قبل ساعتين تقريبًا. بأحد مطاعم القاهرة الفاخرة. سحق عُقب السيجارة بالمنفضة ثم نهض واقفًا، يمد يده للمصافحة قائلًا: إتأخرت يا "شاهر". أبتسم شاهر قائلًا: إنت عارف زباين مكاتب المحامين بيبقوا رغايين... ربنا نجدك من المهنة دي..وبقيت راجل أعمال. ضحك طوفان وشعر بحنين، لكن تهكم ساخرًا: يعني كان بمزاجي أبقي راجل اعمال. ده كان آخر هدف أفكر فيه فى حياتي. أقعد خلينا نتعشي الأول. بعد قليل تساءل طوفان:
قولي المعلومات اللي عندك عن دُرة. أجابه بتوضيح: دُرة عرضت الشقة اللي هنا للبيع. إستغرب طوفان ذلك قائلًا: يعني دُرة قررت تبيع الشقة اللي هنا. معني كده إنها خلاص قررت تستقر في المنيا. أومأ له شاهر موافقًا: أكيد...
وده سبب كمان إنها بالتأكيد طلبت منك تسترد الأرض بأي تمن. الشقة إنت عارف إنها في منطقة راقية وتمنها يفوق ضعف حق الأرض، كمان تقدر بسهولة تبيعها. واللي عرفته إنه جارها اللي كان قصادها كان سبق وعرض يشتريها، بس وقتها والدها رفض، قال إن الشقة تبقي موجودة هنا لهم ينزلوا فيها لما مامتها تجي عشان تزور والدتها وأخواتها. بس طبعًا دُرة الوحيدة اللي تقدر تتصرف وتبيع الشقة دلوقتي لأنها باسمها. وأكيد طالما قررت ترجع تعيش في المنيا الأرض أهم بالنسبة لها من شقة تقدر تستغني عنها لأن في بديل بيت جدتها والدة مامتها القديم موجود ومامتها لها حق فيه.
جذب طوفان سيجارة أخري وأشعلها، نفث دخانها قائلًا: كل ده مفهوم، بس السؤال المهم... ليه رجوعها المنيا بالشكل المفاجئ ده؟ ليه عاوزة الأرض بأي تمن؟ نظر له الآخر نظرة ذات مغزى قبل أن يرد ببطء: أكيد عندها هدف.. دُرة مش هترمي فلوسها في الهوا، يبقى أكيد الأرض دي تفرق معاها بشكل كبير. ضيق عينيه وهو يفكر، ثم قال وهو يسحب نفسًا آخر من السيجارة:
الأرض كان عليها نزاع زمان، فاكر أبوها دخل في مشاكل وصلت للمحاكم عشانها مع ولاد خاله... وحتى بعد ما استقرت باسمه باعها فورًا. ابتسم شاهر ابتسامة جانبية وهو يرد: أيوه، بس في نقطة تانية لازم تفكر فيها... إنت متأكد إن رجوعها المنيا مجرد استقرار بس؟ ولا فيه سبب تاني؟ رفع حاجبه مستفهمًا، ثم ألقى بعقب سيجارته في المنفضة وهو يتمتم: متأكد في سبب تاني وإنت عارفه يا شاهر. أومأ شاهر مؤكدًا.
زفر طوفان نفسه وهو ينظر إلى بصيص تلك السيجارة الأخرى التي أشعلها، يشعر بوخزات قوية في قلبه قائلًا: الحُكم في قضية قتل حسام وعمي مختار خلاص بعد أيام. هز شاهر رأسه بأسف قائلًا: وإنت دارس عارف القانون كويس، ممكن ثغرة صغيرة تنهي القضية من قبل ما تبتدي، يعني القانون مش هياخد القصاص المناسب للجريمة. نفث طوفان الدخان ثم تنهد بعمق وهو يراقب الدخان يتلاشى في الهواء، كأن أفكاره تتبدد معه، ثم تمتم بأسف:
القانون ساعات بيعمي عينه عن الحق، وساعات بيشوف اللي عاوز يشوفه بس... كمان الأدلة الجنائية وشاهدة الشهود فيها ثغرات. ألقى شاهر نظرة طويلة عليه، قبل أن يقول بنبرة هادئة لكنها مشحونة: وإنت هتسيب الحكم يمشي زي ما إحنا متوقعين؟ ارتفع حاجباه قليلًا، ثم أسند ظهره إلى الكرسي قائلًا ببطء: القانون مش كل حاجة يا شاهر، وأحيانًا... العدل لازم يتاخد بإيدك...
