في اليوم التالي قرر زين السفر إلى القاهرة لينهي ارتباطه مع بسنت. في تلك اللحظة، كانت مريم أرسلت رسالة واعتذرت لإيهاب عن العرض وأخبرته برفضها. حين وصل زين إلى منزل بسنت، رن الجرس وفتحت بسنت الباب وملامحها مضطربة: "الحقني يا زين.. ماما مبتردش عليا." سريعًا دخل زين إلى الداخل وطلب الإسعاف، وذهبوا إلى المشفى. دخلوا غرفة الطوارئ وبسنت جالسة تبكي وزين يحاول يطمئنها: "هتبقى بخير يا بسنت، متقلقيش." "أنا خايفة يا زين."
"لا متخافيش.. أنا معاكي والدكتور هيخرج يطمنا دلوقتي." بعد لحظات خرج الطبيب وطمأنهم عليها. دخلوا إليها كانت نائمة. غادر زين مع بسنت وجلسوا في الكافتيريا ليشربا شيئًا حتى تهدأ: "الدكتور طمنا، قال غيبوبة سكر وهما ظبطوا الدنيا." "أنا كنت هموت يا زين." "بعد الشر عنك وعنها.. هتتحسن وهتبقى زي الفل." زين يضع يده على يدها ليربت عليها بلطف، فوضعت بسنت يدها على يده وقالت:
"بجد يا زين مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.. أنا مبقاش ليا حد بعد بابا وسامح.. مبقاش ليا حد.. ربنا بعتك ليا.. ربنا يخليك ليا." صدم زين من كلماتها: "اهدّي يا بسنت ممكن.. ماما هتبقى كويسة ربنا يخليكي ليها." "ويخليك لينا.. ماما بتحبك أوي يا زين.. إحنا من غيرك هنتوه."
كانت كلمات بسنت وبكائها وضعفها أصعب مهمة جاء إليها زين وهو فتح موضوع الانفصال. زاد الأمر سوءًا وتعقيدًا حين استيقظت والدة بسنت وطلبت أن تتحدث مع زين على انفراد، وخرجت بسنت من الغرفة: "ألف سلامة عليكي يا جميل، بتتدلعي علينا كده." "دلع إيه يا زين.. العمر فيه قد إيه ندلع به." "متقوليش كده، دا إنتي أصغر من بسنت، أتيجي أسيب بسنت وأخطبك إنتي." قالها زين مازحًا. نظرت إليه والدة بسنت ومسكت يده وقبضت عليها بقوة
ودموعها تنساب من عينيها: "ممكن أطلب منك طلب يا زين." "اتفضلي وبلاش بكاء كده." "اتخطبوا.. اتخطبوا إنت وبسنت في حياة عيني أفرح بيها عشان لو مت أموت وأنا مطمنة إنها مش لوحدها، بسنت ملهاش حد غيرك دلوقتي.. أنا لو حصلي حاجة هتبقى لوحدها." شعر زين بالصدمة والاختناق، ليس لأنه لا يريد أن يكون وفيًا، ولكن قلبه يريد مريم فقط. إصرار والدة بسنت ومرضها دفع زين إلى إعطائها الوعد التي تريده: "شدي حيلك إنتي بس وربنا يسهل."
"اخرجوا ورتبوا جوازكم.. مش عاوزني أجي إسكندرية؟ هاجي على شرط على بيتك مع بسنت." ابتسم ابتسامة لطيفة لها ولكنه من الداخل تمزق من المسؤولية التي ألقت على عاتقه تجاه بسنت ووالدتها، وبين مشاعره التي تجره بقوة نحو مريم. دخلت بسنت الغرفة وملامحها حزينة أثقلت الوضع أكثر.
كانت مريم في المطعم تشع بهجة كأن شيئًا كان مطفئًا بداخلها ثم عاد ليتوهج من جديد. ابتسامتها كانت تسبق خطواتها، تمشي بين الطاولات وتمزح مع الزبائن والعاملين كأنها تنثر نورًا في المكان. كل من حولها لاحظ ذلك التحول الساحر، كأن مريم القديمة عادت بكامل حضورها ودفئها، تنبض بالحياة بنظراتها الواثقة وروحها التي لا تهدأ. اقتربت إليها ملك: "قال إيه الموضوع ميما؟ "موضوع إيه؟
"موضوع إن المطعم لا يسع أجنحتك.. طايرة بترفر في بتخبطي فينا.. في حاجة إحنا منعرفهاش؟ "حاجة.. حاجة إيه.. مفيش حاجة.. هو لازم في حاجة.. عادي صاحية من النوم رايقة بلاش؟ "لا مش بلاش بس كل حاجة وليها سبب." "لا مفيش سبب رباني." "رباني.. طيب يا رب دايما." تركتها مريم وصادفت كريم وهو يدخل من الباب ولاحظ هو أيضًا تغيرها وجلس برفقة ملك ينظر إلى مريم وابتهاجها وابتسامتها المنتشرة: "هي مالها مريم؟ تنظر إليها ملك بتركيز:
"هي بتقول مفيش، لكن أقطع إيدي إن في حاجة هي مخبياها." "مش هي قالت إنها اعتذرت عن عرض إيهاب مختار؟ "أيوه.. هو ممكن يكون فاتحها في رجوع مثلاً؟ أصلك مشوفتهاش لما شافته ارتبكت وحاجات كتير كده." "وإنتي ليه مبترتبكيش يا ملك؟ "أرتبك ليه؟ "عشاني.. عشان شوفتيني مثلاً." "كريم.. إحنا قولنا إيه؟
"خلاص متتحوليش.. أنا هرتبك كفاية.. سيبك من مريم كدا كدا هيتعرف لو في حاجة العيلة دي مبيتخباش سر فيهم ربع ساعة.. قوليهم على الفطار لأني مستعجل في شغل كتير والاستاذ زين طلبت معاه يروح لبسنت النهارده."
