الفصل 29 | من 56 فصل

رواية زهرة الاشواك الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نور

المشاهدات
20
كلمة
7,540
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

طبعت شفتاها على شفتاه وهى تلاصقهم لتتسع أعينه بشده وزقها على الفور لتبتعد عنه. لينظر ويتصنم من رؤية فريدة عند الباب وهى تنظر له بصدمة، وعين تملأها الدموع المتحجرة قهراً. تلقي بنظراتها عليه وعليها، وملابسها الكاشفة وحالتها، لتسيل دمعة من عينيها. فريدة ذهبت فوراً دون أن تطلعه أو تلتفت له. تبعها ياسين فوراً، لكن ميرال أمسكته قالت: -لو روحتلها هتنندم. مسك أيدها ونزلها بضيق: -ابعدي. ذهب، لكنها أوقفته وقالت:

-اوعدك إني هندمك انت وهى هنا، هنقوم منكم. فرحتك ببنك هتبقى في خيالك بس يا ياسين. هخليك تموت بحسرتك عليه زي ما خدتك مني هاخد منها روحها. التفت ونظر لها بكل جدية: -اعملي اللي انتي عايزاه معايا.. متأذيهاش. هي ملهاش دعوة، أنا اللي سبتك يا ميرال مش فريدة. -هي اللي خدتك مني.. لو خايف عليها اكسر شرّي من دلوقتي. لو حاسس بذنبك ولو شوية ارجع. -أنا آسف، مش هقدر. قال ذلك وهو يلتفت ويذهب، تاركاً إياها تحت الوعيد المميت.

مشى سريعا وبحث عنها. نظر للسائق قال: -مقلتش إنها جت لي؟ -مدتنيش فرصة يا ياسين بيه، لقيتها جت وشافتني، فدخلت ع جوه. سألتها ف أي مردتش. راح ياسين إليها قال بنداء: -فريدة. كانت تكمل سيرها وهي تبكي. مسك ياسين يدها قال: -استني. دفعته وهي تصرخ في وجهه: -ابعد عني، متلمسنيش. -حاضر، ممكن تهدّي؟ بكت وقالت: -حاولت عشانك كتير.. عملت اللي متخيلتش أعمله عشان آخد ده منك.. لييييه؟ -مفيش حاجة من اللي شفتيها. دفعته بقوة وقالت:

-حقير وخائن.. كنت بتبوسها وتقولي مفيش حاجة، صح؟ شوفتك بعيني بحالتها وانت قريب منها. سمعتها وهي بتقولك إني مستني ابنك، بعدها ترميني. -والله مفيش حاجة من دي، هي قالت كده لما شافتك. -كداب.. كداب ومش هصدقكم. مشيت. وقفها قال: -فريدة اسمعيني بقى. -ابعد عني، متلمسنيش. كانت تنفعل بشدة. قلق عليها قال: -حاضر، بس ممكن تهدّي عشان نتكلم. -سبتني وجيت لها. رمت هاتفه ليلتقطه ويتفاجأ: -فهل نسر هاتفه؟

-كنت بحسبك في شغل، وقلت أكيد محتاجة، معرفش إني هلاقیك في وضع ده. -فريدة اهدّي، تعالي نرجع البيت. -مش هرجع، أنا كده مش طايقة وقفتي معاك. تعمل معايا أنا كده يا ياسين.. لما انت عايزها، رجعتني لي؟ أردفت بصراخ وهي تقول: -ما ترد. -الانفعال غلط عليكي. -كل ده اللي يهمك.. غلط وهيضر بمين؟ بأبنك مش كده؟ أما أنا مهمكش. -أنتو الاتنين واحد، لما بخاف عليه بخاف عليكي.

-بس خوفك عليه أكتر. تزعق وتشخط وتقولي خلي بالك، لي عشان انتي حامل؟ لولا الحمل مكنتش رجعتني، ولا كنت ألغيت جوازتك. لولا إني حامل مكنتش هتبقى معايا.. يبقى مين السبب؟ نظر لها وهي تبكي، فهل أخطأ؟ هل هذا ما فهمته من خوفه؟ اقترب منها قال: -مفيش حاجة من دي والله.. وحياتك عندي. -أنا حياتي ليها قيمة عندك أصلاً يا ياسين. نظر لها من ما قالته، فقد فقدت الثقة في حبه.

-يومين قعدت فيهم معاك عرفت قد إيه كنت غلط. أتمنيت أشوف الحب، كنت بحسب لما نرجع حياتنا هتبقى غير شكل. طريقة رجوعنا كانت غلط، لأنك مش راجع عشاني، انت راجع عشانه هو. ابتسمت بمرارة وقالت: -أنا متفاجأة من اللي شوفته لي.. انت كنت عايزها من الأول، ولسه عايزها مش كده؟ روح لها وسيبني. -كنتي عايزاني، ودلوقتي بتطلبي مني أروح لها؟ -عشان مكنتش أعرف إن ده هيكون وضعنا. -ماله وضعنا؟ -ولا حاجة...

وجودي مع شخص جاف عايزني بس عشان ابنه، أسوأ شعور ممكن تحسه، كأنك غير مرغوب فيك. بكت وهي تقول: -أنا مش عايزة أكرهك، لو بتحبها اتجوزها وطلقني. نظر لها بصدمة وقال بغضب: -طلاق تاني يا فريدة؟ انتي مبتحرميش؟ -تاني وتالت ورابع، مش أحسن من إني اتخانت واشوفك معاها. عايزني أعمل إيه؟ أشوف خيانتك وأسكت؟ -ما خونتكيش والله، اسمعيني. -مش هستنى، لما تخونني خيانة كاملة. نظر لها. أردفت:

-امشي يلا، وع ابنك، أوعدك ههتم بيه وهستنى لحد ما يجي وأدهولك زي ما انت عايز. طالعها بشدة وقال: -بتتخلي عنه؟ -بسببك آه.. لما أبوك ميكونش عايزني غير عشانه، يبقى ياخده. شفتك بعيد، كل واحد ينام بعيد عن التاني، حتى قربك مني بتخاف منه وتبعد. ده لسوء شعور مر عليا، وإلى أنا شوفته بعيني، فأنت قتلتني. اهتمامك بيه طول الوقت، زعيقك، كنت بحاول أبرر له، بس أنا بقيت غضبك مني وخوفك عليه هو بس. وأنا يا ياسين؟

-بقولك عشان تاخدي بالك، زمان غير دلوقتي. -أخد باله منه مش كده؟ -هو مش ابنك زي ما بنخافيش عليه، ولا أنا بس... أنا قولت أي غلط. -قولت كتير، وعينيك بتقول... هو بس اللي قلقان عليه. كنت تكون صريح من الأول وتقول إنك رجعتني عشانه ومش عايز تبعده عنك. صمت ولم يرد عليها، وهي تطالعه بهدوء من بكائها وهي لا تتوقف، بصراحة والبكاء. -مش هقدر أكون معاك...

