زهرة قاعدة قدام وكيل النيابة، عينيها شاردة. بتحاول تجمع شجاعتها. زهرة لسة ساكتة، عينيها مليانة دموع، قلبها بيخبط، ولسانها مربوط. وكيل النيابة بيبص لها منتظر ردها... لكن قبل ما تنطق، صوت واضح بيقطع الصمت. "أنا... أنا اللي بلغت الدكتور عاصي إن زهرة مخطوفة! الكل يلتفت ناحيتها، وزهرة ترفع عينيها لها بصدمة وامتنان في نفس الوقت. "أيوه... سليم كان رافض يقولنا مكانه فين، ومختفي بيها من غير ما حد يعرف عنها حاجة...
جدو كان قلقان عليها جدًا... وأنا كنت مش عارفة أتصرف... خفت يحصلها حاجة، والكل كان تايه... فعاصي، ابن عمتي، كان الأمل الوحيد اللي يساعدني." وكيل النيابة ينقل نظره بينها وبين زهرة، ويبدأ يدون المعلومة. زهرة بتحس إن في حد أخيرًا واقف في صفها... بتتنفس بعمق، وتحاول تستجمع نفسها. "تمام... نرجع للأساس، يا زهرة... دلوقتي قوليلي بوضوح... هل الجواز اللي حصل بينك وبين سليم تم بإرادتك الكاملة؟ ولا حصل إكراه أو تهديد؟
زهرة تبص لزينة، تبص لأبوها، لجدها... ثم تبص للأرض... وبتاخد نفس عميق قبل ما تنطق. "الصور دي متفبركة... وأنا كنت متجوزة وقتها." "متجوزة؟! وفين الإثبات؟! "الإثبات معايا، دي نسخة من قسيمة الجواز، التاريخ واضح، نفس توقيت الجريمة." "موكلتي اتجوزت رسميًا، وكانت تحت رعاية زوجها في يوم الجريمة. الصور اللي ضدها اتفبركت وركّبت عن قصد للتشهير بيها وإبعادها عن الحقيقة...
الحقيقة اللي هتكشف القاتل الحقيقي لنيفين. وحقيقة أخرى، وأقدم أوراق القضية الأخرى." زهرة كانت قاعدة، دموعها سايلة بهدوء، بس لأول مرة من شهور، كانت واثقة... إن العدل ممكن ييجي، حتى لو متأخر. "وزيادة على كده، عندنا شهود إن سليم –زوجها –كان معاها طول الأيام اللي فاتت، قبل وبعد الوقت اللي حصلت فيه الجريمة." "طيب والصور؟! "الصور دي هنبعتها للمعمل الجنائي... وهتثبت إنها متفبركة، وفي فلاتر تركيب. ده مش رأيي...
ده تقرير خبير تقني مستقل، هيتقدم للمحكمة." المحقق قفل الملف قدامه، ونظر لزهرة اللي كانت واقفة جوه القفص، ملامحها باهتة من التوتر، وعيونها بتلمع بالدموع بس بتحاول تتمالك نفسها. "تُحال القضية للمحكمة، ويُقرر حبس المتهمة زهرة صالح محمد... خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيق." المكان اتقلب، أصوات احتجاجات خفيفة، وزينة شهقت وهي ماسكة إيد جدها محمد، اللي وشه اتقلب وبقى باين عليه الغضب والحزن. "سعادة النائب...
موكلتي واضحة إنها ضحية مش متهمة، وبما إن التحقيق مستمر، بطلب من عدالتكم الإفراج عنها بكفالة لحين انتهاء المحاكمة." "الطلب مرفوض... المتهمة سبق وهربت، وتم التستر عليها خارج المحافظة، والقبض عليها من هناك، وحتى لو كانت متجوزة، ميقللش من فرص عدم الثقة فيها، والتزامها بالمثول للتحقيق مرة تانية. لحد ما تُعرض أمام القضاء بشكل رسمي...