ومتأكد ده سبب من أسباب رجوع دُرة وإستقرارها في المنيا. دُرة كانت مرتبطة جدًا بوالدها و...... توقف طوفان، فأكمل شاهر: متأكد النصيب الأكبر لوالدها. نظر له طوفان يشعر بغصة قوية قائلًا: وحسام فرحهم كان بعد أيام من الحادثة. رفق شاهر به قائلًا بتأكيد:
حسام كمان من ضمن الأسباب، لكن السبب الأقوى والدها. والدليل أول محاولتها استرداد الأرض، رغم إنها عارفة إن الأرض اتسببت قبل كده في مشاكل كبيرة كان ممكن توصل للقتل لولا لجوء والدها للقانون. الأرض دي كانت نزاع بين عيلتين ودُرة في دماغها هدف أنا خايف منه... زيك بالظبط. الأرض دي طول ما هي تحت سيطرتك في نزاع مكبوت. أومأ طوفان قائلًا: عارف ومش فاهم ليه دُرة الأرض دي بالذات مُصرة عليها. نظر له شاهر بمغزى قائلًا:
لاء إنت فاهم ليه هي مُصرة، وعشان كده حطيت لها شرط تعجيزي، رغم إني متأكد إن نفسك دُرة توافق عالجواز. نفث طوفان دخان السيجارة التي ارتجفت نيرانها بين أصابعه قبل أن يسحقها بعنف في المنفضة، كأنما يسحق فكرة لم تكتمل بعد. بمنزل حاتم. ذُهل من طلب والدته منه، تعلثم للحظات قائلًا بدهشة ورفض: مستحيل... مستحيل يا ماما اللي إنتِ بتقوليه ده، دُرة طول عمرها زي أختي، حتى تعاملنا مع بعض كان محدود، مش زي تعاملها مع حسام.
نظرت له بدمعة تفر من بين أهدابها تحرق قلبه: فكر يا حاتم، جلبي مش هيتحمل يشوف دُرة مع راجل تاني بعد أخوك غيرك إنت. مازال مذهولًا، ضم رأس والدته بين يديه وقبلها قائلًا:
أرجوكي يا ماما بلاش تكتمي الحزن في قلبك بالطريقة دي والتفكير ده، أنا ودُرة إحنا الاتنين صعب يكون بينا جواز، أنا مش بشوفها غير إنها خطيبة حسام اللي كان بيحلم باليوم اللي هيتجوزوا فيه. صحيح القدر اتغير، بس كمان متنسيش مشاعر دُرة كانت لـ حسام حتى لو مبقاش موجود هي الوحيدة اللي بتتحكم في مشاعرها. افرضي أنا وافقت وهي رفضت، وقتها... قاطعته والدته بحزم، رغم رعشة صوتها:
وقتها هكون عارفة إنها مش هتنظر لحد تاني بعد حسام، وساعتها هرتاح، لكن لو عندها استعداد تبدأ من جديد، فأنتَ أولى بيها، يا حاتم... مش عاوزة حد غريب ياخد مكان أخوك في حياتها. تنهد حاتم بعمق، يمرر يده في شعره بتوتر، ينظر إلى والدته بعينين مثقلتين بالحيرة: ماما... الحب والجواز مش لعبة نقرر موازينها، ودُرة من حقها تختار حياتها براحتها، وأنا... أنا مش شايف نفسي زوج ليها.
ارتجف قلب والدته بقلق، أمسكت بيده بحنان وضغطت عليها بقوة كأنها تحاول نقل إحساسها إليه: أنا مش بقول غصب، ولا عاوزاك تعمل حاجة ضد إرادتك أو إرادتها، بس فكر... فكر في دُرة كويس، شوفها بعيد عن كونها خطيبة أخوك، يمكن تقدر تغير مشاعرك ناحيتها. ابتلع حاتم ريقه، يشعر أن الحديث يضغط على روحه، لكنه لم يكن قادرًا على نطق رفض قاطع، ولا قبول حقيقي، فقط همس بصوت خافت: تمام يا ماما هحاول بس محتاج وقت قبل ما أقدر أقرر.
