الفصل 17 | من 48 فصل

رواية طوفان الدرة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
19
كلمة
3,993
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

مساءً بمنزل طوفان. استقبلت وجدان كريمان وباسل بترحيب. بنفس الوقت كانت تدلف درة إلى المنزل. نظرت لها كريمان بتمعن، سرعان ما زفرت نفسها بضيق من ملامح وجه درة الظاهر عليها الإجهاد بوضوح. هي فعلًا تشعر بالإرهاق، لكن تبسمت لوالدتها قائلة بترحيب وهي تضمها: "أزيك يا ماما وحشتيني، من يوم ما رجعت للمنيا مشوفتكيش. اتبسطت لما اتصلتي عليا الضهر وقولتي هتيجي إنتِ وباسل تزروني."

ضمتها كريمان بأمومة ونظرت لوجهها مرة أخرى، شعرت بوخز في قلبها وتفوّهت بأسف: "ما إنتِ من يوم ما رجعتي من القاهرة زي ما يكون الشغل في المستشفى كله فوق دماغك، مش عارفة تاخدي ساعة تفوتي علينا. واضح على ملامح وشك الإجهاد." تنهدت درة بإجهاد قائلة: "فعلًا... شغل المستشفى كتير، غير كمان بدور على مكان مناسب أعمل مركز بصريات." نظرت لها كريمان بنزق وتهكّمت قائلة: "كمان؟ إنتِ لسه ملقتيش المكان اللي بتدوري عليه."

فهمت درة طريقة تلميح كريمان المُتهكّم. نظرت لها وتنهدت قائلة: "لسه ملقيتش المكان المناسب، ادعيلي." نظرت لها كريمان بحُنق، بينما حاول باسل إخفاء بسمته من نظراتهن لبعض التي تشبه نظرات الديوك. دائمًا كانا هكذا بينهن عدم توافق، بالأخص من كريمان كثيرًا ما تتضايق من أفعال درة المُتسرعة التي لا تحسب لها رد فعل لاحق. تدخل وهو يقترب من درة، وضع يده على كتفها قائلًا:

"ليا صديق والده سمسار عقارات، هكلمه. قوليلي إيه مواصفات المكان." نظرت له كريمان بتحذير فتبسم. كذالك وجدان تدخلت في الحديث بذوق: "كفاية عليكِ شغل المستشفى. بكره هتنشغلي ليه تضغطي على نفسك بزيادة. أنا متابعة مع دكتور عيون يبقى مدير مستشفى الرمد، لما أروح المتابعة الجاية هكلمه يخف عنك الشغل. كده كتير، إنتِ بتجهدي نفسك جامد." نظرت درة نحو كريمان نظرة لوم، فحديثها هو السبب بتدخل وجدان. لكن لم تهتم كريمان بنظرتها

وتبسمت لوجدان قائلة: "والله ياريت تكلميه يا حاجة وجدان، درة أساسًا ملهاش الإجهاد." نظرت لها درة بغضب قائلة: "وليه ماليش الإجهاد؟ قاطعتها كريمان بتذكير: "ناسية مشكلة صدرك دي لوحدها كفيلة إنك تخافي على صحتك." تنهدت درة بغيظ، بينما تبسمت وجدان قائلة: "هنتكلم كده وإحنا واقفين؟ إنتوا مش أغراب."

تبسمت كريمان لها بمحبة. دلفوا إلى إحدى الغرف، تجاذبن كل من وجدان وكريمان الحديث بود بينهن. بينما درة وباسل تحدثن عن بعض المواضيع الخاصة بهما. إلى أن دخلت إحدى الخادمات، وقفت خلف وجدان وانحنت عليها تهمس لها بشيء. تبسمت قائلة: "خليها تجي هنا... مفيش حد غريب." غادرت الخادمة، بينما تبسمت وجدان قائلة: "دي سجى بنت أختي." لوهلة خفق قلب باسل. بينما بعد لحظات دلفت سجى بإبتسامة. سرعان ما شعرت بالخجل. تبسمت

لها وجدان قائلة بمحبة: "تعالي يا سجى محدش غريب، دي مامت درة وأخوها." شعرت بحياء وذهبت نحو وجدان، عانقتها ثم جلسن الإثنين. رحبت بها وجدان قائلة: "دي سجى بت أختي كوثر، ومعزتها من معزة جود بتي." رحبت بها درة قائلة: "اتعرفنا على بعض قبل كده." أومأت سجى بإبتسامة رقيقة. كذالك تبسمت لها كريمان. بينما ظل باسل صامتًا. لكن سرعان ما اندمجت جود وسجى بالحديث، وشاركهن وجدان وكريمان التي نظرت لها بتقدير بعدما تحدثت وجدان بتفاخر:

"سجى هتدخل كلية الطب." تبسمت كريمان قائلة: "الف مبروك. ويا ترى بقى حاطة تخصص معين في دماغك؟ أجابتها سجى برقة: "لحد دلوقتي لاء، بس في دماغي أتخصص طب أطفال، أنا بحب الأطفال."

