استدارت بوجهها للخلف. لن تستطيع أن ترى تلك الوقاحة أمام مرمى بصرها. تناولت أحد العصائر الموضوعة على الطاولة لتتوجه إلى مكان أكثر هدوءاً. لا تعلم كيف الوقت مر عليها وهي تنظر نحو الفراغ. يوجد شيء خطأ! يوجد شيء غير مكتمل في الصورة. تسعى جاهداً لمعرفة ذلك الجزء المفقود منها ولكن بلا فائدة. استدارت للخلف لتتفاجأ بوجود الحارس أمامها وهو يتمتم براحة: -سيدتي أنتِ هنا. هزت رأسها إيجاباً وهي ترد بتعجب: -نعم، هل يوجد مشكلة؟
-كلا، تفضلي. السيد زين كان يبحث عنك. توجهت معه وهي تسير بخطوات بطيئة للغاية حتى وصلت إلى المرآب. كان يضع بكلتا كفيه في جيبي بنطاله ويتكئ بجزعه العلوي على السيارة. وما إن رآها حتى استقام وهتف: -أين كنتِ؟ غمغمت في خفوت: -كنت في ركن هادئ، لم أتحمل الضجيج. لم تمنع عيناها من تفحص وجهه إن كان يوجد به أي آثار من تلك الحقيرة. توقفت عن التمعن في وجهه عندما تقابلت أعينهم للحظات. عيناه كانت متسائلة.
ابتسمت في خفوت وهي تطأطأ برأسها للأسفل وتصعد السيارة. لا تريد أن يفهمها بأي شكل خاطئ. لا تريد أن تدمر أي شيء. لا تريد أن تسأله عن تلك الفاتنة. قلبها سيتألم. سيؤلمها أكثر إن أخبرها أنها من الماضي. لذلك عزمت أنها لن تسأله أبداً عن الماضي. ***
إجتمع الجميع ما عداه كعادة كل يوم. ما بين المزاح والضحك. رغم مرور وقت قصير على معرفتهم إلا أنها تشعر أنها تعلمهم منذ وقت طويل للغاية. نظرت للمقعد الفارغ بشرود. لم يأتي منذ أسبوعين. ما الذي يريد أن يوصله لها؟ أنها السبب؟! هتفت بتساؤل: -أين تيم؟ تطلعت إلى نظراتهم الحائرة، لترد جاسمين بلا مبالاة: -يبحث عن العمل. -لقد مر أسبوعان ولم يجد وظيفة! لكن هذا لا يمنعه للمجيء. صاحت بها بتعجب، لتتولى ليلي الرد عن جاسمين:
-ليان.. تيم يمر بفترة سيئة. تعلمين أن عمله كان يعتبر كالشغف بالنسبة له. ولكن الآن كونه عاطلاً وتغير الروتين الخاص به يجعله مشوشاً وغير متزن. سيأتي في الغد أو بعد الغد. لا تقلقي، تيم قوي، أليس كذلك جاسمين؟ نطقتها بحماس زائف وهي تغمز لجاسمين. بللت جاسمين شفتيها وهمست مؤكدة: -بالطبع، لا تقلقي. -يا بنات، لم أخبركم ماذا حدث بعد أن أخبرني أنه يطلب رقمي.
ذلك الصوت الذي خرج من فم سلمى جعلها تصمت وهي تطالع أعين ليلي وجاسمين الهاربة. كانت تتحدث سلمى بسعادة بسبب وجود شخص أبدي إعجابه بها. لم تستمع إلى باقي التفاصيل لأن عقلها كان شارداً من جهة زين ومن جهة أخرى تيم. ماذا فعل زين له؟ ***
ظلام دامس يعم المكان ولا يوجد بصيص نور في أنحاء شقته بأكملها. استطالت لحيته بشكل شنيع وهيئته أصبحت كهيئة إنسان يعيش في الغابة. انعزل عن الجميع. لم يكن يريد أن يصبح سلبياً بتلك الدرجة لكن قواه قد خارت. قلبه توقف عن الحياة. يعيش أيامه بالطول والعرض، حتى أصبح لا يعلم كم الساعة الآن وما هو اليوم. قام من مقعده عندما سمع صوت رنين جرس على الباب متواصلاً. أمسك المقبض وفتح الباب بأعين ناعسة. -واخيراً، فينك يا عم من الصبح.
