نظر إيهاب إلى مريم ومرر بأصابعه على شعرها ووجهها وقال: "زين: اطمن، الدكتور طمني وقال إنها هتكون كويسة، بس هي محتاجة الراحة." "إيهاب: إيه اللي حصل؟ "زين: أنا جيت في شغل وقولت أمر على مريم أسلم عليها، عرفت إنك مش موجود فقولت لمريم تنزل، وقعدنا في مكان أكلنا واتكلمنا شوية... (تذكر المطر وما حدث) وجينا نروح تعبت فجأة، أنا مكنتش أعرف إنها حامل، الحمد لله هي بخير، بس الجنين للأسف... "إيهاب: الحمد لله."
(أغمض عينيه لثوانٍ وتنفس نفسًا عميقًا) "شكرًا يا زين. الحق شغلك أو اللي أنت جاي عشانه." "زين: ومريم؟ نظر إليه إيهاب باندهاش: "إيهاب: أنا معاها يا زين، أنا جوزها." "زين: آه... أنا همشي وهبقى أطمن عليها." "إيهاب: تمام... بكرر شكري."
نظر زين إلى مريم نظرة أخيرة وكأن قلبه يرفض الرحيل، لكن الواقع كان أقوى. إيهاب رغم تهذيبه كان حازمًا في طلبه. لم يكن في كلمات إيهاب نبرة عداء، لكنه كان واضحًا وموقفه لا يقبل الجدل. تردد زين لحظة، عيناه لم تفارق ملامح مريم وكأنه يحاول حفظها في قلبه قبل أن يغادر، ثم أومأ بصمت دون كلمات وبدأ يتحرك نحو الباب بخطوات ثقيلة. قبل أن يخرج، التفت قليلًا، ألقى نظرة خاطفة أخيرة على مريم، ثم مضى وخرج من الغرفة وهو يشعر كأن جزءًا منه بقى هناك.
غادر المشفى وهو يحمل في قلبه شعورًا بالحزن وعجز قاتل. بعد مغادرة زين بوقت قليل، استيقظت مريم وفتحت عينيها، تنظر حولها. رأت إيهاب يجلس بجانبها وهو ضامم كف يدها بين يديه الاثنتين. لمح استيقاظها. "مريم: إيهاب... تحرك من مكانه وطبع قبلة أعلى رأسها ومرر أصابعه على شعرها: "إيهاب: حمدلله على سلامتك. الدكتور طمني عليكي، هتبقي أحسن." كان إيهاب يتحدث بهدوء، تفاجأت به مريم: "مريم: إيهاب أنا... قاطع حديثها وقال:
"إيهاب: ممكن متتكلميش؟ مش مطلوب أي حاجة منك غير إنك ترتاحي دلوقتي، ممكن؟ هزت رأسها. ابتسم إيهاب لها ابتسامة دافئة: "إيهاب: هخرج أشوف الممرضة وأرجع على طول."
خرج إيهاب من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، وترك مريم في سكون الغرفة وحدها مع مشاعرها الثقيلة. تبدلت ملامحها فجأة، لم تعد تملك التماسك أكثر. مدت يدها المرتجفة إلى بطنها وانفجرت دموعها. كانت تبكي بصمت، بكاء لا يسمعه أحد، لكنه يحرق أعماقها. لم يكن الألم في جسدها فقط، بل في قلبها وروحها، وعلى الذنب الذي حاصرها وأنها خذلت حياة كانت بين يديها. كل ما تشعر به في تلك اللحظة هو فقد ووحدة ومسؤولية ما حدث.
عادت مريم إلى المنزل محمولة بين صمت الحزن ورعاية إيهاب الذي لم يتركها لحظة. كان إيهاب حنونًا، يحاول أن يكون السند لها في تعبها. كان يجهز لها طعامها ويطمئن على أدويتها ويقول لها كلمات دافئة دائمًا، يحاول أن يعيد إليها ولو جزءًا من طمأنينة افتقدتها. كانت مريم جسديًا تتعافى، ولكنها نفسيًا تتآكل. رغم اهتمام إيهاب، لم يكن بوسعه تسكين ألمها. كانت تبكي كثيرًا كلما تكون بمفردها، وأحيانًا تنهار في لحظة. كانت نظراتها دائمًا شاردة، وكأنها تحاول أن تتوارى عن العالم. شعورها أنها خذلت طفلها ولم تستطع حمايته كان يعذبها.
كان زين يشعر بالعجز والقلق يزداد يومًا بعد يوم. يحاول أن يتواصل معها بأي وسيلة، لكن مريم لم تجب على اتصالاته، وكانت تجيب على رسائله بردود مختصرة، باردة، خالية من روح مريم المعتادة. كانت كلماتها قصيرة، لكن وقعها على قلب زين كان كبيرًا. كان يقرأ بين السطور ألمًا تحاول إخفاءه وجدارًا تبنيه لتبعده. أول مرة تبتعد مريم عنه هكذا، ولم يكن في استطاعته التواجد معها لتخفيف عنها.
بعد مرور شهران. تم تحديد موعد كتب كتاب زين وبسنت. في الإسكندرية، في منزل مريم. رن جرس الباب وفتحت سناء لتتفاجأ بمريم تقف أمامها. كانت ملامح مريم مرهقة، لكن على شفتيها ارتسمت ابتسامة صغيرة. احتضنتها سناء فورًا. كانت مريم في أمس الحاجة لهذا الحضن، أغمضت عينيها فيه كأنها تحاول أن تحبس دموعها أو تذيب كل ما يؤلمها فيه. دخلت مريم وهي تحمل حقيبتين سفر. دخلت بخطوات بطيئة، جلست في الصالة مع سناء.