عاد زين إلى الإسكندرية بعد يومين بعد أن اطمأن على والدة بسنت وبسنت. عاد مثقل القلب يحمل داخله صراعًا لا يعرف له مخرجًا. كانت مريم تنتظره في السطح كالعادة حتى يخبرها بانفصاله عن بسنت ولكنه لم يظهر. أرسلت إليه رسالة نصية أجاب أنه مرهق ويريد أن ينام، فتركته على أمل اللقاء به صباحًا يرافقها إلى المطعم ويتناولان الفطار سويًا كعادتهم. ولكن حدث عكس ذلك. استيقظت مريم وأرسلت له رسالة نصية أنها تنتظره، أجاب عليها بأنه غادر باكرًا لإنهاء بعض الأعمال الضرورية. انتظرته في المطعم في منتصف اليوم ولم يظهر. ليلاً يعودا سويًا لم يظهر. دخل الشك في قلبها.
كان زين يتجنب لقاء مريم، يختفي خلف أعذار العمل والانشغال. الوعد الذي قطعه وإصرار والدة بسنت المريضة على إتمام الزواج قريبًا جعله في دوامة ولا يعرف ماذا يقول لمريم. الهروب كان بالنسبة له أسهل من المواجهة حتى يرتب كلماته، لكنه كان يعلم جيدًا أنه لم يكن مخرجًا وكان يعلم أن لحظة الحقيقة تقترب مهما تأخر عنها. في الشركة تفاجأ بظهور مريم أمامه بعد ما علمت من كريم بتواجد زين في الشركة: "مريم.."
"مالك اتخضيت كده ليه.. عشان قفشتك صح؟ هو ده الشغل اللي برا الشركة؟ "أنا لسه داخل وهخرج تاني.. ببعت إيميل وخارج بجد." "طيب إيه أمشي يعني؟ صمت زين وهو ينظر إليها وأعادت مريم كلماتها: "أمشي." "أمشي دلوقتي وهشوفك بعد الشغل على السطح؟ "أكيد ولا هتقلبني زي امبارح؟ "لا أكيد." غادرت مريم وهي تشعر بوجود خطب ما في زين، وزين في المكتب يشعر بثقل المواجهة. ليلًا كانت مريم تنتظر ظهور زين في السطح حتى ظهر أخيرًا. ارتسمت
ابتسامة على وجهها وجلسا: "إيه يا مهم.. هناخد منك مواعيد ولا إيه؟ "ليه يعني؟ "يعني من بعد ما كنت في القاهرة ومشفتكش 3 أيام مختفي خالص.. دا إحنا شققنا قصاد بعض ونتواصل بالرسائل." "شغل ومضغوط وإنتي فاهمة لو حصل تقصير كريم مش هيعتقني." "تمام.. قولي بسنت ومامتها عاملين إيه؟ "بخير.. بخير." لاحظت مريم تجنب زين في النظر في عينيها كما العادة. أمسكت وجهه واستدارته اتجاهها: "في إيه يا زين؟ ومتقولش مفيش؟ صمت للحظات بتردد:
"مريم عاوز أقولك حاجة لكن أتمنى تفهميني." "سامعاك؟ كلما يحاول زين التحدث وإخبار مريم لسانه كان معقودًا وقلبه يرفض أن يكون سببًا في انكسارها هذه المرة. نظر إليها ووجد تلك النظرة التي يعرفها جيدًا أنها لم تتركه دون أن يتحدث ويخبرها. تنهد زين وضع كفه فوق كفها وضغط بخفة وكأنها آخر طوق نجاة له يترجاها أن تتفهم موقفه جيدًا: "مريم.. أنا.." "إنت إيه.. قول؟ نظر في عينيها وقال: "أنا وبسنت هنتجوز كمان أسبوع."
مرت لحظة صامتة، صادمة، ثقيلة كأنها عمر كامل. لم ترد مريم، لم تدمع عينيها بل ظلت تحدق فيه بصمت وكأن عقلها رفض استقبال الكلمات. واستكمل حديثه: "أنا عارف إني قولتلك هروح أنهي موضوعي من بسنت لكن الظروف مشيت عكس اللي حصل ووعدت وعد لازم أنفذه." "وإحنا.. أنا.. إيه؟ "إحنا زي ما إحنا علاقتنا مش هتتغير ولو تقصدي اللي حصل آخر مرة كان غلطة وهتتنسي عادي." صدمت مريم: "غلطة." "يعني مش هتأثر علينا اللي بينا أكبر من كده."
شعور بالفراغ سكن ملامحها، لا صدمة حادة بل خيبة عميقة كأن الروح انسحبت فجأة من الجسد وتركته يتهاوى ببطء. ابتلعت غصة في حلقها وشدت على أطراف أصابعها لتمنعها من الارتجاف. حاولت الابتسامة وكانت ابتسامة مشوهة: "تمام.. مبروك.. خلاص كده ولا في حاجة تانية عاوز تقولها." "مريم افهميني أنا غصب عني." قاطعت حديثه:
"بتبرري إيه يا زين.. لو في تبرير هيبقى لبسنت مش ليا.. زي ما إنت قولت غلطة والغلطة لازم نتحمل مسؤوليتها وأنا هتحمل مسؤولية غلطتي.. إنت ركز في فرحتك إنت وبسنت والف مبروك.. عن إذنك."