نطقتها سارة بشقاوة وهي تشيح بذراعه الذي عرقلها من الدخول. جالت ببصرها إلى المنظر الكارثي وشقته التي أصبحت كمدخنة قطار قديم لا يفعل شيء سوى تغطية المكان بالأدخنة. سعلت بقوة وهي تمتم بسخط: -ايه ده، إنت بتشرب ولا بتستحمي سجاير؟ أزاحت الستائر المغلقة ليبدأ الضوء بالتسلل للداخل. استنشقت هواء الصباح بانتعاش. -علفكرة أنا جيت قبل محاضراتي علشان هتوصلني بعربيتك للكلية بتاعتي. جلس على المقعد وهو يلتقط لفافة
من التبغ وهتف بخشونة: -سارة، أنا مش ناقص صداع. لو في حاجة مهمة جاية تقوليها قولي، غير كده إتفضلي. تمتمت بضيق وهي ترمي بحقيبتها على الطاولة: -حيوان وغبي وهتفضل طول عمرك كده معندكش ذوق. عقاباً بقي هننزل نفطر ونروح. صاح بغضب وهو يرمي باللفافة في المطفأة التي امتلأت ببقايا السجائر: -سارة، لمي لسانك. -يلا قوم كده ظبط نفسك وإحلق البتاع ده، عشان عايزاك في موضوع مهم.
نطقت بها بتقزز وهي تشير بأصبعها نحو لحيته التي جعلتها تشعر أنها تشاهد أفلام من العصور الوسطى. تنهد شهاب بضيق وهو يقوم: -بس صدقيني مش هرحمك لو اكتشفت أن فيه موضوع تافه نزلتني عشانه. عضت شفتيها السفلى تكتم ضحكتها بصعوبة. تطلعت إلى وجهه الغاضب وهيئته التي شبيه بالهنود الحمر. يحتاج فقط إلى فرو أي حيوان وسيكون مريع. ***
جلس على المقعد بتأفف شديد وكما توقع، تلك الصغيرة تتحدث في مواضيع لا تخصه بصلة. تحدثه عن كليتها وإختباراتها ثم تنتقل إلى مواقف طريفة وهو حتى الآن لا يعلم لماذا أذعن لطلبها. -يا شهاب، ركز بس، اسمع النكتة دي هتعجبك والله. هتفت بها سارة وهو تتمسك بصعوبة في محاولة عدم الضحك. ارتشفت الماء ببطء وحمحمت بجدية عندما رأت نظرات شهاب التي تحرقها.
-مرة فيه واحد حب واحدة، بس للأسف الواحد محاربش عشان يكسب حبه. معندهوش لا جرأة ولا شجاعة عشان يكمل. إنسحب من أول معركة. المهم بقي، تفتكر دي نهاية حكايتهم؟ أقدر أقول أه ولأ في نفس الوقت. أقول لأ علشان الواحد ده أنا متأكدة إنه هيرجع تاني يكمل معركته ومش هيسيبها إلا لما يفوز. وأقول أه علشان الواحدة دي اللي بيحبها هيكون كتب كتابها آخر الأسبوع. أظلمت عيناه فجأة وهب من مقعده على الفور. -إهدي بس يا عم، أنا لسه مخلصتش.