هزت والدته رأسها بتفهم، رغم أن قلبها كان يشتعل بالخوف... ليس على دُرة فقط، بل على ابنها أيضًا. غادرت الغرفة وتركت حاتم الذي تمدد على الفراش مره أخرى بعد أن كان يشعر بالأرهاق البدني فقط، ازداد إرهاقه النفسي أضعافًا، وكأن الكلمات التي ألقتها والدته تركت ثقلاً جاثمًا فوق صدره... أغلق عينيه وهو يتنفس بعمق، لكن راحة النوم كانت بعيدة عنه. "دُرة"
لم يفكر بها يومًا بتلك الطريقة، لم يتخيلها سوى الفتاة التي كانت مرتبطة بحسام، أخيه الذي رحل تاركًا فراغًا لا يُملأ... كيف له أن يفكر في أن يكون... مجرد الفكرة تثير داخله شعورًا بالذنب، وكأنها خيانة لذكرى حسام. انقلب على جانبه، يحدق في السقف بشرود... والدته كانت محقة بشيء واحد. بالتأكيد بل من الممكن أن تحب دُرة رجلًا آخر؟
لا يعرف، لم يسبق أن رآها إلا في دائرة حسام، لم يتخيل يومًا أنها قد تكون لشخص آخر، وبالتأكيد لن يتخيلها له هو. حاول طرد كل الأفكار، لكن عقل لم يطاوعه، وقلبه بدأ ينبض بأسئلة لم يكن مستعدًا لمواجهتها.... نهض من فراشه بتوتر، كأن البقاء في مكانه يزيد من دوامة أفكاره... توجه إلى النافذة، يدس يديه في جيبي بنطاله.. يتنفس ببطء، يحاول استجماع شتات نفسه، يسأل عقله: هل فكرت دُرة في الأمر...
هل ترى الأمر مستحيلًا مثلي، أم أن الأمر مختلف بالنسبة لها. دُرة دائمًا كانت هادئة، متزنة، كذالك كانت غامضة... مشاعرها لـ حسام لم تكن واضحة مثلهُ، لكن حين رأها آخر مرة تبدو بوضوح أنها حزينة جدًا، حتى حين ذكر حسام، تدمعت عينيها بالتأكيد السبب قسوة فقدانها له، فكيف يمكن أن تفكر في رجل آخر الآن. أغمض عينيه للحظة، يتذكر كيف كانت تنظر لـ حسام، نظراتها كانت واضحة بها الحب والدفء... لم يسبق له أن رأى مثلها...
شعورٌ غريب تسلل إليه، غير مريح، لكنه لم يستطع تسميته. وهاتف يعبث برأسه: أنا مش بحبها... مستحيل... ولا حتى فكرت فيها غير حبيبة حسام. هنا كان القرار سهلًا... لا داعي للحيرة دُرة ستظل بنفس المكانة. بمنزل دُرة. شعرت بأرقٍ لم تستطع النوم رغم محاولاتها المتكررة... حديث طوفان ظل يتردد في رأسها كطيفٍ مزعج يأبى الرحيل. تأوهت باستهزاء من طلبه الزواج، كيف فكّر بذلك.. يبدو أنه فقد عقله تمامًا.
تقلبت فوق الفراش، تحاول نفض تلك الأفكار بعيدًا واستجداء النوم، لكن لا فائدة، بل ازداد الأرق إحكامًا على جفونها... حين تذكرت نظرات ذلك الطبيب إليها... نظرات جعلتها تشعر بالنفور منه، لماذا شعرت بتلك الغصة في حلقها... لماذا أثرت بها تلك النظرات.. رفعت يدها اليسرى بغير وعي، ثم تجمدت حين وجدت بنصرها خاليًا من ذلك الخاتم. نهضت سريعًا، قلبها ينبض بتوتر غير مبرر، وأشعلت باقي ضوء الغرفة، تتلفت حولها بجنون وهي تبحث عنه...
راحت تمرر أناملها فوق سطح المنضدة بجانب السرير، رفعت الوسادة، نظرت أسفل السجادة، لكن لا أثر له. همست لنفسها بقلق: راحت فين الدبلة.. أنا مش بقلعها من فترة. توقفت في منتصف الغرفة، شعرت بشيء ناقص، كأنها فقدت جزءًا منها دون أن تدري متى أو كيف... زفرت أنفاسها بعمق، محاولة تهدئة دقات قلبها المتسارعة، لكنها لم تستطع الهروب من ذلك الإحساس الغريب الذي تسلل إليها...
إحساس بأن فقدان ذلك الخاتم يُعيدها لتتذكر ذلك اليوم الذي وصل لها خبر مقتل والدها وحسام، كان ما زال بداخلها جزءًا يرفض قبول رحيلهم، الآن تشعر بشعور الفقدان يزداد بداخلها... وعقلها يستوعب غصبًا أن من يرحل لا تنتهي ذكراه لضياع خاتم، بالغد ستشتري خاتمًا آخر. بشقة رزان.
