كيف أخبرك بأنك الشيء الوحيد الذي أحمله بداخلي ولا أريده أن ينتهي! كلمات جواد الألفي: من النهاردة انسى في يوم إنك تعرفي واحد اسمه جواد، انتي متي من حياتي النهاردة... وموتيني كمان من حياتك. ثم اتجه مغادراً للباب. ولكنه تسّمر عندما استمع إلى كلماتها التي ستؤدي كلا منهما إلى الهاوية.
جلست على الفراش وهي تهمهم بكلمات حزينة. تود لو يضمها لأحضانه حتى يشعرها بأمانه التي بدأت تفقده. نزلت بعينيها للأرض وهي تأبى الدموع. كل ما يحزنها أنها أخطأت في حقه، وحق نفسها. مما جعله لأول مرة يرفع يديه ويصفعها. عصرت عيناها بكاءً وألماً. إلى متى ستظل هكذا؟ لقد اتخذت قرارها النهائي. تنهدت بعمق وأردفت إليه وهي مازالت تخشى النظر بعينيه. "وأنا أوعدك من النهاردة هكون ميتة بالفعل، وللأسف أنا وأنت السبب في موتي دا."
أردفت بها بهدوء مميت لقلبها. وضع يديه على مقبض الباب ولكنه توقف عندما تحدثت بهذه الكلمات. "أنا هجوز سامح وأهرب منك ومن حصارك ومن أي حاجة تخليني أفكر فيك، خلاص مش عايزة الحياة. فسامح زي زي غيره، يعني حياتي زي مماتي كله واحد." اتجه بنظره إليها. ثم أكملت استرسال حديثها وهي مازالت على وضعها. "أنا آسفة إني حملتك فوق طاقتك. وبشكرك على أحلى أيام عمري اللي قضيتها في حضنك. أوعدك عمري ماهضايقك تاني."
اتجه إليها بخطوات بطيئة وكأنها يخطو على نار تلهب حواسه. لم يستوعب كلماتها. عيناه تصوب نظرات نارية لها. ورغم ذلك جلس بجوارها وهو يضغط بقبضة يده على الفراش. ثم أردف متسائلاً بصوته الأجش: "قوليلي كنتِ بتقولي إيه... معلش سمعي بقى تقيل." جلوسه بجوارها جعلها غير قادرة على التنفس. ظلت تضغط على فستانها بيديها الرقيقتين. وهو يراقب حركاتها في صمت مرعب.
كانت تشعر بالخوف بالتأكيد من نبرته وعصبيته التي ظهرت على وجهه. تعرف أنه سيفرغها. ولكنها لم تبالي بخوفها. هي وعدت أخاها ووعدت نفسها. رفعت عيناها تجاهه تهتف بثبات ظاهري. "همشي من هنا. بابا كلمني على سامح النهاردة وقالي هينزل بعد يومين، وأنا الصراحة شايفة إنه... قالتها بتقطع. هز رأسه. "أيوه بقى إنه إيه سمعيني كدا ياقطة... سمعنيني واشجيني ماهو خلاص محدش قدرك... نظرت إلى عينيه بعمق. كان قريباً منها.
"شعور لذيذ لديها رغم ما فعله، وما قاله. ولكنه ما زال سارق نبض قلبها. ظلت تنظر له في صمت. بينما أخذ صدرها يعلو ويهبط بإنفعال من قربه ورائحته التي بدأت تستمتع بها وتتمنى قربه حتى لو للحظات." *** أربكته نظراتها وحالتها. اتجه بنظره للجهة الأخرى وهو يضغط على يديه حتى ابيضت مفاصلها. دخل جاسر وحازم في هذه الأثناء. "جواد عملت فيها... " هذا ما أرداه به جاسر متجهاً إلى أخته. ابتسم بوجع ناظراً إليها.
"شوفي حتى جاسر بقى بيخاف عليكي مني." وقف جاسر أمامه. "أنا مقصدتش كدا، أنا خفت لتكون... " قاطعه جواد. "اطلع برة فيه كلمتين لأختك هقولهم وهمشي." استغرب جاسر نظرات جواد الحزينة إليه. وصلت ندى ودخلت بابتسامتها الرقيقة المتكلفة أمامهم. "إيه ياجود اتأخرت حبيبي الناس بتسأل عنك تحت." أردفت بها وهي تنظر إلى غزل. وقفت غزل واتجهت لحازم. "حازم روحني تعبانة وعايزة أروح." ضم جاسر وجهها بين يديه. "حبيبتي مالك إنتِ كويسة."