أزاح بيديها عن ذراعه وهتف بقسوة: -سارة، سيبيني دلوقتي. بنبرة مستعطفة هادئة قالت: -يا شهاب، لو سمحت، الإنسان وقت غضبه ممكن يعمل تصرف يندم عليه طول حياته. جز على أسنانه بغيظ: -إنتِ مش عارفة إنتِ قولتي إيه! بتقوليلي كتب كتابها آخر الأسبوع. خلاص هي كمان استسلمت ووافقت ولا هي كانت عارفة وموافقة؟ -شوفت أهو ده أنا اللي خايفة منه. غضبك وتهورك ممكن يضيعوك في لحظة. إهدي بس واسمعني. *** تلألأت الدموع من مقلتيها وهمست بفرح:
-بجد متعرفيش بتوحشوني قد إيه. مسحت سارة دموعها وابتسمت: -اضحكي، ده إنتِ لسه كلمتيني إمبارح. -وحشتوني جداً. عبست سارة بملامحها وهتفت: -خلاص، إنزلي مصر. تلعثمت ليان: -بس أنا يادوب هكمل شهر. رفعت سارة حاجبها باستنكار: -لا والله. المهم طمنيني نينا واللي واكل الجو عاملين إيه؟ مرتاحة هناك؟ -تمام، نينا بتسلم عليكِ، وكويسة تمام ومرتاحة والدنيا ماشية تمام. تنهدت سارة براحة:
-بس متنسيناش ها، حاولي تنزلي مصر علشان بجد وحشتينا. يلا بقي سلام علشان ألحق محاضرات بكرة. أغلقت الحاسوب وتنهدت بضيق. والدها ووالدتها دائماً يخبرانها متى ستعود؟ كيف ستعود وبالكاد مضى شهر بمفردهم. هي أيضاً تشتاق لهم وبقوة ولكن كيف ستكون ردة فعله إن أخبرته أنها تريد العودة إلى موطنها. علاقتهم تحتاج إلى المزيد من الوقت وبالكاد هي تخطت العقبة الأولى من حياتها. رنين هاتف من رقم غريب جعلها تتساءل صاحب ذلك الرقم. وضعت الهاتف
على أذنها وهتفت بتساؤل: -مرحبا؟ صوت ضجيج من الخط المقابل وصوت فتاة تهتف بصوت عالٍ بالكاد التقطت الحروف من أذنها: -ليان، لقد اشتقت لكي. لحظة... لحظة، لا تخبريني أنك لا تعلمين من أنا. صوتها ليس غريباً، ولكنه مميز. هتفت بابتسامة: -علياء. ضحكت علياء وهي تصعد السيارة: -آليا، نعم إنها أنا. أريدك أن تعلمي أنني قد عدت إلى لندن. في الصباح سآتي للمنزل لكي أدردش معك. رغم غرابة الأمر هتفت: -حسناً. أجابت علياء بمرح:
-رائع، سأقابلك غداً. أغلقت هاتفها ووضعته جانباً. نظرت للساعة المعلقة على الحائط لتجدها الثانية عشر. لم يأتي إلى الآن!! سحبت الشرشف وتدثرت جيداً. أغمضت جفنيها لأن غداً سيكون يوم حافل للغاية. ***
صعد إلى غرفتها، بل غرفتهم في الحقيقة. آخر مرة شعر بدفء جسدها عندما أخبرها أنه يحتاج لوقت. توقع أن ترفض أو تثور لكنها وافقت. لا يعلم إذا كانت موافقتها بعد يأس أم أنها كانت تنتظرها. فتح الغرفة بهدوء ليجد الظلام يغلف المكان. خلع حذائه وألقى سترته جانباً. فك أزرار قميصه العلوية وتوجه نحو الفراش. سينام بجوارها الليلة بضع ساعات فقط ثم سيقوم حتى لا تستيقظ هي على غفلة. لا يعلم لماذا يخشي أن تستيقظ وتراه كلص الذي يخشى أن يراه الضابط.