عادت مريم إلى غرفتها بخطوات متسارعة وأغلقت الباب خلفها. استندت بظهرها إلى الباب وانزلقت إلى الأرض ببطء حتى وجدت نفسها جالسة ووضعت يدها كأنها تحاول تهدئة قلبها الموجوع المضطرب. انحنت قليلًا وبدأت دموعها تنساب في صمت بلا صوت بلا شهقة، كأن الألم تخطى مرحلة البكاء المرتجف. زين ظل مكانه ثابت شعر أن الكلمات التي قالها جرحته هو أيضًا.
في الصباح في المطعم تبدل حال مريم، عادت صامتة هادئة شاردة بعض الوقت، اختفت ابتسامتها ومزاحها وأصبحت تفضل الجلوس بمفردها. أخبر زين والده ووالدته بخبر زواجه من بسنت ورحبوا الجميع. وتم تحديد اليوم. تواصلت مريم مع إيهاب مختار: "أنا عارفة إن طلبي غريب لكن هل الفرصة لسه موجودة ولا انتهت." "أنا كنت مراهن نفسي إنك هتكلميني يا مريم وكسبت الرهان.. فرصتك موجودة في المعهد." "أنا موافقة.. أسافر إمتى؟
"يومين هيجهزوا كل حاجة وهبعتلك التذكرة." "تمام." اتفقت مريم مع إيهاب على السفر دون إخبار أحد. كان الجميع مشغول في تجهيز منزل زين لاستقبال بسنت ووالدتها، فكان لم يلاحظ أحد ما تخطط له مريم. كانت ملك تراقب مريم من بعيد وجلست تحدثت معها وبعد إلحاح أخبرتها مريم بقرار سفرها: "ومحدش يعرف؟ "ولا حد هيعرف.. أهلي بس اللي هيعرفوا يوم سفري وإنتي دلوقتي." "ليه مخبية كده؟ بنبرة غاضبة:
"مش عاوزة حد يعرف يا ملك أنا حرة.. لو قولتي لحد قبل ما أسافر هيبقى آخر مرة تعرفيني." كانت مريم نبرتها حادة وغاضبة. أرسل إيهاب لمريم التذكرة وموعد السفر قبل كتب كتاب زين بيوم. تحدثت مع والدها ووالدتها وأخبرتهم وطلبت منهم ألا يخبروا أحد وبالفعل لم يخبرا أحد. سافرت مريم وكان إيهاب ينتظرها في مطار دبي: "ويلكم يا مريم." "أهلاً بك." "الرحلة كانت خفيفة." "الرحلة كانت أخف حاجة أعيشها." لاحظ إيهاب نبرتها المختلفة
وشعر بوجود خطب ما: "يلا بينا نلحق الطيارة وجهزي نفسك رحلة 8 ساعات لسنغافورة." "جاهزة." "وهناك المدير منتظرنا." "وإنت معايا كولي أمري؟ "ممكن تقولي كده وهبقى مدرسك هناك." "بجد." "لو مضايقك أمشي." "لا أبداً بالعكس اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفهوش." "أنا قولت كده.. يلا." في الإسكندرية جلست سناء تبكي ورأتها سوسن وعلمت بخبر سفر مريم. عادت إلى المنزل وأخبرت محمود وسمعهم زين وهو خارج من غرفته:
"إنتي بتقولي مريم سافرت.. سافرت فين؟ "قبلت عرض إيهاب تدرس برا." ذهب إلى منزل كرم وسناء: "إزاي سبتوها تسافر كده.. إزاي متقولوش لينا." "هي طلبت محدش يعرف إنها مسافرة." "سافرت كندا خلاص." "لا هي مش في كندا." تفاجأ زين: "اومال فين؟ "مقلتش؟ "نعم.. مقلتش لأهلها مسافرة فين.. ليه؟ "قالت مش عاوزة حد يعرف هي راحت فين ولما توصل هتتواصل هي معانا."
أدرك زين أنه هو المقصود بإخفاء مكان سفرها عنه. عاد إلى المنزل غاضبًا. دخل غرفته وبدأ في تدمير وتكسير ما يقابله. دخلت سوسن مذعورة هي ومحمود ووجدا دم ينساب من يده: "زين إنت عملت في نفسك إيه؟ "أنا بجد ليه بعمل في نفسي كده.. ليه بعمل في نفسي كده." نظر إلى سوسن وأشار عليها: "إنتي السبب.. إنتي سبب كل حاجة والحال اللي وصلتله دلوقتي أنا ومريم كان بسببك." "أنا.. أنا عملت إيه؟
"ليه خبيتي علينا إننا مش أخوات.. ليه خبيتي علينا وخلتيني أعيش في عذاب ضمير طول عمري بسبب حاجة حاسسها خارجة عن سيطرتي.. بسببك مريم قبلت تتجوز عشان تهرب من إحساس حاسة هي كمان مش بإيدها وعاشت تعيسة.. بسببك واحدة تالتة اتحكم عليها تعيش تعيسة عشان هتعيش مع إنسان تعيس مبحبهاش.. بسببك خلتييني أوعد وعد نهيت به حياتي كزين حكمت على روحي بالموت." تحدث محمود: "مالك يا زين في إيه؟
دخل كريم من باب المنزل المفتوح وجد بسنت واقفة عند باب غرفة زين وسمعت الحوار كاملًا ووقفت في ذهول وصدمة ودموعها تنساب من عينيها. اقترب منها كريم: "بسنت إنتي هنا من امتى؟ تركته وغادرت المنزل ودخل للغرفة وجدت دم زين ويده المصابة: "في إيه يا جماعة.. وبسنت هنا مالها مشيت بتعيط." تفاجأ زين بوجود بسنت وتحرك مغادر للخارج لإلحاق بها. تحدث كريم بعد ما علم ما حدث:
"أيوه زين بيحب مريم ومن زمان ومن هما صغيرين ولولا كذبة سوسن مكنتش أي حاجة حصلت من جواز مريم ولا خطوبة زين وجوازه اللي مفروض بكرة ولا سفر مريم." جلست سوسن مصدومة: "أنا أذيتهم بالشكل ده أنا.." جلس محمود في صدمة يحاول أن يستوعب ما حدث ومدى الألم الذي يشعر به زين ومريم.
