لم يتمالك أعصابه بعد رحيلها، وقف "جمال" في بهو القصر مستشاطًا غضبًا كالبركان الناري من رحيلها وحدها حتى ابنتها تركتها هنا وحيدة، قلبه لا يستوعب فكرة هجرها له وعقله يكاد يجن جنونه من الخوف والقلق عليها لبقائها وحيدة في هذا العالم الخارجي المخيف. وقف أمامه "شريف" و"عاشور" و"حسام" فتحدث "عاشور" بهدوء شديد محاولًا تهدئة غضب هذا الرجل خاصة أن الكارثة تخص محبوبته:
-الفكرة أن مدام مريم استغلت غياب حسام عن القصر وخرجت لوحدها. رفع يده في وجوههم وقال بانفعال سافر ومرعب: -الفكرة الوحيدة أن أنتوا مالكوش لازمة وقصرتوا في شغلكم. كاد "حسام" أن يتحدث قائلًا: -يا جمال بيه... رمقه بنظرة مرعبة جعلته يبتلع كلماته قبل أن يلفظ بها فصرخ "جمال" به قائلًا: -أخرس خالص من الأساس العيب عليك أنت، أنا كلفتك بحماية مريم وأنها متغيبش عن نظرك للحظة واحدة... تقدر تقولي هي فين دلوقتي؟!
، للأسف أنت قصرت يا حسام وأنا مش هَمُرِّر اللي حصل ده على خير أبدًا. أخذ خطوة نحوه بغضب وتابع حديثه بتهديد صريح وعينيه ترمقه مباشرة: -حتى لو كنت جوز أختي، لأنها مريم يا حسام. التف غاضبًا من هؤلاء الحمقى الذين أفقدوا زوجته بإهمالهم وقال: -غوروا من وشي قبل ما أفقد أعصابي عليكم أكتر، أنتوا وجودكم زي عدمه.
غادر القصر وحده بدون سائقه حتى، كانت "فريدة" تراقب مع الخدم غضبه وخبر اختفاء "مريم" ورغم سعادتها لكن صدمتها من غضب "جمال" وخوفه عليها أرعبها حقًا ولم ترى قدر هذا الحب من قبل، لم ترى رجلًا يعشق بهذا القدر ويكاد يفقد عقله من أجل زوجته.
_استعدت "غزل" جيدًا لكي تذهب إلى الملاهي الليلي الخاص ب"حازم" الذي ورثه عن والدته "سارة"، ارتدت فستان أزرق اللون طويل وبحمالة واسدلت شعرها على الجانبين بحرية ثم غادرت شقتها، ترجلت للأسفل وأخذت سيارتها منطلقة لهذا المكان، دخلت إلى الملاهي وجلست على أحد الطاولات وطلبت مشروبًا لها ثم جلست تراقب "حازم" الذي يجلس على طاولة خاصة في زاوية وحدها ومعه فتاة أخرى تسكب له المشروب، انتبه "حازم" لنظراتها إليه، تحاشت "غزل" النظر إليه بينما ذهب هو إليها معجبًا بهذا الوجه الجميل، تحدث
بنبرة خافتة وبسمة مشرقة: -ممكن أعزم نفسي على حاجة معاكي. رفعت "غزل" نظرها إلى "حازم" وكادت أن ترفض وجوده حتى رأت "تقي" تنزل من الأسفل فقالت ببسمة خبيثة: -أكيد. جلس "حازم" ببسمة معجبًا بهذه الفتاة وقال بلطف: -أنا اسمي حازم والجميل.. كانت عينيها لا تفارق "تقي" التي تقترب من طاولتها بعد أن رأت "حازم" هناك وقالت بلطف: -غزل. -وااو. أعجب باسمها كثيرًا وقبل أن يتحدث أكثر أتاها صوت "تقي" تقول: -حازم، تأخرت عليك يا حبيبي.
رفعت "غزل" نظرها نحو "تقي" لتراها ترمقها بغيرة شديدة فتبسمت "غزل" على هذه الفتاة التي تعمدت أن تناديه بـ"حبيبي" حتى تنقل رسالة إلى "غزل" أن هذا الرجل ملكها، كَزَّ "حازم" على أسنانه من كلمتها بينما نظر إلى وجه "غزل" فسابقتْه "غزل" بالحديث عندما وقفت من مكانها: -طيب عن أذنك. وقف مسرعًا معها وقال: -على فين؟ تبسمت "غزل" وقالت: -عندي ميعاد، نتقابل مرة تانية.