"آه كويسة بس عايزة أرتاح. آسفة بوظت ليلتكم." اتجهت بأنظارها لندى. "سامحيني كنت مفكرة هسعدكم، مكنتش أعرف إن أبيه جواد هيضايق كدا." أردفت بها بمرارة وهي تنظر للأرض. ضمها جاسر لحضنه وهمس لها. "سامحيني ياقلبي، سامحيني." استمع جواد لكلماته مما جعله يغمض عينيه بألم. لقد تأكد من شكه. الكل لاحظ وهو لم يلاحظ. كيف وصل بهما الحال إلى هنا. ولكن كلماتها التي أردفت بها منذ قليل تتردد في أذانه كصفير إنذار لحرب.
اتجهت ندى إليه عندما وجدته صامتاً، كأن هناك تشتيت لأفكاره. أمسكت يديه وسحبته للخارج. نظر نظرة أخيرة لها وهي ماتزال في أحضان أخيها. تقابلت نظراتهم. حدثته بعينيها: "لا تتركني حبيبي وتذهب أكاد أموت من الغيرة وأحترق بلهيبها." بينما على الجانب الآخر: "أعذريني طفلتي المدللة فسوف يجعلوني أضحوكة العالم." ظلت النظرات إلى أن اختفى من أمامها. نظر حازم بهدوء. "إيه الموضوع ياجاسر، ومال جواد أول مرة أشوفه كدا."
لم يلاحظ جاسر حالة جواد التي ترثى. كل ما همه أخته فقط. "مالوش هو اضايق من رقص غزل بس." "بس غزل غلطانة." احتقن وجهها بدماء الحرج ونظرت متأسفة. "مكنتش أعرف الموضوع هيضايقكم كدا آسفة." جذبها جاسر. "انسي حبيبتي، تعالي ننزل تحت شوية وبعد كدا نمشي." *** في تركيا. تتناول ليلى العشاء مع حسناء. "وبعدهالك ياحسناء هتفضلي تقلبي في الأكل كدا ومتاكليش." تنهدت حزينة ثم أردفت.
"زعلانة قوي عشان حازم، وحشني قوي، خايفة من الماضي يتقلب تاني ياليلى. أنا بس خفت على ولادي مش عايزة أفرق بينهم لحد دلوقتي محدش أخد باله إنهم من أبين مختلفين. خايفة حازم يتأثر بكلام حد بعد كدا." ربتت ليلى على يديها. "حازم عاقل ياحبيبتي ومستحيل يسمع كلام حد، ومتنسيش إن حسين عمره ما يقوله حاجة، هيقوله إيه أصلا، إنتِ ناسية إنه ابن اخوه." أخرجت تنهيدة حزينة. "عارفة ومتأكدة من دا، بس تفتكري اللي بيكرهوا حسين هيسكتوا."
"حبيبتي إنتوا معملتوش حاجة غلط قصة قديمة وخلصت، وهو اتجوز وانتِ اتجوزتي وخلاص." وقفت وبدأت تبكي. "بس اتجوزت أخوه بالعند فيه شوفتي جبروت أكتر من كدا أختك طلعت جبروت لما اتجوز أخو حبيبي عشان أقهر. دا تسميه إيه." فلاش باك. بعد ذهاب والدتها وأختها التي أصر ماجد الذهاب معها إلى فرح صديقه. جلست تبكي بمرارة على عشق دام لسنوات ولكن كيف كانت نهايته غير الألم والفراق؟
أغمضت عيناها بقهر من حبيبا خذلها كما ظُن لها. تذكرت بعد تخرجها من كلية الطب. كان ينتظرها ذات مرة أمام جامعتها. اتجه إليها عندما خرجت. "حسناء عاملة إيه حبيبتي." رمقته بنظرات هائمة ثم نظرت له بابتسامتها الحالمة. "كويسة قوي ياحسين عندي لك خبر حلو قوي." ضيق عيناه ونظر لها مستفهماً. "فرحيني ياحبيبتي." دارت حول نفسها بسعادة. "اخدت الامتياز ياحبيبي وهطلع المنحة المقدمة لأمريكا." توقفت خطواته ونظر لها.