كانت بسنت في منزل الزوجية تجمع أغراضها بعصبية يغلبها الحزن، يديها ترتجفان بين الحقائب ودموعها تنساب بصمت. وهي مغادرة صادفت زين أمامها. توقفا ونظرت إليه وملامح وجهها تنزف وجعًا. تحاول أن تغادر وأمسك زين يدها ودخل المنزل وأغلق الباب: "بسنت حقيقي أنا آسف." تنظر إليه ودموعها تنساب بغزارة:
"آسف على إيه.. آسف إنك محبتنيش.. طيب كنت هتجوزني ليه.. إنت فاهم كان إيه هيحصل هنتجوز.. هنتجوز وإنت عارف إن أنا هعيش تعيسة وإنت هتكون تعيس.. ليه كنت هتعمل فينا كده.. هل أنا أستاهل ده.. أنا عملتلك إيه." "صدقيني غصب عني.. أنا كنت هتكلم معاكي لكن إنتي ومامتك وتمسككم بيا وإحساسي إني مش عاوزة أتخلى عنكم ربطني.. مكنش ينفع أقول لمامتك وهي مريضة بالشكل ده لأ."
"لأ تقول يا زين.. تقول.. تقولها بنتك تستاهل تعيش سعيدة وأنا مش هقدر أحقق لها السعادة دي.. تقولها لو وافقت هعيش تعيس وهي كمان ودي مش هتكون حياة." "مقدرتش.. أنا آسف بجد." وقفت بسنت تستجمع قوتها:
"الحمد لله إن كل حاجة اتعرفت دلوقتي أحسن كتير ما تتعرف بعدين نكون أذينا بعض وشوهنا نفسنا بعلاقة مشوهة ملهاش أساس.. عارف أنا من البداية كنت شاكة إن في حاجة غير طبيعية بينكم وإنكم أخوات.. كانت بتسكتني ولما اتعرف الحقيقة الشك فضل ملازمني لكن معاملتك معايا كانت بتكذب إحساسي.. بتعاملني كويس وبتهتم بيا مفيش حاجة عملتها حسيت بعكس كده.. برافو يا زين برافو."
"الموضوع مش سهل زي ما إنتي فاكرة.. لخبطة حصلت واجبرت أساير الواقع.. بسنت من حقك تكرهيني وتذميني وتعملي اللي عاوزاه أنا مش هتكلم لأنه حقك." "مش هعرف أكرهك يا زين.. كنت هكرهك لو كنا اتجوزنا لأنك كنت هتوصلني أكره نفسي.. الحمد لله على كده.. أنا هاخد ماما من الفندق وهرجع القاهرة وهعرفها كل حاجة واعتبر الموضوع منتهي.. أتمنالك السعادة اللي عاوزها في حياتك مع مريم."
سحبت حقائبها وهي تشعر بالجرح ولكن ليس من زين ولكن مجروحة من الحلم الذي انهار، من الحب الذي ظنته متبادلاً. وغادرت المنزل ووقف زين في مكانه عاجزًا. توجه زين إلى المرسم وبحث في كل ركن فيه على الدفتر لمعرفة العنوان، لم يجده. حاول أن يتذكر اسم الأكاديمية لكن ذاكرته خانته. اتصل ب إيهاب لأنه الطرف الوحيد الذي يصل إلى مريم واكتشف أن الرقم أغلق. أحس بضياع مضاعف مريم بعيدة وكل الخيوط مقطوعة.
مرت الأيام ببطء وزين يعيش على حافة القلق والانتظار شهر ونصف، كان السبيل الوحيد مكالمة هاتفية من مريم لأهلها يعرف من خلالها أي بلد. بعد شهر ونصف رن هاتف كرم ليلاً وهو في المنزل وكان الرقم محجوب فتح الخط فجأة صوت مريم: "وحشتيني يا أبو الكرم." "مريم.. مريم حبيبتي." "طمنيني عليكي." "أنا بخير متقلقوش عليا.. سناء فين وحشتني."
تحدثت معهم قليلاً على وعد باتصال آخر. في الصباح قبل أن يذهب زين إلى العمل لمح كرم يغادر المنزل واقترب نحوه يسأل عن مريم وعلم باتصالها ليلاً: "قالت هي فين؟ "لأ.. لكن قالتلي متقلقوش عليا أنا بخير وهنتكلم تاني." "فين الرقم؟ أخرج كرم الهاتف وتفاجأ زين أن الرقم محجوب وعلم أن مريم اهتمت بتفاصيل صغيرة حتى لا يستطيع زين الوصول إليها. تنهد تنهيدة قوية وتبدلت ملامحه لغضب وغادر إلى الشركة وجلس في حالة من الغضب والشرود المستمر.
