يصدح هاتف "عمر" ضجيج رناته. يقوم يمد يده بكسل يأخذه، ويجيب بدون أمل في الحياة. حتى أنه سمع صديقه في العمل يخبره: -عمر... هند سحبت فلوس من منطقة ".." في "... أخذ أنفاسه بعدما انقشع عنه الشعور بالهزيمة، وأصبح يشعر بالأمل من جديد. كان يتحرك يمينًا ويسارًا بكل طاقة ليستعد لرؤيتها. يا لها من مفاجأة سارة خلقت في نفسه البهجة، وتهلّلت أساريره واللمعت أعينه سرورًا. أنهى ارتداء ملابسه وترجل سريعًا على السلم.
كاد قلبه يقفز من بين أضلعه من فرط سعادته. -اتفضلي يا نيللي ادخلي في الموضوع على طول. قال "ريان" جملته بعدما عكست عينه الضيق الذي اعتراه من "نيللي". حينما وضعت يدها متمسكة بمعصمه بقوة راجية إياه أن يستمع لها. فقد كانت ترمقه داخل عيناه بنظرات حب وهيام كما بادلته إياها في الماضي. كم كانت تتمنى إعادة سريان الحب بداخله من جديد.
لكنها وجدت منه النفور والغضب حين سحب يده بقوة رافضًا ملمس كفيها الذي كان بمثابة نيران تحرقه اشتعالًا وغضبًا لم يستطع تحملها. كم تعجب، أليس هي نفس الكف الذي كان يعشق ملمسه ويقبله في كل لحظة وهي بجواره؟ فماذا حدث الآن؟ لما كل هذا الغضب والنيران؟ عندما رأت تغير ملامحه؛ زفرت أنفاسها بحزن وعينان تفيضان بحورًا من الندم. صمتت عندما لجم لسانها عن التفوه والتعبير عن مكنون ما بداخلها من الكلمات.
فقد شعرت بوخزة داخل قلبها آلمتها بشدة. وهي كانت على يقين تام أنها المتسببة في تلك العاصفة التي هبت رياح الغضب عليها. بل هي الجانية في حقه وتستحق ما عليه الآن. ازداد شعورها بالحزن والانكسار. فكانت دموعها تهطل بغزارة. أرادت التحرر بحرية، لعلها تستغيث مطالبة منه الرحمة والرأفة لحالتها. لكن مع نظراته الحادة جعلتها تشعر أن موتها محتوم في تلك اللحظة. فلا نجاة ولا مفر منه. فبعده عنها يعني الموت البطيء.
بلعت ريقها وحاولت إخراج صوتها المبحوح بهمس وترج: -ريان ارجوك اديني فرصة واحدة بس!! انكمشت ملامحه بغضب لإصرارها الخوض داخل حديث تم إغلاقه منذ زمن. رد بهدوء عكس ما يدور بداخله من حمم بركانية، وهو يلملم متعلقاته: -الواضح أن مافيش عندك كلام جديد تقوليه، بعد إذنك. كانت تظن أنها تتمكن من العودة للوراء. إلى حياة كثيرون كانوا يحسدونها عليها. ولكنها نسيت أنها من أجرمت وباعت حب سنوات مضت.
كانت تعتقد بأقل الكلمات إعادة الحب والسعادة. معتمدة على رصيد حبها بداخله. لكنها غفلت أن الرصيد مع الجرح والأيام قد ينفذ. ولم تدرك جرم ما فعلته، أنها بذلك حطمت قلب وعلمته الأسى والقسوة التي لم تذق منها قطرة من ذي قبل. نهضت سريعًا بحزن حقيقي. وقفت في مقابلته تمنعه من الرحيل بعيون دامعة: -للدرجة دي خلاص مش طايقني؟ أغمض عينه بقوة، وهو يزفر أنفاسه الملتهبة. رفعت يدها باستسلام لكي يهدأ ولو قليلاً قائلة:
-خلاص يا ريان هتكلم في الجديد... ممكن تقعد؟ ألقى كل متعلقاته على الطاولة بإهمال وقلة صبر. ثم وضع يده تحت ذقنه منتظرًا حديثها. فأبلغته على استحياء وبصوت هامس: -هحكيلك بس أتمنى أنك متفهمنيش غلط... أنااااا مضيت على عقد عرض أزياء لـ فرد واحد... اعتدل من جلسته، واتسع بؤبؤ عينه بذهول. فقالت بتبرير وهي تطقطق أصابعها بتوتر: -والله يا ريان قبل ما أمضي... خالد أكد ليا أنها في مكان مخصص للعرض...