"إنتِ بتتكلمي جد ياحسناء، عايزة تسافري." ضيقت عيناها وسألته بعبوس. "سالته بعبوس بعدما رأت ملامحه: إنت زعلان ليه دا حلمي بقالي سنين بسعى له." "طيب وأنا فين من حلمك دا ياحسناء، أنا بقالي أكتر من ست سنين مستنيكي على أمل اللقاء، بس شوفي إنتِ بتقولي إيه." ردت عليه بزفرة خافتة. "دي سنتين ياحسين وهرجع، وبعد كدا نتجوز."
"ولا دقيقة ياحسناء تاني سمعتيني، أنا استنيتك زي ما وعدتيني، شوفي إنتِ جاية تقولي إيه، وياستي لو عايزة تكملي يبقى بعد ما نتجوز." قاطعته بصوتاً مرتجف. "مينفعش السفر الأسبوع اللي جاي." ابتلع غضبه وخزت جوفه بأشواك حادة. ثم نظر لها وأردف متسائلاً. "أفهم من كدا، إن كل اللي بينا انتهى." "وقفت أمامه: ليه بتقول كدا بس، دول سنتين هيجروا هوى." "بالنسبالك ياحسناء بس أنا هيكونوا عمر بحاله."
ثم تركها وغادر. نادته ولكنه لم يستمع إليها. رجعت من ذكرياتها حزينة وهي تكتم آهاتها ووجع قلبها. كانت تعتقد أن حبها له سيشفع لها. ولكن خيب ظنها. أخرجها من شرودها ليلى. "أنا من رأيي تحكي لحازم كل حاجة من دلوقتي قبل ما يعرف من حد."
"أنا كنت أنانية قوي ياليلى حتى حازم مابعدش عن أنانيتي. أنا السبب في بعده عن مليكة. كنت عارفة إنهم ميالين لبعض قبل ماجاسر يدخل بينهم. بس بأنانيتي روحت قولت كلام لمليكة عشان تبعده عن حياتها. شوفتي أنا كسرت قلب ابني كمان، يعني كسرت قلوب كل اللي حواليا." أردفت بها ببكاء. ضمتها ليلى وبدأت تملس على ظهرها. "كل حاجة هتنحل ياحسناء إن شاء الله."
"خايفة من حازم قوي ياليلى لو عرف الماضي، أو لو مليكة رجعت حنت لأيامها معه تخيلي ممكن تقوله وتطلعه هو الخاين. ومايعرفش إن أمه أكتر واحدة خاينة له وأذته." "حبيبتي ليه بتتوقعي الوحش، وبعدين مليكة دلوقتي بتحب جاسر جدا، وحازم بقى ماضي إنتِ بتتكلمي عن تمن سنين ياحسناء عمر ياحبيبتي." "مسحت دموعها وأردفت بأمل. تفتكري مليكة نسيت حازم فعلاً، ولا وافقت على جاسر عشان تلملم وجع قلبها."
"أعمل إيه دا ابني، ودا ابن اختي، أنا مش عارفة أحزن على مين." "أحزني على نفسك ياماما." هذا ما أردفت به ميرنا بعدما استمعت إليهما. *** في القاهرة. تجلس نهى تتصفح هاتفها. وجدت إعلان حفل خطوبة جواد وندى، ومباركة البعض إليهما، مع اتخاذ بعض الصور من حفل الخطوبة. بحثت عن صور لغزل ولكنها لم تجدها. أمسكت هاتفها وقامت بالاتصال بها. ولكنها لم تجب.
كانت تنام على كتف حازم في السيارة وهو عائد بها إلى المنزل. أمسك يديها وجدها باردة برود الأموات. ملس على وجهها. "حبيبتي مالك، إيدك باردة كدا ليه." ظلت تردد: "غصب عني حبيته قوي، مش قادرة أتنفس من غيره ياحازم، قوله غزل هتموت من بعدك." رفع رأسها ونظر داخل عيونها. "مين دا ياغزل، مين اللي عامل فيكي كدا." رجعت برأسها وهي تكاد تفتح عيناها تتمنى أن تذهب إلى عالم لم ترجع منه أبداً. تذكر أحداث الأيام السابقة.