أسفل تلك البناية، توقف طوفان بسيارته، ظل جالسًا بالسيارة يُنفث دخان تلك السيجارة، يشعر بمقت من نفسه ومن تلك الخطيئة التي وقع بها، لكن كان بتلك الفترة كالسقيم ظن أن العلاج هو تناول دواء مر قد يقضي على السقم أو يقتله، لكن لا ذاك ولا ذاك حدث. العلاج كان خطأ جسيمًا لم يقضي على السقم ولم يقتله أيضًا، بل زاد من علته وزاد وجعًا لا شفاء منه.. ظل يُحدق في الظلام الممتد أمامه، وكأنه يبحث فيه عن بصيص يعيد إليه شيئًا من راحته المفقودة...
لكن الحقيقة كانت واضحة كضوء النهار، لا فرار منها ولا مهرب… كان العلاج خطأ، والندم تأخر... ألقى بقايا السيجارة من النافذة، راقبها وهي تتلاشى في العتمة، تمامًا كما تلاشت أوهامه بأن الحل يكمن في تصحيح تلك الخطيئة... زفر أنفاسه بعمق، بينما تسللت إلى صدره مرارة أشد من الدخان، مرارة الذنب الذي لا يغتفر...
رفع عينيه إلى البناية أمامه، لم يتردد عليه إنهاء ذلك الزواج الذي ظنه ذات يوم خلاصًا، لكنه لم يكن سوى قيد جديد يُكبّله... لم يكن حبًا، بل كان هروبًا، والآن عليه أن يدفع ثمن اندفاعه... قرار أصبح واجبًا للتنفيذ... والخطوة التالية حتمية... بالفعل ضغط على نفسه وصعد إلى تلك الشقة.
لحظات قبل أن يرفع يده كي يدق الجرس، تفاجئ بها تفتح باب الشقة، تبتسم وهي تستقبله بشوق، كأنها كانت تراه قبل أن يصعد، هي كانت هكذا بالفعل رأته من خلف الشرفة.. جذبته للداخل وسريعًا عانقته، حاولت تقبيله لكن كعادته يتمنع عن ذلك، رغم غصتها تغاضت عن ذلك وقبلت وجنتيه تُخبره بمدى اشتياقها له، لكن هو كعادته باردًا معها وأمسكها من عضديها يدفعها للخلف محاولًا أن يكون لطيفًا، ثم تركها وذهب إلى تلك الأريكة وجلس عليها بثبات، بينما هي توقفت للحظات تُحدق به، تُحاول استيعاب جفائه المعتاد، لكنها لم تستطع كبح مشاعرها فاقتربت وجلست بجانبه، عيناها تبحثان عن دفءٍ منه، أي شيء يُطمئنها أنه لم يأتِ ليُطفئ رغبته كعادته...
جلست جواره تحاول الدلال عليه، لكنه كان أكثر برودًا، حاولت تقبل ذلك وبغباء منها سألته: مالك.. واضح إن الأيام اللي قضيتها في المنيا الفترة الأخيرة قست قلبك. همست بذلك تحاول أن تفك شفرة صمته. نظر إليها نظرة عابرة، ثم زفر ببطء. لكنها لم تيأس، رغم يقينها منذ أن دخل كم هو مُثقل بأفكاره، بعواطفه التي يُصر دائمًا على كبتها أمامها، فمدت يدها تلمس يده، لكنه أبعدها برفق... شعرت بوخزات في قلبها، جعلتها تقول بحزن وهي تراقب
عينيه التي تهرب منها: مالك يا طوفان؟ حاسة أنك مش هنا... جسمك هنا، لكن روحك في حتة تاني. نهض من مكانه، يُحاول أن يجد لنفسه مفرًا من مواجهتها، لكنه لم يجد سوى الحائط المقابل يُحدق به كأنه أكثر أمانًا من نظراتها المتوسلة. "أنا جيت... ده كفاية، مش كده." قال ذلك بصوتٍ جاف، يعلم أنه يُوجعها لكنه لا يعرف كيف يُخفف من حدة المسافة التي تفصل بينهما رغم قربهما. ابتلعت المرارة في حلقها، بابتسامة ضعيفة راودت شفتيها
وهي تقول بهدوء مستسلم: أيوه... كفاية. لكن في داخلها، كانت تعرف هنالك أمرًا ما.. بالفعل لم ينتظر وإستدار ينظر لها، بعين خالية من المشاعر، ليس بها سوا البرود القاتل لها وهو يتحدث بهدوء: قبل ما نتجوز عرفي، كان بينا إتفاق... إن يوم ما واحد فينا يختار الإنفصال التاني يتقبل بدون إعتراض. تجمدت مقلتاها على ملامحه الجامدة، كأن كلماته صفعة قاسية على وجنتيها...