أول ما ابنك ييجي، خده وابعد عني. أنا عايزة الحب يا ياسين، مش عايزك تموت معايا. ابنك وهيكون معاك في أي تاني. -فإني مش هسمحلك تدميرنا للمرة التانية. قال ذلك وهو يقترب منها، ويسحبها من وسطها ويقربها منه، ويأخذ شفتاها بين شفتيه في قبلة، ليقطع أحبال صوتها عن الكلام. انصدمت فريدة، نظرت له بشدة وهمت بأعتراض وهي بتحاول تزقه، لكنه منعها وهو يطبق على خصرها، فأصبحت ملتصقة به.

توقفت عن الحركة واستسلمت، لتبادله القبلة. ليضع يده عند رقبتها كي لا تبتعد، ويقبلها بعمق شديد يظهر بها حبه واشتياقه الشديد لها. ابتعد عنها لتأخذ أنفاسها وتهدأ ضربات قلبها، كانت تخفض وجهها من ما حدث، وكان يطالعها هو. -اللي انت عملته ده... -قولتي إني مش عايزاني، بس أفعالك بتقول غير كده. ويقصد أنها بادلته بنفس الرغبة. سالت من عينها دمعة بحزن من ضعفها، وتخيلته وهو يقبلها مثلها. قالت: -بكرهك أنا... -بحبك.

توقفت ونظرت له بشدة حين قال ذلك بهدوء. لم أصدق أنها سمعتها منه مجدداً. لقد نطقها بعد كل تلك الصعاب. مسح دمعتها بحزن عليها من كل تلك الدموع وقال: -ومش قادر أوقف حبي ليكي.. منكرش إني حاولت أنساكي. مسك يدها عند أيسر صدره وقال: -بس ده مصمم ما يخرجك منه.. تفتكري يقدر يخونك؟ نظرت إلى يدها، رفعت عينيها في عينه الصادقة وكلامه النابع من جوفه، حيث أوقف بكاءها في لحظة. قالت: -لو بتحبني لي بتعمل فيا كده؟ -أنا آسف.. تعالي نتكلم.

صمتت وهي مستجابة، لتذهب معه ويعودان للبيت سوياً. وما أن دخلا إلى غرفتهم: -عايز تفهمي إيه؟ -عايزة أفضي كل حاجة بينا.. أي حد شايل من التاني عنده أسئلة يقولها. -تمام.. اسألي. -مكنتش عايز تقول لي إننا متجوزين.. لي خليت الموضوع سر؟ -قولتلك، أنا كنت برجعك بس عشان تعقدي معايا، مفيش داعي إنك تعرفي. -عشان ميرال متعرفش؟ -رجعتك عشان تفضلي معايا يا فريدة مش أكتر. أومأت له وقالت:

-كنت مجبر، كأنك بتحب بخاطري عشان محسش إنك بتتخلي عني. ولما انت مش معترف بالجوازة.. لي خليته حقيقي وتممته مني؟ صمت. نظرت له قال: -كانت لحظة ضعف.. صدقيني، أنا زيك مكنتش عارف إن ده هيحصل بيننا وإني هضعف كده. معرفش ده حصل إزاي، بس أنا كنت شخص تاني. -ندمان؟ نظر لها. قالت: -زعلان إنك سبتها ومعايا؟ رد بدون تفكير: -مكنتش ألغيت الجوازة كلها عشانك يا فريدة.

-لغيتها لما عرفت إني حامل، غير كده مكنش زماني معاك هنا، ولا عرفت أصلاً إني مراتك. رايح تتجوز وأنا أصلاً مراتك. ابتسمت وأردفت: -يومها أما رفضت إننا نتجوز عشان مكنش خانة تانية، معرفش إنك بتتجوز عليا. هايل، الحاجة اللي مكنتش عايزة تحصل كنت بتعملها فعلاً وأنا معرفش. صمت، بل نظر لها وقال: -وقت أنا كان فارق معاكي ميرال، أنا مكنش حد فارق معايا غيرك. -طب لي.. بتحبني مش كده؟ قولت إنك بتحبني، كب لي رايح تتجوزها؟

-لأن كنت شايف إننا انتهينا.. بحبك بس مينفعش نكون مع بعض. أمسكت به وقالت: -لي مينفعش.. لو مكنش فيه حب في العلاقة، فإيه لازمة جوازك طالما مبتحبهاش؟ -لو مفيش ثقة وطرف ميسمعش للتاني، يبقى هي مكنتش علاقة أصلاً. صمتت حين أدركت أنه يقصدهم، فهي لم تعطِه فرصة لتسمعه.

-ممكن لو كنتي ادتيني دقيقة من وقتك، قعدنا نتكلم زي أي اتنين، مكنش كل ده حصل يا فريدة. منخليتش عنك بعد طلاقها، كنت بتابعك من عمك، مستني فرصة كلامنا للمرة التانية، بس انتي خدتي الفرصة دي مني.. بجوازك. نظرت له ليكمل: -أتمنيتلك حياة كويسة معاه وأنا قلبي بيتحرق.. متمنيتلكيش الوحش.. انتي قبل ما تكوني حبيبتي، كنت بعتبرك بنتي. هنا عرفت إننا انتهينا ومفيش فرصة نرجع. دمعت عينيها بحزن وندم، قالت:

-عملت كده عشانك.. كنت عايزة أنتقم وأنا بتخيلك معاها، تتخليني معاه. -كنتي بتنتقمي ع لا شيء يا فريدة. دارين مكنتش غير ماضي أنا ببعده عني عشان مش عايزة يأثر على حياتي. فجأة لقيت حياتي كلها بتدمر بسببه. -عارفة إني غلطت، ومش دلوقتي، من أول ما كلامي ليك بما اتطلقنا حسيت بغبائي. برغم كده كبريائي وغيرتي خلتني أصر ع الغلط، كأني بنتقم لكرامتي. خفضت رأسها بإنكسار، قالت:

-بس أنا اتعذبت معاك كتير، اتمسكا بيك برغم أفعال ميرال، وأنا قلبي بيتحرق لما أشوفك معاها. بحاول أقرب منك، وعملت كل حاجة عشان ترجعلي. -انتي مكنتيش عايزاني أصلاً يا فريدة. نظرت له بشدة، قالت: -أنا.. اترجيتك يومها، عيطتلك وطلبت منك توقف جوازك، بس أنت رفضت. -إمتى؟ استغربت منه، قال:

-قبل الفرح بساعات.. استنيت كلامك ده كتير، تحسيسني إني مهم. لما عرضت الجواز عليكِ مكنش ده غرضي، لأننا كده كده متجوزين. كنت بس عايز أعرف انتي عايزاني أنا ولا لأ، كل اللي كان شاغلك ميرال.. زي يوم فرحنا، لما كان فارق معاكي دارين وإنك كنتي خانة تانية، برغم إنك كنتي عندي الأولى والأخيرة. تفاجأت وافتكرت ما قالته يومها وكلامهم: "عايزاني ولا لا؟ " "ميرال، هتتجوزها؟

-قولتلك هعملك اللي عايزاه.. وكنت عايزك تقوليلي اللي عندك وإن جوازي هوقفه، بس انتي اخترتي الصمت. كنت عايزك تخيبي مني، بس شوفتك زي ما انتي... جيتيلي قبل الفرح عايزاني ألغيه. كان نفسي يا فريدة، بس مش بإيدي. -واللي اتغير منتا لغيته، هو كان بإيدك بس أنت اللي مش عاوز.

-الظروف حكمت عليا، كان لازم آخد قرار زي ده. الوضع اتغير لما عرفت بحملك، كل حاجة اتغيرت ميت درجة. كنت عارف إنك مش هتكوني معايا غير لما ميرال تبعد، فلغيته. مقدرش أسيب ابني ولا أسيبك. -مكنتش هقدر أستحمل وجودها، لأني بحبك. نظر لها، أمسكت يده وقالت بين دموعها: -أنت اللي كنت بتفرق معايا، مش ميرال ولا دارين، ولا إني أكون زوجة تانية. أنا بغير عليك يا ياسين، بغير عليك أوي. مع أي واحدة أنا قلبي بيتحرق. اندفعت

وهي تعانق رقبته وتقول: -لي عقبتني العقاب ده؟ عقاب قاسي أوي. أنا آسفة، صدقني ندمت من أول قرار، ولما سبتك ندمت أكبر ندم. بكت. نظر لها، قالت: -متبعدش أرجوك. لو غلطت عرفني غلطي زي كل مرة.. أنا فريدة بنتك، اللي لما بتغلط بتفهمها، مش بتسبها تغرق. رفع ذراعيه ليبادلها العناق بحنين واشتياق شديد، بأنه بل فعل تركها، كان يجب أن يأخذها من بينهم.. أن يحبسها، لأنها لا تدرك أفعالها الطائشة، لكنه تركها.

-متسبنيش تاني.. مش عايزة أحس الشعور ده. كنت وحيدة.. وحيدة أوي. أنت عيلتي، مش عايزة حد غيرك. -أنا آسف.. متزعليش مني. -مش زعلانة، المهم انت متكنش شايل مني. ضمها إليه بقوة وهو يدفنها بداخله بتملك لشدة حبه، لتميل هي عليه، يطمئن أنها بين أضلعه. ابتعد عنها، نظرت له، لينظر إلى شفتيها التي تضعفه بشدة، قال: -نامي دلوقتي. قام، شعرت بالحزن، فهل محدداً سينام بعيداً عنها؟

قفل النور وعاد إليها، وهو ينام بجانبها. نظرت له.. لتجده يلف يده حول خصرها ويقربها منه. تفاجأت كثيراً، نظرت له وكان مغمض العينين، وقلبها ينبض بدقات متتالية من قربه. -نامي عشان معملش حاجة اندم عليها. انصدمت من ما يقصده، فتح عينه ونظر إليها بجدية، فهو يقاومها. احمر وجهها خجلاً وتغمض عينيها فوراً.

ابتسم بهدوء ونام مرتاح البال، وهي بين أحضانه. لقد تمنى ذلك كثيراً.. تمنى تلك النومة ولو لمرة واحدة. أن يكونا هما الاثنان على سرير واحد، لا يجد ما يفصلهم. أن يشعر بأنهم زوجان بحق. في اليوم التالي، صحيت فريدة على ضوء الصباح. نظرت، فهل نسيت قفل النافذة؟

التفت، لكن شعرت بشيء، لتجد أنها داخل أحضان ياسين النائم بجانبها. تفاجأت ودق قلبها، لوهلة أدركت أنه زوجها.. لا داعي للخوف. حتى أنها سريره وبغرفته، لأنهم زوجان. تلك الحقيقة تشعرها بسعادة. نظرت له أثناء نومه، رفعت يدها إلى شعره وهي تزِيحه للخلف. لقت ذراعه يطبق على خصرها ويقربها منه. تفاجأت، لتجده يفتح عيناه وينظر لها، فاختفت ابتسامتها بتوتر. -صحيت. -حركتك كل شوية تقلقني. -يبقا معرفتش تنام.. آسفة.

نظر لها حين قالت ذلك بحرج. قال: -شكراً. استغربت وقالت: -على إيه؟ -حرمتيني من كوابيس. تفاجأت، كيف حرمته؟ هل كان معتاد عليها؟ قربت منه وطبعت قبلة على خده، ليتفاجأ كثيراً وينظر لها بشدة. -مش هتشوفها تاني. كانت تخفض وجهها بخجل. ابتعدت عنها، مسكها وقال: -فريدة. -اممم. -كل يوم هصحى بطريقة دي. نظرت له، وكان يشير على خده. اتكسفت، قالت: -لو نمت معايا وجيت بدري من شغلك.. يبقى هسيب منعها. وقال:

-لو سبت الشغل وقعدت معاكي اليوم كله. نظرت له من ما يعنيه، ليشير على شفتيه وقال: -هاخد أكتر من كده. خجلت كثيراً، قالت: -هتعقد؟ -عايزاني أعقد؟ قربت منه وطبعت قبلة على شفتيه بسرعة. تفاجأ كثيراً، نظر لها، قالت: -هتعقد النهارده، مش كده؟ فهي تريده أن يبقى معها دوماً. مسكها وباسها من شفتيها. نظرت له، مال عليها، عادت للوراء وقلبها ينبض بشدة وهي تتفاعل معه. ابتعد عنها، نظر إليها وإلى وجهها المحمر، قال: -هعقد.