"سناء: حبيبتي يا مريم، طمنيني عليكي، عاملة إيه؟ "مريم: الحمد لله يا ماما." "سناء: متعرفيش كنا هنموت من القلق عليكي." "مريم: أنا قدامك أهو بخير، اطمني." أمسكت يدها، ربتت عليها بلطف: "سناء: أنا عارفة إن الموقف صعب ومؤلم. ماهو الأمومة مش بالساهل. وده رزق من ربنا، وزي ما رزقك مرة هيرزقك تاني وتالت ورابع. تمام؟ "مريم: متقلقيش يا سناء، أنا كويسة وراضية بنصيبي."
"سناء: نصيبك خير يا حبيبتي. ربنا رزقك بزوج طيب وحنين وابن ناس، إن شاء الله هيراضيكم." تنهدت تنهيدة قوية: "سناء: أبو الكرم فين؟ "مريم: في المطعم، هيكون فين؟ دا هيفرح إنك جيتي. أنا قلت له فرح زين هيجمعنا كلنا." ابتسمت نصف ابتسامة: "مريم: طيب، أنا هدخل أرتاح، السفر كان متعب ومنمتش كويس." "سناء: ادخلي يا حبيبتي ارتاحي." وقفت مريم وقالت سناء: "سناء: إيهاب جاي إمتى؟ نظرت إليها لثوانٍ: "مريم: هيظبط دنيته ويجي."
"سناء: بصراحة توقعت إنكم نازلين مع بعض." صمتت مريم: "مريم: سيبيني أصحى لوحدي، ممكن يا ماما." "سناء: حاضر يا حبيبتي، وعقبال ما تقومي هعملك عشا، أكلة بتحبيها." دخلت مريم الغرفة، وقفت في المنتصف تحوم بنظرها في الأنحاء، ثم توجهت إلى السرير دون أن تبدل ملابسها. تمددت عليه ونظراتها ثابتة نحو السقف شاردة. *** (فلاش باك من 3 أيام)
كانت مريم جالسة بصمت شاحب على الأريكة حين دخل إيهاب حاملًا كوب عصير. جلس بجوارها ووضع كوب العصير أمامها وقال والابتسامة على وجهه: "إيهاب: هتخلصي الكوباية دي." "مريم: قولت لك مش قادرة، حقيقي مش قادرة." صمت للحظة: "إيهاب: ليه بتعملي كده يا مريم؟ "مريم: بجد مش قادرة." نظر إليها بنظرات عتاب: "إيهاب: ليه بتعملي في نفسك كده؟ إيه يستاهل في الحياة إنك تجبري نفسك على حاجة رافضاها وتعيشي في عذاب بالشكل ده؟ صمتت
مريم واستكمل إيهاب حديثه: "إيهاب: إنتِ تستاهلي تعيشي سعيدة يا مريم، تستاهلي إن ضحكتك متختفيش، من حقك تختاري وتقرري هتعيشي إزاي وفين ومع مين؟ "مريم: إيهاب أنا... "إيهاب: ممكن تسمعيني للآخر." صمتت وتحدث إيهاب: "إيهاب: مينفعش يا مريم الإنسان يجبر نفسه على الحياة مع شخص وقلبه وروحه مع شخص تاني." صدمت مريم واستكمل إيهاب حديثه:
"إيهاب: الأول كنت بقول مستحيل، لكن مع الوقت، كل لحظة وكل موقف بيأكد لي إن زين في قلبك ومفيش مكان لأي حد تاني. مقاومتك وكدبك على نفسك وهربك هو اللي وصلك للحالة اللي إنتِ فيها دي. زين لما بيكون موجود مبتفتكريش غيره، ولما بيكون مش موجود مبتفكريش غير فيه. لدرجة رغم إنك عارفة الحركة غلط ليكي ممكن تأذيكي. نسيتي أول ما سمعتي صوته كان اللي عاوزاه تشوفيه وحصل اللي حصل." انسابت دموعها وقالت:
"مريم: أنا آسفة يا إيهاب، أنا بتعذب بسبب كده، أنا اللي أذيت ابني بنفسي." أمسك إيهاب يدها بين كفيه وضمها بدفء. رغم الألم الذي بداخله، كانت يده دافئة صادقة: "إيهاب: اهدى، ممكن؟ ده عمر وأقدار، فكري فيه إنه كده. عمر وأقدار. أنا بحبك يا مريم، بحبك جدًا، ومحبتش في حياتي واحدة زيك، لكن مش ده سبب يخليكي تكملي حياتك معايا، تكملي حياة عبارة عن رد جميل وبس. عشان كده فكرت وبصعوبة أخدت قرار إننا هنطلق." صدمت مريم وقال إيهاب:
"إيهاب: اسألي قلبك، هل هيقدر يكمل حياته معايا؟ لم تنطق مريم سوى دموعها المنهمرة بدون توقف. ابتسم إيهاب ابتسامة خفيفة وقال:
"إيهاب: مش هيقدر، وأنا مش هقدر أغصبه يكون معايا. مريم، أي راجل لما يعرف إن مراته بتفكر في شخص تاني بيعمل جريمة أو بيخونها، وأنا لا هعمل كده ولا كده، لأني بحبك ولأني واثق إنه غصب عنك. ظروف علاقتك إنتِ وزين السبب. يمكن لو اتعرف من بدري إنكم مش إخوات، كنتِ هتكوني معاه، وأنا كنت هكون مجرد دكتور درست لكِ في الكلية واتشرفت بمعرفتك، مكنش كل الحاجات دي حصلت. لكن ده القدر واختباره، وإحنا بنختار. لو كملنا يا مريم، هكرهك، وأنا مش عاوز أكرهك، مش عاوز أشوه مشاعري اللي حسيتها تجاهك. فتخفيفًا عنك، أنا أخدت القرار الصح ليا وليكي، وإحنا كويسين جدًا."
صمتت مريم واستكمل إيهاب حديثه: "إيهاب: القرار الانفصال لآني عاوزك تعيشي حياة سعيدة بجد فيها يا مريم، مش تمثلي السعادة. مهما عملت مقدرتش أحقق لكِ السعادة اللي محتاجاها، لأن ببساطة سعادتك في مكان تاني مع شخص تاني، للأسف مش معايا." (تنهد تنهيدة عميقة) "أنا حجزت لكِ تذكرة طيران ذهاب بس، وبكرة هنروح أنا وإنتِ نخلص إجراءات الطلاق." "مريم: إيهاب أنا آسفة."