لم يكن صوته يحمل ذرة انفعال، مجرد جملة مقتضبة تحمل حُكمًا لا رجعة فيه. بلعت ريقها بصعوبة، محاولةً أن تستوعب وقع كلماته... إتفاق؟ هل أصبحت مجرد بند في عقد، لا أكثر... هكذا هي كانت بالفعل... هذا الاتفاق كان موجودًا منذ البداية، لكنها لم تكن مستعدة لسماع هذه الكلمات منه أبدًا... ليس بهذه البرودة...
بل كانت تتمني أن يأخذ ذلك الزواج طريقًا آخر ويُعلن للنور بزواج رسمي، شعرت بمدى الخذلان يتسلل إلى أوصالها، وكأن كلماته كانت نصل حاد مزق آخر خيط من الأمل الذي كانت تتشبث به... هل كانت ساذجة إلى هذا الحد... هل ظنت للحظة أن ما بينهما قد يتجاوز كونه مجرد صفقة. تسارعت أنفاسها، ورفعت عينيها نحوه، تبحث في ملامحه عن أي بادرة تردد، أي شعور بالذنب، لكنها لم تجد سوى الجليد...
برود قاتل، قاسٍ، كأنه يطعنها عمدًا دون أن يرمش له جفن... حاولت التنازل. همست بصوت مرتجف، تحاول أن تتعلق بفرصة أخيرة: -بس... قاطعها بهدوء قاسٍ: مفيش بس... إحنا كنا عارفين إن اليوم ده ممكن يجي بأي وقت. رمقته بعينين زائغتين، تبحث فيهما عن شيء يكذب ما يقوله، عن أي أثر لما كان بينهما... لكنها لم تجد سوى الجمود... مشاعره دائمًا كانت واضحة بالبرود والجفاف..
حاولت أن تتحدث، أن تدافع عن كرامتها، لكن الكلمات خانتها، تجمدت على طرف لسانها، تمامًا كما تجمد قلبها وهو يستوعب الحقيقة... بالنسبة له، لم تكن سوى بند في عقد، صفقة أُبرمت وانتهى الأمر. أغمضت عينيها للحظات قبل أن تفتحهما وتراه يُخرج من جيبه ورقة... نظر لها ببرود قائلًا: دي ورقة الجواز اللي معايا مبقاش لها لازمة.
قال ذلك ولم يُمزق الورقة بل مزق قلبها.. حقًا كان الطمع هو أحد أسباب موافقتها على تلك الزيجة الرخيصة، لكن لا تنكر أنها أحبته بكل بروده معها وجفائه والقليل من مشاعره التي حتى لم تكن موجودة بعلاقتهم الحميمية التي كانت تشعر أنه ينفر منها أحيانًا كثيرة، كأنه لم يكن يرغبها، لم يكن حبًا، لم يكن شغفًا، بل كان مجرد صفقة خاسرة لم تربح فيها سوى وجع قلبها، وفتات من اهتمامه الجاف... لديها يقين أنه كان هروبًا...
أو محاولة نسيان لامرأة تسكن روحه منذ زمن. أما هو، فكان بداخله يشعر بالذنب كلما اقترب منها، وكأن قربه منها خيانة لمن تسكن روحه منذ زمن... بداخله يشعر بالشفقة على تلك التي تحجرت دموعها، وهي لم تستطع كرهه… ولا حتى التوقف عن التعلق به، رغم علمها أن قلبه ليس لها، ولن يكون أبدًا... لكن مقامها وقيمتها لن تجعلها تستجدي حبه أو تطلب منه ما لا يستطيع منحه... كرامتها كانت أقوى من احتياجها، حتى وإن كان قلبها يذوي في حضرة جفائه...
لكنها لم تعد تملك القوة للبقاء في علاقة تعلم جيدًا أنها تُهدرها، علاقة تُشبه قيدًا من حرير، ناعم الملمس لكنه يخنق أنفاسها... لم تعد تريده بجسده فقط، تريد روحه، قلبه، نظرته الدافئة الذي لم يمنحها لها يومًا، ولم تعد تحتمل أن تعيش كظل في حياته، مجرد امرأة في الظل دون أن تحمل مكانًا حقيقيًا في قلبه.... في تلك اللحظة، أدركت أن الرحيل ليس هزيمة، بل ربما نجاة... أو بفكر سيدة الأعمال المصلحة قبل المشاعر الواهية.