نظرت له، لمس خدها المحمر. نظر إليها قال: -اهدي.. مكنتش بوسة. خجلت كثيراً من بروده وزقته، وهي تذهب من أمامه، ليبتسم عليها. خرجت فريدة، لكن لقت خادمة كانت قريبة من غرفتهم. نظرت له، قالت: -بتعملي إيه؟ اتوترت، وقالت: -كنت جاية أسألك حضرتك نحضر الفطار أو لا. أطالت فريدة قليلا، قالت: -تمام. كان ياسين جالس في مكتبه. دخلت فريدة، نظرت له، قالت: -قولت إنك هتعقد النهارده. -شوفتيني خرجت؟ -كنت أقصد تعقد معايا، مش قاعد بتشتغل.

قالت ذلك بضيق. اقتربت منه وجلست معه. نظرت له، قالت: -كنت بتخدعني، مش كده؟ -قولي عايزة إيه. -فضيلي وقتك. قفل اللاب توب. نظرت له، مسك الكرسي، قربها منه قال: -معاكي. توترت، لكن صمتت قليلاً، ثم قالت: -تعالي نعقد في الجنينة. لفت ذراعه حولين رقبته. نظر إليها، لتنظر في عينه وتقول: -أنا وأنت وابنك. وكانت تلك الجملة لمست قلب ياسين، حيث صمت قليلاً. نظرت له فريدة، قالت: -ياسين. ابتسم بهدوء، قال: -تعالي.

ابتسمت وذهبت معه، لكن توقفت حين رأت ظل عند الباب. راحت عنده، نظر لها ياسين، لتجد فريدة ذات الخادمة واقفة ممسكة فنجان، وتفاجأت منها. قال: -مدام فريدة. -واقفة كده لي؟ -أنا كنت جاية أمضي لياسين بيه القهوة. نظرت فريدة إلى ياسين، أخذتها منها، قالت: -امشِ. أومأت لها وذهبت. طالعتها وهي تشعر بريبة منها، متأكدة أنها كانت واقفة تسمعهم أو تراقبهم، تلك المرة لم تتوهم. -قهوتك. -مخلتهمش يعملولي معاك لي؟ -مطلبتيش. -يبقى هشرب معاك.

خدت منه، لكنه سحب الفنان، قالت: -إيه؟ أخذها وذهب للخارج، وقال: -غلط عليكي. -واشمعنا انت بقى؟ -تفرقة عنصرية. ضايقت من بروده وضمت ذراعيها وهي تقول: -غلث. شال يده من على كتفها، لكنها أمسكتها بحدة، ابتسم عليها. في مكان آخر، كانت ميرال واقفة تتحدث في الهاتف. -عارفة هتعملي إيه؟ نظرت لكأسها وقالت: -المهم محدش ياخد باله. -القبض على كام؟ -لما تنفذي هتاخدي اللي عايزاه.. بس يحصل. غلطة واحدة، انتي عارفة هيحصلك إيه. -مش أول مرة.

-ده اللي أنا عايزة أسمعه. قفلت، وكانت واقفة عند النافذة أمام نبتة ذاوية. مالت الكأس لتسكب الخمر عليها، وكأنما بدلاً من أن تسقيها، تقتلها بذلك السم العفن. -قضيتي مش معاكي يا فريدة.. قضيتي مع أي حد يحاول يقرب منه.. وانتي قربتي.. وده اللي هينالك. رمت الكأس وذهبت، وهي تدهس على زجاج بكعبها بلا مبالاة. في الليل، كان ياسين واقف في البلكونة يرتدي سماعاته. دخلت فريدة، قالت: -بحسبك في المكتب.

لم يرد عليها. نظرت له ولملامح وجهه المتغيرة، ويده التي يضرب بها هاتفه بقبضته. قالت: -ياسين. نظر لها، شالت السماعة من ودنه، قالت: -بتتكلم مع حد؟ -أخذتها منها، قال: -لا، كنت بسمع لسجل من الشغل. كنتي بتقولي حاجة؟ -شكلك غريب. نظر لها، مسكت يده وقالت: -ف حاجة؟ لتشعر ببرودة يده، تعجبت، لكنه ربت عليها وقال: -مفيش.. ادخلي يلا. نظرت له، دخل، تبعته، جلس على السرير، قالت: -أنت متأكد؟

-بعتولي من الشركة إن حصل اختلاط بين معدات مبنى فيها خلل. نظرت له بقلق، قالت: -إزاي.. حد حصله حاجة؟ -عاملين اتأذوا بجروح طفيفة.. هروح أشوف الموضوع ده بكرة. يومين قعدتهم حصل إيه؟ -أنا آسفة.. أنا السبب وقعدتك. -انتي ملكيش دخل. الحوادث مقدرة تحصل سواء روحت أو قعدت، كان هيحصل مش هتفرق. سكتت، نظرت له وهو ينام، أشار لها، قال: -تعالي. ابتسمت، اقتربت منه ليضمها إليه، وكأنما يستمد منها طاقته. خجلت، قالت: -النور.

لم يبعدها عنها، مد ذراعه وأغلق، ليعود إليها وينام. ابتسمت، مالت على صدره وهي تعانقه أيضاً باطمئنان، وتخلد إلى النوم. في اليوم التالي، كانت فريدة لابسة. دخل ياسين وشافها، قال: -راحة فين؟ -نسيت، النهارده ورايا محاضرة. -متمشيش.. هاخدك معايا في طريقي. -ملوش داعي.. السواق معايا. -فريدة. -اممم. -تمام، هستناك.

أومأ لها، ذهبت وتركتها. نزلت، سمعت صوت، بصت، شافت هناك من يتحدث في ركن زاوية. اقتربت بخطى خفيفة لترى تلك الخادمة تتحدث في الهاتف، وكأنما تتخفى. -عملت اللي حضرتك عايزاه.. أيوه ياسين بيه. لكن سكتت لما شافت فريدة، وابتلعت جملتها، قالت: -مدام فريدة.. حضرتك عايزة حاجة؟ -بتكلمي مع مين؟ -ده تليفون من عيلتي بس بسلم عليهم. كانت تشك في أمرها، خصوصاً وهي تخفي الهاتف من بين يديها. قالت: -وريني. -أوريكي إيه؟ -التليفون.

