اتصلت بدرية بالمنشاوي وأخبرته بما حدث، فمر عليهم وكذلك سليم. ولكن عند وصولهم، كانت الشرطة تحقق في الأمر وفي انتظار سماع أقوالها. وقرروا بقاء كريم بالقسم حينما علموا بأنه من صدم فريدة بسيارته حتى صباح اليوم التالي. قضت سماح ليلتها بجانب ابنتها في المشفى، في قمة حزنها تراقبها وتنتظر منها أن تستفيق وتعود لوعيها لتفهم منها ما حدث وتجد إجابة لتساؤلاتها.
أما بدرية فعادت إلى المنزل هي وسليم والمنشاوي، على وعد بالعودة في اليوم التالي لضرورة بقائها في المنزل. عادوا إلى المنزل، جلست بدرية في تعب تحادث زوجها: "أنا مش قادرة أصدق في يوم وليلة حياتنا تتخرب بالشكل ده." جلس المنشاوي بجانبها قائلاً: "الحمد لله إنها جت على قد كده يا بدرية." ردت في ضيق:
"أكتر حاجة واجعة قلبي في الموضوع لما سماح كان أكتر شيء مزعلها إن بنتها مش هتقدر تمشي على رجليها تاني وكده مش هتلاقي حد يرضى يتجوزها. هي قالت كده وكانت منهارة وكلامها وشكلها مقطع قلبي ومش بتغيب عن بالي." رد المنشاوي في حنق: "الله! هي في إيه ولا إيه. هو ده وقته تفكر بالطريقة دي، ما كل واحد بياخد نصيبه يا بدرية." نظرت له في رجاء قائلة: "أنا في حاجة بتدور في بالي من امبارح ولازم ناخد خطوة فيها عشان قلبي يرتاح."
تساءل المنشاوي: "حاجة إيه دي؟ ردت في توتر: "أول ما فريدة تفوق والوضع يستقر شوية نخلي سليم يخطبها. بكده أختي هتطمن والبنت هتفرح، وهي وسليم مع بعض من صغرهم فـ أكيد هيكون سعيد معاها ويتحملها وهو أولى بيها من أي حد تاني! نظر لها المنشاوي في غضب شديد ثم قال: "انتي واعية لكلامك ده! عارفة يعني انتي بتقولي إيه؟ "بقول إيه يعني؟ بقول اللي كان لازم يتعمل من زمان. هو مش من زمان ومعروفة سليم لفريدة! وكمان...
قاطعها المنشاوي قائلاً: "بصي انتي أحسن لك تقفلي على الموضوع ده لأنك مش بتفكري بعقلك وبتفكري بعواطفك، وأنا هعتبرك ما قولتيش حاجة خالص عشان مش ابني في الآخر اللي يشيل ذنب حد تاني. وبعدين وهي سليمة أو مش سليمة.. ابنك عمره ما كان حاببها ولا ميال ليها." " بتتكلم يعني وكأن فريدة وحشة! مالها فريدة بنت جميلة وغنية. انت ناسي إن باباها سايب لها ورث كتير أوي وابننا أولى بيها من الغريب! رد المنشاوي في حزن: "تعرفي!
أنا عشت معاكي سنين كتيرة أوي بس أول مرة أعرف إن تفكيرك كده. أحب أقولك إن كلامك ده كله ماينفعش لأسباب كتيرة. أولاً لأن ابنك بيحب زهرة ومش بيحب فريدة. ولو هندور عالأولى بقى هتبقى زهرة مش فريدة وانتي عارفة الفرق بينهم كويس أوي." قامت بدرية عن مقعدها في غضب قائلة: "انت إزاي تقارن بنت أختي بنت العز بالبنت دي؟ ومعلش مين دي اللي ابني أنا يتجوزها؟! أسند ظهره للخلف فقال بهدوء:
"زهرة مش غريبة وسبق قولتلك كده. وجميلة ومحترمة وهتبقى دكتورة، وابنك بيحبها أنا متأكد إنه ميال ليها." صمت قليلاً ثم استطرد قوله: "أنا سعادة ابني أهم عندي من أي حاجة." تنـهد ثم قام عن مقعده قائلاً: "وفوق كل ده.. أغنى من فريدة بمراحل بس الفلوس مش كل شيء، وعموماً لو سليم اتفق ووافقك الرأي أنا كمان هوافقك على كلامك. تصبحي على خير يا حبيبتي." قالها ثم غادر إلى غرفته لينام، تاركاً بدرية خلفه تتسائل في حيرة: "غنية!