وضعت وجدان يدها على كتف سجى بدعم وابتلعت غصة قوية في قلبها. كم تشبهها سجى ليس فقط بالملامح بل الطموحات. تمنت أن تستكمل تعليمها، لكن والدها كان نسخة أولى من "نوح" ولم يدعها تستكمل دراستها بعد الثانوية، بل تسرع وزوجها لنوح التي ظنت أنه قد يكون طوق نجاة، لكن كان أسوأ من والدها. انتهت بل تحطمت أحلامها في جدار الصمت غصبًا. لكن سجى أوفر حظًا وستتحقق آمالها.

إبتسمت سجى وظل حديث دائر بين الثلاث وباسل، رغم شعوره بالحرج وهو الرجل الوحيد الجالس معهن، بل العضو الصامت. لكن كان يختلس النظر إلى تلك العفوية الرقيقة. حتى نهضت كريمان قائلة: "والله القاعدة معاكِ يا حجة وجدان ما يتشبع منها. سمعت كتير عنك، بس بصراحة لما اتكلمنا مع بعض، السمع حاجة والكلام حاجة تانية. عرفت طوفان عنده طول بال وصبر، أكيد ورثهم منك." نهضت وجدان بذوق قائلة:

"وأنا كمان بنبسط لما بجعد أتحدت وياكِ ست عاقلة ورزينة." تبسمت كريمان وهي تنظر نحو تلك الجالسة بمغزى. فهمت تلميحها أنها تمدح بطوفان. بداخلها تهكّمت ونهضت هي الأخرى. كذالك سجى التي قالت: "أنا هنا من زمان وبابا زمانه رجع البيت." ابتسمت لها وجدان قائلة: "سلمي لي على أخواتك وكمان كوثر وكمان زيدان." ابتسمت سجى وهي تومئ برأسها. ذهبت درة مع والدتها وأخيها، كذالك وجدان ومعها سجى. التي تبسمت لها كريمان قائلة:

"تعالي معانا يا سجى نوصلك بالعربية." رفضت سجى بذوق، لكن أصرت عليها كريمان كذالك وجدان، فوافقت بسبب شعورها بالحرج. صعدت إلى المقعد الخلفي للسيارة. ظل حديث دائر بينها وبين كريمان، تتحدث عن دراستها للتمريض وبعض المعلومات البسيطة وأنها ما زالت تتابع قراءة كتب الطب والتمريض. كذالك باسل ظل صامتًا أيضًا يشعر بالحرج. حتى وصلا أمام منزل والد سجى. ترجلت من السيارة وقامت بشكر كريمان التي تبسمت لها قائلة:

"معاكِ رقم موبايلي، خلاص بقينا أصحاب." إبتسمت لها بحياء. حتى أنها لم تنتبه لتلك التي صدفة سيئة جعلتها تخرج إلى شرفة المنزل وترا ذلك الموقف الذي رسخ بعقلها، فهم السوء. أغلقت شرفة المنزل بغضب وذهبت نحو الشرفة تنتظر حتى دخلت سجى إلى المنزل. سُـرعان ما شهقت بألم وهي تشعر بإنتزاع خصلات شعرها مع ذلك الحجاب الذي كان حول رأسها. قبل أن تستفهم كان سباب وصفعات كوثر لها تسألها بعنف: "مين اللي إنتِ نازلة من عربيته ده؟

بنفس الوقت جاء زيدان وأختيها على صوت شهقتها كذالك صوت كوثر العالي. سلت سجى زيدان من بين يديها وضمها ينظر إلى كوثر بغضب. وقبل أن يستفهم عن السبب كادت كوثر أن تجذبها كي تكمل صفعها لحد دفعها زيدان قائلًا بغضب: "إنتِ اتجننتي في عقلك." بغضب ولهث قالت كوثر: "لاء لسه متجننتش وعندي عقل، شوف بتك نازلة من عربية مين دلوق." نظر زيدان لسجى التي تبكي، فبررت ذلك:

"والله يا بابا أنا كنت عند خالتي وجدان وكان هناك الست والدة درة وأخوها، وكنت هاجي مشي بس حرجوني والله حتى ما بصيت له كل حدبثي كان مع الست كريمان ولو مش خالتي حرجتني مكنتش ركبت معاهم." نظر زيدان إلى كوثر قائلًا: "كان لازمن تسمعي مبررها قبل ما تتهجمي عليها، والست كريمان وابنها ناس محترمة." تهكّمت كوثر بسخط واستهزاء قائلة: "مين اللي محترمة؟

المصراوية اللي رمت شباكها على راجل وخطفته، ولا بنتها اللي محزنتش لا على أبوها ولا خطيبها وقبل ما تلف سنة كانت رامية شباكها على طوفان وزي ما تكون سحرت له، ضربته بالرصاص وكان هيموت بسببها وبرضك في الآخر أصر يتجوزها. إياك بعد كده بس تتحدتي عنهم جدامي." نظر زيدان لـ كوثر بآسف وهو يضم سجى، التي ترتجف وتبكي بين يديه. طبطب عليها قائلًا: "خدي أخواتك وادخلي أوضتكم يا سجى."

ذهبت نحو أختيها اللتان حاوطنها بحب ودخلن إلى غرفتهن. بينما نظر زيدان نحو كوثر قائلًا: "إنت ربنا إدالك نعم كتير بس إنتِ بضيعيها بجبروتك وجسوة جلبك. خايف يجي يوم وتندمي لما تلاقي نفسك وحيدة." قال ذلك ولم ينتظر، خرج من الدار. بينما شوحت كوثر بيدها بلا مبالاة، غير أنها ما زالت تشعر بغضب ليته تركها. نفثت عن ذاك. *** بعد منتصف الليل تقريبًا.

دلف طوفان إلى غرفته. نظر نحو الفراش كما توقع، درة غافية. تنهد ببسمة وذهب نحو الحمام، أخذ حمامًا باردًا يزيل عن جسده بعض تشنجات الإرهاق. خرج بعد دقائق، توجه نحو الفراش تمدد عليه. نظر نحو درة يتأملها وهي غافية. سرح ببعض ذكريات الماضي، لكن قبل أن تتوغل منه انتبه من شروده على صوت همس درة. نظر نحوها وابتسم حين أكدت همسها بنطقها لاسمه مرة أخرى بنبرة نعاس: "طوفان."

اعتدل على جانبه ينظر لها لحظات قبل أن يقترب منها وكاد يضمها. لكن هي استدارت تعطيـه ظهرها، تتنهد بتمثيل الضيق قائلة: "إبعد عني ريحتك سجاير فاقعة." ضحك وهو يتعمد ضمها بين يديه، يضع قبلة على جانب عنقها. تضايقت، حاولت الابتعاد عنه فشلت من قوة ضمه لها، فتأففت قائلة بتذمر: "من فضلك إبعد عني. شوف كنت سهران فين لحد دلوقتي وروح كمل سهرتك." ضحك وهو يضع قبلة أخرى هامسًا بخبث: "وإنتِ إيه مسهرك لحد دلوقتي؟ تنهدت قائلة:

"مين قالك إني كنت سهرانـة. أنا كنت نايمة بس ريحة السجاير الهابة منك صحتني، أو بمعنى أصح خنقتني، فإبعد عني وسيبني أكمل نوم." ضحك قائلًا: "بس أنا واخد شاور وكمان غسلت سناني يعني ريحة السجاير اللي بتتكلمي عنها مش موجودة غير عندك. واضح حاسة الشم عندك الفترة دي قوية ومش مظبوطة. كمان إيه حكاية النوم الكتير معاكِ، لا تكوني... فتحت عينيها باتساع وهبت جالسة تنظر له بدهشة وارتباك. قطعت عليه بقية حديثه قبل أن يكمل: "لا....

