الفصل 7 | من 48 فصل

رواية طوفان الدرة الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
19
كلمة
5,363
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

بمنزل حاتم بدران وصل إلى أذنيه أنين والدته التي تهذي بوجع. شعر بانقباض في صدره وتسارع في دقات قلبه، وكأن عبئًا ثقيلًا يجثم على صدره. هرول نحو الغرفة التي تنبعث منها أنات والدته. عيناه تبحثان بقلق. يعلم مصدر الألم الذي جعل عقلها يهذي بذاك الوجع. نظر إلى ملامحها الشاحبة، عينيها المغرورقتين بالدموع، وشفتيها اللتين ترتجفان بكلمات غير مفهومة.

اقترب منها، أمسك بيدها المرتجفة، وحاول تهدئتها. لكنها شهقت وبحرقة، فارتعش جفناه، وشعر بوخز الضمير ينهش صدره. لم يكن بحاجة إلى مزيد من التذكير بأنه، رغم حنكته القانونية، لم يتمكن من حماية من يحب. تفوه بصوت خافت مليء بالقلق يحاول مواساتها: ماما... أرجوكِ هدي نفسك... كده هتتعبي. نظرت له تُلقي كل اللوم عليه:

من يوم "طوفان مهران" ما سلم القاتل للشرطة وأنا قلبي كان حاسس إن غرضه يضيع الحق، كان باين عليه إنه بيوالي عشان كان بيغير من حسام أخوك. اشتدت رعشة يدها وهي تضغط على أصابعه بقوة، وكأنها تتشبث بيقين غائب. تابع بنظراته دموعها المنهمرة، شعر بثقل الحزن الذي يعصف بقلبها، لكنه لم يعرف كيف يطمئنها، خاصةً وهو نفسه تائه بين الشكوك. لكن لم يفهم قولها الأخير فتساءل باستفسار:

وطوفان كان بيغير من حسام ليه، اللي أعرفه كان بينهم ود قديم. توترت والدته بارتباك قائلة بتفسير: مش قصدي، غيرة بمعنى "غيرة" قصدي إنك عارف إن حسام كان معارض خالك إنه يبيع الأرض له، بس هو أقنع خالك وأشتراها منه... الأرض دي كنز، قريبة من الماية، ريها سهل وأرضها خصبة جوي. تنهد حاتم بفهم قائلاً:

بس اللي أعرفه إن الأرض كان عليها خلاف كبير بين عيلة "غُنيم" وعيلة "بدران" وكان ممكن يوصل لنزاع، ويجيب مشاكل كبيرة وخالي أكيد فكر أن ببيعها كده الخلاف انتهى. أرجوكِ يا ماما بلاش تعذبي نفسك أنا وبابا محتاجينك معانا، كمان حسام مش هيبقي مرتاح في قبره وإنتِ في العذاب ده.. هو كان دايماً بيقول إنه نفسه يشوفنا عايشين في سلام، مش شايلين هم حاجة...

إحنا محتاجينك، يا ماما.. أنا وبابا مش هنعرف نكمل لوحدنا، وإنتِ أكتر واحدة عارفة ده. أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول تكتم دموعها، رغم صوتها المرتعش وأومأت بأسى قائلة: عارفة بس غصب عني مش قادرة.. مش قادرة أنسى اللي حصل، مش قادرة أتصور إن كل ده حصل في غمضة عين، حسام راح مننا كده بسهولة... قبل فرحه بأيام. شعر بغصة قوية تكاد تفتك بقلبه لكن تماسك وهو يمسك يديها بحنان، قائلاً بحزم ممزوج بالرجاء:

عارف وجع قلبك يا ماما بس حسام أكيد مكنش هيتمني إنك تعيشي في حزن وآسى، ولا إحنا كمان نقدر نتحمل نشوفك كده... خلينا نحاول نضغط على قلوبنا، يمكن ربنا يهون علينا قسوة فراق حسام. تنهدت بوجع وهي تومئ برأسها تُربت على كتف حاتم الذي ارتمي بحضنها، يتنفس بسخونة. لكن رفع رأسه عن صدرها، ينظر لها بإندهاش بعدما قالت له بنبرة رجاء: لو عاوز نار قلبي تبرد اتجوز دُرة. نظر لها بصدمة قائلاً:

تاني يا ماما بتقولي نفس الكلام، سبق وقولتلك، أنا ودُرة عمرنا ما كنا قريبين من بعض حتى زي أخوات، كمان حتى لو أنا وافقت مش إحتمال هي ترفض. زفرت نفسها بأسى قائلة: أهو قولت احتمال... هي لسه صغيرة عشان خاطري وافق ولو هي رفضت أنا مش هطلب منك الطلب ده تاني. ابتلع ريقه بقلة حيلة قائلاً بمهاودة: حاضر يا ماما هفكر و... قاطعته بمحايلتها: هتفكر في إيه؟ أجابها بتوضيح:

ماما أنا مش بفكر في الجواز أصلًا الفترة دي، ارجوكِ بلاش تضغطي عليا أكتر ما أنا مضغوط، بس الفترة دي وأوعدك أول ما أخد القرار هقول لحضرتك، بس دلوقتي خليني أركز في شغلي وافهم حياتي رايحة فين. نظرت إليه نظرة طويلة قبل أن تومئ برأسها باستسلام ظاهري، لكن عينيها لمعتا بتصميم خفي وهي تقول بنبرة تحمل مزيجًا من الحنان والإصرار: خلاص يا حبيبي، مش هضغط عليك، بس أنا واثقة إنك هتعرف إن انسب واحدة ليك هي دُرة.

هز رأسه متنهدًا، وهو يعلم جيدًا أن والدته لا تستسلم بسهولة، لكنه في الوقت الحالي غير مستعد لهذا النقاش مجددًا. بعد قليل خرج من الحمام، ألقى تلك المنشفة التي كان يجفف بها خصلات شعره على الفرش ثم تمدد عليه هاري الصدر، ينظر إلى تلك اللمبة المتوهجة، ضوئها عكس ما يشعر به من عتمة. تنهد ليس بندم، لاول مرة منذ أن التحق بالشرطة يأخذ إنذار.

بداخله نطق اسم "طوفان". أيقن عقله أنه كان لديه خبرة بالقانون وثغراته لذلك لجأ إلى ذلك، لكن رغم إلمامه بتلك الثغرات، لم يكن بوسعه سدّ فجوة الألم التي تسربت إلى قلبه، وهو يطن برأسه نحيب والدته الذي يفر من شفتيها. ظل مستلقيًا، عيناه معلقتان بالسقف، فيما تدور في رأسه دوامةٌ من الأفكار المتضاربة.

"طوفان نوح مهران". هكذا نطق الاسم ثم انتفض حين تذكر تلك البطاقة البنكية. نهض نحو خزانة ثيابه. فتح أحد الأدراج بحث بين محتوياته حتى وجد تلك البطاقة، تأكد من تطابق الاسم. زفر نفسه وهو يفكر، ثم اهتدى عقله إلى حقيقة لم يتوقعها. كيف لم ينتبه من قبل؟ كيف غفل عن هذا التفصيل الذي أمامه؟ قبض على البطاقة بإحكام، وشعر بقشعريرة تجتاح جسده. عقلهُ يرشده نحو خيط قد يكون بداية الحق. *** بذلك المكان

اقترب طوفان وجثى على ساقيه أمامها باستعطاف يمد يده قائلاً: مش هدافع عن نفسي يا دُرة، لأني متأكد مهما قولت إنتِ مش هتصدقيني. رفعت رأسها نظرت نحو يده الممدودة، سرعان ما استهزأت وسخرت من ذلك قائلة بنبرة باردة: عشان إنت عارف إنك خاين وكداب.

ضحكة قصيرة، بلا روح، خرجت من بين شفتيه. حاول لمس يدها، لكنها نفضت ذلك، سحبت يدها بعيدًا، وكأن لمسة يده قد تحرقها. ظل جاثيًا، عينيه تلمعان برجاء صامت، لكن دُرة لم تكن مستعدة لرؤية ذلك الرجاء، لم تكن مستعدة للاستسلام. تنهد بأسف لكنه يحمل داخله عاصفة من المشاعر المكبوتة. قائلاً بصوت هادئ: أنا مش بطلب منك تصدقيني، بس بطلب منك تسمعيني. زحفت دُرة بظهرها للوراء، تشابكت ذراعاها أمام صدرها، وعيناها تحدق فيه بسخرية واضحة.