أصل بيكون في أمراء بيحبوا يقعدوا براحتهم من غير ما العين تكون عليهم. فقد ثباته وأخرج كل ما بداخله ولم يراعي من يجلسون حوله: -وصل بيك الحال عشان الفلوس والشهره تنزلي للرخص ده؟! زفرت عينيها الدموع تلقائيًا. حاولت إخراج صوتها المتحشرج: -ريان انت فهمني غلط... انت تعرفني كويس. ابتسم ابتسامة تحمل الكثير من الأوجاع. وأبلغها بعيون بها سحابة من الدموع من القهر على من جعلها في يوم تملك قلبه: -للأسف أنا كنت عارفك زمان...
أو كنت فاكر إني عارفك... دلوقتي اتأكدت إني معرفكيش... نيللي اللي كنت أعرفها... وحبتها واللي كان نفسي أجبلها حتة من السما خلاص ماتت... اتقتلت جوايا... والنهارده بس يوم وفاتها... وانتي اللي كتبتي شهادة وفاتها بإيدك. انجهشت بالبكاء وهي تحاول منع إخراج كلماته التي كانت بمثابة نصل خنجر مسموم يضعه داخل قلبها: -لا لا لا اوعى تقول كده يا ريان... والله كنت واثقة فيه... ضحك بسخرية وتحدث ببرود لوح ثلج:
-وياترى الثقة دي وصلت لحد فين ياااا.... نيللي... مش نيللي برضو ولا ده كمان غيره؟ شعرت بالإهانة الشديدة، كأن من يتفوه بتلك الرصاصات التي يصوبها بداخلها بكل قوته ينكر معرفة هويتها من تكون هي؟ جففت دموعها المنسابة على وجنتيها بهدوء. وأبلغته وهي تنهض وقالت بوجع فشلت في إخفائه عنه: -بعتذر لو كنت أخدت من وقتك كتير. كان يجلس واضع قدم على الأخرى، ويرجع بظهره على مقعده مربع الأيدي. لم يتحرك في جلسته، وأبلغها بحدة:
-لما تكوني مع راجل احترمي وجوده. -خلاص أنا هتصرف. -اقعدي. جلست تجفف براحة يدها دموعها وانصعقت حين أكمل "ريان" بدلاً منها فيما حدث بعد الاتفاق: -وطبعًا الاتفاق اتحول لغرفة خاصة... -انت عرفت ازاي؟! رد بهدوء ورجولية حتمت عليه التصرف بعقل: -خلاص يا نيللي هتصرف، متشغليش بالك بالعقد اللي معاه... واقفلي تليفونك عشان ميوصلش ليكي... وأنا هحجزلك في فندق تقعدي فيه، واياكي حد يعرف العنوان مهما كان ولا كانت مين، تمام؟
هزت رأسها بضعف ونهضت معه وهي تشتاق إلى عودتها لطفولتها لتكون أكبر مخاوفها حرمانها من المصروف... ولا تعيش معنى الحزن الحقيقي، ولا تدري ما هو التفكير، ولا تعرف معنى فقدان غالي... كان "ريان" يسير أمامها بطوله الفارغ وهي خلفه. أغمضت عينيها لذكرى هاجمت رأسها... حينما كانا جالسين في مطعم ممسكًا بيدها بكل حب، وحين أتى موعد الذهاب لم يترك يدها وهو ينهض. فضحكت بفرحة طفلة صغيرة: -ايه يا عمري قوم وأنا هقوم وراك.
-استحالة اتحرك واسيب إيدك ثانية. فاقت من شرود ذكرياتها على صوته الأجش: -اركبي معايا وهبقى أجيب لك عربيتك بعدين. هزت رأسها وهي تتحرك بروح مسلوبة فقدت لذة أي شيء. وصل "عمر" أمام ماكينة السحب، وابتسم بتفاؤل برغم وجود الكثير من العقارات من حوله. كان يثق أن هذه الماكينة بداية سحب الخيط الرفيع الذي سيصله إلى ما يبحث عنه. أخرج صورتها من جيبه واتجه إلى كل محل في طريقه وإلى كل بناية يسألهم عنها.