لا طبعًا… مستحيل." ضحك بصوت عالي وهو يمد إحدى يديه يلمس إحدى وجنتيها محاولًا استفزازها قائلًا: "طريقتك في النوم طول الوقت، وحساسية الشم الزايدة عندك.... ما تطمنيش خالص." رمقته بنظرة حادة وهي تقول بنبرة متحفزة: "لأ بلاش تفكر في شيء مش موجود، ويعني بدل ما تعتذر عن ريحة السجاير اللي خنقتني، تخمن إني حامل." ضحك أكثر وهو يقترب منها مرة أخرى بخباثة قائلًا بمراوغة: "أنا مقلتش إنك حامل، إنتِ اللي خمنتي."

زفرت نفسها بغضب وهي تنظر له بحدة قائلة بقطع ونفي: "لأ أنا متأكدة إني مش حامل... راوغها بإبتسامة غامزًا بوقاحة قائلًا بمقاطعة: "وإيه اللي أكدلك كده؟ إحنا من ليلة جوازنا وإحنا مع بعض كل ليلة... تجهمت ملامح وجهها، وانعقد حاجباها بغضب. نظرت له بحدة والغيظ يتصاعد في صدرها من غمزه الماكر وكلماته المبطنة بالوقاحة. وكزته بكتفه بقوة، ثم عن قصد غيرت دفة الحديث بينهما قائلة:

"بلاش دماغك تروح لحاجة مستحيلة. بعدين في موضوع تاني أهم عاوزة أتكلم معاك فيه لأنه طول أوي ولازم ينتهي." نظر لها بثبات. يعلم طبعها جيدًا ويفهم متى تود الهروب من موقف لا يناسبها. هي لا تهرب خوفًا، بل ضيقًا. ابتسم ابتسامة خفيفة سائلًا بطواعية: "وإيه هو الموضوع ده بقى؟ أجابته بإختصار وتوضيح: "الأرض... أرض بابا... رفع حاجبيه بمكر وتفكير قائلًا بمراوغة: "مالها أرض باباكِ؟ مش باسل هو المسؤول عنها." زفرت نفسها بغضب،

نظرت له بضيق قائلة: "بطل مراوغة، إنت فاهم قصدي كويس أوي إني أقصد الأرض اللي إنت اشتريتها من بابا." بمكر مثل بتذكر قائلًا: "آه افتكرت تقصدي الأرض اللي باسل بيراعاها، مالها بقى الأرض دي." وكزته بكتفه بغضب قائلة: "بطل استعباط، أنا عاوزة أرض بابا اللي إنت اشتريتها منه ترجع تاني لينا." تبسم بمكر وهو يمسد على أنفها قائلًا بخبث: "ومعاكِ تدفعي تمن الأرض دي منين؟ أعتقد شقة القاهرة لغاية دلوقتي متابعتش." تضايقت

بشدة وهي تنظر له بتذكير: "إنت قبل كده ساومتني ترجع لي الأرض مقابل إني أتجوزك، واهو خلاص اتجوزنا. كمان قولت إنها هتبقى المهر بتاعي، وأنا عاوزاها تتسجل باسمي." ضحك بصخب قائلًا: "سبق وقولتلك مش كل العروض بتبقى متاحة طول الوقت والعرض إنتِ رفضتيه وقتها، وكمان بخصوص المهر، مكتوب في قسيمة الجواز اتنين مليون دولار، يعني أضعاف تمن الأرض." نظرت له بغضب سحيق سائلة بإستفهام: "قصدك إيه؟

وبعدين أساسًا أنا مشوفتش الاتنين مليون دولار دول." ضحك ببرود قائلًا: "سبق وقولتلك هيبقوا موجودين في حسابك بمجرد ما جوازنا هيتم، وده اللي حصل فعلًا. تم تحويل المبلغ في حسابك في البنك، يمكن اتأخروا في إرسال رسالة بإيداع المبلغ، لكن تقدري تتأكدي من رصيدك في البنك." صمتت لحظات تشعر بغيظ، لكن فكرت بمكر: "خلاص طالما كده، هحولك تمن الأرض وتسجلها باسمي." ضحك وهو يتثاءب قائلًا بمراوغة:

"أنا مش بفكر أبيع الأرض دي، لها مكانة خاصة عندي. وكمان أنا دلوقتي هلكان من الشغل وكل اللي بفكر فيه هو النوم... النوم وبس... لأ النوم وأخدك في حضني زي كل ليلة." شعرت بغضب جم ودفعته عنها ثم دفعت الوسادة بوجهه وكادت تنهض من على الفراش بغضب قائلة: "كداب معندكش كلمة، اتفضل خد المخدة في حضنك أنا هروح أنام عالكنبة ريحتك سجاير تخنق." قبل أن تنهض من على الفراش جذبها وقيدها بجسده ضاحكًا يقول:

"الكنبة عليها الجاكيت بتاعي وده ريحته سجاير فاقعة. أنا بقول تنامي هنا جنبي عالسرير بدل ما تتخنقي بجد." حاولت الخلاص منه لكن أحكم حصاره عليها جعلها توهمه بالاستسلام فخفض قوة يده. دفعته فابتعد عنها معتدلًا فوق الفراش وجذبها للنوم جواره غصبًا. بالفعل استسلمت رغم ضيقها. لاحظ طوفان سكونها فمزح وهو يضع يده على بطنها قائلًا: "متأكدة إنك مش حامل... أنا شاكك إنك... شعرت بغضب وقاطعته قائلة بإنزعاج: "مستحيل." ضحك بصخب قائلًا

بهمس: "إحنا في زمن المستحيل يا درتي... تصبحي على خير." تحدثت بغضب: "أكيد لو هبقى في الجنة هبقى بعيد عنك... لأنك كداب ومخادع بإمتياز." ضحك وهو يضع قبلة على جانب عنقها، ثم همس بحنان قائلًا: "بحب جنانك، أكيد عصبيتك دي هرمونات حمل." وكزته بكوعها في بطنه فضحك، قائلًا: "دايمًا بتخسري بسبب عصبيتك وتسرعك، واختيارك الوقت الغلط كمان. أنا دلوقتي مرهق مش بفكر غير في النوم وإنتِ في حضني."

استكانت بين يديه لكن بعقلها أمران. الأول أتكون حقًا حامل، وذلك بالتأكيد... مستحيل رغم أنها لم تتناول أي موانع لكن ليس بهذه السرعة. والثاني هو الأرض لن تتنازل ولابد من عودتها لأملاكها. *** بعد مرور أسبوعين. صباحً بمنزل حاتم. وضعت جود أمامه طعام الإفطار. نظر لها بتعالٍ قائلًا: "حاسبي توقعي الماية على إيدك مش ناقصين غضب طوفان بيه علينا ويسأل كل ساعة ولا شكه إننا مستعبدينك هنا."

ترغرغت الدموع بعين جود لكن حاولت كبتها بين أهدابها، لكن غصبًا سالت. وبالفعل ارتعتشت يدها وكادت تسكب الماية، لكن وضعت الابريق فوق الطاولة قائلة: "الكاتل أهو، لما تحب تشرب شاي اعمل لنفسك." نظر حاتم إلى ذلك الابريق ونهض قبل أن تغادر جود المطبخ بسرعة. جذبها من عضد يدها وبسبب الغضب لم يرا تلك الدموع التي سالت فوق وجهها، وتحدث بتهجم: "قصدك إيه؟ نفضت يده عنها بغضب وقوة قائلة بكبرياء:

"يعني أنا 'جود بنت نوح مهران' مش خدامة يا حاتم، وإن كنت مستحملة طريقتك دي فده عشان بس يوم ما أخد قرار صدقني مش هندم." نظر لها بغضب قائلًا: "قصدك إيه؟ فاجأته بسؤال جعله يصمت للحظات: "إنت طلبت تتجوزيني ليه يا حاتم." صمت للحظات من المفاجأة قبل أن يستهزأ وهو يجيبها بسخط: "والناس بتتجوز ليه يا... جود بنت نوح مهران." أجابته بما لم يفعله معها:

"الناس بتتجوز عشان المودة والرحمة وتكوين أسرة بينها حب وتفاهم. بلاش حب، على الأقل تفاهم مش ظنون ومعاملة جافة. ولا عندك رحمة، واللي عندك عقدة نقص من ناحية أخويا. كمان... نظر لها بإستهزاء سائلًا بحنق: "وإيه كمان؟ سكتِ ليه كملي."

نظرت له، بدأ الندم يتوغل إلى قلبها الذي رسم أوهام سعيدة وتفاجئ على حقيقة قاسية. لكن قبل أن ترد فجأة داهمها دوار وكادت تقع أرضًا. لولا مدت يدها نحو إطار الباب ظنًا أنها اتكأت عليه واستسلم عقلها للهروب من مواجهة حاتم وتخبره أنه بلا شخصية، فقط مسير مجرد تابع لأوامر والدته. لكن خانها جسدها، سقطت ممدة على الأرض فاقدة للوعي.