نظر بتشتت وهو يكاد يختنق عندما ربط الأحداث ببعضها. هوت كصاعقة عليه. أخته تحب أخيها. عصر عينيه ألماً ووجعاً عليها، فهذه حالتها فكيف تكون حالته. هنا تذكر نظرات جواد وفهم معنى الحزن الذي يراه منذ الصباح وتذكر حديثه. فلاش باك. خرج إلى الحديقة وجده يدخن بشراسة كأنه يريد أن يفقد وعيه حتى ينسى شيئاً مؤلماً. مد شفتيه للأمام وتحدث ساخراً.
"والله ياحبيبي اللي يشوفك كدا يقول النهاردة رايح جنازة مش جوازة، النهاردة خطوبتك يالا، مش طلاقك." ابتلع غصة وخزت جوفه بأشواك حادة كانه لا يستطيع بلع ريقه، ولا يستطيع التحدث. فتح أول زراير قميصه كأنه يختنق. "معرفش ليه مش حاسس بالفرحة كأن حاجة بتخنقني ياحازم." لفت انتباه جملته الأخيرة التي جعلته ينظر إليه ويستمع باهتمام. "ليه ياجواد مش دي حبيبتك اللي مستنيها بقالك سنة المفروض تبقى مبسوط." لا يعلم ماذا يجيب؟
من أين يجد مفردات يصف له حالته التي عليها منذ أسبوع، حالته تحتاج طبيب نفسي. كل ما يشعر به الآلام ولا يعلم مصدره. كل ما يراه صورتها التي لم تذهب عن مخيلته وتراوده أحلامه، صوتها الذي حرم منه لمدة أسبوع كأنه حرم منه منذ سنوات. "أنا خارج أتمشى شوية." قاطع حديثهما اتصالها بحازم. فتح حازم مكبر الصوت وهو لا يعلم مالذي صار بينهما. تحدثت إليه بصوتاً باكي.
"زومي مخنوقة وعايزة أتمشى شوية، ماتيجي نروح على النيل، ولا إنت وراك شغل النهارده." نظر لجواد الذي استدار يستمع لصوتها وهو مغمض عينيه بألم. ولكنه استبعد العلاقة بينهما. "لا ياقلبي مش رايح في مكان، وحتى لو ورايا حاجة أفضللك ياجميل." "خلاص هلبس وأنزل." "خلاص مستنيكي تحت وجواد معايا كمان خارج." أنصتت لحديثه، ثم أردفت سريعة: "بس أنا افتكرت حاجة عايزة أعملها خلاص مش خارجة." ثم أغلقت الهاتف سريعاً دون انتظار الرد.
ضحك عليها وأردف. "البت دي مجنونة زي مابتقول." يقف كتمثال لا يعريه كلمات حازم. كل ما آلمه أنها لجأت لآخر عندما حزنت. هي الآن استعبدته من حياتها. قبض على يديه بعنف ثم خرج وقاد سيارته سريعاً وخرج. أخرجه من شروده عندما تحدث السائق. "وصلنا يابشمهندس." أيقظها حازم بهدوء فيبدو أنها غفت، أو هربت بالنوم. حملها متوجها بها إلى غرفتها. وضعها على الفراش، وقام بخلع حذائها وأحكم غطائها عليها. متجها إلى الخارج.
جلس في الشرفة منتظر الجميع للرجوع. في حفل الخطوبة. يقف بين الجميع ولكنه شارد. يريد أن ينتهي حفل الخطوبة الذي أصبح يطبق على نفسه. رمقته ندى بامتعاض من حالة توهانه الذي أصبح عليها. زفر بضيق ثم وضع يديه على شعره وارجعه للخلف بضيق. في حركة تنم عن غضبه وتشتته. "إنتِ عارفة مبحبش الدوشة والزحمة ياندى، ياريت ننهي الحفل بجد تعبت." نظرت لجاسر ومليكة وهم يتمايلون على نغمات الموسيقى الهادية.