بعد مرور أيام. صباحًا بمنزل طوفان. على طاولة الفطار... شعرت وجدان بالضيق والضجر من تلك العوينات التي كانت حول عينيها، زفرت بضجر وسأم وهي تخلعها ثم وضعتها على الطاولة، نظرت لها جود سائلة: مالك قلعتي النضارة ليه يا ماما. أجابتها بضيق: بتوجع دماغي، كمان بحس عيني مزغللة أكتر... وكمان حاسة بخيال واقف على وشي. إبتسمت جود قائلة:
هي كده في الأول بس يا ماما، بس مع الوقت هتتعودي عليها وتبقي كأنها شئ من وشك، أنا كنت كده لما عملت نظارة للمذاكرة، بس مع الوقت اتعودت عليها. زفرت وجدان نفسها، بينما نظر لها طوفان ببسمة مؤكدًا حديث جود قائلًا: جود عندها حق، بس طالما مضايقة حضرتك ممكن نسأل الدكتور ونشوف لو ينفع تعملي عملية تصحيح نظر بدون نضارة. وافقته وجدان قائلة: يكون أحسن من النضارة. إبتسم لها، كذالك هي تبسمت قائلة:
هنادي على شكرية، هي معاها اسم الدكتور ورقم موبايله. أومأ مبتسمًا. بعد وقت قليل. أمام مستشفى الرمد الحكومي... توقف طوفان بالسيارة، تنهد داخله بإشتياق منذ آخر لقاء بـ دُرة لم يراها، ربما هذه فرصة، بالفعل سريعًا ترجل من السيارة ودخل إلى المشفى. لكن فجأة توقف بالممر يشعر بخفقان قلبه، حين رأى دُرة تخرج إحدى الغرف، تمسك بملف طبي بين يديها، بينما عيناها شاردة وكأنها غارقة في أفكارها...
بدا عليها الإرهاق، أو ربما الحزن، لم يستطع التحديد. شعر طوفان بحرارة تتسلل إلى صدره، لم يتردد للحظة قبل أن يخطو نحوها، لكن فجأة، وقبل أن ينطق باسمها، خرج شخص من الغرفة ذاتها، وقف بجوارها وتحدث معها بصوت خافت... شيء ما في طريقة حديثهما، في المسافة القريبة بينهما، جعل الدماء تثور في عروقه... لم يُلاحظ ضيقها من حديث ذلك الطبيب السمج بالنسبة لها، ولا محاولتها التهرب منه، لكن هو يجذبها بالحديث عن حالة ذلك المريض...
لحظات عيناه تُطلق إشعاعات نارية... لم يعُد قادرًا على الصبر والغيرة تفتك بعقله بلا اهتمام بالعواقب لاحقًا، توجه بخطوات ثائرة إليهم، غير مبالٍ بنظرات الدهشة التي تلاحقه... كان كل ما يشغل باله هو انتزاعها من ذلك المشهد الذي أضرم النار في صدره... توقف أمامها، عيناه مشتعلة بالغضب، شعرت بالتوتر. لكن أظهرت الثبات، سرعان ما تحول ذلك إلى غضب حين تواقح ووضع يده فوق معصم يدها يقبض عليه بقوة وهو يجذبها للسير قائلًا:
عن إذنك، محتاج الدكتورة في حاجة مهمة. رفعت رأسها باندهاش، مترددة بين مقاومته والانصياع لتلك السلطة التي يفرضها حضوره الطاغي... لكن قبل أن تنطق، امتدت يده، لم يمنحها فرصة للرفض، وسحبها معه وسط أعين المارة مترقبة، وكأن العالم من حوله لم يعُد يعنيه... وهي تشعر بالغضب السحيق لكن لا تود إثارة شغب بالمشفى. حاولت أن تحرر يدها من قبضته، لكن أصابعه كانت كالقيد، تحكم السيطرة عليه بقبضة قوية... همست من بين أسنانها، بصوت
منخفض لكنه مشحون بالغضب: إنتَ بتعمل إيه؟ إنت اتجننت؟ سيب إيدي فورًا. لم يتوقف، ولم يلتفت إليها حتى، فقط استمر في سيره بخطوات ثابتة كأنها قرار لا رجعة فيه... حتى اجتاز الممر الطويل، غير مكترث بالأنظار الفضولية، حتى وصلا إلى أمام إحدى الغرف الجانبية.. بمجرد أن دخلا أغلق الباب خلفهما بقوة. توقفت تتنفس بتسارع للحظات حتى شعرت بهدوء تنفسها. نظرت له بغضب وعيونها تتوهج بانفعال، بنفس الوقت رفعت يديها تدفعه بعيدًا،
قائلة بإستهجان وهي تنهج: مش هترتاح غير لما أموت بسببك، إنت اتجننت؟ إيه اللي عملته ده؟ لم يفك قبضته يده على معصمها، بل ازدادت قوة، كذالك ركز نظراته على ملامحها بجمود مريب. تعصبت عليه وعادت تدفعه بقوة قائلة: إيه جابك هنا المستشفى؟ إنت بتراقبني؟ غصبًا أفلت يدها وعاد خطوات للخلف، يحاول أن يهدأ. لم تنتظر لحظة قبل أن تضغط على أسنانها بقوة، تتحدث بصوت خافت، تحاول الحفاظ على وقار المكان: وقاحتك زادت عن الحد...