سحب جسدها نحوه. وضع بيديه على خصرها ودفن بوجهه في عنقها. رائحتها تجعله يشعر بالراحة والطمأنينة. هي مصدر سلام آمن لداخله. لم يكن يعلم أن صاحبة أعين البندقيتين ستجعله يشعر بتلك الراحة بعد كل تلك السنوات الماضية المؤلمة. "دائماً هناك شخص يكسر قوانينك التي وضعتها دون أن تستطيع منعه." ردد العبارة بابتسامة هادئة ليشدد من معانقة جسدها نحوه وهو يهتف بعبارات مطمئنة. لن ترحل... لن ترحل... لن يدعها ترحل. ***
-إنك تمزحين، لما لم تذهبي إلى تلك الحقيرة وجذبتيها من شعرها؟ صاحت بها ليلي بانفعال أمام نظرات ليان المتألمة. تأففت بضيق عندما رأت محاولة ليان الفاشلة في أن تتحكم في دموعها. -اتركي دموعك يا فتاة، أنتي تغارين عليه إذاً لما لم تذهبي وتلتصقي به؟ لماذا هربتي؟ انهارت ليان وصورة تلك الحية لا تغادر أبداً من خيالها. -لا أعلم، كنت أخاف بشدة. أنتي لم تريها، تلك كانت فاتنة، أما أنا كنت كـ... -واللعنة، اصمتي.
تريثت ليلي قليلاً وهي تنظر إلى حالة ليان المتدمرة أمامها. -أنتِ جميلة للغاية لكن ينقصك الثقة. انهارت ليان لتمسح دموعها بكفيها كالطفلة الصغيرة. -تقولين هكذا لتواسيني، أنت لا تعلمين كيف كانت تلك الجذابة الحقيرة بذلك الفستان. ضربت ليلي بكفها على جبهتها هزت رأسها يائسة. -حسناً، هذا لن ينفع. تريثت قليلاً وقالت ببعض الأسف:
-ليان، أنا آسفة على قولها ولكنك غبية، أتعلمين لو كنت مكانك كنت اقتلعت خصلات شعرها ثم أمسكته من ذراعه وقبلته بدلاً منها. اعترضت ليان هاتفه: -ليلي، لم أقل أنه قبلها بل هي التي كانت قريبة من شفتيه. لا أعلم إن قبلته أم لا؟ ارتفع حاجبا ليلي باستنكار: -معذرة، ولكن مشكلتك في القبلة فقط وليست أنها هاجمت بجسدها عليه. تنهدت ليان وزفرت بقلة حيلة:
-حسناً، أعلن راية الاستسلام. أكره أن تقبله امرأة ولو من وجنتيها وأكره أن تحتضنه امرأة وأكره أن تقترب منه أي امرأة وأكره إن ابتسم لأي امرأة ولو بابتسامة باردة وأكره جميع العاملات معه في الشركة. هل أنتي سعيدة الآن؟ اتسعت ابتسامة ليلي بحالمية: -إنك ذائبة به يا فتاة مثل السكر الذي يذوب في القهوة. -أعلم، ولكن هل هذا يجعلني أفرح أم أتوتر؟ -بالطبع تفرحين، أين التوتر؟ مطت شفتيها بعبوس: -حقاً لا أعلم.