"إيهاب: لا لا، متتأسفيش. أنا اللي آسف إني كذبت إحساسي وكملت على وهم ممكن يكون حقيقة. إحنا أيوه هننفصل، لكن أنا موجود لكِ دايما، في أي وقت، هفضل في ضهرك كصديق. العلاقة الصح اللي كانت مفروض تستمر بينا هي الصداقة بس، لكن قلوبنا أوقات بيبقى ليها قرارات تانية. أنا موجود عشانك يا مريم، انفصالنا انفصال كزوجين، لكن كأصدقاء مستمرين."
لحظتها تكسرت أشياء كثيرة داخلها، واليوم وهي وحدها في غرفتها تستعيد تلك الكلمات، انسابت دموعها بغزارة، ليس فقط على ما فقدته، بل على ما لم تستطع الشعور به يومًا في زواجها. *** في الشركة. كان زين يجلس في المكتب مع كريم يراجعان بعض الأوراق المهمة للعمل، وزين يحاول التركيز وإنهاء المهام المتراكمة عليه قبل زواجه. "زين: هسلمك العقد ده، ومتطلبش مني حاجة لـ 3 شهور قدام." "كريم: ليه 3 شهور؟ "زين: عريس وهتجوز."
"كريم: كتب الكتاب بعد أسبوعين، وبعده بأسبوع الفرح، وهتسافر أسبوع عسل، وهترجع يعني كله شهر واسبوع. أسبوعين. مش 3 شهور إجازة جواز، مش إجازة وضع." "زين: يا عم براحتي. آخد إجازة براحتي، من وقت ما اشتغلت هنا وماخدتش إجازات. اعتبرها مكافأة على اجتهادي في الشغل." "كريم: إنت وبسنت هنكافئ موظفين بـ 3 شهور إجازة."
"زين: كريم صحصح كده، أنا شريك معاك. صحصح بدل ما أروح أشكي لحودا، وإنت عارف هيعمل إيه، هيقفل لك الشركة، ده فرحة ابنه الزغلول." ضحك كريم وقال: "كريم: ماشي يا عريس يا زغلول، ربنا يتمم لك على خير يا زيزو." "زين: حبيبي يا كيمو، عقبالك ما تحصلني. ابقى قرصني يوم فرحي." "كريم: لا، أنا موضوعي مختلف، مش هيتفك بالقرص." "زين: أومال هيتفك بإيه؟
"كريم: عمل سفلي. آخر ما زهق هاخد أي حاجة من ملك وأعملها عمل، أخليها هي اللي تطلب مني اتجوزها وأتنك عليها زي ما هي مطلعة عيني كده." ضحك زين: "زين: بصراحة، الله يكون في عونك. هتلين هتلين." "كريم: اهو وراها لما أشوف آخرتها." "زين: إن شاء الله تحصلنا أنا وميما وتدخل نادي المتزوجين." تحدث باللامبالاة: "كريم: مريم صحيح. دي شكلها قتلت جوزها وجت لوحدها." "زين: مين دي اللي جت؟ نظر إليه بتعجب:
"زين: مريم. هو أنت متعرفش إن مريم جت النهارده؟ جت لوحدها؟ "كريم: جت؟ لا معرفش." "زين: هو إنتوا مبتتكلموش؟ "كريم: آخر فترة كان بينا رسائل، ولما كلمت إيهاب وعزمتهم على كتب الكتاب قال هيرتب ظروفه وهييجوا. قولت هييجوا قبل كتب الكتاب بيومين، مش بإسبوعين. وجت لوحدها. غريبة؟ "زين: لا غريبة ولا حاجة، ممكن يكون مشغول جوزها وبعتها تغير جو بعد اللي حصل." شرد زين للحظات وأغلق الملفات سريعًا: "زين: أنا خارج... "كريم: رايح فين؟
مخلصناش." "زين: راجع تاني." غادر الشركة مسرعًا وكأن قلبه يسبقه. كل ما يشغله الآن هو الاطمئنان على مريم. رؤيتها بعينيه والتأكد أنها بخير بعد كل ما مرت به. وصل زين إلى باب المنزل. رن جرس الباب بلهفة. فتحت سناء الباب: "سناء: زيزو." "زين: مريم فين؟ "سناء: فوق في السطح."
بدأ يصعد الدرجات بخطوات متسارعة، قلبه يدق بقوة، يكتاحه مزيج من الشوق والقلق عليها. فتح باب السطح بهدوء يتلفت بعينيه يبحث عنها، حتى لمح باب المرسم مفتوحًا وأدرك أنها بالداخل. تقدم ببطء، وجدها واقفة تنظر للمكان بشرود وكأنها غارقة في ذكريات لا تنتهي. لا تتحرك، فقط عيناها تتجولان في تفاصيل المكان. "زين: ميما...