بأي حق تجرني وراك بالشكل. نظر إليها بحدة، كأنه غير قادر على احتواء الغضب الذي يعصف به، واقترب خطوة، لتشعر بأنفاسه الحارة قريبة من وجهها وهو يقول بصوت منخفض لكنه قاتل: وإنتِ إزاي تسمحي لنفسك توقفي مع الحيوان اللي كنتِ واقفة معاه في الممر قدام الخلق اللي في المستشفى، مين ده؟ اتسعت عيناها بدهشة، عادت خطوة للخلف، لكن لم يكن لديها ذرة استسلام... رفعت ذقنها بتحدٍ، قائلة ببرود: وإنت مالك... مش من حقك تسألني...
أنا حرة أقف مع اللي عايزاه في أي مكان، قدام الناس أو حتى في أوضة مقفولة علينا. نهشت الغيرة عقله، لمعت عيناه بتوهج غاضب، وكأن كلماتها كانت الوقود الذي أشعل آخر فتيل غضبه... اقترب منها أكثر، حتى كادت المسافة بينهما تتلاشى، ثم قال بصوت مُنخفض مشحون بالتهديد مُباشرةً: يبقى خليني أخلق حقي بنفسي...
نظرت له ببريئة وهي تعود للخلف حتى اصطدم ظهرها بالحائط، رغم ذلك تمثلت بالقوة الزائفة ورفعت ذقنها بتحدٍ، تحاول ألا تُظهر ارتجافة أنفاسها أو رعشة يديها التي أخفتها خلف ظهرها.... ، لكن سرعان ما رفعت إحداهن تُشير له بإصبعها بتوعد: لو قربت مني هصرخ وألم عليك المستشفى وهخلي الأمن يعمل لك محضر تعدي، وكمان تحرش. غصبًا ابتسم ابتسامة طفيفة، مستهزئًا بسخرية مكررًا كلمتها بإستقلال: تعدي وتحرش.
خفق قلبها بقوة من الريبة من ملامح وجهه، التي كانت أشبه بشفرة حادة تُهدد بجرحها دون أن تلمسها... مدّ يده إلى جوار رأسها، محاصرًا إياها تمامًا، ثم قال بنبرة أكثر عمقًا، أشبه بوعيد مكتوم: بلاش تستفزيني يا دُرة، بلاش توصليني إني أفقد أعصابي. نظرت له بغضب قائلة: إفقد أعصابك ولا حياتك حتى متهمنيش وآخر مرة تقرب مني. شدت قامتها بتحدٍ رغم ارتجاف أنفاسها، أكملت بصوت حازم: بعد كده مش هتلاقي مني غير الرد بالطريقة اللي تستحقها.
لمعت عيناه بسخرية، اقترب أكثر حتى كادت أنفاسه تحرق المسافة بينهما، قال بصوت منخفض لكنه يحمل من الخطورة ما يكفي لإرباكها: مش أنا اللي محتاجلك يا دُرة. إنتِ اللي عرضتي استرداد الأرض وقولتلك التمن. قبضت يدها بقوة تحاول ألا تستسلم لرعشة الغضب، دفعته من أمامها بقسوة، ثم استدارت مبتعدة، لكن صوته لحقها كطعنة في الظهر: هنرجع نتقابل تاني.. ومش بعيد إنتِ اللي تطلبي نتقابل المرة الجاية.
توقفت لحظة، لكنها لم تلتفت، فقط واصلت سيرها، محاولة ألا تدع كلماته تترك أثرًا في قرارها. بينما شعر طوفان بغضب، خرج خلفها نظر لها وهي تسير، كذالك رأي ذلك الطبيب يدخل إلى إحدى الغرف، لم يُفكر وذهب نحو تلك الغرفة.. رغم الغضب المستعر بقلبه لكن تمثل بهدوء وإدعى الخطأ بخباثة منه علم اسم الطبيب، خرج من الغرفة يحاول ضبط أعصابه، أخرج هاتفه قام بإتصال قائلًا بأمر: هبعتلك اسم ساعة بالكتير عاوز أعرف تاريخ حياته.