مستهزئة: أسمعك؟ ليه؟ عشان تقولي كلام كله كذب؟ إنت جبان يا طوفان.

ليست دموعها فقط هي ما تفتك بقلبه، بل كلماتها الهادرة لقلبه. لوهلة أغمض عينيه. وأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يحاول أن يلملم شتات روحه التي بعثرتها كلماتها. كأن وقعها عليه أشد من طعنات خنجر مسمم مغروس في صدره، وكل حرف نطقته كان يضرب وريدًا نابضًا في قلبه. لحظة، تساءل إن كان الألم في صدره سببه كلماتها أم دموعها التي تنهمر كالسيل الجارف، تُعرّي وجعها أمامه بلا حجاب. ومع ذلك، لم يستطع النطق، فقط أغمض عينيه، يود أن يهرب من الحقيقة.

لوهلة انخفضت يده التي تحمل الهاتف، فتسلط الضوء على يدها. بنفس اللحظة فتح عينيه على صوت شهقاتها المتقطعة. وبينما خفض يده التي تحمل الهاتف، تسلط الضوء على يدها، المغروسة في الرمل الأسود. في تلك اللحظة، عاد ببصره إليها، متأهبًا، حين بدأ السعال ينهش صدرها. لم يتردد، لم يهتم لاعتراضها أو رفضها، فقط اندفع نحوها، مدّ يديه وأطبق برفقٍ على عضديها، يجذبها للنهوض رغم مقاومتها، صوته جاء حاسمًا، متوسلاً:

دُرة، قومي معايا بلاش عناد. قاومته بكل ما أوتيت من ضعف، ما زالت تسعل بين شهقاتها، وصوتها المخنوق بالدموع خرج متحشرجًا بنهجان: إبعد عني مالكش دعوة بيا، سيبني أنا عاوزه أفضل هنا جنب قبر بابا، عاوزه أموت جنبهُ. لم يستسلم، تشبث بها أكثر، وحين أدرك عنادها، دس يده في جيبه، أخرج علبة الدواء، قربها من شفتيها المرتجفتين. لكنها أطبقت فمها بإصرار، رافضة الاستسلام، بينما نظر إليها برجاء، وكأن حياته كلها مُعلقة على تلك اللحظة.

ضاقت عيناه بألم مكتوم وهو يراها تعاند حتى آخر رمق، ترفض الدواء وكأنها ترفض الحياة ذاتها. زم شفتيه بقوة، يحاول كبح غضبه، لكنه لم يتمالك نفسه أكثر، فقبض على ذقنها برفق لكنه بحزم، محاولًا إجبارها على فتح فمها قائلاً بضغط منه: دُرة ما تعانديش أكتر. لكنها أدارت وجهها بعناد، ودموعها تهطل بغزارة، تهز رأسها نفيًا وهي تهمس بيأس بين شهقاتها: سيبني… مافيش حاجة فاضلة ليا في الدنيا دي بعد بابا وحسام.

انتفض قلبه بوجع، شعر بتمزق روحها يتغلغل في صدره، أراد أن يصرخ، أن يهزها بقوة حتى تدرك أن الحياة لم تنتهِ، لكنه بدلاً من ذلك، تنهد بعمق، أرخى يده عن وجهها، لكنه لم يبتعد. بل مال نحوها، حتى صار وجهه قريبًا جدًا منها، عينيه الغارقة بالحزن تلتقي بعينيها الممتلئتين بالدموع. تفوه بحسم: وإنتِ فاكرة إنك لو موتي هتلاقي عمي مختار او حسام في انتظارك؟ فكري يا دُرة باباكِ كان هيكون مبسوط وهو شايفك ضعيفة كده...

عمره ما كان هيرضى يشوفك بتموتي بالحسرة، ولا أنا كمان. ارتجفت شفتاها، ترددت للحظة، كأن كلماته بدأت تتسلل عبر جدار حزنها الصلب، لكن الألم ما زال يسكن ملامحها. رأى ذلك، ولم ينتظر منها ردًا. بهدوء، رفع يده مجددًا، مسح بابهامه دموعها المتساقطة على وجنتيها، ثم قرب العلبة من فمها من جديد، هذه المرة بصبرٍ ممزوج برجاء: أرجوكِ، دُرة… افتحي شفايفك، خدي الدوا.