"ماتيجي نرقص زي مليكة وجاسر ياجواد، شكلهم حلو قوي، قد إيه الحب واضح بينهم." نظر لها بقيلة حيلة. "دول مكتوب كتابهم، يعني عادي لما يحضنوا بعض، ماينفعش نعمل زيهم." شعر بمدى حماقته وفداحة حديثه البغيض فزفر بضيق. "ندى بجد تعبت من الدوشة وعايز أرتاح." نظرت له بقيلة حيلة. "خلاص ياجواد ولا يهمك، طب تعالى نخرج في مكان هادي نحتفل أنا وانت، مش إنت كنت واعدني إننا هنخرج الليلة دي."
"فعلاً كنت واعدك وكنت قايل هاخد غزل معنا، بس غزل مشيت تعبانة وزعلانة تفتكري هعرف أتبسط وهي تعبانة." أتقن رسم السعادة على وجهه أمامها عندما أردف. "وبعدين المفروض النهاردة أسعد يوم في حياتنا حبيبتي خلاص لبستي دبلتي وهعرف أحكم عليكي."
على الرغم أنه تحدث بمزاح إلا أنه لا يشعر بشيء. عقله وقلبه الذي يتلظى بنيران الشوق إليها. رغم أنها غائبة عنه منذ ساعات فقط لكنه تمنى لو يخلق جناحين حتى يستطيع أن يخترق المسافة إليها ويأخذها في أحضانه ضارباً كل وعوده لنفسه. *** في فيلا الألفي.
وصل صهيب وهو حزين على أخيه الذي سيجني عذاب وفراق الحب. هو يعلم شخصية جواد جيداً، يعرف أنه سيضع مئات الجدران على قلبه ولا أنه يحزن أحدهم أو تهتز صورته أمام الجميع. جلس في الحديقة يستنشق الهواء براحة نفسية. تذكر محبوبته التي جعلت لحياته معنى. فلاش باك. يجلس مع جواد بالشركة. دخلت السكرتيرة إليه. "مستر جواد في آنسة برة بتقول عندها ميعاد مع حضرتك.. اسمها جنى." وقف واتجه لمكتبه وأردف. "دخليها يامنى."
بعد لحظات دخلت جنى تتهادى بخطواتها البريئة ببطء ثم ألقت تحية السلام. أشار لها جواد بالجلوس. "إيه سبع ولا ضبع يا أستاذة." ضحكت ببراءة. "سبع طبعاً." قهقه عليها بمرح. "مخيبتيش ظني. احكي لكل أذن صاغية." نظرت لصهيب بتحفز. "يعني أتكلم قدام حضرته عادي." ابتسم بخفة. "آه متخافيش اتكلمي براحتك على الآخر دا أخويا."
"الولد زي ما حضرتك اتوقعت، هو أصلاً في حاسبات ومعلومات كان خارج من شغله شاف الجريمة، صورها. لكن للأسف حد شافه ومسكوه، الولد... وقف قصادهم وعاندهم أصله نضيف جداً، زي ماقولت. ثم أكملت حديثها. "اخدوا الفيديو منه ومش رحموه طبعاً لبسوه القضية وخطفوا اخته ومهددينه بيها." "يا ولاد التييت." هذا ما أردفه به صهيب. نظر جواد لصهيب. "لا فيه الأبجح من كدا. مانعين العلاج عن والدته، يعني ماسكينه لحد النطق بالحكم."
"طيب حضرتك ناوي تعمل إيه." "عايزك تعرفي مين دول، اسمائهم وياريت تسجلي." "أنا سجلت تحب تسمع." "سبيها بعدين اسمعه، دلوقتي عرفوا إنك مسكتي القضية ومش هيرحموكِ، خدي بالك من نفسك كويس." "تمام فيه حاجة تانية مطلوبة مني." "لا المهم تاخدي بالك من نفسك." أشار لصهيب بيديه. "خديها وصلها في طريقك وأنت مروح، وأنا هحضر الاجتماع بدالك، لحد لما بابا يجي." خرج من شروده عندما سمع حازم. "غزل بتحب جواد ياصهيب."