همت ليلى بالحديث ليقاطعهم صوت ذكوري يهتف بهدوء: -مرحبا يا فتيات. وبصوت واحد متعجب ومستنكر قالتا: -تيم. جلس تيم على مقعده المخصص وهتف بابتسامة هادئة: -يبدو أنكم لا تريدون رؤية وجهي. نفت ليلي رأسها وهبت من مقعدها: -كلا كلا، لقد تفاجأت قليلاً. سأذهب إلى كمال وسآتي فوراً. تطلعت ليان إلى ليلي حتى اختفت عن مرمى بصرها. هتف تيم بابتسامة هادئة: -كيف حالك ليان؟ -كيف حالك أنت؟ غمغم في خفوت: -جيد نوعاً ما. ردت باستنكار:
-نوعاً ما؟! -نعم، كما تعلمين، أنا شبه عاطل عن العمل. حتى الآن لم تقبل أي جريدة توظيفي، وصاحب الشقة يريد أجرته وإلا سيقوم بطردي. لا أعلم كيف تلك الأشياء حدثت في ليلة وضحاها. سترسم ابتسامة بلهاء، لا يوجد غير ذلك. تعلم أن زوجها فعل ذلك ولكن ما هو السبب؟ -سيكون كل شيء بخير. رد بيأس: -أتمنى ذلك حقاً. *** عادت للمنزل لتجد الجدة وعلياء يتسامران بمرح وصوت ضحكات تنفلت من بين شفتي علياء. حمحمت بهدوء: -مساء الخير. صاحت الجدة:
-مساء الخير، هيا تعالي. تقدمت نحوها وجلست على الأريكة. اتسعت ابتسامة علياء: -جيد أنكِ أتيتِ، كنت سأذهب بعد قليل. غداً سيكون حفلة لمصممي الأزياء، وطبعاً ستكونين أنتي حاضرة. عضت شفتيها السفلى بإحراج: -لكن... قاطعتها بنبرة حاسمة: -كلا كلا، سأقوم بعمل عرض لي غداً. لن أسمح بوجود أي اعتذارات. لقد أخذت موافقة زين بصعوبة. حثتها الجدة على الموافقة: -اذهبي يا ليان. ردت بتوتر: -لكنني لن أندمج. تعلم جيداً ما يجول في خاطر ليان.
ابتسمت في حبور: -لا تقلقي، ستحضرين عرض الأزياء وإن شعرتِ بالضجر في الاحتفال بعد العرض ارحلي. استسلمت بيأس من محاصرة علياء التي لا تقبل الرفض: -حسناً. صفقت يداها بمرح: -رائع، حسناً تجهزي، أريدك أول الحاضرين غداً خلف الكواليس. أومأت ليان رأسها بإيجاب لتسترسل علياء: -جيد، حسناً سأذهب أنا، إلى اللقاء. *** "لا تقع في الحب... لأن أي شيء يقع ينكسر." أصبحت تلك مقولتها المفضلة. ماذا فعلت بالحب وماذا أضاف لها؟
مجرد الوجع والحزن وانشطار قلبها. عضت شفتيها السفلى بألم وهي تتطلع إلى هيئتها في المرآة. إنها عروس. تلك الليلة التي حلمت بها أن تكون مع حبيبها شهاب. ولكن أين حبيبها؟ اختفى كالزئبق. هاتفت سارة لتكون الوحيدة من تساندها وتدعمها في حالتها. ولسانها يردد دائماً: سامحك الله أبي، تريدني أن أتزوج بذلك السمج مروان! اقتحمت سارة خلوتها وهتفت: -يلا يا عروسة، المأذون جاه. غمغمت بانزعاج وهي ترى اللامبالاة على وجه سارة:
-سارة، أنا مش عارفة إنتِ جايبة كل البرود ده من فين. مطت سارة شفتيها بعبوس: -يعني أنا أصوت وأعمل عزا ولا إيه؟ أوصدت عيناها بألم. لا مجال للتراجع الآن، ستتزوجه. -شهاب عرف؟ بللت سارة شفتيها بتوتر، وهي ترى نظرة الأمل في أعين ندى. -الصراحة، أه. سمعت صوت والدها وهو يأمرها بالخروج. تحجرت الدموع عند مقلتيها. شعرت بيد سارة التي تطمئنها. سارت بجوار سارة بخطوات بطيئة إليهم. في كل خطوة تخطوها تشعر أن روحها تنسحب من جسدها. ***
حفلة كأي حفلة مملة، لكن المختلف أن عدسات الصحفيين تلتقط الصور في كل ثانية. عارضات أزياء ممشوقات القوام، مصممين عالميين يتحدثون أمام أعين العدسات بابتسامة متكلفة. كان زين محقاً لعدم موافقته للذهاب إلى تلك النوع من الحفلات. على الرغم أن كل تلك الحفلات كئيبة، لكن تلك شعرت أنها على وشك الاختناق. وستفعل مثل كل مرة، تبتعد عن أعين الجميع وتراقب زوجها عن كثب.