ترددت. أغمضت عينيها للحظة، ثم، أخيرًا، استسلمت تحت وطأة الإلحاح الممتزج بالرجاء في صوته. وفتحت شفتيها تستقبل ذلك الرذاذ.

ظل يراقبها بقلق وهي تعود تستنشق الهواء، وهدأ سعالها قليلاً. زفر براحة خفيفة، لكن قلقه لم يتبدد تمامًا. ما زالت عيناها غارقتين في ظلام اليأس، ما زال جسدها يرتجف رغم حرارة الليل الخانقة. لم يحتمل رؤيتها بهذا الضعف، فحسم قراره دون تردد. بهدوء حزم الأمر. أحاط كتفيها بذراعيه وسحبها إليه، حتى وقفت بلا وعي ضمها لصدره بقوة، وكأنه يحاول أن ينقل إليها بعضًا من قوته. قاومته للحظة، كأنها لا تزال عالقة في براثن الألم، ثم استسلمت، سمحت لجسدها الواهن أن يستند إليه، لدموعها أن تنهمر بلا مقاومة. برفق،

يهمس في أذنها بصوت خفيض: مش هسيبك أبدا، فاهمة. تشنجت أصابعها فوق قميصه، وكأنها تتشبث به خشية أن تقع، ثم همست بصوت مبحوح كأنها بلا وعي: ما تسبنيش، مالكش حق تسبني زيهم. توقف قلبه للحظة على وقع كلماتها، شعر بجرحها عاريًا أمامه، بلا أقنعة، بلا كبرياء. شدد من احتضانها، ثم أجابها بصوت ثابت، لا يقبل الشك: عمري ما هسيبك، دُرة… عمري ما هسمحلك تضيعي مني تاني.

سارت تشعر كأنها بلا وعي، تشعر بهوةٍ تسحبها نحو الظلام. لم تقاوم كثيرًا، سرعان ما ارتخى جسدها. لاحظ طوفان ذلك على الفور، فلم يتردد في حملها بين يديه والخروج بها من ذلك المكان المظلم. توجه سريعًا نحو سيارته، وأسند جسدها بينه وبين هيكل السيارة حتى فتح الباب. وضعها بعناية داخل السيارة، ثم اقترب بكفه من أنفها، متحسسًا انتظام أنفاسها، شعر بالراحة عندما تأكد أن أنفاسها شبه منتظمة، ما زالت ضعيفة. ألقى نظرة سريعة على ملامحها الشاحبة تحت ضوء المصابيح الخافت، ثم زفر بضيق وأغلق الباب بلطف. استدار نحو المقود شغل المحرك، مال بجذعه نحوها وضع يديه حول وجهها يحاول إفقادها. بالفعل حاولت فتح عينيها بغشاوة هامسة بإرهاق

كأنها تقاوم ذلك النعاس: مش عاوزه أنام. تنهد بارتياح ثم وانطلق بالسيارة مبتعدًا عن المكان. خلال الطريق، ظل يرمقها بطرف عينيه بين الحين والآخر. كانت مغمضة العينين، لكن وجهها لم يكن هادئًا تمامًا، وكأنها تحارب شيئًا داخلها. حين اقترب من منزل والدها، أخرج هاتفه ولم يتردد في الاتصال على الهاتف الأرضي. لقلق كريمان رفعت السماعة بيد مرتعشة وقلب يخفق بضراوة. ازداد القلق حين سمعت: أنا طوفان مهران. ابتلعت ريقها بصعوبة

وهي تسمعه يستطرد قوله: دُرة معايا قدامي دقيقة بالكتير وأبقى قدام البيت...