دخل كريم المكتب تحدث ولم ينتبه زين وقال: "لأ يا زين ركز معايا الشغل ده مهم." "كريم أنا عاوز إجازة." "هتعمل بيها إيه؟ هتروح الساحل ولا هتصيف في أوروبا تغير جو.. ع الأقل الشغل هيلهيك.. بطل كلام عبيط ركز في مستقبلك وشغلك." "مش عارف.. مش عارف أركز في أي حاجة وأنا مش عارف أوصل لمريم." "مش هي طمنت كرم وسناء وهما قالوا إن صوتها كان كويس وبخير.. إحنا محتاجين إيه غير إننا نطمن عليها واطمنا."
"إنتوا ده اللي محتاجينه لكن أنا محتاج أشوفها وهي قطعت كل الخيوط اللي ممكن توصلني ليها." "وهي مش عاوزة تشوفك.. ده اختيارها وقرارها.. أنا معرفش إيه سبب القلبة الغريبة دي اللي محصلتش في عمركم بس أنا متأكد إن سببها قوي يخليها تبعد كده.. عمومًا هي كدا كدا هترجع إحنا أهلها وهنا بيتها ومريم متقدرتش تعيش بعيد عن هنا.. اقعد كده واهدى واشتغل وصدقني في يوم هتلاقيها داخلة علينا بالزيطة بتاعتها."
كلمات كريم لم تهدأ زين ولكنها أشعلته غضبًا. بعد مرور 7 شهور لم يستطع زين تخمين وقت محدد لاتصال مريم لأنها كانت تتصل في أوقات عشوائية وهذا مما أثار غضبه بقوة. طلب كريم منه السفر إلى دبي لحضور اجتماع عمل كنوع من التشتيت ووافق زين.
سافر زين دبي لحضور اجتماع عمل. في زاوية مطعم في دبي كان زين يجلس على طاولة أنيقة يشارك في عشاء عمل رسمي مع مجموعة من العملاء المهمين، وفجأة وبينما يستمع زين لكلمة أحد الحضور التفت لا شعوريًا ببصره إلى الطاولات المجاورة. تجمد للحظة. هناك على بعد خطوات كان يجلس إيهاب مختار تحيط به مجموعة من الأشخاص يبدو في اجتماع خاص أو لقاء مع أصدقائه. لم يستطع زين التجاهل، الاهتمام بالاجتماع بدأ يتلاشى. استأذن بلطف من عملائه ثم نهض متوجهًا بخطوات ثابتة نحو طاولة إيهاب. عيناه لم تفارقا إيهاب وقلبه ينبض بسرعة. مزيج من التوتر والأمل كان يدرك أن هذه لحظة حاسمة وربما الوحيدة لمعرفة مكان مريم.
تفاجأ إيهاب بوجود زين وبعد تبادل التحيات اتفقا أن يتقابلا بعد انتهاء اجتماعهم مع الآخرين. أنهى زين اجتماعه سريعًا، بالكاد كان حاضر الذهن طوال الوقت. كان يلقي نظرات خاطفة نحو طاولة إيهاب يراقبه بصمت. وبمجرد أن صافح الحضور مودعًا اتجه نحو إيهاب الذي كان جالسًا وحده: "تشرب إيه." "أنا مش قاعد عشان عاوز أشرب شكرًا لكن عاوز منك حاجة تانية." "لو أقدر أكيد مش هتأخر." "مريم.. مريم فين؟ في أي بلد؟ عنوان المعهد اللي راحته إيه؟
ابتسم إيهاب: "ليه بتسأل؟ تفاجأ زين: "نعم.. ليه بسأل؟ "أيوه.. لأن حسب معلوماتي من مريم.. إنها معرفتش حد مكانها وده يبقى رغبتها ومن الأدب والأخلاق أحافظ على رغبتها صح." يحاول زين التماسك وأن يهدأ: "دكتور إيهاب.. أنا لازم أعرف مكان مريم ضروري ومفيش غيرك اللي هيقدر يقولي بعد إذنك لو سمحت قولي مريم فين؟ "ولو قولتلك هتعمل إيه هتروحلها؟ "ميخصش حد.. أقصد أعمل اللي أعمله." "ولو هي اتضايقت وخدت موقف مني إيه الحل؟
"أنا هقولها ضغطت عليك.. هددتك.. أي حاجة كانت سبب إنك تقول." ضحك إيهاب وقال: "إنتوا الاتنين أغرب اتنين شوفتهم في حياتي حقيقي.. متقدروش تبعدوا عن بعض ومع ذلك بتبعدوا عن بعض.. عناد في نفسكم ولا عناد في القدر حقيقي أغرب علاقة شوفتها." "علاقتنا محدش فاهمها زينا.. ف أنا محتاج أقابل مريم ممكن." تنهد تنهيدة قصيرة وقال إيهاب:
"تمام.. أنا هوديك لعند مريم لكن اللي بعد كده يخصك لوحدك.. قدرت ترجعها تمام مقدرتش وهي رفضت أنا هدخل وزي ما دخلت الأكاديمية دي سهل جدًا آخدها ونروح مكان تاني محدش يعرف يوصلها." "ده تهديد."
"لأ إنذار أخير لأن اللي بتعملوه في بعض مش طبيعي وغير صحيح.. المرة اللي فاتت مريم أنا سبتها رغم مشاعري اتجاهها.. سبتها ترجع لك لأنها محبتش في حياتها غيرك ولا في مجال ولا مكان لأي حد تاني.. سبتها ترجعلك وكنت متوقع إنك هتحافظ عليها لكن اتفاجئت بالعكس." تفاجأ زين: "طلاقك إنت ومريم كان بسببي أنا؟ "هي مريم مقالتش السبب؟ "لأ مقالتش أسباب."
"عمومًا اللي حصل حصل ولتاني مرة هديلك فرصة ترجعها لو فشلت صدقني مش هسمحلك بفرصة تالتة." "اتفقنا." "اتفقنا.. مريم فين؟ "سنغافورة."
