة حبيبتي. إنتِ عاملة إيه النهارده؟ "جواد جاي بكرة." هبت واقفة. "صهيب قالك؟ "جواد كلمه وإحنا قاعدين. حبيت أفرحك. استعدي ياجميل لملاقاة حبيب الروح." لامست كلماتها أوتار قلبها وبدأ دقاته السريعة. "أنا في بيت المزرعة." "هرجع حالا دلوقتي حتى زمان حازم قلقان." "معقول ياغزل بتعملي إيه لوحدك هناك؟
الساعة داخلة على اتناشر. انزلي ارجعي مع زاهر بلاش مشاكل مع صهيب. أنا بحاول أنسيه." هبت واقفة. "تمام هنزل حالا. أنا جاية لوحدي. هتصل بزاهر حالا." جاءت لتقوم بالاتصال وجدت هاتفها فارغ الشحن. هزفرت بضيق. "دلوقتي حازم هيسمعني محاضرة في الالتزام. أخلص من جواد وصهيب يطلعلي حازم." وضعته بالشاحن. شعرت بحرارة الجو. وقفت متجهة لمرحاضها.
وصل جواد ثم دلف للغرفة يبحث عنها ولكنها غير موجودة. هوى قلبه. تمنى ألا تكون بالخارج ولكنه استمع لصوت المياه. نظر من خلف ستارة الغرفة وجدهم كثر جداً ويتوجهون للمنزل. دلف سريعاً إلى الحمام. كانت تجفف شعرها. صرخت عندما وجدته اقتحم الحمام. سقطت المنشفة من يديها ولم يسترها غير ملابسها الداخلية. "جواد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!