تنهد صهيب بضيق ونظر له مردفاً. "للأسف دا اللي حصل." جلس بجواره حزيناً. "لسة صغيرة على الوجع دا، لو حد قالي مكنتش صدقت، بس كلامها معايا اتأكدت للأسف، وجواد ناوي يعمل إيه؟ صمت لبرهة وحاول أن يأخذ نفساً طويلاً. "ميعرفش، أو ممكن شاكك. بس هيعمل إيه اللي متأكد منه هيرفض حتى لو بحبها وروحه فيها كمان. أخويا وحافظه." "للأسف ودا أنا كمان متأكد منه." قاطع حديثهما دخول ماجد وشهيناز بالسيارة. وبعدهما حسين ونجاة وسيف.
اتجه حازم لعمّه. "حمد الله على السلامة ياعمي." ضمه حسين بحب. "وحشتني ياحازم إيه يابني طولت السفر المرة دي." "ظروف والله ياعمو." صمت للحظات ثم نظر له. "والدك ووالدتك عاملين إيه." "كويسين بيسلموا عليك." اتجهوا للداخل ودخل ماجد وشهيناز لمنزلهما، ولكن قبل الدلوف. صاح جواد بصوتاً مرتفع. "عمو ماجد.. عايزك في موضوع مهم." اتجه حسين وصهيب وحازم عندما سمعوا صياح جواد. رمقت شهيناز جواد بعمق.
"فيه إيه ياعريس، مش المفروض تسهر مع عروستك الليلة ولا إيه." ارتفع جانب وجهه بشبه ابتسامة متهكمة قائلاً باستهزاء. "لا سبتلك السهرة دي." نظر لماجد. "عايز أتكلم معاك في موضوع مهم." قاطعه والده. "مالك ياجواد فيه يابني بتزعق ليه؟ صوب نظراته نارية لماجد وتسائل بصوتاً أجش. "أنا نفسي أعرف إزاي جالك قلب تقول لبنتك في السن دا عن الجواز والسفر." رمقه ماجد بتحفز. "إنت بتتكلم عن إيه." دار جواد حوله.
"متعرفش بتكلم عن إيه. يعني كنت مفكر إني مش هعرف ولا إيه." صوب صهيب نظراته لأخيه. "اهدأ ياجواد ممكن نفهم مالك إيه اللي حصل." اتجه جواد لماجد. "مين اللي قال لغزل إن سامح عايز يتجوزها." ضيق ماجد عينيه وتحدث متسائلاً. "مش فاهم قصدك موضوع إيه." اتجه جواد بنظره إلى شهيناز وجدها تفرك يديها. فهم أنها خلف الموضوع. "اسأل مراتك الحلوة قايلة إيه." اتجه بنظره لشهيناز. "إيه ياشهيناز إنتِ قايلة إيه."
"عرفتها ياحبيبي إحنا مش متفقين إن سامح هيتجوز غزل، وسامح جي بعد يومين فكان لازم أمهدلها الموضوع." "إنتِ مين أصلاً عشان تدخلي في موضوع زي دا." "جواد إنت اتجننت." هذا ما أردفه به حسين. "اتجننت! ليه يابابا. عشان بقول الصح والحق." "لا ياحضرة الضابط، المفروض باباها وأخوها عايش يبقى هما أولى بالموضوع." *** رمقها بامتعاض شديد من أسلوبها المستفز وخطى بهدوء إليها.
"لا يامدام أنا اللي ليا الحق أكتر واحد هنا، حتى أبوها اللي بتقولي عنه دا مالهوش حق فيها." "جواد اسكت إنت مش واعي بتقول إيه." "لا يابابا أنا مش سكران. لما أشوفها النهاردة بالمنظر دا والقهوة دي يبقى كل واحد لازم يلزم حدوده. إنتِ يامدام شهيناز متفكريش عشان قاطعت غزل أسبوع يبقى أنا سبتها خلاص لا. دا في الأحلام." ثم أكمل استرسال. "غزل دي بنتي وأنا أكتر واحد له الحق يقول آه ولا لأ." وقف ماجد أمامه.