انتبهت مريم لصوت زين. لم تلتفت فورًا، بل رفعت يدها تمسح دموعها، ثم التفتت إليه ببطء وابتسمت تلك الابتسامة التي تخفي خلفها ألمها. "مريم: زيزو... دخل زين المرسم وكانت رائحة الغبار والتراب تملأ المكان. سعل بصوت خفيف لاستنشاقه الغبار الذي ملأ الأجواء: "زين: إنتِ واقفة وسط التراب ده إزاي؟ تعالي اخرجي بره هتتعبي." بعد لحظات، خرجا من المرسم وأغلقت مريم الباب، وجلسا على الأريكة ونظر إليها: "زين: مالها عينك؟ معيطة؟
"مريم: لا أبدًا، باين التراب دخل في عيني." "زين: شوفتي. قومي اغسلي وشك، ولا أنزل أجيب لك قطرة للعين." "مريم: لا مش لدرجة دلوقتي، عيني هتهدأ." "زين: تمام." (ابتسم) "حمدلله على السلامة كده، متقوليش ولا حتى تبعتي رسالة." "مريم: الترتيب جه فجأة." "زين: إنتِ عاملة إيه؟ طمنيني عليكي. ردودك المختصرة مكنتش بتطمني على فكرة." "مريم: الحمد لله كويسة." "زين: مريم، إنتِ مقولتليش ليه إنك حامل؟ صمتت مريم للحظة وكأن
سؤاله خنجر طعن في صدرها: "مريم: زين، ممكن منتكلمش عن الموضوع ده." "زين: هو فيه حاجة حصلت؟ "مريم: لا مفيش." "زين: مريم... فيه حاجة، صح؟ استمرت في الإنكار: "مريم: لا مفيش." "زين: طيب، دكتور إيهاب سابك تسافري لوحدك إزاي؟ نظرت إليه لثوانٍ وسريعًا أجابت: "مريم: مشغول، عنده معرض وسافر، هيخلصه وييجي. المهم، إيه أخبارك وإيه أخبار التجهيزات؟
نظر إليها باندهاش، كان يشعر بوجود شيء تخفيه عنه، شيء يثقل صدرها، ولكنه لم يضغط عليها واكتفى بمراقبتها بهدوء وسايرها في الحديث رغم أنه بدأ عليه القلق: "زين: تمام، كله تمام. إنتِ عارفة العريس آخره مشوار اتنين، لكن العروسة بيتهد حيلها. فبسنت الله يعينها بقى." "مريم: وإنت سايبها لوحدها ليه؟ ليه مش معاها؟ هي هتتجوز لوحدها؟ ضحك زين:
"زين: والله بعودة يا ميما. إحساسك إن كل البنات بنات خالتك وبتدافعي عنهم. لا يا ستي مش هتتجوز لوحدها، لكن فيه حاجات خاصة بالبنات مش هتحشر فيها، بيوتي سنتر وحاجتكم الغريبة. وبعدين مينفعش إحنا الاتنين نمشي من الشركة. على الأقل أنا أسد عني وعنها." "مريم: آها. المهم متسبهاش لوحدها." "زين: متقلقيش يا سيادة المحامي العام، مش هسيبها لوحدها." ابتسمت نصف ابتسامة، وألقى زين نظرة على يدها، لم يجد خاتم الزواج: "زين: فيه دبلتك؟
تجمدت مريم لحظة، ارتفعت دقات قلبها بسرعة وبدت ملامح وجهها متوترة ومرتبكة. حاولت السيطرة على نفسها، وضعت يدها على اليد الأخرى لإخفاء مكان الخاتم وقالت: "مريم: تحت. بعد ما خسيت بقى يقع كتير، فخفت يقع مني ويضيع، فشلته في الشنطة تحت." "زين: إيهاب مش هيزعل كده؟ نظرت إليه: "مريم: أنا قولته وهو عارف خلاص يا زين." تحدثت بعصبية: "زين: مالك يا مريم؟ أنا بسألك عادي." هدأت: "زين: وأنا جاوبت عليك. يلا ننزل." "مريم: يلا."
اندفعت مريم للمغادرة السطح بخطوات سريعة وكأنها تهرب من شيء ثقيل على صدرها. أما زين، فوقف مذهولًا، لم يقتنع بكلماتها، كان يشعر بوضوح أن هناك شيئًا تخفيه عنه. *** في صباح اليوم التالي، قررت مريم أن تذهب إلى المطعم وتعود إلى طبيعتها حتى تظهر بمظهر طبيعي أمام الجميع، حتى لا تلفت الانتباه، ومحاولة إخفاء ما يثقل قلبها. استيقظ زين وقبل أن يتوجه إلى الشركة، قرر المرور على منزل مريم ليطمئن عليها. قبل أن يرن الجرس،
فتح الباب وقابل كرم: "زين: صباح الفل يا أبو الكرم." "كرم: صباح الفل يا زيزو. رايح شغلك؟ "زين: أيوه. دعواتك بالتوفيق." "كرم: ربنا يكرمك ويوفقك إنت وكريم ويوسع رزقكم." "زين: أمين. إنت رايح المطعم؟ "كرم: أيوه." "زين: مريم جوه؟ "كرم: لا، مريم صحت من بدري ونزلت مع ملك. إنت عارف إنها مبتقعدش في البيت." "زين: آها. طيب تمام." رغم أن مريم كانت تبدو طبيعية في تصرفاتها، إلا أن زين شعر بقلق عميق، لم يكن مطمئنًا لما يحدث بالفعل.
في المطعم، تجلس مريم مع ملك، وفجأة تبدلت ملامح ملك لصدمة: "ملك: بتقولي إيه؟ اتطلقتي؟ "مريم: أهدي يا ملك، متلفتيش النظر لينا." "ملك: إنتِ بجد اتطلقتي؟ "مريم: أيوه." "ملك: ومخبية ليه؟ هو ده حاجة تستخبى؟ "مريم: مش عارفة أقولهم إزاي، أو معنديش طاقة أرد على أسئلتهم." "ملك: معندكيش طاقة ولا مش هتعرفي تجاوبي عليهم؟ "مريم: الاتنين." "ملك: والحل؟ "مريم: في وقت مناسب هعرفهم بعد فرح زين." "ملك: ليه بعد فرح زين؟ نظرت إليها:
"مريم: يعني خليهم يفرحوا، مش طالبة نكد ونظرات شفقة." استدارت عين مريم وتحدثت ملك: "ملك: ليه اتطلقتوا يا مريم؟ هو إيهاب عمل حاجة؟ تنهدت مريم: "مريم: ولا أي حاجة. أنا اللي عملت يا ملك، أنا... "ملك: عملتي إيه؟ "مريم: معرفتش أحافظ على إيهاب ولا على بيتي ولا على ابني. معرفتش أحافظ على أي حاجة." "ملك: ليه بتقولي كده؟ مريم، إنتِ كنتِ دايما بتقولي إنك مبسوطة وإنكم بخير والحياة بينكم جميلة." تنفست نفسًا عميقًا وملامحها حزينة:
"مريم: إيهاب... إيهاب اللي كان بيعمل كل حاجة عشان نكون بخير، عشان حياتنا تكون جميلة، عشان أكون مبسوطة وسعيدة. إيهاب اللي كان بيعمل كل حاجة." "ملك: وإنتِ؟ "مريم: مش عارفة أقولها لكِ إزاي. أنا نفسي مش فهمني بجد. فاكرة لما اتكلمنا أنا وإنتِ وكريم، وقلتي مش هينفع أدّي حد حاجة أنا مش حاساها. مينفعش أجامل، بيكون حمل تقيل على روحي." "ملك: أيوه."