كان على شفا هفوة وقد يقوم بصفعها. لكن فقدانها للوعي جعلـه بلحظة يشعر برأفة غريبة عليه، وهو يراها بهذا المنظر ممدة على الأرض. سريعًا وبلا تفكير...

انحنى يحملها ثم ذهب إلى غرفة النوم وضعها على الفراش. وشعر بشيء غريب يخترق صدره، كأن أحدهم انتزع الغضب من داخله ووضع مكانه ذعرًا. جذب قنينة عطر خاصة بها، جلس بجانبها، وقام بسكب القليل على يده قربها من أنفها يهزها برفق وهو يهمس باسمها، يتأمل وجهها الشاحب وكأنه يراه للمرة الأولى. اختفت صلابته، وتلاشت نظرات التحدي من عينيه، ولم يبقَ سوى رجل خائف، عاجز، ينادي امرأة كان منذ لحظات فقط يفكر في إيذائها. نادى بصوت مرتجف:

"جود.... جود.. فوقي." لكنها لم تجب. نظر حوله مرتبكًا، كمن يُلقى فجأة في بحر دون طوق نجاة. لم يتخيل يومًا أن سقوطها سيهز كيانه بهذا الشكل. لم يكن أمامه سوى أن يحملها بذراعين مرتعشتين، ويمضي بها نحو المجهول. لكن هذه المرة، المجهول لم يكن بها، بل به هو. تقابل مع والدته التي نظرت نحوها هلعت، ليس رأفة بل خوفًا من أن يكون أصابها شيء ضار. تفوّهت بسؤال: "مالها... إيه جرالها عالصبح."

لم يجب وذهب نحو باب المنزل بثواني، وضع جود بالسيارة، وقطع الطريق نحو أقرب مشفى. بعد دقائق بإحدى الغرف... نظر نحو تلك الطبيبة التي نظرت نحوه بإزدراء قائلة: "واضح إنه انهيار عصبي، أنا حقنتها بمهدأ، والمهدأ ده مالوش أي آثار جانبية على حالتها الصحية، ولما تفوق لازم تبلغني، وبلاش ضغط على أعصابها لأن في خطر على صحتها وصحة الجنين اللي في بطنها." صُعق حاتم من قول الطبيبة وعاود السؤال بذهول: "جنين في بطنها! نظرت

له الطبيبة بإندهاش قائلة: "هي مش متزوجة؟ في دبلة في إيدها الشمال... أومأ حاتم لها قائلًا: "أيوه تبقى مراتي." أكدت الطبيبة قولها: "أيوا حامل، أو بالأصح في بدايات حمل، ممكن تستشير طبيب مختص يحدد مدة الحمل... كمان واضح على جسمها الضعف. الممرضة هتعلق لها دلوقتي محلول طبي مغذي... أي تطور في حالتها يكون عندي علم بيه."

غادرت الطبيبة، بينما دلفت إحدى الممرضات قامت بتعليق محلول طبي ثم غادرت. وظل حاتم وحده معها بالغرفة يشعر بذهول مصحوب بوخز في صدره كلما نظر لوجهها الشاحب. نائمة ملامحها منهكة لكن بها سكينة تحرك شيئًا داخله لم يعرف له اسمًا. جلس بجوارها، لأول مرة يشعر بذلك الشعور وهو... التشتت في التضاد بين مشاعره. *** بمنزل شبه متوسط.

رجل غليظ ينادي على زوجته بصوت جهور، لمجرد أنها تأخرت لحظات عن تلبية نداؤه. وابل من الشتائم والألفاظ القذرة تسمعها ولا تستطيع الرد. في ذلك الأثناء صدح طرق قوي على باب المنزل. بنفس الغلاظة نادي على زوجته كي تأتي وتفتح، لكن جاءت ابنته وذهبت نحو باب المنزل وفتحته. وقفت تنظر بذهول، لتسمع تلك الشتائم قبل أن تدلف إلى المنزل. تقف بتلك الردهة تنظر إلى ذلك الغليظ الذي ارتعتشت يده وسقط منها خرطوم الأرجيلة. وقف مذهولًا

يقول بتعلثم: "درة... نظرت له بإزدراء قائلة بتعالٍ وكبر: "دكتورة 'درة مختار غنيم' بنت البشمهندس 'مختار غنيم' اللي إنت والست على دمه بشهادتك الزور."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...