لم تنتظر بقية حديثه، بأقدام مرتعشة وقلب يخفق بشدة، ذهبت نحو باب المنزل. بنفس اللحظة كان طوفان يصف السيارة توجهت نحوهم سريعًا فتحت باب السيارة نظرت سريعًا داخلها، فوجدت دُرة جالسة في المقعد المجاور له شاحبة الوجه. وكأنها عادت من معركة صامتة لا يعلم أحد تفاصيلها. شهقت كريمان بخوف وهرعت نحو ابنتها، احتضنتها بقوة بينما راحت تتفحص وجهها بقلق، وكأنها تحاول التأكد من أنها سليمة. لاحظت ثيابها الملوثة بالرمل. هتفت برعشة قلب:

دُرة مالها، إيه جرالها... حصل لها إيه. وقف طوفان بجوار السيارة، يراقب المشهد بصمت، ثم قال بصوت خافت لكنه حازم: دُرة نايمة. حاولت كريمان جذبها من السيارة، لكن فشلت. تنحنح طوفان قائلاً بحياء: فين باسل. أجابته: باسل نايم، ثواني هطلع أصحيه.

أومأ لها، ربما أراد أن يحملها هو لكن لا يصح ذلك فبأي صفة يفعل ذلك، حقًا فعله سابقًا لكن كان مضطرًا. لحظات وعادت كريمان ومعها باسل الذي هرع بقلق نحو السيارة، نظر نحو دُرة بألم، ثم لم ينتظر وحملها من السيارة توجه بها إلى الداخل، بينما نظرت كريمان لـ طوفان التي عيناه تتابع دُرة سائلة باستفسار: هي كانت فين، وإزاي اتقابلتوا وهدومها... جاوبها سريعًا: كانت في المقابر.

تلك الكلمات الموجزة كفيلة بالرد على كل الأسئلة. شعرت كاريمان بالأسى. ثم رفعت عينيها إليه، امتلأت نظرتها بمزيج من الامتنان والرهبة. لم تعرف كيف تجيبه، فقط هزت رأسها بتفهم ثم تفوهت بالشكر: شكرًا يا طوفان.

أومأ لها برأسه ثم توجه نحو سيارته غادر بشعور قاسٍ يعتريه، وكأن يشعر بفيضان يسيل بين دمائه. بينما ظلت كريمان تتابعه بنظرات قلقة حتى اختفى في الظلام، ثم التفتت إلى الداخل، ذهبت نحو غرفة درة باسل قد وضع دُرة على الفراش وغطاها بدثار خفيف.

وقفت عند الباب للحظة، تتأمل المشهد، تتساءل في صمت عما جرى. كانت دُرة شاحبة، وملامحها هادئة كأنها مستسلمة لوهنٍ دفين، لكن أثر الدموع الجافة على خديها كان كافيًا ليحكي عن الألم الذي سبق هذه اللحظة. اقترب باسل منها، تمعن في وجهها بحنانٍ، قبل أن يهمس لكريمان: إيه اللي وصلها لـ طوفان هي كانت فين. أجابته كريمان: بعدين يا باسل لما تفوق تبقي تحكي ليا الأهم دلوقتي إنها تبقي بخير. تنهد باسل قائلاً باستيعاب:

دُرة محتاجة ترتاح... هتحتاج وقت عشان تستوعب اللي حصل في المحاكمة. أومأت كريمان بصمت، ثم تنهدت، وعقلها يعجّ بالأسئلة التي لم تجد لها إجابة. لكن الأهم الآن أن دُرة بأمان. *** بمنزل طوفان

خلع ثيابهُ ثم اندفع تحت المياه الباردة، عله يطفئ بالمياه نيران الشعور الذي يشتعل بداخله. تدفقت القطرات على جسده، لكن حتى تلك البرودة لم تكن كافية لوأد ما يشعر به في صدره. أغمض عينيه، تاركًا الماء ينهمر فوقه كأنه يحاول غسل روحه قبل جسده. توترت عضلاته تحت وطأة البرد، لكن الألم الدافئ في صدره ظل عصيًا على الذوبان. زفر أنفاسه الثقيلة، مختلطًا بين الحنين والوجع، وبينما تساقطت القطرات على وجهه، لم يكن واثقًا إن كان ما يشعر به ماءً أم شيئًا آخر أشد مرارة.