"مريم: دي كانت حياتي مع إيهاب. رغم إنه مقصرش في حاجة، لكن أي حاجة كنت بعملها كانت مجرد رد جميل بس، أقول له شكرًا. عشان أعرف أبص له وأنا شايفاه طول الوقت بيفكر فيا وبس، وأنا حاسة إني متقيدة، مش عارفة أتحرك، ولو اتحركت بتكون بصعوبة وتقِل. عارفة مفاجآته وهداياه. مبفرحش بيهم غير لحظة. تأثيرها لحظة عشان ميزعلش بعدها، ولا أي حاجة." "ملك: وده من أول ما اتجوزتوا ولا مع الوقت بدأتي تحسيه؟ تنهدت تنهيدة عميقة:
"مريم: بعد جوازنا بفترة بقيت فاقدة الشغف في حاجات كتير. في أول جوازنا كنت ملهوفة على النزول وببقى سعيدة، معرفش فجأة حسيت كأني بطارية وفضيت، ومهما حاولت أشحنها مبتتشحنش. بشحنها شحن وهمي عشان إيهاب، عشان أحسسه إني تمام، تقديرًا لمجهوده الجبار اللي بيعمله، وده بيعذبني لأنه ميستاهلش المعاملة دي. لكن عارفة، لما جينا هنا المرة اللي فاتت، إحساس كان مختلف. حسيت اتردت فيا الروح. بتنفس بحرية وبهدوء من غير ما أفكر. كنت بعيش اللحظة بحقيقتها. لكن اتبخر الإحساس ده في المطار وأنا راجعة نابولي. عارفة إمتى كنت بحس إني بتنفس؟
"ملك: إمتى؟ "مريم: في المرسم اللي إيهاب عمله لي. كنت لما بدخل، بغمض عيني وأتخيل إني هنا معاكم، وفي أي لحظة زين هيدخل من الباب. لكن بصحى من الحلم لما اللي يدخل بيكون إيهاب." صمتت مريم وتحدثت ملك: "ملك: إنتِ من الأساس محبتيش إيهاب يا مريم." نظرت إليها بصدمة: "مريم: إيه اللي بتقوليه ده؟ أومال اتجوزته إزاي؟ لا حبيته."
"ملك: اللي حسيتيه اتجاه إيهاب هو انبهار. انبهرتي بشخصيته + إنه كان حلم من أحلامك تقابليه، وكنتِ بتسعي لتحقيق الحلم ده من دراستك وتخطيط لسفر تحضري معرض بتاعه، صح؟ "مريم: أيوه، لكن...
"ملك: مفيش لكن. إيهاب أيوه حبك، لكن إنتِ انبهرتي بـ إيهاب مختار اللي من صورة عندك في المرسم لشخص بيتكلم معاكي، سامعة صوته ونفسه. انبهرتي بشخصيته وقربه السريع ليكي مخلكيش تميزي مشاعرك وتحطيها تحت مسمى. والدليل على كده مكنش فيه فترة خطوبة، كان تعارف وجواز وسفر. ولما سافرتي كنتِ في أعلى درجات الانبهار، سافرتي ورحتي أماكن كنتِ بتحلمي بيها ومع مين؟
مع إيهاب مختار. لكن مع الوقت الانبهار قل تدريجي وفقدتي الشغف اتجاه الحاجات اللي كنتِ بتتمنيها. إنتِ نفسك قولتي فقدتي الشغف من كل حاجة، لأن خلاص انبهارك بيها اختفى. عارفة لو حبيته زي ما إنتِ بتحاولي تقنعي نفسك، مكنتيش فقدتي الشغف، بالعكس كنتِ هتحبي تروحي أماكن أكتر وتسافري أكتر وتجربي حاجات أكتر مع الشخص اللي بتحبيه، لأنك حابة تشاركيه ويشاركك اللحظة دي. زي إنتِ وزين من صغركم بتروحوا أماكن هي هي، مغيرتوهاش لغاية ما كبرتوا، وكل مرة بتكونوا إنتوا الاتنين في المكان بيبقى إحساسكم مختلف، سعداء، مرتاحين، مبسوطين. مزهقتوش ولا فقدتي الشغف. عارفه ليه؟
"مريم: ليه؟ "ملك: لأنها مش بالأماكن يا مريم. بالأشخاص. مش مهم إنتِ رايحة فين وهتكوني فين، المهم رايحة مع مين وهتكوني مع مين. مش بيقولك اختار الرفيق قبل الطريق، لأن الكنز في الرحلة، اللحظات اللي هتقضوها مع بعض اللي هتعمق علاقتكم، مش المكان." كانت كلمات ملك لمريم وصف دقيق لعلاقتها بإيهاب. صمتت وقالت: "مريم: الطلاق مينفعش يستخبى يا ملك، لازم أهلك يعرفوا." "ملك: هقولهم. هقولهم." ***
مرت 3 أيام بدأت مريم فيها طبيعية. تستيقظ صباحًا وتذهب إلى المطعم مع ملك وتقضي يومها كاملًا هناك بين العمل والحديث مع ملك أو الجلوس بمفردها في زاوية. كانت تبتسم وتبدو طبيعية أمام الجميع، ولكنها كانت تتعمد ألا تكون بمفردها مع زين. كانت تتهرب كلما عرض عليها تناول الطعام بالخارج. "مريم: متأكدة مش عاوزة؟ "زين: لسه آكلة أنا وملك وشبعانة." نظر إليها بتعجب: "زين: كنتِ بتاكلي البيتزا حتى لو لسه آكلة يا مريم."