إزاي دي حتى عايشة في مكان وبيت بيدل على مستواهم المادي القليل، لبسهم وشكلهم مابيقولش إنهم أغنية أبداً.. الموضوع فيه حاجة غامضة وأنا مش هرتاح ولا يهدالي بال غير لما أفهمها.." *** في صباح اليوم التالي، يوم جديد في حياة سنية وابنتها زهرة مليء بالسعادة والأمان. قامت زهرة تزيح الستائر وتطلق العنان لأشعة الشمس بغزو المكان بأكمله وملئه بالنور والدفء قائلة: "صباح الخير يا أجمل أم في الدنيا." ابتسمت سنية قائلة:
"صباح النور يا قلب ماما. إيه عملالنا فطار إيه النهاردة! ردت في حماس: "زي ما حضرتك شايفة كده.. فطار ملوكي يستاهل بقك، هتاكلي زي الشطورة وتاخدي علاجك." ضحكت سنية فقالت: "هو مين فينا أم مين." زهرة: "يا ستي اعتبري نفسك ابنة ابنتها." "ربنا ما يحرمني منك." بدأت سنية في تناول فطورها ثم تساءلت في قلق: "تفتكري يا زهرة الجماعة عاملين إيه! من امبارح لا حس ولا خبر وحاسة إني مش متطمنة." أجابت زهرة:
"ربنا يستر ماتكونش اللي اسمها فريدة دي سببت مشاكل لسليم. أنا خايفة نخسر المنشاوي بيه أو يزعل من اللي حصل، تفتكري يا ماما اتسرعنا؟ أجابت سنية بتردد: "والله ما أنا عارفة يا ابنتي بس بعد ما نفطر اتصلي بسليم اتطمني وطمنيني." "لأ.. أنا مش هتصل بسليم." تساءلت في تعجب: "ليه بقى إن شاء الله!
"أنا بصراحة مش مرتاحة للي حصل امبارح ده. يعني ازاي قدرت أعمل كده وأقبل أن نقرأ فاتحة مع سليم من غير علم باباه ومامته.. أضمن منين إني مش هكون أقل من كرامتي وأهله يرفضوا الموضوع، شوفي هما فين واحنا فين وانتي عارفة الناس اللي مستواها كده بيرتبطوا بطبقات تناسب مستواهم الاجتماعي، أنا إيه يدخلني بينهم! أضمن منين إن سليم بيحبني بجد مش بيشفق عليا، أكيد أنا صعبت عليه." نظرت لها سنية في صدمة قائلة:
"إيه ده إيه ده كله، وتصعب عليه ليه بقى إن شاء الله انتي مش أقل من حد وكفاية تعليمك وبكرة تبقي دكتورة قد الدنيا." زهرة: "يا ماما يا حبيبتي افهميني، رحم الله امرئ عرف قدر نفسه. خلينا إحنا برا كل ده وهو يتصرف مع أهله، إن كان من نصيبي هيجيلي مع أهله غير كده لأ." "اللي يريحك يا زهرة أهم حاجة يا ابنتي تكوني قلبك مرتاح ورايق بالك وتركي في مذاكرتك، وأنا مش طالبة منك أكتر من كده. أنا الحمد لله شبعت هاتي العلاج بقى... ***
استيقظت بدرية والمنشاوي وسليم ذهبوا جميعاً إلى المستشفى. وصلوا إلى غرفة فريدة، كانت مستيقظة تبكي من الألم وعلى حالها هذا عندما علمت بما تسبب له الحادث. وبجانبها سماح تحاول مواساتها، لكنها ما زالت تشعر بالغضب فعنفتها قائلة: "كده بردو يا فريدة توجعي قلبي عليكي يا ابنتي ليه مسمعتيش كلامي شوفتي حصلك إيه من ورا تهورك ده." ردت فريدة في حنق من وسط دموعها:
"اللي حصل بقى يا ماما أنا مش حمل تأنيب وعتاب، آديكم شايفين حالي إيه واللي فيا مكفيني. أنا هموت من التعب يا ماما نفسي أروح البيت ومش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أرتاح وأعيش في سلام وبس أنا مبحبش الدكاترة والمستشفيات والعلاج والحاجات دي كلها أرجوكي خليهم يمشوني." دخل عليهم المنشاوي والدكتور المختص بحالة فريدة والممرضة أحضرت كرسي متحرك. المنشاوي:
"ألف سلامة عليكي يا فريدة، متخافيش يا حبيبتي إحنا معاكي لحد ما تبقي زي الفل وتمشي على رجليكي تاني." نظرت إليهم فريدة بعد أن لاحظت كرسي متحرك بين يدي الممرضة ثم قالت في غضب: "إيه ده الكرسي ده أكيد أنا مش هتحرك بيه." هتفت سماح في ضيق: "يابنتي حرام عليكي بقى ماتعمليش فيا كده." تقدمت منها بدرية وأخذت تربت عليها في حنان قائلة:
"فريدة حبيبتي إهدي عشان خاطري، إحنا هنستعمل الكرسي ده مؤقتاً وهنكشف عليكي ونروح لكل دكاترة مصر وبرا مصر كمان لو اضطرينا. صدقيني مش هنسيبك! وعد.. ماشي يا فريدة؟ أومأت فريدة إيجاباً وهي تبكي في حزن قائلة بصوت خافت: "بس أنا هتكسف أمشي بيه يا خالتو، سليم لو شافني كده مش هعجبه وأصحابي هيتريقوا عليا." هتف الطبيب قائلاً:
"أنا أعرف دكاترة كويسين برا مصر هيفيدونا في حالة فريدة بإذن الله والموضوع مش مستحيل يعني. أنا كتبتلها على علاج وتقدر تروح البيت بس بعد ما الظابط يحقق معاها، هي هتفضل ٣ شهور نايمة على ضهرها لحد ما الكسور في جسمها تخف وترجع لطبيعتها. وبعدها نبدأ نمشي في حل مشكلة الفقرات ونسفرها تعمل العملية، عايز أقولكم إن الحادثة مكانتش هينة والحمد لله إنها لسه عايشة بعد اللي حصلها." هتفوا جميعاً بالحمد لله ثم استأذنهم الطبيب وخرج.
في تلك اللحظة دخل عليهم والد كريم ووالدته بعد أن طرقوا على الباب عدة طرقات. نظرت لهم فريدة وتساءلت باستنكار: "مين دول؟ أجابت سماح في حنق: "دول أهل الشاب اللي خبطك بعربيته." انهارت فريدة وأخذت تصرخ في غضب وبكاء شديدين قائلة: "حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا ينتقم منه ويحصله نفس اللي عمله فيا." تنحنح المنشاوي وهتف سريعاً: "خلاص يا فريدة ميصحش كده، مهو مكنش قاصد يدمر حياتك ومستقبلك يعني..! أجاب والد كريم "الشربيني":
"معلش سيبها أنا عارف إن صدمة الموضوع كبيرة عليها. بس دلوقتي يا آنسة فريدة العلم اتطور ومافيش حاجة مالهاش حل، إحنا معاكي وأنا مستعد أتكفل بأي حاجة هتحتاجيها علشان تقدري تمشي على رجليكي تاني. بس أنا ليا عندك رجاء." نظرت له فريدة تنتظر منه أن يكمل حديثه فقال: "في ظابط هييجي يحقق معاكي، لما ييجي يحقق معاكي عن الحادثة قولي له إن كريم ابني كان ماشي بسرعة طبيعية و...
وإنك خرجتي قدامه فجأة. أنا آسف إني بطلب منك كده بس أنا رجل أعمال ليا اسمي في السوق مش عايز حاجة تأثر على سمعتي لمجرد حادثة قضاء وقدر! ثم أخرج دفتر شيكات من جيب سترته وقال: "وياستي لو عايزة تضمني حقك أنا مستعد أمضيلك شيك على بياض تحطي فيه الرقم اللي يعجبك وأنا معاكي في أي مصاريف تحتاجيها. ها قولتوا إيه..؟ ردت فريدة في غضب: "يعني إيه عايزني أطلع نفسي غلطانة وهو ملاك بريء معملش حاجة!