سمعت صوت خطوات كعب عالٍ يتوجه نحوها، ورائحة عطر أنثوي صارخ وصل إلى أنفها. استدارت بجسدها لتقابل امرأة أقل ما يقال أنها خرجت من إحدى الصحف الخاصة بالموضة. دققت النظر إليها قليلاً، ذلك الوجه لم يغب عنها. أين رأتها؟ أي حفلة رأتها؟ اتسعت عيناها دهشة. إنها تلك الحقيرة صاحبة الفستان الناري. هل تسحبها من شعرها كما قالت ليلي؟ -انظري جيداً يا عزيزتي، أين أنتِ وأين هو. يجب عليكِ معرفة الفارق بينكما جيداً.
بهتت للحظات وهي تستمع إلى تلك الشقراء الفاتنة وهما منزويان بعيداً عن الأشخاص. استرسلت الشقراء بسخرية: -أنا حقاً لا أعلم كيف بعد مرور كل ذلك الوقت لم يتركك مثلما يفعل مع باقي النساء. امتنعت عن الرد، لتنظر الشقراء إلى تلك الساكنة المتجمدة أمامها متنهدة بحزن:
-لا أريد أن أحطم آمالك يا عزيزتي، ولكن هذا هو زين الحديدي. لا تستطيع أي امرأة الصمود أمام كتلة الوسامة والجاذبية. لديه طرقه الخاصة ليجعلك أنتِ تتمنين أن تصبحي بفراشه وليس هو. اتسعت حدقتي ليان بصدمة. ضحكت ليان بسخرية: -رائع حقاً، كل يوم أكتشف به صفة جديدة تجعلني أصاب بالدهشة. غمغمت الشقراء: -هذا هو زين الحديدي عزيزتي. ولكن كون أنه ظل معك تلك الفترة الطويلة يوجد احتمالين فقط.
تطلعت ليان للشقراء وهي تحثها على متابعة الحديث لتسترسل الشقراء بسخرية: -إما إنه لم ينم معك وهذا احتمال مؤكد بنسبة تسعون بالمائة، أو أنه قرر أن يمضي حياته معك وهذا احتمال ضعيف جداً. لأن زين لا يوجد في قاموسه الحب أبداً. لذلك لا تنخدعي إذا عاملك بلطف. الوقحة... تلك الحقيرة كيف تجرؤ وتتحدث معها هكذا؟ إنها تتحدث معها بأريحية عن ذلك الموضوع المخجل وهي المسكينة كلما تتذكر قبلاته تخجل وتبدأ وجنتيها بالاحمرار.
جزت على أسنانها بغيظ لتلك الوقحة أمامها: -كفى، لا أريد أن أستمع لهرائك أيتها الوقحة. ضحكت الشقراء باستمتاع وهي تنظر إلى تورد وجنتين ليان: -أووه عزيزتي، إنك خجلة من حديثي هذا؟ لقد تأكدت فعلاً أنه لم ينم معك. -قلت توقفي. ابتسمت الشقراء بمراوغة:
-حسناً حسناً، سأتوقف. ولكن تذكري شيئاً واحداً، لا تكوني حمقاء إن جال بعقلك الأخرق ذلك أن تهربي منه أو مثلاً تمنعيه من أخذ حقوقه الزوجية. لأنه بلا شك سيأخذها منك يا عزيزتي وأيضاً ستكونين مستمتعة بين ذراعيه الدافئتين. زين يستطيع فعل ذلك بسهولة.