"مريم: أنا تقلت في الأكل، وبعدين الأيام جاية كتير." "زين: دي 3 مرة أفضي نفسي عشان ناكل مع بعض وتزوقي. هو إنتِ خايفة نكون لوحدنا؟ نظرت إليه باضطراب ولكنها حاولت التماسك: "مريم: خايفة. أخاف ليه؟ هتاكلني؟ "زين: لا... مثلًا تكوني مخبية حاجة وخايفة لما أزنقك تعترفي." "مريم: هكون مخبية إيه يعني ها؟ "زين: إنتِ قوليلي، مخبية إيه؟ "مريم: ولا حاجة." "زين: متأكدة؟ نظرت إليه لثوانٍ والتفتت الاتجاه الآخر منشغلة بتوضيب طاولة:
"مريم: أيوه متأكدة." وقف زين أمامها: "زين: ليه حاسك بتكدبي؟ "مريم: براحتك. بالنسبالي مفيش حاجة. ويلا بقى ارجع لشغلك، ولا روح شوف عروستك بتعمل إيه. المفروض تكون مشغول مش فاضي كده." تحدثت مريم بنبرة حادة وقال زين: "زين: بتوزعيني. ماشي. بس اعرفي إني عارف إنك مخبية حاجة وهعرفها. هعرفها يا مريم."
مغادر زين وإحساسه الداخلي أكد له أن مريم تخفي شيئًا مهم في قلبها لا تستطيع الإفصاح عنه، ووجودهم بمفردهم معًا قد يجعلها تنهار أو تبوح بما تود قوله.
في المطعم، في ركن هادئ، تجلس مريم بمفردها تضع سماعات الأذن، عيناها مثبتتان في نقطة بعيدة لا تنتمي للمكان. ملامح وجهها متبدلة بين حزن دفين وشرود ثقيل. كانت الموسيقى تتسلل إلى قلبها تلامس جرحًا لم يلتئم بعد، وكأنها تحاول أن تهرب من كل شيء حولها. على الطاولة المقابلة، يجلس كرم ومحمود يتحدثان، ولكن بين الحين والآخر كانت عينا كرم تتسلل نحو مريم بقلق واستغراب. لم يعتد رؤيتها هكذا ويشعر بخلل ما بها، ولكنها تخفيه. شيء ما تغير في ملامحها وروحها المعتادة، حتى ابتسامتها التي كانت تضيء المكان أصبحت تضع قناعًا يخفي ألمها. كان يشعر
بالقلق تجاهها وتحدث محمود: "محمود: مالك يا كرم؟ "كرم: مريم يا محمود. من وقت رجوعها وفيها حاجة أنا مش فاهمها." نظر محمود اتجاهها: "محمود: مالها؟ زي الفل أهي. ولا عشان قاعدة لوحدها عادي على فكرة." "كرم: لا فيها حاجة. حتى في البيت مبقتش تقعد معانا وبقت تدخل أوضتها. مبتتكلمش. مريم اللي كانت راديو بقت مبتتكلمش ولا بتهزر وتضحك زي الأول. بتضحك كمجاملة عشان الموقف يعدي. فيها حاجة أنا متأكد." "محمود: طيب اسألها؟
"كرم: سألتها، قالت مفيش حاجة. بفكر أكلم إيهاب؟ "محمود: هتكلمه؟ هتقوله إيه؟ "كرم: ممكن يكون فيه مشكلة بينهم، متخانقين مثلًا وهي مش عاوزة تقول. لو كده وطولوا ندخل إحنا الكبار نصلح الأمور بينهم." "محمود: ممكن صح. خلاص كلمه." حاول زين التحدث مع ملك لمعرفة سر مريم، ولكنه فشل لأن ملك أخبرته بعدم معرفتها، وذلك للحفاظ على سر مريم كما طلبت منها.
في مكتب الويدنج بلينر الذي ينظم كتب كتاب زين وبسنت. يجلس زين مع بسنت يراجعان آخر التحضيرات. كان زين شاردًا في حال مريم والغموض الذي يحيطها، بينما بسنت تتحدث بحماس مع الشخص المسؤول. لاحظت بسنت شرود زين: "بسنت: إيه رأيك يا زيزو؟ ده أحلى صح؟ "زين: ها... أيوه." "بسنت: ده ولا ده؟ "زين: أي حاجة تختاريها حلوة يا بسنت." استأذن الشخص المسؤول وتحدثت بسنت: "بسنت: مالك يا زين متغير كده وتركيزك مش موجود؟
"زين: حاجة شاغلة دماغي كده." "بسنت: في الشغل؟ "زين: لا برا الشغل." "بسنت: برا الشغل يعني مريم؟ لسه حاسس إنها مخبية عليك سر؟ "زين: كل يوم إحساسي بيزيد." "بسنت: هي حرة. إنت شاغل دماغك ليه؟ "زين: يعني إيه هي حرة؟ تعجبت بسنت من رد فعله: "بسنت: يعني هي حرة. كل إنسان بيكون في حياته أسرار مخبيها عن كل الناس، محتفظ بيها لنفسه. ممكن يكون ده حاجة محتفظة بيها لنفسها. إنت مخبي حاجة أنا معرفهاش؟ توتر زين: "زين: حاجة إيه؟
"بسنت: أي حاجة محدش يعرفها غيرك مثلًا." هرب من الإجابة: "زين: هو أنا فاضي يكون فيه أسرار." "بسنت: هي بقى فاضية. ده حقها يا زين، سيبها براحتها. وخلينا في كتب كتابنا اللي بعد أسبوع ده." ***
ليلًا، عادت مريم إلى المنزل بخطوات هادئة ووجهه منهك، لا تتوقع شيئًا سوى لحظة راحة قصيرة بين جدران غرفتها. فتحت الباب ودخلت وتفاجأت بتواجد كرم وسناء ومحمود وسوسن. كانوا جالسين حينما دخلت، عيونهم مثبتة عليها وملامحهم مشدودة ما بين القلق والحزن والغضب. دخلت وألقت السلام: "مريم: مساء الخير." "العائلة: مساء الخير يا ميما." "مريم: أنا داخلة أوضتي، محتاجين حاجة مني؟ استوقفها والدها: "كرم: استني يا مريم، عاوزينك."