"أنا عارف ومقدر دا ياجواد، بس غزل كبرت والمفروض أشوفلها الصالح إيه." توهجت عيناه بالغضب. "أيوه إيه هو الصالح اللي حضرتك بتقوله، إنها تتجوز الصايع اللي بقاله سنين برة منعرفش عنه حاجة. قولي إيه الصالح ياعمو." "إنت تعرف عنها إيه أصلاً عشان تقول إنك تعرف الصالح." "جواد اسكت بقى." نظر لوالده. "أسكت ليه يابابا عايزني أسكت عن حقي." "عن أي حق بتتكلم ياحضرة الضابط." أردفت بها شهيناز بقوة. "عن تعبي طول السنين دي." نظر لوالدته.
"ماتقوليلهم ياماما. قوليلهم مين كان بيسهر وهي تعبانة، ومين كان بيوديها المدرسة ومين اللي بيذاكر ومين اللي علّم. دا أنا كنت بحميها شوفت وصلت لفين. أنا كنت بستحمل تلات ساعات سفر يومياً عشان ماتقومش بالليل تعيط وتسأل عليا وأنا في الكلية. زمايلي كلهم كانوا بيباتوا وأنا اللي بسافر يومياً. أنا كنت بنزل تقديرات وضحيت بتعييني في النيابة عشانها. أنا اللي وقفت ليحيى وابنه مجرد ماعرفت إنهم بس عايزين يقربوا منها. وكانت النتيجة
عايزين يموتوني. إنت كنت فين أقولك أنا خمسة عشر سنة كنت مسافر وكل ماتنزل إجازة تقضيها ياإما في الساحل أو بتعمل جولات في الدول العربية. حتى جاسر هو اللي كان مسؤول عن نفسه. قولي حق إيه اللي مراتك جايه تتكلم عليه. مش معنى إني خليتك تاخدها بعد خمسة عشر سنة وانت أصلاً متعرفش عن حياتها حاجة هسكت ومش معنى إني أزعل شوية منها يبقى أنا اتخليت عنها. لا أنا بس بربيها بس بطريقتي."
ثم أكمل استرسال حديثه. "الأب اللي بيربي ياعمو مش اللي بيخلف." ثم ضرب على صدره. "وأنا بس هنا اللي ليا الحق فيها محدش تاني وقسماً عظماً اللي يحاول يقرب منها بس لأمحيه من على وش الدنيا. هفضل ظلها لحد ما ألاقي اللي يستاهلها مش مجرد صفقة." *** "بس أنا موافقة على سامح ياآبيه." هو صوتها على قلبه كصاعقة.
إلتفت إليها وجدها تهبط درجات السلالم بهدوء وهي حافية القدمين، ومازالت بلبسها وشعرها يتساقط على عيونها بطريقة فوضوية. نظرت إليه شهيناز بشماتة. وصلت إليه ووقفت أمامه. "أنا موافقة على سامح زي ماقولت لك قبل كدا، سامح زي غيره مش فارق معايا." لوهلة صدمته بردها ولكنه ابتسم بحنق قبل أن تقسو عيناه. "صهيب خد البت دي من قدامي." "ليه أمشي مش بتتكلم على حياتي فأنا موووووافقة." أردفت بها بصوتاً عالي مرددها حتى صمّت أذنيه.
صرخ بصوته. "صهيب." "بقولك خد البنت دي من قدامي." اتجه صهيب إليها وجذبها إليه. حاولت الاعتراض ولكن نظرات جواد كانت كالحمم النارية. خرجت مع صهيب بهدوء. اتجه جواد بنظره لماجد وشهيناز. "آخر كلامي في الموضوع دا ياعمو لو سمحت، غزل مش هتتجوز غير بعد ما تخلص تعليمها، ماهو مش معقول ناوي تجوز بنتك قاصر." بعد فترة من الوقت.
اتجه للخارج بحثاً عنها يريد أن يطمئن قلبه عليها. رآها من بعيداً وهي تقف وتستند على كتف حازم. نظر إليها وأحس بقبضة قوية تعتصر صدره. أراد عقابها والبعد عنها، ولكنه وجد نفسه هو الذي يعاقب. وقف صهيب بجوارها ونظر بصمت ثم تنهد وأردف. "أنا زعلان منك قوي يازوزو." ضيقت عيناها وأردفت متسائلة. "ليه عملت إيه لدا كله." "طريقتك وحشة مع جواد هو مالوش ذنب، يابنت خايف عليكي!! سحبت نفساً ثقيلاً واخرجته ببطء.