*** بعد مرور أكثر ثلاث أسابيع ابتسم وهو ينهض من خلف مكتبه، يمد يده مصافحًا بحرارة، قائلاً بترحيب: المنيا نورت يا شاهر. ضحك شاهر بمجاملة خفيفة، مردفًا: المنيا منورة بأهلها.. إيه بقالك حوالي شهر منزلتش القاهرة، الآية اتعكست ولا إيه، كنت معظم وقتك هناك، ولا خلاص اللي كانت السبب بقت هنا جنبك. جلس على أحد المقاعد في الغرفة، وأسند ظهره إليه، ثم زفر بعمق كمن يحمل في صدره نارًا، قبل أن يرد بلوعة: للأسف...

رغم إنها زي ما بتقول جنبي، لكنها بعيدة جدًا. نظر إليه شاهر مليًا، يتأمل ملامحه التي طغى عليها الإرهاق، ثم قال بنبرة مزاح خفيف امتزج بفضول حقيقي: برضوا لسه معاندة، راحت فين الهيبة... يا عم أنا فاكر كان نص بنات الجامعة يتمنوا بس بسمة من ولد عيلة "مهران". مرر يده على وجهه كأنه يزيح أفكارًا أثقل من أن تُقال، ثم تنهد مجددًا قائلاً: الموضوع مش بالبساطة اللي أنت متخيلها.. وكمان الحكم على وليد زود الفجوة.

تأمل شاهر صديقه للحظات بآسف قبل أن يميل للأمام، مستندًا بمرفقيه على ركبتيه، ثم قال بجدية: طيب، أنت هتفضل ساكت. ابتسم بسخرية مرة وهو يهز رأسه ببطء: للأسف بحاول، بس بلاقي صد... مفيش في إيدي حاجة أعملها غير إني أفضل أحاول لحد إمتى معرفش. ارتفع حاجب شاهر بدهشة قبل أن يقول: طب والإستئناف، المدة خلاص قربت تنتهي، حتى لو دُرة مقدمتش إستئناف، مش المفروض النيابة تقدم إستئناف عال حكم...

ليه النيابة ساكتة لغاية دلوقتي، تفتكر منتظرة تقدمه في آخر الوقت. أشعل سيجارة ونفث دخانها وأجابه: معتقدش النيابة هتقدم إستئناف. بدهشة سأله شاهر: طب ليه؟ أجابه بتفسير:

إنت عارف إن أخو مرات خالي عضو مجلس شعب وأكيد مرات خالي اتمحلست له وتلاقيها دخلت له من ناحية المصلحة، إن وليد لما القضية تتقفل طبعًا مش هيمسه أي سوء من ناحيتها إن ابن أخته قاتل، هيزعزع هيبته، طبعًا قفل القضية من مصلحته وممكن يكون استخدم نفوذه في وقف القضية. تفهم شاهر ذلك لكن عاود سؤال طوفان قائلاً: عندك حق وفيه حاجة كمان إنت ممكن تكون السبب فيها بشكل غير مباشر. باستفسار نظر له طوفان سائلاً: إيه الحااجة دي؟ أجابه شاهر:

ممكن يكون عاملين زي مجاملات وإستثناءات بسببك منصبك السابق إنك كنت زميل لهم ناسي إنك كنت "وكيل نيابة". نفث طوفان دخان السيجارة، ثم تفوه بآسف: للأسف وكيل نيابة سابق، لو كنت لسه في منصبي كنت قدمت الإستئناف من تاني يوم صدر فيه الحكم كده يبقى الإعتماد على إستئناف صاحب الحق اللي هما أهل اللي اتقتلوا. تنهد طوفان بآسف قائلاً:

واللي منهم دُرة طبعًا، وأنا مش عارف في دماغها إيه، بس عندي يقين إنها مش هتقدم إستئناف، لأنها شافت عدالة القانون ومش هتغامر تاني وتلجأ للقانون. "والحل؟ " هكذا تساءل شاهر، أجابه طوفان بالصمت للحظات ثم تحدث بزفر:

للأسف مش عارف، خايف من رد فعل طايش من دُرة، أو من حاتم أخو حسام، إنت مشفتهوش في المحكمة حاول يقتل وليد، بصراحة يستحق، لو بإيدي كنت حكمت عليه بالإعدام من أول جلسة، بس للأسف زي ما قولنا قبل كده المحكمة لها الأدلة والبراهين وشهادة الشهود، وخلاص وليد هيخرج من الأحداث، والقضية انتهت قانونيًا، خايف من ردود الأفعال الجاية. تنهد شاهر بآسف قائلاً:

أكيد خوفك الكبير على دُرة لا تتهور، وعشان كده إنت قاعد هنا عشان تبقي قريب منها، بس هتفضل كده لحد إمتي. أشعل سيجارة ونفث دخانها ينظر له بحيرة قائلاً: معرفش الحل الوحيد إن أنا ودُرة نتجوز، وقتها هعرف أسيطر على ردود أفعالها. نظر له شاهر قائلاً: فيه حاجة إنت مش واخد بالك منها... نظر له طوفان باستفسار، فاستطرد شاهر بتوضيح: وليد...

ابن خالك، وأكيد دُرة مش هتقدر تتقبل بس تشوفه في مكان هي موجودة فيه، وجوده هيفكرها دايماً بمقتل والدها وحسام. نفث دخان السيجارة بآسف قائلاً: سهل أمنع وليد من دخول أي مكان يخصني. تنهد شاهر بآسف قائلاً: الحكاية محتاجة معجزة. تنهد طوفان قائلاً: لاء محتاجة صبر أكتر. *** بمنزل درة ابتسمت لتلك التي تفتح لها يديها تقول بعتاب: حفيدتي الكبيرة اللي بقالها أكتر من شهر مسألتش عني، جيت مخصوص عشان أشوفك وحشتيني قد الدنيا كلها.

ضمتها دُرة قائلة: تيتا كوثر وحشتيني والله. ضمتها "كوثر" بعتاب قائلة: بجد، لو صحيح كنتِ حتى سألتي بالموبايل، لكن إنت من يوم ما رجعتي لهنا نسيتني عالآخر. ابتسمت دُرة قائلة بآسف: مشاغل يا تيتا حقك عليا. ضمتها كوثر بحنان قائلة: تعالي نقعد أنا ست كبيرة ورجليا شايلني بالعافية. ابتسمت دُرة قائلة: ربنا يديكِ الصحة يا تيتا وتجوزي أحفادك كلهم كمان خالي مجاش معاكِ ليه. أجابتها: عنده شغل كتير، وبيتحجج زيك كده. تبسمت دُرة قائلة:

والله أنا عندي شغل كتير فعلًا، لدرجة إني مرهقة ومحتاجة آخد شاور وأمدد جسمي عالسرير وأنام مش أقل من اتناشر ساعة. ابتسمت لها بحنان قائلة: كُل ده إجهاد وكسل، يلا إطلعي خدي شاور وأنا باقية هنا كام يوم. قبلت دُرة وجنتها قائلة: المنيا نورت بيكِ يا تيتا. غادرت دُرة، بينما جلست كاريمان بجوار والدتها، تتنهد بأسى، وكوثر تشاركها الشعور ذاته ثم تفوهت كاريمان بغصة:

لما كنتِ بتكلميني في التليفون وتقوليلي إن دُرة اتغيرت، كنت بقول إنها مسألة وقت… لكن مع مرور الوقت، دُرة بعدت أكتر، بقيت تحس إنها مش هي… كأنها شخص تاني، غريبة عننا، عن نفسها حتى... مش عارفة إيه اللي جواها، واضح إن اللي كانت بتحاول تخفي ألم أكبر من اللي كنا متخيلينه… كأنها بقت جدار، مفيش طريق نوصل بيه ليها، كل ما بحاول أقرب، بحسها بتبعد وبتميل للعزلة، تبتسم قدامنا لكن عينيها… عينيها فاضية. توقفت

للحظات ثم استطردت حديثها: دُرة اللي كانت بتخاف تمشي من قدام شارع المقابر، تروح المقابر آخر الليل في عز الضلمة. سادت لحظة صمت ثقيلة، قبل أن تتنهد كوثر قائلة بصوت خافت: أنا خايفة عليها، خايفة تكون الحسرة اتوغلت من قلبها، هحاول أقنعها تجي معايا القاهرة تاني، وجودها هنا بيهلك نفسيتها. *** بعد مرور يومين بمنزل عزمي مهران الفرحة اليوم إثنان. الأولى نجاح الولد الصغير بالثانوية العامة...