هتفضل محبوسة هنا النهاردة ويتم ترحيلها لسجن النساء 15 يومًا على ذمة التحقيق حتى تعرض على القضاء." زهرة ما قدرتش تمنع دموعها، حاولت تبين قوية، لكن قلبها وقع من جواها. لمّا الضابط دخل عشان ياخدها، وبصت لزينة وجدها، وقالت بصوت مكسور وهي بتتحرك عشان يدخلوها سجن القسم: "أنا مش خايفة... الحقيقة هتظهر... أنا واثقة."
وقفت لحظة في ممر القسم، تبص حواليها، لقيت جدها محمد واقف جنب زينة، وصالح أبوها واقف قدامهم، عيونهم كلها دموع، وكل واحد فيهم بيحاول يتماسك. "يا بنتي... يا ضنايا... والله ما كنت هسيبك لو كنت عارف اللي بيحصل ده." زينة جريت عليها ودموعها نازلة، مسكت إيديها المتكلبشة وهي بتقول: "هتخرجي يا زهرة... والله هتخرجي، وإحنا كلنا وراكي." لكن لحظة اللمة دي اتكسرت لما ظهر سليم وواقف بثقة، وابتسامة ساخرة على وشه.
"متقلقوش يا جماعة، مراتي بخير... هي بنفسها اعترفت إنها مراتي، يعني بالنهاية هترجعلي." زهرة بصت له بغيظ، عيونها مليانة نار، وقالت من بين أسنانها: "مراتي؟! ده حتى الكلمة دي كتير عليك... أقسم بالله ما هسيب حقي، ولو آخر نفس فيا." الضابط أشار على العسكريين، وبدأوا يتحركوا بيها ناحية السجن. صالح قرب منها، حط إيده على كتفها وهو بيكتم دموعه: "إحنا معاكي يا بنتي... لآخر نفس. وأشكرك إنك سترتينا."
هزت رأسها زهرة بالرفض: لأ يا بابا، ده مش ستر ده خوف. عاوزة حقي من سليم، لِتنسى إنك عندك بنت. جدها محمد رفع صوته: يا زهرة... أوعي تنكسري... خليكي قوية، عشان الحق بيرجع لصاحبه. دخلت زهرة في سجن القسم: غرفة الحجز الجماعي الغرفة ضيقة، فيها بطاطين قديمة، جدران باهتة متآكلة، والجو خانق، ريحة العرق والمطهرات ممزوجين في الهوا. زهرة كانت قاعدة على طرف دكة، ضامة نفسها، عينيها بتتحرك بسرعة على الوجوه حواليها.
الستات حواليها ما بين اللي نايمة، واللي بتاكل، واللي بتتكلم بصوت عالي. لكن الكل كان بيرميها بنظرات... مش عارفين حكايتها. *** اتجه عاصي وزينة لشقة رامي، الشاب المتخصص في التكنولوجيا. رامي كان قاعد على اللابتوب، شاشة قدامه فيها خريطة، وخطوط حمراء بتظهر وتختفي. زينة راحت عنده هي وعاصي ودقّت الباب. قام فتح الباب زينة وعاصي وراها، باين عليه الأمل المكسور. "رامي... فيه جديد؟ بالله عليك قول لنا أي حاجة."
رامي بص لهم وقال: اتفضلوا الأول وبعدين نتكلم. قعد عاصي وزينة. وبدأ يوضح لهم رامي وصل لإيه: "لو اللي في دماغي صح... يبقى في تسجيل جوه السيرفر بتاع الكلية... الإدارة نفسها دخلت عليه وعدّلت في البيانات. بس لازم وقت أكتر شوية... وسيستم خاص مش متاح لأي حد." عاصي بص له وقال بصوت هادي لكنه حازم: هعمل أي حاجة... هدفع اللي تطلبه، بس طلع الحقيقة. أنا مش هسيب زهرة تدفع تمن جريمة مش ذنبها. رامي شد السماعات على
ودنه وقال بابتسامة جانبية: طب قوم هات قهوة... شكلنا هنبات سوا النهاردة. رامي بيكتب بسرعة على الكيبورد، صوته مركز وعنيه متعلقة بكل كود بيدخله. "استنوا شوية... استنوا... آه، تمام، قدرت أرجع نسخة احتياطية من كاميرات سطح الكلية... كانت ممسوحة بس في نسخة أوتوماتيكية ماحدش خد باله منها." زينة قربت، وعاصي قام واقف، قلبه بيخبط. "شغّل الفيديو يا رامي." رامي ضغط Enter... وظهر فيديو الكاميرا.