"أنا تعبانة قوي ومحدش حاسس بيا. نفسي أرتاح، تعرف أنا دلوقتي نفسي في إيه." تساقطت دموعها بغزارة أمامه لأول مرة. "نفسي ربنا ياخدني ياآبيه بجد نفسي ربنا ياخدني وأرتاح من العذاب اللي أنا فيه دا." كان يقف خلفها مباشرة. أحس بوخزة مؤلمة شقت قلبه نصفين، وارتجفت أوصاله وشعر أن الأرض تميد به وسوف يفقد وعيه من كلاماتها التي اخترقت صمام قلبه حتى زلزلت كيانه. جذبها بقوة إليه وشدد من عناقها وتركها تبكي حتى تخرج ما في قلبها.
استغرب حازم حالتهما أمامه. نظر لصهيب نظرات: ماذا يحدث. جذبه صهيب من يديه وخرجا معاً. بعد دقيقتين في حضنه التي تمنت أن تظل به للأبد. أخرجها بهدوء. "ليه عايزة توجعيني وتكسري قلبي عليكي." مسحت دموعها وأردفت. "أنا آسفة، عارفة إني خذلتك آسفة." ثم تركته متجه إلى غرفتها سريعاً. نظر إلى أثرها وتنهد بحزن. "ياترى ناوية تعملي فيا إيه ياغزل." صعد خلفها وجد جاسر ومليكة يدخلان من باب الفيلا.
نظر إليه بصمت عندما علم بمعرفته ولكنه أخفاه عليه. طرق الباب ودخل بعدما سمحت له بالدخول. وجدها تجلس وتضع رأسها على ركبتيها وتنظر في اللاشيء. كلما تذكر كلماتها يشعر بلهيب في صدره. وقف أمامها تكاد تخرج مقلتيه من محجرها وقلبه أوشك أن يتوقف من فرط الألم. شعر بضعف الدنيا يحتل كيانه ورغبة في ضمها إلى صدره ليخبئها بين أضلعه، ويسحق المتبقى من ثباته الواهن.
حاول الثبات مرة أخرى، جلس بجوارها ورفع أصابعه يرجع خصلات شعرها التي تغطي وجهها. ثم سحب نفساً ثقيلاً يعبأ به رئتيه ثم زفره ببطء. أهتزت نظراتها أمامه فلم تسعفها الكلمات ورغم ذلك حاولت التمسك بثباتها. ضم وجهها بين يديه وأردف بصوتاً مبحوحاً. "إيه اللي حصل وصلنا لكدا. نفسي أعرف مالك، وليه دا كله، واوعي تقولي كلامك الهبل إنك معجبة والكلام الفاضي دا." أخيراً خرجت عن صمتها ونظرت داخل عينيه.
"عايز تعرف إيه اللي عامل فيّا كدا." أومأ برأسه بنعم. وأمسك يديها وقبلها. "مهما تقولي هتفضلي بنتي الغالية على قلبي صدقيني مش هقف في وش سعادتك." دخلت إلى أحضانه وتحدثت. "حضنك وحشني أوي ياجود." ضمها بكل قوة إليه. هل شعر أحدكم كيف يكون حضن عاشق بعد غياب لوقت حتى لو قليل. "وإنتي كمان وحشتيني ياروح جود. مستحيل أسيبهم يقربوا منك. أنا أهد الدنيا على دماغ الكل." "مين اللي قالك موضوع سامح، وهل شهيناز هددتك بحاجة."
"ريحي قلبي وقوليلي إيه اللي عامل فيكي كدا." خرجت من أحضانه وملست على وجهه بحنان. فقدت السيطرة على نفسها تماماً مما جعله يغمض عينيه حتى لا يضعف أمامها. ثم أردفت بكل مشاعرها وكيانها. "إنت اللي عامل فيّا كدا أنا بحبك قوي، بحس إني مبقدرش أتنفس وأنت بعيد ومش حب أبوي أو أخوي لا دا حب حبيب لحبيبه." فتح عينيه ونظر إليها بصدمة. نظرة وكأن بداخلة عاصفة هوجاء ستحرق ما يقابلها. ثم تحدث وتحدث. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!