حقاً يكفي هكذا. الحقيرة ما زالت تتحدث معها بأريحية نحو موضوع تخجل حتى أن تفكر به وبكل وقاحة تقول بطريقة غير مباشرة أنها نامت معه في الفراش، ليست هي وحدها بل العديد من النساء أيضاً. وبدون أي مقدمات تحركت من مكانها فوراً واتجهت نحوه بنظرات متوعدة له. سارت بقدمين تقسم أنها ينفث عنها النيران. وجدته يحادث أحداً ويبدو أنهما مشغولان بسبب عدم ملاحظتهم لوجودها. قاطعت حديثهما بجمود وبابتسامة دبلوماسية:
-عذراً سيدي، لمقاطعتك ولكنني أريد أن أتحدث مع زوجي لدقيقتين. ابتسم الرجل وهو يومئ رأسه ثم تحرك بهدوء مبتعداً عنهم. رفع أحد حاجبيه بتساؤل. مطت شفتيها بعبوس: -لقد مللت من تلك الحفلة السخيفة، أريد العودة إلى المنزل. الآن. توقعت أن يرفض ويطلب منها الانتظار قليلاً. بل حدث العكس تماماً، في دقيقتين وجدت نفسها في السيارة والسائق يقود متحركاً نحو المنزل.
ظل حديث الشقراء يدور في ذهنها بطريقة لم تستوعبها لتسقط دموعها بأريحية بعد أن حمدت ربها أنها لم تبك أمام تلك الحقيرة. تمتمت بسخط: -أنا فعلاً غبية. -ماذا قلتي؟ تطلعت إليه بغضب وهتفت باشمئزاز غير واعية أنها تتحدث بالعربية: -أنا إزاي كنت عمياء للدرجة دي. أمسكها زين من ذراعها وصاح بجمود: -اهدئي وعودي إلى رشدك واخبريني ما الذي حدث لكِ؟ أشاحت بكفيه عنها وبنبرة مشمئزة قالت: -أنا لم أعد أتحملك يا زين، ابتعد يداك النجسة عني.
نظر لها بذهول وهي تعيد تهذي بكلمات عربية لم يفهمها. صاح بصرامة: -كُفى عن هذيانك هذا! واحمدي ربك أنني مررت ما فعلتيه ذلك اليوم. -أنا لست أهذي، وثم لماذا طردت ذاك الشاب؟ لقد أصبح متسولاً في الشوارع لا مأوى لديه ولا عمل، وكل ذلك بسبب سطوتك. أظلمت عيناه. أما زالت تتحدث معه بعد ما حدث؟ نار داخلية جعلته يلتهم. أمسك فكها بقسوة: -وما زلتِ تقابلين ذلك اللعين! كيف أتتك الجرأة للتحدث معه مرة أخرى بعد ما فعلتيه؟
لقد قلب الطاولة ببساطة وبسرعة لم تستوعبها. إنه على وشك أن يتهمها!! -أنت تعلم جيداً السبب، كما أنني لست عاهرة لكي أقوم بتلك الأشياء المشينة وأنا لم أقم بعمل شيء مشين لأعاقب عليه. ثم تابعت بسخرية غير مبالية لآلامها: -بل أنت يجب عليك أن تخجل من نفسك عما تفعله. تلك الوقحة تخبرني بإنجازاتك العظيمة مع النساء. إنها حتى لا تخجل من نفسها وهي تتحدث بكل ثقة أنها نامت بجوارك.
ازدادت شهقات بكائها لتضربه بكف يديها على صدره بقوة جعله يترك فكها ويتراجع للخلف قليلاً. -أنا أكرهك بشدة يا زين، أكرهك بشدة، لا أريدك في حياتي أبداً. أمسك كفيها بيد واحدة وصاح بانفعال: -توقفي عن هرائك الآن، إننا لسنا في المنزل. -لا يهمني أين نحن. أنا لا أطيق وجودك بجانبي. ثم استرسلت بحسم: -طلقني. كتمت شهقتها وهي تضع كفها على شفتيها. لم تريد أن تنطق بذلك. كيف أخبرته أنها تكره؟
كيف فعلتها تخبره أنها تكره ولا تريد رؤيته مرة أخرى ولا تطيق رؤيته في حياتها؟ تلك المخادعة الحقيرة لقد جعلتها تنطق بما لا تريده. هل حقاً قالت طلاق؟ تريد الانفصال عنه وقد بدأت الحياة بينهما تسير بشكل شبه طبيعي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!