والجميع نفوا أنهم رأوها في هذه المنطقة. لم يفقد الأمل. رمق عدة عقارات أخرى وسعى بكل طاقة. بعدما أوصل "ريان" "نيللي" فندق ووصى عليها العاملين، ذهب إلى مقر شركته يدخل ببال مشغول يفكر كيف يتصرف مع هذا الوغد. لكن فزع حين وجد ما يُحدف عليه من هذه الهوجائية. رمقها بحدة وقبل أن ينطق أبلغته وهي تقف تضع يدها في خصرها وتتحدث بصوت عالٍ: -ما الغلطة غلطتي، والخيبة خيبتي، وأنا اللي أستاهل إني رجعت اشتغل تاني...
بص ادى إمضيتي أهي باستقالتي نهااائي.. أمسك الورقة التي رمتها على صدره ورجع خطوة للخلف من تهورها وقال بتعجب: -إيه يا بنتي ما كنتي زي العسل الصبح... لسانك اتحول ليه وبقى أطول من برج إيفل؟ جزت بقوة على أسنانها وهي تغلق كف يدها بعصبية وأجابته من بين أسنانها: -ربنا يكفيك شر لساني... لأنه هو السم في العسل. ابتسم على تصرفاتها وأبلغها بمشاكسة وهو يمسك يدها حتى يجلسها بدون أي قصد. صرخت بوجهه بقوة:
-هو انت فاكرني زي أم صرم بتاعتك كل اللي يعدي يمسك إيدي... فوووق وشوف بتتكلم مع مين؟ تركها وجلس على الأريكة وأبلغها وهو مازال يمازحها: -خلاص يا ست عبله كامل... ثم قال بجدية: -أكلتي؟ ظبطت حجابها وهي تنفي برأسها بكل هدوء. ثم تحولت في ثانية وقالت بعصبية: -أكل إزاي؟! ما كل واحد جارر زعنفته وبيتسرمح معاها وأنا الفلبينية بتاعتكم شايلة الشغل كله لوحدي. رمق المكان الفارغ من كل شيء تعجب أين هو العمل الذين يتركونها به بمفردها.
ضحك من داخله وأبلغها بتريث: -شكلك غيرانة عشان زعنفتك مش معاكي... ما تتصلي عليه ييجي يطل عليكى بدل ما قاعدة تحقدي على خلق الله... واهو نشوفه بالمرة ونتعرف على الأسد اللي هيشيل الـ.. بلع آخر حروفه وهو يمسك هاتفه: -جعااان جدا تحبي أطلب لك معايا طبق نكد على حقد وغل؟! ألقت مفتاح الشركة بوجهه ثم توجهت إلى المكتب أخذت حقيبتها ورحلت عازمة لم ترجع هذا المكان مرة ثانية مهما يحدث. بعد مرور شهر.
كان الجميع في صراع مع النفس كل منهم يحارب نفسه في إرغام نفسه على البعد وكتم ما بداخله. منهم من يريد الاعتراف بالندم ومنهم يحارب حبًا يهاجمه ومنهم يريد الوصول إلى ما يريد. فالكل كان يصارع ويجاهد نفسه بدون توقف أو فقدان الأمل في الوصول إلى هدفه. يدخل مدير البنك إلى مكتب "عمر" وعلى وجهه الغضب: -شكلك يا أفندي نسيت انت بتشتغل فين وفي أي مكانه وبتتعامل مع أي فئة؟! وقف "عمر" احترامًا له وأبلغه بكل احترام:
-والله يا فندم فقدت أعصابي غصب عني. رد عليه بعصبية مفرطة: -تبريرك ده في بيتكم. تمالك "عمر" أعصابه؛ لأنه قبل أن يكون مديره فهو رجل كبير في السن: -يا فندم اسمعني. لوح له بيده بحدة: -ولا عايز أسمع، ولا أفهم حتى اللي حصل حصل ليه... انت تعرف اللي تطاولت عليها وخلتها تمشي بالشكل ده دي مرات مين في البلد؟ خرج "عمر" من عباءة هدوءه وقال بقوة: -يا فندم دي كانت بتغويني. رد عليه بقوة وبدون نقاش قائلاً بأمر:
-عمر قلت مش عايز أسمع أي تبرير، وتتصل حالًا تعتذر ليها. انصدم "عمر" من طلبه فقال بفقدان عقله: -أعتذر لواحدة معندهاش شرف؟! أجابه بهدوء: -تحب أقولك ممكن تعمل فيك إيه بمكالمة متسويش؟ ضحك بقهر من بلد تمشي بالواسطة والظهر: -من غير ما تقول لأن أنا كمان مش عايز أسمع ولا أعرف... اعتبرني مستقيل واهو أريحتك من مسؤولية رفضك ليا. -يا عمر انت شخص مجتهد وبعتبرك زي ابني ومش عايز أخسرك. -وترضاها برضو لابنك يكمل بالطريقة دي؟
صمت المدير فهو حقًا في وضع سيء لم يجعل "عمر" له أي خيار. جلس المدير على أقرب مقعد بخزي وهو يشد ربطة عنقه. ابتسم "عمر" له وأبلغه بابتسامة بشوشة: -ربك كريم متقلقش عليا. ثم تركه ورحل ببال مشغول أكثر ما هو مشغول. جلس على مقعد سيارته يفكر في كل شيء يحدث له منذ موت زوجته صافي. حزن اليوم عليها أكثر من أي يوم. لو كانت على قيد الحياة كان لم يتحمل كل هذا العائق بمفرده. استغفر ربه ووضع المفتاح ليدير العربة.
سمع صوت رنين هاتفه رد سريعًا عندما لمح اسم المتصل المسجل بسمسار: -عندي لك خبر حلو. -يبقى لقيتها؟ -حصل يا باشا تعالى وهوصلك لحد باب الشقة كمان بس اوعى تنسى الحلوة اللي وعدتني بيها؟ -يا سيدي واكتر كمان، انت مش عارف المعروف اللي عملته ليا دلوقتي. أغلق الخط وتحرك بسرعة كبيرة بعدما تهلل وجهه سرورًا واهتز قلبه طربًا وسارت نشوة بالغة في نفسه، ونسى ما حدث له من قليل بعدما حلقت روحه في سماء السعادة.
فالآن الدنيا أصبحت لا تسعه من فرط فرحته. وصل "عمر" أخيرًا لكنزه السمين كانت قدمه تتسابق الثواني يركض حتى يراها أمام عينه من جديد. في هذا ذات الوقت استيقظت "هند" من نومها بكسل. مسكت هاتفها تفتح موقع خاص بكلياتها. وما أن وقع عيناها لما منشور؛ في خلال ثوانٍ اتسع بؤبؤ عينيها بصدمة وهي تقرأ المكتوب. ألقت الهاتف بفزع وذهول غير مصدقة ما رأت منذ لحظات. تجلت الصدمة على ملامحها.
نهضت من على فراشها تجوب غرفتها كالمجنونة تلطم على وجهها لتفيق من حالتها. تمنت أنها تكون مازالت نائمة وتفيق من هذا الكابوس المزعج. شعرت بهروب الدماء من جسدها. لا تعلم ولا تعرف كيف تتصرف. شعرت أنها كالعصفور الذي وقع في فخ صياده وطالته رصاصة بندقيته ووقع مذبوحًا على الأرض. لا يتركها تموت وترتاح، ولا يأخذها ليضمد جراحها ويشفيها. جلست تبكي بحرقة على مصابها. وفي لحظة خطر على عقلها آخر شخص كانت تتمنى اللجوء له مرة ثانية.
أمسكت الهاتف وبحثت عنه واتصلت عليه. حين صدح صوت رنين هاتفه، كانت هي أيضًا تسمع صوت رنين باب منزلها. ركضت حتى ترى الطارق من العين السحرية وجدته هو! نعم هو "عمر" الذي فكرت به منذ ثوانٍ. نبض قلبها فرحًا وفتحت الباب وألقت بنفسها داخل صدره وقالت وهي تصرخ من شدة البكاء: -الحقني... الحقني يا عمر. تنفس الصعداء رعبًا على حالتها وفي نفس الوقت حمد ربه أنه أرسله لها في الوقت المناسب وأبلغها بلطف وهو يربت على شعرها:
-اهدي يا هند كل حاجة هتتحل طول ما أنا جنبك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!