بالفعل سافر زين مع إيهاب إلى سنغافورة من المطار توجها إلى الأكاديمية. وقف زين وإيهاب بعيدًا وأشار إيهاب إلى مريم كانت تجلس وسط الحديقة أمامها لوحة ترسم. غارقة في عالمها وفي تركيزها. ثبت زين مكانه ولكن قلبه يرتجف. عيناه لم تفارق مريم وكأنها أمامه للمرة الأولى. اقتربت زميلتها منها وهمست بشيء فضحكت مريم ثم مالت رأسها للخلف وهي مازالت تضحك تلك الضحكة التي يعرفها زين جيدًا وأشتاق إليها. ضحكة تنبع من القلب. وقف زين عاجزًا حزينًا وهو ينظر إليها. الشوق ملأ عينيه وشيء من الندم غلف ملامحه. أراد أن يدخل
إليها ولكن أمسك يده إيهاب: "استنى مش دلوقتي هقولك إمتى." وقف زين وعاد النظر إليها كل ما استطاع فعله في تلك اللحظة هو أن يظل واقفًا ينظر إليها، يتنفس حضورها من بعيد ويشعر بذلك الثقل في صدره لأنه أدرك أن المسافة الحقيقية بينهما لم تكن أبدًا بالكيلومترات بل بالقرارات التي فرقتهما.
قام إيهاب بدعوة مريم لتناول الطعام خارج الأكاديمية. وافقت مريم وذهبت برفقته إلى إحدى المطاعم. كانا يتحدثان ويتبادلان الأخبار. تتابع مريم حديث إيهاب بتركيز وتحرك رأسها بين الحين والآخر بابتسامة خفيفة: "ضيفك هيتأخر إنت قولت في ضيف جاي." "مشغولة؟ "متفقة مع البنات هنروح مكان فمش عاوزة أتأخر عليهم." "لأ متقلقيش مش هتتأخري.. الضيف قرب يوصل."
كانت الأجواء لطيفة هادئة كأصدقاء خالية من التوقعات حتى تبدلت اللحظة فجأة بظهور زين. اقترب زين بخطوات ثابتة لكن عينيه كانتا تخفيان عاصفة مشاعر وعندما وصل إلى الطاولة سحب الكرسي بهدوء وجلس أمام مريم مباشرة دون أن ينطق كلمة. رفعت مريم عينيها وبين طرفة عين والأخرى اتسعت نظرتها بدهشة، شهقت بصوت خافت وهي تحدق في وجهه كأنها لا تصدق ما تراه. ارتجفت يدها للحظة وتاهت نظراتها بين زين وإيهاب وتحدث إيهاب:
"الضيف.. واعتقد إنه مش ضيف أوي ولا إيه يا مريم؟ أحست مريم بشيء يشبه العاصفة يمر في صدرها، قلبها يخفق بسرعة وجسدها متجمد من المفاجأة. كل اللحظات التي حاولت دفنها، كل الاشتياق الذي أخفته خلف ابتسامات هادئة. الألم الذي شعرت به وتذكرت كلمته (غلطة) . عاد فجأة دفعة واحدة. عاد مع حضور زين ونظرته. ظل زين يحدق فيها بنظرة طويلة. نظرة لم تحمل عتابًا بل اشتياقًا خالصًا وحزنًا وحنينًا لم يغادره منذ لحظة الفراق. تمالكت مريم وقالت:
"إزيك يا زين." "الحمد لله وإنتي؟ "الحمد لله زي الفل.. مفاجأة لطيفة يا دكتور." ابتسم إيهاب وقال: "إنتي اللي هتقوليلي بجد مفاجأة لطيفة ولا؟ "أكيد.. (نظرت إلى الساعة) هستأذن أنا عندي موعد.. نورت سنغافورة يا زين." تركته وغادرت المطعم سريعًا نظر إليه إيهاب وتحرك زين ليلحق بها وركض خلفها ووقف أمامها: "مريم استني." "خير.. في حاجة؟ "ممكن نتكلم؟ "مفيش حاجة هنتكلم عليها." "لأ في وفي كتير." "وأنا مش عاوزة أسمع.. عن إذنك."
قالتها بنبرة حادة وغادرت المطعم وعاد إلى إيهاب وتحدث إيهاب وقال: "المحاولة الأولى فشلت.. قدامك محاولتين كمان لو فشلوا منصحكش تكمل محاولات." نظر زين إليه بغضب وقال: "أنا مش هرجع غير ومريم معايا.. ده آخر كلامي." ابتسم إيهاب حين رأى رغبة حقيقية لاستعادة مريم وأدرك إصرار زين.
بدأ زين محاولاته بشغف لم يكن يملك خطة سوى قلبه. توجه إلى الأكاديمية مكان تجلس فيه مريم لترسم واقترب منها وحين قال اسمها تجاهلت وجوده لم تعرف نظرها جمعت أغراضها وتركته وغادرت دون أن تنطق كلمة تاركة زين خلفها. لاحقًا علم بمكان تجمع مريم مع أصدقائها في إحدى المقاهي كانت تجلس تضحك وتتحدث معهم ظن أنها قد تسمح للحديث معها. اقترب مجددًا وبنفس البرود تركته وغادرت. لم يتراجع وذهب إلى الأكاديمية مرة أخرى وكان يمتلئ بالإصرار والرغبة أن يتحدث معها أن يبرر لها أن يطلب فرصة. سمعت صوته مريم ووقفت تغادر امسك يدها وانزعجت ودفعت يده بعيدًا:
"إنت بتعمل إيه؟ "مريم.. نتكلم ممكن؟ "أنا قولتلك مفيش كلام بينا خلاص.. وكفاية وجودك في كل مكان." "أنا آسف على اللي عملته.. آسف على أي حاجة ضايقتك." "ضايقتني.. هو إنت خبطتني من غير قصد." "أنا متجوزتش بسنت الموضوع اتفشكل." قاطعت حديثه: "معقول إنت فاكر إن أنا بعدت بسبب جوازكم.. إنت بجد فاكر كده.. أفكرك لأن واضح إنك نسيت.. الغلطة.. الغلطة اللي كان لازم تتنسي." "أنا آسف مكنتش أقصد الكلمة أنا كنت مضغوط وفي موقف صعب و.."