لأ لازم يتربى وياخد عقاب اللي عمله فيا." هتفت والدة كريم برجاء: "أرجوكي يا ابنتي ساعدينا ومتخليش مستقبل الولد يضيع. يا أستاذة سماح إنتي أم وهتحسي بيا ابني لو مش كويس مكانش وقف وفضل جنبها واستسلم لأمر القضاء. خلوه يخرج بس من القسم واحنا هنعمل كل شيء يرضيكم." صمتت فريدة ونظرت سماح إلى بدرية في حيرة وكأنها تحاول أن تستعين برأيها فيما يقال. أومأت لها بدرية إيجاباً تعبر لها عن موافقتها. فقالت:
"خلاص يا فريدة اعملي زي ما بيقولوا يا ابنتي وسيبي أمرك لله." ردت بدرية: "يمكن ده يكون سبب لشفائك وتيسير أمورك يا فريدة." أومأت إيجاباً. فأخرج الشربيني شيك على بياض وقدمه إلى فريدة فسحبته ونظرت به ثم وضعته جانباً في صمت فقال: "أنا متشكر جداً على تفهمكم. وأنا على وعدي." استطرد قوله: "طيب إحنا هنخرج نشوف تفاصيل الحالة من الدكتور وهنرجع تاني. بعد إذنكم." ***
في بيت سنية رن جرس المنزل قامت لترى من الطارق فوجدت أمامها سليم. هتفت في ترحيب: "أهلاً يا ابني اتفضل اتفضل." دخل سليم ثم جلس على الأريكة وتساءل: "شكراً لحضرتك. أمال هي فين زهرة، بكلمها ومش بترد عليا، قلقت وجيت اطمن بنفسي لا يكون حصل حاجة. هيا كويسة؟ أجابت: "آه يا ابني كويسة الحمد لله، استنى هدخل أناديلك عليها تتكلم معاها بنفسك."
ذهبت سنية لتنادي على زهرة، رفضت مقابلته في بادئ الأمر لكنها اضطرت للخروج من غرفتها بعد إصرار سنية عليها وإخبارها بضرورة التحدث معه في أمرهم. خرجت زهرة من غرفتها بعد أن وضعت الحجاب فقالت: "السلام عليكم." "وعليكم السلام. أزيك يا زهرة؟ تركتهم سنية يتحدثون وذهبت لإعداد الشاي. جلست زهرة إلى جانبه فقالت: "الحمد لله في نعمة." تساءل: "ولما هو الحمد لله في نعمة مش بتردي على اتصالاتي ليه؟ تعجبت زهرة من أسلوبه ثم أجابت:
"بص يا سليم أنا هكلمك بصراحة، أنا حاسة إننا استعجلنا في اللي عملناه امبارح. مكنش ينفع نعمل كده من غير علم باباك ومامتك. وكان لازم الأول تتأكد من موافقتهم قبل موافقتي. أنا حالياً رافضة ارتباطي بيك لعدة أسباب. أول وأهم سبب: إننا مش مناسبين لبعض. وقلبي حاسس إن مامتك وباباك هيرفضوني وأنا مستحيل أجي على كرامتي." رد سليم: "زهرة أنا بحبك! عارفة يعني إيه بحبك؟ يعني لو كل الدنيا وقفت قصادي في طريقك هتجاوزهم وأبقى جنبك."
شعرت بسعادة بالغة لما سمعت ثم أجابت في جمود: "الحب مش كل حاجة يا سليم. ياريت لو تعتبر اللي حصل ده محصلش لحد ما تتكلم مع أهلك وتشوفهم موافقين ولا لأ، ولحد ده ما يحصل أنا بحلك من أي وعد من اللي اتقال امبارح. أرجوك بلاش تحطني في موقف وحش مع باباك ومامتك أو تكرههم فيا." رد سليم في صدمة: "بس انتي كنتي مبسوطة امبارح ليه النهاردة بتقولي كده؟
"راجعت نفسي يا سليم ولقيت إني كده بفكر صح حفاظاً على كرامتي وقلبي ودا مش وقت مناسب أبداً لكل اللي بيحصل ده." تنـهد ثم قال في ضيق: "طيب ياستي اللي يريحك. عموماً أنا هعمل اللي عليا لآخر نفس، وعمري ما هبطل أتمسك بيكي مهما حصل. لإني زي ما قولتلك حبيتك واختارتك ليا وأنا عارف إني عمري ما هلاقي بنت زيك دلوقتي أقدر أأمنها على نفسي وتشيل اسمي وتبقى أم ولادي." دلفت سنية تحمل بين يديها الشاي فـ هَم قائماً
عن مجلسه ليذهب فقالت سنية: "على فين مش لما تشرب الشاي." نظر إلى زهرة نظرة عتاب فقال: "لأ بعدين بقى. لما يبقى وقت مناسب إن شاء الله." غادر حزيناً وكانت زهرة في هذه اللحظة تشعر بأن قلبها مقهور تخاف أن تخسره للأبد لكنها مقتنعة بأن ما فعلته هو الصواب قائلة في نفسها: "آجي على قلبي وأوجعه أحسن ما آجي على كرامتي وأخسرها، ولو كان قلبي سلمة هترفعني لفوق درجة هدوس عليه ولا إني أسمح لحد يدوس عليا ويطلعها.."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!