تجمدت مكانها حين سمعت نبرة كرم الحادة. جلست أمامهم ونبض قلبها تسارع فجأة وكأن الهواء أثقل من أن يستنشق. حاولت الحفاظ على اتزانها: "مريم: فيه حاجة ولا إيه؟ تحدث محمود: "محمود: مريم، إنتِ كويسة يا بنتي؟ "مريم: الحمد لله." "محمود: أكيد يعني؟ "مريم: أيوه الحمد لله." تحدثت سوسن: "سوسن: إيهاب كويس؟ صمتت لحظة: "مريم: الحمد لله." "سوسن: بتكلميه؟ "مريم: يعني... ليه بتسألوا؟ كانت سناء صامتة وعيونها حزينة وهي تنظر إلى ابنتها.
تحدث كرم بنبرة حزن: "كرم: بنسألك عشان نعرف ليه خبيتي علينا إنك اطلقتي يا مريم." شعرت مريم بشيء ينكسر داخلها وارتجفت أنفاسها، وما كانت تخفيه قد انكشف فجأة: "مريم: مين قالكم؟ تحدث كرم: "كرم: إيهاب. اتصلت به، كنت فاكر فيه مشكلة بينكم ومزعلك، قولت ندخل إحنا الكبار نحلها، لكن لقيته بيعتذر لي، كان فاكر إنك قولتي لنا إنكم اطلقتوا. ليه مقولتيش يا مريم؟ إيه حصل وصلكم للطلاق؟
لم تنطق. لم تبك، لكنها شعرت أنها صغيرة وهشة محاصرة بأسئلة لم تعد تملك طاقة لإجاباتها، ووسط العيون المتسائلة شعرت مريم للمرة الأولى بأنها وحيدة حقًا. أعاد كرم عليها السؤال مرة أخرى: "كرم: مقولتيش ليه يا مريم؟ انفجرت مريم وتحدثت بغضب: "مريم: مقولتيش ليه يا مريم؟ مقولتيش ليه يا مريم؟ مقولتش عشان السؤال ده؟ عشان القاعدة دي مقعدهاش وكأني بيتحقق معايا. مقولتش ليه لآني مش عاوزة أقول ببساطة. أصل هقولكم إيه؟
هقولكم لآني فاشلة، فشلت أكون زوجة. فشلت أحافظ على بيتي وعلى إنسان كويس جدًا." (وضعت يدها على بطنها) "فشلت أكون أم. أهو قولتلكم وعرفتوا خلاص كده، أتمنى الإجابة تكون وصلت." غادرت مريم المنزل ودموعها تنساب بلا توقف. ارتسمت على وجوه الجميع ملامح الحزن العميق والأسى، كأنهم يشاطرونها ألمها ويشعرون بثقل ما حدث. صمت ثقيل خيم على المكان. تحدثت سناء: "سناء: شوفيها يا محمود راحت فين." تحدث محمود:
"محمود: أكيد طلعت السطح زي العادة، سيبوها لوحدها دلوقتي لغاية ما تهدأ، البنت شايلة كتير جواها لوحدها ومبتتكلمش." تحدث كرم بحزن: "كرم: أنا كنت متأكد إن فيها حاجة، كنت متأكد." تحدث محمود: "محمود: اهدى يا كرم. مريم معانا ووسطنا، هتبقى بخير، متقلقش، إحنا مش هنسيبها لوحدها."
عاد زين إلى المنزل لم يجد محمود وسوسن. توجه إلى منزل مريم. فتحت سناء الباب وملامحها كانت تحمل حزنًا عميقًا، فشعر زين بقلق يعتصر قلبه. دخل وجلس معهم وعلم بالسر الذي كانت مريم تخفيه (طلاقها)
. تجمد زين مكانه واحتاجته مزيج من مشاعر الصدمة والحيرة والألم. سأل عليها وعلم أنها في السطح. صعد زين إلى السطح يركض بخطوات سريعة باحثًا عنها بنظرات يملؤها القلق، لكن السطح كان خاليًا. وقف للحظة يلتقط أنفاسه ويحاول أن يهدأ ليفكر أين يمكن أن تكون ذهبت في ذلك التوقيت. غادر السطح وقابل كرم: "كرم: مريم فوق؟ "زين: لا مش فوق." ارتسمت ملامح القلق على وجه كرم: "كرم: هتكون راحت فين لوحدها كده؟
"زين: اطمن، أنا عارف ممكن تكون فين. هوصل وهطمنكم."
توجه زين إلى مكانين ربما تكون ذهبت إليهما ولم يجدها، وجاء على باله الشاطئ. اتجه نحو الشاطئ الذي جمعهما ذكريات كثيرة، وبالفعل وجد مريم جالسة على الرمل أمام البحر بمفردها، قدماها مضمومتان إلى صدرها، تنظر إلى البحر بشرود والنسيم يلعب بخصلات شعرها. حين لمحها زين، وقف وتنفس بعمق وكأن صدره تحرر من عبء ثقيل. أخرج هاتفه بهدوء وأرسل رسالة نصية إلى كرم ليطمئنه أن مريم معه. أغلق الهاتف ووضعه في جيبه، ثم بدأ يتحرك نحوها بخطوات بطيئة. كانت عيونه معلقة بها بكل تفصيلة منها. جلس بجانبها بصمت والتفتت
مريم وتفاجأت بوجوده: "مريم: زين... إنت بتعمل إيه هنا؟ "زين: بشم هوا." "زين: مبهزرش." "زين: ولا أنا. خلصت شغل وكنت عاوز أفصل قبل ما أرجع البيت، قولت أجي أقعد هنا أفضي دماغي شوية. لقيتك قاعدة، قعدت جنبك. إنتِ بقى هنا بتعملي إيه؟ صمتت لثوانٍ وقالت: "مريم: ولا حاجة، كنت بتمشى ورجلي جابتني هنا." "زين: بتتمشي في وقت متأخر كده. إنتِ قلبك جمد، هو الإيطاليين قلبهم جامد كده." "مريم: عاوز إيه يا زين؟ "زين: مالك بتقفشي كده ليه؟
بنتكلم... بنتبادل أطراف الحديث يا شق." "مريم: أنا مش رايقة للرغي ولا الكلام، عاوزة أقعد ساكتة." "زين: خلاص اقعدي ساكتة، وأنا كمان هسكت وهعتبره يوجا لتصفية الذهن."