وأخذته منه، بس شافت المكالمة اتقفلت. كان من كان يتحدث، أغلق الهاتف. نظرت له، قالت: -افتحيه. -هو فيه حاجة؟ كانت هتتكلم، جاء صوت: -فيه أي؟ لفت، وشافت ياسين. نظر لها وإلى الخادمة وهاتفها الذي مع فريدة. قالت: -مفيش، بس كانت بتتكلم مع حد بصوت واطي. يسألها بتتكلم مع مين، مبتردش. نظر ياسين إليها، قالت: -قولت لحضرتك، كنت بكلم أهلي. -طب مش عايزاني أشوف الرقم ليه؟ سكتت، قال ياسين: -تمام، روحي على شغلك.

أومأت له، أعطتها فريدة الهاتف، خدته ومشيت، وكأنها نجت. نظرت لها بضيق. لفت، وقالت: -ياسين، دي بتتصنت علينا. -جبتي الكلام ده منين؟ -شوفتها قبل كده واقفة عند أوضتنا.. وأفعالها غريبة. ودلوقتي كانت بتتكلم مع حد بصوت واطي. أردفت باستدراك: -ممكن تكون بتشتغل لميرال وبتبعتلها أخبارنا. -مظنش. نظرت له وإلى هدوئه، قالت: -إلى يخليك متأكد كده؟ -لو كانت ميرال بتتواصل معاها، كنت عرفت، بس مش هي. استغربت منه، لما نال تلك الثقة، قالت:

-تمام، ممكن أكون ظلمتها، بس أنا متأكدة إنها بتتجسس علينا. مش مرتحالها. -هتأكد الأول قبل ما نظلمها، لو كده تمشي. صمتت قليلاً، ثم قالت بتفكير: -ارقبيها. نظر لها، قال: -فيكي حس مغامر. ابتسمت، قالت: -جدا. -بس أنا مش عايزك ترهقي نفسك ولا تشغلي بالك بحد. نظرت له، قالت: -أنا مش مطمنة، حاسة بقلق. -وانتي معايا؟ -وجودك هو اللي مخليني في أمان، بس لما بتبعد. -مفيش حاجة هتحصلك. ثقي فيا. -واثقة فيك.

قالت ذلك بدون تردد، وهي تبتسم له، ثم ذهبا. وقفت الخادمة، وهي تتكلم وتقول: -ياسين بيه، أكيد هيراقبني. -حصل إيه؟ -مدام فريدة شكت فيا، مش هعرف أقولك حاجة تاني. -متقلقيش. في السيارة، كانت فريدة مع ياسين. نظرت له وإلى السائق، قالت: -ياسين. -اممم. -لي مبتسوقش أنت؟ صمت ولم يرد عليها، قالت: -شوفتك في يوم بتسوق لأول مرة. وكانت تقصد ذلك اليوم، لما اتصلت به عشان يلحقها من إيهاب، وأتى إليها فوراً. قالت:

-إزاي سُقت وقتها، وأنت بتواجه صعوبة في سواقتك، بسبب الحادثة؟ -لأنك كنتي في خطر. نظرت له حين قال ذلك: -وفيكي خلى ني مفكرش في حاجة غير إني أوصلك في أقرب وقت. -بس أنت عرفت؟ -مقلتش إن المطيض كان ميسر. استغربت، ليردف: -متعرفيش وصلتلك إزاي. صمتت، فهي لا تعلم بالفعل كيف أتى، وكيف خاض من الصراع النفسي داخله. توقف السائق، نظرت فريدة، قالت: -هنزل. -خلي بالك من نفسك.

نظرت إليه، ابتسمت، أومأت بالطاعة. نزلت، شافت يارا، وكانت لسه واصلة هي كمان. ابتسمت، وسلمت عليها. نظرت لتقابل أعين ياسين، وهو بالسيارة. نظرا لها، فريدة لفت وشافت ياسين، لتجده ينظر أمامه ويخبر السائق بأن يذهب، ليغادر. عادت، ونظرت إلى يارا، التي كانت تطالع أخاها. قالت: -لو كان شافك كان سلم عليكي. -عينه جت في عيني، بس مشي. إحنا أصلاً منفصلين. حزنت من كلامها. نظرت لها يارا، قالت: -بس غريبة.. انتي إزاي جايه معاه؟

متقوليش إنه هو اللي موصلك. ابتسمت وأومأت لها إيجاباً. تفاجأت يارا، ونظرت لها: -وشك رجع نور كمان. منشوفكيش قبل كده، كنتي واحدة منعرفهاش. -المهم إني رجعت. -فعلاً.. قوليلي السر بقى. -بعدين. نظرت حولها، قالت: -أمال فين تسنيم؟ لسه مجتش. -متعرفيش. -معرفش إيه؟ -النهاردة بيتحضر لاستقبال إيهاب. -تستقبله إزاي؟ -يا بنتي، إيهاب رايح يتكلم مع باباها بكرة عن ارتباطهم. تفاجأت كثيراً، وقالت: -بتتكلمي جد؟

-أيوه، قالت لي امبارح، وكانت فرحانة أوي. ابتسمت فريدة، لكن لوهلة تلاشت ابتسامتها، قالت: -زعلانة بس إنها مقالتليش.. رغم إننا اتصالحنا وجات لي بنفسها. -ممكن تليفونك كان مقفول أو مسمعتيش. -ممكن.. بس فرحنالها. -انتي باين إنك فرحانة من غير حاجة.. وأكيد سر الفرحة دي ياسين. يلا، قوليلي ف إيه. -لما نقعد. -شكلها حكايات كتير. ابتسمت الاثنان وذهبا، لكن رن هاتف يارا، ردت، تبدلت ملامحها: -مامان. نظرت لها فريدة من تغيرها، قالت:

-فين؟ تمم، أنا جايه. قالت فريدة: -ف إيه؟ -ماما تعبانة.. لازم أروح لها. -أجى معاكي. -مش مشكلة.. هسألهم ع العنوان، وانتي احضري محاضرتك. نظرت لها وهي تذهب، فدخلت هي للجامعة. -فريدة. توقفت ونظرت لها، وكانت يارا الذي نادتها، قالت: -ماما عايزكي. وصلوا إلى العيادة، دلتهم الممرضة عن الغرفة، حين رأت يارا. فذهبوا معها. وما أن دخلو، شافوا داليا كانت نائمة، زبائن عليها التعب، ومحمود الذي كان معها. ركضت يارا إلى والدتها بقلق،