والثانية والأهم، خروج وليد من السجن. تهليلات وزغاريد تملأ الأجواء، صيحات فرح تمتزج بالضحكات، الأحضان تتوالى، والجيران والأهالي يتوافدون لتقديم التهاني.

أمام المنزل سامية تشعر بسعادة بالغة لا تصدق أن ابنها عاد أخيرًا، تضمه بقوة وكأنها تخشى أن يضيع منها مرة أخرى. عزمي ينظر إليه بعينين يغمرهما الفخر المزيف. بينما ريان بطل الثانوية العامة، يقف متحمسًا وسط هذا المشهد، يلمع في عينيه المستقبل الواعد للتحرر، لكنه أدرك أن هذه الليلة تخص وليد أكثر منه. ابتسامة عريضة ترتسم على وجهه وهو يرى أخاه الكبير بين أحضان والدتهما.

الشارع الرئيسي للبلدة يهتز بالزغاريد، وبعض النساء يوزعون الحلوى، وأخريات يطلقن الزغاريد، ورائحة المال تتصاعد وهي تنثر في الهواء احتفالاً بعودة الكبير الغائب ونجاح الصغير.

بنفس الوقت كان يمر حاتم بسيارته ورأى ذلك شعر بسفح في قلبه، وهو يرى القاتل يستقبل بالتهليلات، دون عقاب. وضع يده فوق خصره وكاد يجذب سلاحه وينهي ذلك الاحتفال بقتل ذلك المجرم. لكن تردد لوهلة، وأدرك أن تصرفًا متهورًا كهذا لن يحقق العدالة التي يسعى إليها، بل سيحوله إلى مطارد مثل القاتل نفسه. قبض على مقبض سلاحه بقوة، متحسسًا برودته تحت أنامله، ثم زفر ببطء محاولًا كبح جماح غضبه. مقتنعًا... لا، ليس الآن… ليس بهذه الطريقة.

راقب الحشود التي تهتف بحماس، واحتدم الغضب في صدره أكثر كيف يمكن للقاتل أن يسير بينهم مرفوع الرأس. كيف ينسى الدم الذي أهدره. شدّ قبضته ثم حررها، واتخذ قرارًا. لا بد أن يجد طريقة أخرى، أذكى، ليحقق العدالة التي يستحقها هذا القاتل.

بينما طوفان حين وصل إليه ما فعله خاله وزوجته، أدرك أنهم لا يفعلون ذلك رياءً فحسب، بل ربما كان ردًا على شماتة الآخرين بهم. كانوا يبتسمون أمام الناس، يتظاهرون بالقوة، لكنه رأى ما وراء تلك الأقنعة. خلف بريق أعينهم المتصنع، إحساس سابق بالهزيمة يحاولون إخفاءه وراء ستار الكبرياء والتصنع. لكن لماذا الآن...

لماذا اختاروا هذه الطريقة تحديدًا. علم أنها مجرد محاولة لاستعادة كرامة فقدوها. شعر بغضب عارم من ذلك، لديه يقين أنهم يفعلون ذلك لإثارة ليس فقط غضب تلك العائلتين، بل غضبه هو الآخر من ذلك التحدي الواضح. يتبعون أساليب سطحية، استعراض لا يعكس إلا دمارًا قادم. يعلم أنهم اختاروا هذه الطريقة بالتحديد لأنها الطريقة الوحيدة التي يظنون أنها ستكسبهم شيئًا من احترامٍ زائف، أو على الأقل، تمكنهم من التظاهر بأنهم ما زالوا في موقع القوة. وكلما فكر في ذلك، ازداد شعوره بالاحتقار لهم، وعز عليه أنهم لا يستطيعون إدراك حقيقة أنفسهم، بل يسعون خلف صورة مشوهة.

ترجل سريعًا من السيارة، حاسمًا الأمر سيُنهي تلك السخافة، لكن لسوء الحظ بنفس الوقت أيضًا توقفت سيارة أخرى وفُتح بابها وترجلت منها دُرة قطعت ذلك الزحام حتى وصلت إلى مكان وقوف وليد وبلحظة أشهرت السلاح نحوه وصمتت التهاليل وارتفع صوت الرصاص.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...