اللقطة على الشاشة: الصورة كانت من زاوية مرتفعة، سطح الكلية فاضي، بعدين ظهرت ياسمين ونيفين، واضحة المشادة بينهم، نيفين بتحاول تمشي، لكن ياسمين مسكتها من إيدها... وبعدها ظهر شخص تاني. "استنى... مين ده؟ مين اللي طلع؟! "كبر الصورة... "ياسمين" واقفة بتزعق، ملامحها متوترة جدًا، قدامها نيفين بتدفعها وتصرخ. "أنتِ عارفة لو يهمني الكلام ده كله، أنتِ لعبتِ بي وكان لازم أكشفك صح... "مش هرحمك ـ أنا خلاص زهقت! من غبائك!
أنتِ لعبة بالنار وده شغل دمرت نفسك ودمرتنى! ويمسكوا في بعض وبعدها لحظة... نيفين بتتزق من وراها، وتقع من على السطح... الصورة تهتز... لكن في ظل راجل واقف وبيجري بعيد قبل ما الكاميرا تفصل. رامي عمل Zoom... وشهم اتجمد من الصدمة. "زياد؟! في الفيديو: زياد بيقرب منهم، بيحاول يبعد ياسمين عن نيفين، ونيفين بتصرخ فيهم...
بتحاول تضرب ياسمين، وبيبان زياد وهو بيخلصهم من بعض غصب عنه وهو بيبعدهم عن بعض يزقها نيفين بتفقد توازنها وبتقع من على الحافة. "دي وقعت!! نيفين هي اللي وقعت... وهو ما قصدش يقتلها! "نيفين... اتزقت! يعني مكنش قتل عمد! فجأة يظهر واحد واقف على الطرف، بيشد ياسمين بعنف، وبيغطي بؤها، وبيخدرها بسرعة... وزياد بيهرب من الخوف. "الفيديو ده ينقذ زهرة... ويدين زياد وياسمين."
"يعني زياد هرب من الخوف وياسمين انخطفت. طيب لما زياد خطف زهرة... كان عايز يساعدها والا إيه؟ وإزاي سلم زهرة لسليم؟ والا في حد بيلعب بيهم كلهم؟ "طب ودي نوديها لمين؟ لازم النائب العام يشوفها فورًا." "لأ، الأول... لازم نعرف زياد راح فين. وكمان ياسمين، كل حاجة هتظهر مع ظهورهم." رامي فتح تطبيق تتبع، وبص بسرعة على الخريطة. "لو لسة شايل الموبايل، هقدر أجيبه... استنوا...
الشاشة اتملت بإحداثيات، ونقطة بتتحرك ببطء ناحية شارع جانبي. "هو رايح... عنوان غريب... "لازم نوصله قبل ما يضيع مننا... قبل ما حد يوصله." *** عند زهرة: كانت ماسكة مصحف صغير، كانت واحدة من السجينات سمعتها، صوتها الهادي وهي بتقرأ. قعدت بنت تانية على مقعد المقابل، وشها فيه مكياج مبالغ فيه باين عليه إنه من أيام، شعرها منكوش، لكن ملامحها مش خبيثة، بالعكس... فيها طيبة تايهة. البنت قربت منها، وبصوت خافت قالت:
"أول مرة أشوف واحدة هنا ماسكة مصحف... إنتِ داخلة في قضية إيه؟ قتل؟ سرقة؟ ولا... زهرة بصّتلها بعين حزينة وقالت بهدوء: اتظلمت... متسأليش أكتر من كده. البنت اتنهدت، وسكتت لحظة... كانت هتقوم، بس الآية اللي زهرة بتقراها شدت انتباهها: "{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}"
عين الفتاة دمعت وهي بتكمّل الآية، كان صوت زهرة فيه قهر، فيه وجع مكتوم، لكنها مصممة تكمّل. كانت بتحاول تطمّن نفسها، تتشبّث بأي نور في وسط الظلمة. "{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ... البنت حسّت بقشعريرة، صوت زهرة كان فيه صدق غريب، كأن الآيات مش بس بتتقال... دي بتتكوى بيها. بعد ما صدقت زهرة، سألتها الفتاة (بصوت مكسور) : إنتِ مصدقة إن ربنا ممكن يغفر؟ أنا...