وقالت: -ماما، انتي كويسة؟ تألمت من عناقها، لكن ربتت عليها، قالت: -أنا بخير، شوية تعب. نظرت إلى محمود بعتاب، وقالت: -مكنش لازم تقولها وتجيبها من جامعته. لم يرد عليها. نظرت يارا إلى والدها، وذلك الصمت، لتجد حزن به، قالت: -بابا.. ف إيه؟ -مفيش. نظرت إلى والدتها، قالت: -دكتور قالك إيه؟ -قولتلك شوية تعب. -احلفي. صمتت، نظرت لهما، قالت: -قولولي، أنا معدتش صغيرة.. انتي كويسة، مش كده؟ نظرت إلى والدها، وقالت:

-قولي أنت يا بابا.. ماما كويسة، صح؟ نظر محمود إلى داليا، التي نفيت له بعينيها برجاء، فتنهد وقال: -كويسة، متقلقيش.. معلش عشان خوفتك. سكتت يارا بشك، نظرت إلى داليا، أومات لها بتأكيد. نظر محمود إلى فريدة، التي كانت واقفة تنظر لهم، خرجت من نظراته. -فريدة. قالت ذلك داليا. نظرت لها، أشارت بأن تقترب. قربت منها، قالت: -انتي كويسة؟ سكتت، لكن بان الضعف والتعب، ونفت لها، قالت: -مش كويسة.. أنا مريضة. نظرت لها بقلق شديد، قالت:

-بس انتي قولتي. -مقدرش أقول ليارا.. لسه معرفش عندي إيه.. لما الأشعة تبان هعرف، بس كلام الدكتور يقلقني. نظرت لها، وقالت: -عارفة مستغربة بقولك انتي لي.. عشان انتي حلقة الوصل بيني وبين ياسين. ممكن لما يعرف قلبه يحن ويجيلي، ولو إنسانية. شعرت فريدة بالحزن عليها كثيراً. هل ياسين أوصلها لهنا، بأنها تريد أن يشفق عليها من مرضها، فيأتي إليها؟ -انتي وياسين أموركم اتحسنت، مش كده؟ تفاجأت كثيراً لمعرفتها. قالت: -أيوه.. عرفتي منين؟

-عارفة كل اللي حصل الفترة اللي فاتت.. وإنه ألغى جوازه ورجعك. -بس مظنش إن حد عرف، وعمي.. عني اللي قالك!! -قولتلك إني عندي عيون على ابني، فبيته.. وإلى انتي شكيتي فيها، كنت هي اللي بتوصل لي أخبارها. استغربت من ما قالته: -شكيتي فيها؟ -مين؟ -سنية.. كانت بتكلمني أنا. كان ذلك اسم الخادمة، الذي لاحظت فريدة أفعالها. اندهشت كثيراً، قالت: -انتي. أومأت لها، قالت:

-قالت لي ع اللي حصل، وكنت عايزة أقولك عشان متقلقيش، كنت عليها تديني أكلمك، بس ياسين جه، فمعرفتش. كان هيضايق مني أوي، بلاش تقولي له. -مش هقول له. خوفت تكون ميرال أو حد عايز يأذينا. صمتت داليا قليلاً، ثم قالت: -أنا آسفة. -ع إيه؟ -إني أدخلت، ومستنتش أنا ترجعيه ليكِ. استغربت، لكن ابتسمت، وقالت: -متقلقيش، ياسين رجع.. إحنا عايشين مع بعض، وميرال بعدت. -عارفة.. بس أنا كان ليا يد. -يد إزاي، مش فاهمة؟ -حصل بينكم حاجة، مش كده؟

تفاجأت كثيراً من معرفتها، قالت: -عرفتي منين؟ -فريدة.. تنهدت، وقالت: -ياسين كان تحت مفعول برشامة. صدمت فريدة من ما سمعته، ونظرت لها بشدة، قالت: -ف اليوم ده عرفت إن ميرال مش موجودة، وكنت عارفة إنها هترجع، لأنها مش هتسيبه ليكي، أياً كان. ليلتها سنية حطت له منشط في قهوته. اندهشت من ما تسمعه، بل أذهلت، وافتكرته: "لي عملت معايا كده يا ياسين؟ لي مبعدتنيش عنك؟

" "أنا آسف، معرفش عملت كده إزاي." "معاك حق، أنا اللي أغريتك وجبتك هنا." "بس كفاية يا فريدة.. والله مقصدش أنا.. أنا لو كنت قادر أبعد، كنت أبعدت، انتي عارفاني... أنا آسف." قال ذلك بندم، حتى أنه لن يكن يعرف ما الذي أصابه، فوق ذلك، كانت تلقي عليه بالأسئلة، وهو الذي كان حائر بشأنه، يسمع بكاءها، ويخبرها أن تصمت، ولا تعلم كم عانى من اتهامتها.

"لحظة ضعف.. صدقيني، يومها كان فيا حاجة غريبة.. لقيت نفسي هعمل الفل، مكنش قدامي غيرك، وانتي حلالي." "لو كان بإيدي كنت بعدت.. يومها حمدت ربنا إنك مراتى." "مستغلتكيش يا فريدة.. متبصليش كده، نظرتك بتقتلني." كان بالفعل يعاني من تأنيب الضمير، لمن؟ لماذا لم يكن يريدها بالفعل؟

لتتذكره في ذلك اليوم، أنفاسه اللاهثة، عيناه الغريبة، عكس ما كان يبعدها من قبل، بل هو الذي اقترب منها، ولم يبعدها عنه، حتى حين أرادت أن تبتعد، أخبرها أنها زوجته. هل كان لذلك لغرض الشهوة فقط؟ -لي عملتي كده؟ -ياسين كان هيتجوز يا فريدة.. كنت عايزة أساعدك، وكنت حاسة إن رضا يزيد، كان لازم أرجعك ليه، عشان تساعديني بإنه يرجع لي. -مقدرة حبك لي، بس انتي كده عملتي إيه غير إنك غصبتيه عليا؟ دمعت عينها وقالت:

-ممكن كان عايز ميرال فعلاً. -ياسين محبش غيرك، وأنا واثقة من ده. سكتت، فهو بالفعل اعترف لها أنه يحبها. تذكرت ليلتها، فكان معها بكامل مشاعره، الذي بادلته إياها. قالت: -بردو كان لازم حاجة زي تحصل بإرادته هو. -فكرك إن ياسين هياخد خطوة زي دي معاكي، وانتي مريضة؟ صدقيني مش هيعملها. نظرت لها باستغراب، لنقل:

-حتى لما كنتي معاه، سبب بعده عنك، وإنه ميقربلكيش، كانت بسبب مرضك، اللي حذر فيه جداً. هو مكنش هياخد خطوة زي في حياتكو، حتى لو كان عادي، هو بيخاف عليكي من أقل حاجة.. وهو لسه بتقولي إنه مبيحبكيش؟ عايزة من راجل عايزك تعيشي معاه بس، ومياخدش منك حاجة غير إنك تكوني قدام عينيه وكويسة.. هو ده ياسين يا فريدة.. بيحبك انتي. سكتت، كأنما لم تجد كلاماً تقوله. -أنا آسفة إني أدخلت.. يس ممكن انتي معاه دلوقتي بسبب اللي حصل، مش كده؟

-كنتي تعرفي إننا متجوزين؟ -أكيد، وإلا مكنتش عملت كده. -منين؟ -هو اللي قالي. قالت بدهشة: -ياسين؟ -آه.. كلمه عن وشك، وإنك مينفعش تقعدي معاه بحكم إنك بنت، وميربطكيش بيه. -عشان كده جاب ميرال.. بسبب كلامك خلاها تعيش معانا. أنا كنت بحترق بسببها. -هو جابها عشان ميضعفش قدامك، عشان عارف إنه لسه بيحبك، أما انتي كنتي مراته فعلاً. -انتي عايزة إيه؟ -عايزة ياسين.. معرفش عندي إيه، بس مليون احتياجي ليه بيزيد. رجعيه لي.

سكتت بتفكير، فتعلم أمر ياسين من ناحية والدته. أومأت لها، قالت: -هيحصل.. أوعدك هيرجعلك. ابتسمت لها بامتنان، فهي تثق في وعودها. طرق الباب، دخل محمود، نظر لهم، وشاف دموع داليا، التي مسحتها أول ما دخل. قال: -الدكتور قال نقدر نروح. -تمام. قامت، قرب منها وساندها. نظرت له فريدة، ومن حبه لها واعتنائه بها، فكيف لياسين أن يرى ذلك الرجل سيء؟ كيف له بأن يراهم مخطئان، وقد أخذا بعض عن حب؟ حمحمت، وقالت: -أنا همشي. -استنى.

أوقفها محمود، نظرت له، قال: -هخلي السواق يروحك. -مفيش داعي، معايا السواق.. شكراً لحضرتك. نظر لها، ذهبت وتركتهم. نظر إلى داليا، قال: -كنتي بتعيطي لي؟ كلمتك عنه؟ -كلامنا عليه هو بس يا محمود.. بحب أسمع أخباره. تنهد منها، ولم يتحدث.

كانت فريدة طوال الطريق تتذكر ياسين وما قالته داليا. "ياسين عمره ما كان هياخد خطوة زي دي معاكي". افتكرت تبريراته، وهو يحاول إرضاءها بأي شكل. سوء ظنها به دوماً، فقد ظنت أنه أراد أن يربطها به.. أن يأخذ حقه القديم منها.. أنه لن يراها سوى رغبة وانتهت، ولن يحاول أن يبتعد عنها لأنها لا تهمه. ظنت كثيراً به، ولن تستمع لتبريراته، وهو يقسم لها بأنه لن يقصد فعل ذلك، وكان النظام لأنه فقط استغلها وهي مريضة، رغم أنها زوجته. كان متضايق من نفسه.. ولا يعلم أنه كان تحت تأثير. لقد ظلمته كثيراً.. ظلمت ذلك الحب، الذي يبدو أنها تجهل الكثير عنه.

رجعت فريدة البيت، طلعت أوضتها، شافت ياسين، وكان واقف يتكلم في التليفون. نظر له وهو يتحدث، دمعت عينها، اندفعت إليه وعانقته من الخلف. اتخض ياسين، ونظر ليراها، اتفاجأ منها، قال: -فريدة.. -شكراً إنك مخذلتنيش. استغرب كثيراً حين قالت ذلك، شعر بأن هناك شيئاً. مسك يدها وبعدها ليوقفها أمامه، قال: -فيه حاجة؟ نظر لها بشك، قالت: -ماليش حق إني أحضنك؟ سكت، سحبها إليه وضمه، قال: -محدش ليه حق غيرك.

ابتسمت وعانقته، وهي تشعر بسعادة ذلك الشعور، تتمنى أن تشعر به دوماً.. سعيدة أنها ظلمته، سعيدة أن يخيب ظنها السيء دوماً. على العشاء، وهم يأكلون معاً، كانت فريدة تنظر إلى ياسين وتتساءل كيف ستفاتحه موضوع والدته. -عايزة تقولي حاجة؟ نظر لها، لتتفاجأ أنه لاحظها. نفت له، قالت: -لا. -كنتي فين؟ استغربت من سؤاله، قالت: -إيه؟ -قالوا لي إنك مدخلتيش الجامعة لما سبتك. عرفت إنهم حراسه. قال: -روحت عيادة.. حصلك حاجة؟ -مش أنا، متقلقش.

-امال مين؟ ارتبكت قليلاً، ثم قالت: -ده يارا كانت تعبانة، فمعرفتش أسيبها، روحت معاها، وراحت عليا المحاضرة. مش مشكلة. نظر لها ياسين، أومأ بتفهم. شعرت بأنه لن يصدقها، فسكتت. في اليوم التالي، صحيت فريدة باكراً. نظرت إلى ياسين، وهو نائم، قبلته برقة. ابتعدت عنه وذهبت. صحي ياسين، وأثناء وقلبه لم يجد فريدة بحانبه. فتح عيناه، ليراها واقفة أمام المرآة، وكانت ترتدي الأسود. نظر إليها، من هيئتها، اعتدل، قال: -فريدة. -صحيت.

قام واقترب منها، نظر لها، قال: -راحة فين؟ -النهارده سنوية أبويا. صمت وتذكر اليوم، فهي تذهب لقضاء اليوم عنده لزيارته، وتحكي له ملخص عامها بأكمله. قال: -راحة دلوقتي؟ أومأت له. لفت ونظرت له، قالت: -تعرف إنه جالي من يومين واتكلم معايا. -امتى؟ -لما كنت قاعدة في البيت. سكتت وهي تتذكره، قالت: -كنت وقتها بعيط أوي، وإنه زعلان مني. بس هو جالي وطبطب عليا، قالي مزعلش، وإنه عمره ما يرميني للهلاك. نظرت له وأردفت:

-قال لي اثق في اختياراته.. ومعرفش إنه بيتكلم عنك. كنت محل ثقة يا ياسين، مخذلتوش ولا خذلتني. نظر لها من كلامها ذاك، مسك وجهها وقبل رأسها بحب. نظر إلى عينيها، قال: -سلميلي عليه. -مش هتيجي معايا زي كل مرة؟ -ورايا زيارة للعمال. هخلصها علموا وأجي. مش عايزك آخرك، لو هتقدر استنى. أومأ لها بتفهم. نظر لها، قال: -خلي بالك من نفسك. -حاضر. ابتسمت له وذهبت. تنهد ياسين وذهب للحمام ليستحم.