قاطعت حديثه: "مش عاوزة أسمع تبرير.. مش عاوز أسمع كلام خلاص.. أنا تحملت مسؤولية غلطتي وبس.. ارجع لحياتك ولشغلك وسيبني لحياتي ممكن." اقترب نحوها وامسك يدها. فجأة ندهت على موظفي الأمن واقتربوا وطلبت منهم إخراجه وتفاجأ زين من تصرفها وقالت لهم باللغة الإنجليزية إنه غير مرغوب بتواجده ولن حصل ودخل ستقدم فيهم شكوى. صدم زين من رد فعلها وكلماتها وهي تنظر إليه بغضب والأمن يرافقه للخارج. حاول مرة أخرى ولكن لم يسمح له بالدخول.
علم إيهاب بتصرفها ودخل إلى قاعة الرسم كانت تجلس أمام لوحة تنظر إليها بشرود. ألقى نظرة على اللوحة وقال: "أنا كمان بقول في حاجة ناقصة.. ياترى تكون إيه؟ انتبهت مريم: "دكتور إيهاب." "اتفقنا لوحدنا إيهاب إحنا أصدقاء صح." "صح.. كنت بتقول اللوحة ناقصها إيه؟ "إنتي اللي هتقوليلي اللوحة ناقصها إيه؟ نظرت إليها للحظات تتمعن تفاصيلها: "مش عارفة." "لأ عارفة لكن بتنكري." "عارفة إيه؟
"عارفة إنك بتحبي زين.. عارفة إن مشاعرك بتكون مكتملة بوجود زين.. عارفة إن أي لوحة بترسميها بتكون فيها جزء من حبك لزين.. رغم كده بتقاومي.. بتقاومي.. بترفضى.. لذلك كل لوحاتك اللي رسمتيها وقت ما جيتي كانت ناقصها حاجة.. ناقصها روحك اللي مع زين." "أنا.." "أنا مش عاوز أسمع أسباب ولا أعرف حاجة لأنى واثق ومتأكد مهما حصل ف اللي بينكم أكبر بكتير منه.. ومهما زين عمل بيكون بعيد كل البعد عن حقيقة مشاعره.. هو أخطأ وإنتي حاسبتيه
(نظرت إليه بشدة) أيوه حاسبتيه وخلتيه يدفع ثمن اللي عمله ببعدك عنه.. ببعدك عن زين سحبتي روحه يا مريم.. ببعدكم عن بعض سحبتوا أرواحكم وعيشتوها في عزلة.. إنتوا الاتنين روح واحدة في جسدين.. مينفعش تكونوا بعاد عن بعض أكتر من كده.. الحياة.. حياتكم غير مكتملة ببعدكم عن بعض.. فرصة اسمحيله بفرصة وسامحيه رغم إني متأكد إن قلبه سامحك لكن عقلك بيقاوم.. اسمعي لقلبك يا مريم المرة دي."
"لما سمعت اتوجعت.. أسمع عشان أتوجع تاني.. وجع بوجع كده أحسن." "بالعكس وجع بوجع ترجعي لزين.. إنتوا بتحبوا بعض يا مريم حب اتزرع بينكم من أول يوم لكم في الدنيا.. مستحيل مستحيل تنفصلوا.. القدر اختبركم واتأكدتوا إنكم لبعض.. إنتوا الاتنين تؤام روح.. مبتعرفوش تتنفسوا وإنتوا بعاد.. كفاية.. كفاية."
كلمات مريم لمست حقيقة مشاعر مريم ومحاولة هروبها. اتفق إيهاب مع زين لتدبير لقاء مع مريم بموافقتها. ذهبت إلى حديقة بجانب الأكاديمية وكان زين ينتظرها. وقفت مريم أمام زين عيناها ثابتة عليه تحمل نظراتها قسوة لم يعتدها منها. لم تتحدث كانت نظراتها تتحدث بكل ما لم تقله منذ رحلت. زين كان واقفًا أمامها بصمت ثقيل عيناه تفيض بندم صادق ونظراته تنطق برجاء خافت. كانت عيناه تترجاها وتطلب منها الغفران. اللحظة كانت مشحونة بين الاعتذار الصامت والغضب المختبئ
خلف ملامحها قال زين: "آسف.. آسف بكل لغات العالم.. آسف على كل حاجة عملتها غير مقصودة.. أنا أذيت نفسي بكلامي قبل ما أأذيكي يا مريم.. مهما قولت بجد مش هقدر أوصفلك اللي حاسه.. لما سافرتي روحي اتسحبت مني مكنتش حاسس بأي حاجة.. ولو ع الكلمة اللي قولتها أنا حمار.. بعترف قدامك إني حمار ودبش كلام." "ده اعتراف ده." "لو عاوزة نروح حديقة حيوان آخد استمارة إني من عائلة الحاج المخطط هعمله." لم تستطع مريم إخفاء
ضحكتها وابتسمت وقال زين: "أفهم من كده ع رأي عمرو دياب ضحكتك يبقى قلبها مال." "لأ مش بسهولة كده." "اللي إنتي عاوزاه.. اللي إنتي عاوزاه مهما يكون." "أنا مش هرجع معاك." تفاجأ: "إيه؟ "أيوه.. أنا لسه قدامي سنة وشهرين.. عندك اعتراض؟ "لأ لأ خالص ده مستقبلك وأكيد هدعمك فيه." "كويس." "بس هتكوني مع إيهاب توفيق المدة دي لوحدكم.. أنا عرفت إنكم بتناموا في الأكاديمية جوه.. يعني إنتي وهو في مكان واحد." نظرت إليه بغضب:
"تاني.. بتخبط في الكلام تاني من غير تفكير إيه بتناموا في الأكاديمية دي." "ماهو ده اللي عرفته." "اسمه سكن الأكاديمية.. زين إنت متتكلمش خالص." "خالص." "أيوه خالص ممكن." "طيب أغني ممكن وحشك صوتي صح." "هتغني إيه؟ "مر في حينا فيل صغنن بزلومة ظريف.. قالي لي برفق ليس هنالك ما يخيف.. لأن زيزو موجود."