جلسا سويًا على الرمال والأجواء صامتة. مريم كانت تنظر إلى الأفق، عيناها تائهتان كأنها تبحث عن شيء أو تحاول الهرب من وجع لا تريد التحدث عنه. ملامحها هادئة، لكن في هدوئها صخب لا يسمع. أما زين، فكان ينظر إلى البحر وإلى مريم بصمت، وكأنه يحاول قراءة ما خلف ذلك السكون. في ذهنه ألف سؤال، ولكنه كان يسكت كل سؤال قبل أن يخرج، لم يكن يريد أن يكسر تلك اللحظة التي اختارتها هي، لحظة صمتها. كانت الرغبة بالبوح تحترق بداخله، لكنه احترم رغبتها، لم يضغط عليها، فقط جلس إلى جانبها في صمت.
بعد مرور وقت تحدثت مريم بصوت خافت: "مريم: إنت هتفضل جنبي كده؟ "زين: أينعم. عندك مشكلة؟ "مريم: هتستفاد إيه من القاعدة؟ روح البيت أحسن وارتاح." "زين: وهو أنا اشتكيت لك؟ "مريم: براحتك." "زين: في سؤال عاوز أسأله." "مريم: سؤال إيه؟ "زين: ليه مقولتيش إنك اطلقتي؟ نظرت إليه بحدة: "مريم: يعني مش جاي من الشغل؟ إنت جاي من البيت بعد ما عرفت منهم وجاي عشان تسألني؟ بص خليك إنت، أنا همشي." أمسك يدها ووقف: "زين: رايحة فين؟
"مريم: أي مكان محدش فيه هيسألني عن أي حاجة." "زين: خلاص اعتبرني مسألتش. سحبت السؤال. رغم إني هعرف الإجابة، بس مش مستعجل." "زين: مريم، بجد أنا مش قادرة أتكلم." "زين: وأنا مقولتلكش اتكلمي. اسمعي، ممكن؟ "مريم: نعم؟ "زين: زي العادة. أنا هتكلم وإنتِ تسمعي." (أمسكها من يدها وعادوا جلسوا) "زين: انهاردا كان فيه ميتنج مع عميل. الدغ في حرف الراء، عارفه بينطقه إيه؟
غاء. فأنا استغل الفرصة وكتبت في العقد أغلب الكلمات فيها حرف الراء، وهو بيقرأ البنود، تخيلي الموقف." كانت مريم تنظر إليه في صمت وتحدث زين: "زين: بقولك تخيلي الموقف. هتخيله لك أنا." كان زين يتحدث بحيوية، يحكي الموقف بطريقة طريفة ويقلد صوت الرجل. كانت مريم تستمع له. في البداية كانت تكتفي بابتسامة خفيفة، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تضحك بصوتها المعتاد. توقف عن الحديث: "زين: أنا جعان. إنتِ جعانة؟ "مريم: مليش نفس."
"زين: لما هتشوفيها هيبقى ليكي نفس." "مريم: إيه دي؟ "زين: هو في غيرها حبيبتك؟ البيتزا." أخرج هاتفه وطلب البيتزا، وبعد نصف ساعة جاء عامل التوصيل وفتح زين علبة البيتزا: "زين: الله على ريحتها وهي سخنة." "مريم: بالهنا." أمسك قطعة من البيتزا: "زين: بالهنا علينا أنا وإنتِ." واقترب بها لفم مريم وأصر أن تتناولها: "زين: افتح يا فيل يا صغنن، فين الزلومة الحلوة." ابتسمت مريم على طريقة زين الكوميدية وفتحت فمها وقال:
"زين: الفيل الصغنن بتاعنا، شاطورة."
بدأ يتناول الطعام واستمر زين يحكي المواقف الطريفة التي حدثت له ويقلد الأصوات ويروي تفاصيل مضحكة، ومريم كانت تستمع له. في البداية كانت تبتسم، ثم بدأت تضحك بصوتها المعتاد، ضحكة خرجت من قلبها نقية وصافية، كأنها لحظة نقاء وسط عاصفة. كان زين ينظر إليها وهو يتحدث وكأن ضحكتها هي مكافأته الحقيقية. استمر يحكي بحماس ويتأكد من مريم تناولها البيتزا. بينما مريم، لأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت أنها قادرة على التنفس بحرية في وجود زين. وسط كلماته وبين ضحكاتهما المشتركة.
*** في الشركة، يجلس زين شاردًا ولاحظ كريم: "كريم: أيوه يا عريس، سرحان في شهر العسل وكده." "زين: بتقول إيه؟ "كريم: ده إنت مش هنا خالص. إيه شاغل بالك؟ متقلقش، كل حاجة ماشية كويس وكتب الكتاب هيبقى جامد والحفلة اللي بعده الإسكندرية هتتكلم عليها." لم يعطِ زين أي رد فعل وتحدث كريم: "كريم: ده الموضوع كبير. طيب قول ونفكر بصوت عالي، بتفكر في إيه؟ "زين: بفكر أأجل كتب الكتاب إزاي؟ "كريم: إيه... يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!