ليّا كام سنة ماشية في طريق... كله غلط. "ربنا دايمًا فاتح بابه... إحنا اللي بنقفل قلبنا." البنت قعدت جنبها، لأول مرة دمعة نزلت من عينها، وبصت لها بإعجاب حقيقي: "إنتِ مش شبهنا... بس يمكن تبقي سبب نرجع نكون شبهك." زهرة سكتت، بس ملامحها ابتدت تهدى شوية، وكأن في صوت داخلي بيقولها: لسة في أمل.
الهدوء الغريب بدأ يلف الغرفة بعد ما زهرة قرأت من المصحف، والبنات ابتدت عيونهم تلمع بحكايات ساكتة، يمكن محدش فيهم قرأها قبل كده كده... بس زهرة كانت زي النور في زنزانة كلها ظلمة. البنت اللي من شوية كانت بتحاول تتقرب منها، ابتدت تحكي لها بصوت واطي، عن اللي خلاها توصل هنا، عن الشارع، عن الخوف، عن الرجالة اللي مايعرفوش الرحمة. "أنا كنت بفتكر إني بعيش... بس كنت بموت كل يوم شوية. عمري ما حد قالي إن ربنا ممكن يحبني... غيرك."
ابتسمت زهرة ابتسامة صغيرة باهتة وقالت: لو عرفتي هو بيحبك قد إيه، عمرك ما هتسيبي إيديه تاني. واحدة من السجينات التانيات بصت لهم وقالت بسخرية: "إحنا جوه عنبر ولا حضانة؟ هو القرآن هيخرجكوا من هنا ولا إيه؟ لكن السجانة اللي كانت واقفة على الباب بصت لها بحدة وقالت: "خليكي في حالك يا نوسة، يمكن ربنا يرحمها أكتر مننا كلنا." زهرة دمعت عينيها، بس قلبها حاسس إنها مش لوحدها... حتى هنا، وسط الجدران الباردة. *** صباح اليوم التالي
زهرة بتخرج من الزنزانة وهي مكبّلة، لبسها رسمي لكنه بسيط، عيونها عليها كدمة خفيفة من الإرهاق وقلة النوم. السجينات بيودعوها بنظرات تعاطف، واحدة بتهمس: ربنا ينصرك يا بنتي... ربنا مع الحق. العربية بتتحرك بيها للسجن، وهي جوه بتحاول تثبت نفسها، تشد في نفسها إنها قوية، بس جواها في خضة... في خوف. وقف قدامها عاصي (بصوت حزين مكسور) : كل مرة… كل مرة يا زهرة أمد إيدي ليكي…تسحبيها… وتكسريني ليه؟ قولتِ إنه جوزك!
أنا بعمل كل وسعي عشان أنقذك. أنا كنت بس عايز أحميك…بس أنتِ حتى الحماية خوفتي منها. منسحب من حياتك يا زهرة…أنا راجع بلدي… بلد مش فيها وجعك. زهرة بتحاول تنادي عليه، لكنه بيلف ويمشي… وكل خطوة منه كأنها بتخلع حتة من قلبها. "استنى… دكتور عاصي… متسبنيش… أنا بس خفت… خفت أقول إن سليم خطفني… خفت أكسر أهلي… خفت الفضيحة… خفتك تسيبني… بس أهو سبتني برضو…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!