وصلت فريدة عند المقابر. نزلت، دخلت، رآها الغفير، قال: -نورتي يا مدام فريدة. أومأت له، وسمت ريحة البخور، الذي أمرتهم إشعالها دوماً. مشيت، تبعها الحراس، لكن أوقفهم الغفير، قال: -فيه حاجة يا بشوات.. معلش، بس الميت ليه حرمته. نظروا إليه، فهذا عملهم. نظرت لهم فريدة، قالت: -معلش، خليكم هنا.. عايزة أبقى لوحدي. صمتوا، لكن وقفت كما أخبرتهم، فذهبت هي معه إلى الداخل. وقفوا في انتظارها، ورؤية من يدخل.

جلست فريدة عن قبر والدها، حكت شنطتها على جانب، وأمسكت الزهور، الذي أحضرتها لتوزعها على قبره. -آخر أمنية طلبتها منك، تحب لي وردة، بس وقتها إحنا كنا في شتا، مكنش في موسمه. برغم كده ميأستش وروحت عشان تجب لي الحاجة اللي طلبتها منك.. زي عادتك، مبتقوليش. دمعت عنها، وأردفت: -بس أنت رجعت لي وأنت عامل حادثة.. حادثة خدتك مني. تنهد، وهي تكبح دموعها وترتب الزهور، قالت:

-أكيد مش هعيط عندك عشان متجيش تشدني من ودني في الحلم وزعلان مني. أنا جايه أفرحك. وضعت يدها عند قبره، والأخرى عند بطنها، وهي تبتسم من بين دموعها، قالت: -أنا حامل.. هيبقى عندك حفيد. كان ياسين في عمله، بين مبنى يشرف عليه مع العمال. نظر إلى الساعة، وهو يفكر بها. قال العامل: -هنا يا ياسين بيه.. الخلل مش في العمدان، بس خطأ من العامل نفسه. -مش عايزة يتكرر.. هياثر على سمعة الشركة، والغلط هيبقى من عندنا إحنا. -إحنا آسفين.

-شوفوا شغلكم كويس. أوماوا له، ذهب وتركهم. كانت فريدة جالسة عند القبر، وقفت، لكن سمعت صوت. استغربت، مشيت ناحية الصوت قليلاً، لقيت واحدة كبيرة واقعة على الأرض. قربت منها بقلق، قالت: -انتي كويسة؟ -ساعديني يا بنتِ. سندتها فريدة، قالت: -محتاجة أي مساعدة.. دخلتي هنا إزاي أصلاً؟ -ضيعت طريقي. نظرت لها فريدة، نظرت حولها، قالت: -محدش معاكي؟ -لا.. ممكن شوية مية؟ -آه أكيد. راحت فتحت شنطتها، بس لقت أنها انتهت بالفعل. قالت:

-هخليهم يجيبولك مية. راحت تكلم الحراس، لكن قالت بحزن وخوف: -لا، مش عايزة مشاكل. أنا مش حرامية. نظر لها باستغراب، قالت: -محدش قال كده. هما عارفين المكان هنا، وبيجبولك اللي عايزاه. -لا خلاص، شكراً. -طب فيه سوبر ماركت هنا؟ -آه، أول ما تخرجي. بس هيحسبوني شحاتة، بيرموني برا. حزنت فريدة عليها، قالت بضيق: -إيه قلة الذوق دي.. فين السوبر ماركت؟ -برامشيت. فريدة أوقفتها المرأة، قالت: -مش من هنا.

-بس هنا الباب.. طول ما بدخل من هنا. -كده هيشوفوني وهيسألوني دخلتي إزاي، وأنا ع باب الله. -خلاص، منين طيب؟ -اسنديني. أسندتها، وذهبت معها، وهي ترشدها. لكن فريدة كانت قلقة، فهل تعرضت للاغتيال من زمن؟ لذلك لن تذهب كثيراً، سوى الخروج من هنا، برغم أنها ليست سوى عجوز، هي تفوق عليها قوة. كان الحراس واقفين بالخارج. رن ياسين، رد عليه: -فريدة لسه هناك؟ -آه، جوه. قال باستغراب: -انتوا مش معاها؟

-البواب قال لنا مينفعش نقف جوه عشان مدفن. قال بحدة: -قولت لكم متسبوهاش، حتى لو فين. ده كان زمان. تفاجأ من رده، قال: -المدام كانت عايزة تعقد لوحدها، وحضرتك قولت لنا نسمعلها. هاتها، أكلمها. ذهب لداخل، قال: -مدام فريدة. لكن توقف، ونظر بشدة، حين لم يجدها. خرجت فريدة من المقابر. نظرت خلفها، فهي لن تخطو بعيداً. قالت: -فين السوبر ماركت الأول؟ -اهو يا بنتِ، متخافيش.

نظرت فريدة، لكنه كان بنهاية. نظرت للمرأة، توقفت، ولم تتبعها. نظرت لها، قالت: -مش هعرف أروح هناك، هخليهم يجيبولك غير كده، لال. لفت فريدة، ودخلت، لكنه وجدت من يمسكها ويسحبها بقوة. نظرت وانصدمت، لتجدها تلك المرأة، ويبدو عليها القوة، عكس ما كانت تظهر. -بتعملي إيه؟ زقها بقوة، ولسا هتجري، لقت إلى بيظهرو قدامها، وكانت نساء مخيفين. -انتو مين؟ -امسكوها بقوة. صرخت وقالت: -ابعد، سيبوني.. عايزين مني إيه؟

كتموا بقها وسحبوها خلف الجدار في الخفاء. عضت أيدهم جامد، وصرخت، لكن هناك من لفت قماش حول فمها. تألمت، لكن لم تعد تستطيع إخراج صوتها. ليمسكوها كل واحدة من الجانب، ويقفون هالة أمامها. -إحنا بننفذ وبس. انصدمت فريدة من ما تعنيه. سرعان ما ركلتها بقوة أسفل معدتها، لتصرخ من شدة الألم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...