بعد وقت خرج من غرفة أحد الأطباء، أثناء سيره بالممر لمح ذلك الطبيب شعر بغضب لكن لجم نفسه وغادر المشفى، ينتظر فقط معلومة عنه. بعد حوالي ساعتين كان يجلس بمكتبه بالمصنع ينتظر ذلك الاتصال يسمع للآخر بإنصات: دكتور عيون، من الجيزة ومنقول هنا من حوالي ست شهور عنده عيادة شغالة كويس طبعًا من زباين المستشفى، مطلق وعنده بنت عايشة مع طليقته في الجيزة وتقريبًا علاقته بها مُختصرة على نفقة بنته. زفر طوفان نفسه قائلًا: تمام.
أغلق الهاتف فكر للحظات ثم بخباثة منه قام بإجراء اتصال آخر. بعد الترحيب وبعض العتاب من الشخص الآخر، ابتسم طوفان قائلًا: مشاغل والله لكن إنت عارف مكانتك عندي. تجاذب الحديث بلباقة إلى أن وصل إلى هدفه فتحدث بدبلوماسية:
أنا كنت في مستشفى الرمد، وفيه هناك دكتور مش من هنا، واضح إنه مضايق من وجوده هنا، يظهر كان بينه وبين مراته خلاف واضح إنه اتحل وعاوز يرجعها بس هي مش عاوزة تجي هنا، خلينا نقرب بينهم ونرجعه الجيزة تاني، أهو تساهم في لم شمل أسرة. وافقه الآخر قائلًا بمدح: تمام، ربنا يصلح بين إيدك. أغلق الهاتف وضعه على المكتب أمامه ثم تنفس بهدوء قائلًا: أما أشوف إيه آخر عنادك يا دُرة. مضت عدة أيام. اليوم المنتظر.
الطقس حار للغاية لكن ليست حرارة الشمس أقوى من حرارة الترقب، لو أحرقت الشمس الأرض أهون من ذاك الترقب المتوقع بآخر جلسة المحكمة. وجود كاميرات إعلامية، تنقل تفاصيل تلك الجلسة القضائية. المتهم فيها أحد شباب عائلة مهران المعروفة. الاتهام قتل إثنين من عائلتين مختلفتين. والحضور بداخل القاعة مُختصر وترقب أمني حذر ونشط. بداخل القاعة. جالت عين عزمي وهو يبحث عن طوفان الذي تأخر في الحضور عمدًا، كما توقع.
حضور دُرة ليس فقط دُرة بل أيضًا حاتم. دخل آخرهم عيناه تُمشط القاعة حتى رأى دُرة تجلس في المنتصف بين أخيها وحاتم. لم يُبالي لذلك، وجلس جوار عزمي الذي ابتسم له، أومأ طوفان برأسه. لحظات ودلف حاجب المحكمة يُعلن حضور القضاة، وقف الجميع لحظات ثم جلس. وتحدث أحد القضاة وهو ينظر نحو مكان وكيل النيابة قائلًا: قبل الحُكم هل النيابة عندها أي اعتراض أو تقديم مستندات جديدة تفيد حيثيات القضية. نفي وكيل النيابة، أومأ القاضي قائلًا:
تمام. بما إن القضية خدت فترة طويلة قبل إصدار الحُكم فـ قررت اللجنة القضائية بعد مداولات حيثيات وأدلة القضية كذالك شهادة الشهود قررنا بالإجماع... بنفس اللحظة. أغمض حاتم عينيه، كذالك طوفان و دُرة. كـ رد فعل واحد دون اتفاق بينهم بل توارد رد فعل لحكم متوقع بحسم المصير، وكأن أرواحهم مُعلقة بين الرجاء والخوف... وضياع القصاص العادل. فتح القاضي ملف القضية، تأمل الحاضرين للحظات، ثم نطق بصوت ثابت: "حكمت المحكمة...
في تلك الثانية، تسارعت نبضات قلوبهم، توترت أنفاسهم، تحجرت الدموع في عيني دُرة، كأنها تحاول التمسك بأمل واهٍ... بينما شد طوفان قبضته، بينما حاتم.. فقد شعوره وكأن الزمن توقف. الآن كلمات القاضي التالية لن تكون تقرير لمصير القاتل فقط، بل قد تكون طوفان هادر قد يُبدل مصائر الجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!