انفجرت مريم بالضحك على إفساده الأغنية، كانت ضحكة خرجت من أعماقها كأنها تنهي فصلًا طويلًا من الحزن، كانت ضحكتها ناعمة وصافية. وفي لحظة مد زين ذراعيه وضمها إليه بقوة العاشق الذي كاد يفقد حبيبته إلى الأبد. احتضنها كأن العالم كله توقف وكأن لا شيء يهم سواها. شعرت مريم بيديه حولها. شعرت بالأمان الذي اشتاقت إليه وبالدفء الذي افتقدته. اقترب منها وهمس في أذنها بصوت منخفض: "بحبك."
فأغمضت عينيها وكأن هذا الهمس وحده كافٍ ليعيد قلبها إلى مكانه ويملأ المسافة التي فصلت بينهما طويلًا. كانت لحظة خالصة لا يشوبها شيء سوى الحب. بعد مرور 4 أعوام.
مريم في مرسمها في السطح الغارق بألوان والهدوء. كانت تجلس على مقعد خشبي تضع اللمسات الأخيرة على لوحة. وبالخارج زين يلهو مع طفلهما الصغير ذي العامين. ضحكاتهما تتعالى وتملأ المكان دفئًا. وفجأة شعرت مريم بانقباض حاد باغتها كالصاعقة. تلاحقت بعدها الآلام كأمواج عاتية. وضعت يدها على بطنها المنتفخة وصرخت منادية: "زين.. الحقني يا زين." ركض زين مفزوعًا. هرع إليها: "في إيه مالك؟ "حاسة إني بولد.. الحقني."
"قولتلك بلاش تطلعي وتكملي اللوحة مش لازم." "لأ لازم أنا وعدت إيهاب هتخلص وهبعتهاله عشان يعرضها في المعرض." "أهو هنعرض عرض مباشر ولادة." "مش وقته هزار يلا المستشفى."
في المستشفى الجميع يقف بترقب. سناء وهي تحمل طفل زين الصغير وبجانبها كرم. ومحمود الذي يقرأ القرآن وبجانبه سوسن التي تحمل طفل كريم الصغير. وكريم وملك اللذان يحاولان تطمين بعض وزين الذي يتجول بخطواته اتجاه غرفة الولادة ذهابًا إيابًا من القلق. وفجأة صدح صوت طفلة جديدة للحياة. خرجت الممرضة وأخبرتهم بولادة طفلة تشبه القمر. خرجت مريم ودخلت غرفة وبعد قليل جاءت الممرضة وهي تحمل الطفلة الصغيرة وحملها زين وتحدث كرم لمحمود:
"بص حواليك يا حودا.. الحلم اللي حلمناه اتحقق خلاص وعيلتنا كبرت.. كريم وملك وابنهم وزين ومريم وولادهم.. إحنا بدأنا الحكاية اتنين وانتهت بعيلة كبيرة تفرح القلب." ابتسم محمود وقال: "وهتكبر لسه يا أبو الكرم.. هتكبر كمان وكمان." زين يحمل الطفلة ولم يرغب في إعطائها لمريم: "هاتها بقى متبقاش رخمة." "مبقاش.. أنا اسمي الحقيقي رخمة محمود صح يا حودا." ضحكوا وقال كريم:
"جات يا مريم اللي هتقضي على علاقتك بزين.. شوفتوا عشتوا قد إيه ومفيش حاجة قدرت تفصلكم.. أهي جت اللي هتفصلكم." قالت ملك: "أيوه ماهي البنت حبيبة أبوها." تحدثت سناء: "شدي حيلك وهاتي إنتي كمان بنوتة مع ابنك يا ملك." تحدث كريم: "أنا موافق موافق يا ملك.. موافقة حد ياخد حبي منك." قالت ملك: "إنت عاوز تحب حد أكتر مني براحتك براحتك." "ولا أقدر ده إنتي الحب الأولاني." ضحك الجميع وقال محمود: "هتسموها إيه." نظر
زين إلى مريم وابتسم وقال: "مريم." "مش كفاية ابنك سميته زين هيبقى البنت كمان." "أيوه عشان يكونوا أخوات حقيقي مش كده وكده." ضحكوا الجميع واقترب زين بالطفلة إلى مريم واحتضنتها بين ذراعيها وطبع قبلة أعلى رأس مريم وقال للطفلة: "أهلاً بيكي يا ميما في حياتنا." تمت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!