اتجهت للخارج بعد أن تركت نظرة أربكت "تقي" من مكانها، خرجت من باب الملاهي لتصدم عندما وجدت "جابر" يقف أمام سيارتها فقالت بهدوء: -أنت بتراقبني بقى؟ نظر للمكان من الخارج باشمئزاز من وجودها بهذا المكان وقال بسخرية: -أنتِ اللي يعرفك لازم يراقبك عشان يأمن نفسه ويلحق المصيبة قبل ما تحصل، خصوصًا لو وصلت معاكي أنك تدخلي مكان زي ده. اقتربت "غزل" منه خطوة أكثر بثقة ورفعت نظرها إليه بتحدٍ ثم قالت:
-ده أقل حاجة عندي ولو حكم الأمر أعمل أكتر من دخولي لمكان زي ده هعمل، فنصيحة تجنبني يا جبورة قبل ما المصيبة تحصل. أمسك ذراعها بقوة غيظًا من حديثها وجذبها نحوه من غضبه فارتطم جسدها الصغير بصدره بينما هو يتحدث بقوة مخيف قائلًا: -أوعي تنسي أنك تحت حمايتي أنا وطول ما أنا هنا مستحيل أسمح لك تعملي حاجة متعجبنيش. صُدمت من قسوته فدفعته بعيدًا عنها بغضب وقالت:
-مين أنت عشان تسمح أو لا، ولعلمك لازم تشكر ربك أن اللي قصادك غزل مش مسك لأني مش هضربك لأنك لمستني أو هددتني. مرت من جواره وصعدت بسيارتها ثم انطلقت غاضبة منه، ظل خلفها بسيارته وهو ينظر في المرآة على سيارته التي تتبعها فقالت: -سايب أشغاله وجاي يراقبني. _دخل "شريف" إلى المكتب ورآه نائمًا على الأريكة في صمت فقال بهدوء: -مش هتروح يا مستر جمال. هزّ رأسه بالنفي وقال بنبرة واهنة ومنهكًا من البحث عنها:
-لا، مش قادر أدخل القصر ولا أقعد فيه ومريم مش هناك، أول مرة أحس أن قصري مرعب ومخيف يا شريف، وبوجود أمي وهي السبب في اللي حصل صعب، أنا لو خايف من رد فعلي يا شريف حاسس إني هخسر أمي للأبد بسبب اللي عملته مع مريم، خليني هنا أحسن للكل. تأفّف "شريف" من حالته التي وصل إليها بفضل زوجته المتهورة فقال بجدية غاضبًا:
-مدام مريم تعمدت تخرج من القصر في غياب حسام وبسبب معرفتها بقدرة جين اختارت طرق للهرب من غير كاميرات مراقبة، عذرًا في اللي هقوله بس هي سيبتك ومشيت بمزاجها ورغبتها بدور عليها ليه؟ عشان الحب... طب وهي مكنتش بتحب، أنا من رأي متتخلاش عن كبريائك وكرامتك عشان حد سابك. اعتدل "جمال" في جلسته، بل وقف من مكانه وسار إلى المكتب وهو يتحدث بهدوء شديد قائلًا:
-كبرياء، كرامة.. أنهي كبرياء وكرامة يا شريف ومريم بعيد عني وعن قلبي، أنا إزاي أطمن وهي بعيد عن عيني، أنا كنت سيبها في قصري مع جين وقلبي كان خايف عليها ما بالك وهي لوحدها في الدنيا دي. قالها "جمال" بقلق يمزق قلبه بسبب اختفائها وعجزه عن معرفة مكانها، إلى أين ذهبت محبوبته وحيدة في هذا العالم المخيف؟
، رحلت وتركت ابنتها الرضيعة وحدها هنا مع زوجها المفتون بعشقها، قلبه لا يقوى على تحمل فراقها والهجر يدمر كيانه ويفقده صوابه، رمقه "شريف" بحيرة من أمره، هجرته طالبة بالانفصال عنه بينما هو لا يكف عن البكاء وجعًا وشوقًا إليها، بحث عنها في كل أركان الأرض وبكل زاوية بها ولم يعثر عليها، لا يصدق أن "جين" عاجزًا عن إيجاد زوجته.
خرج "شريف" من المكتب حائرًا في قلب هذا الرجل الصلب كالحديد لكنه ضعيفًا ولأول مرة لأجل "مريم"، نظر "جمال" إلى الهاتف خاصة على صورتها وأوشكت عينيه على البكاء من شوقه ممزوج بالغضب من فعلتها، لماذا ذهبت ولم تنتظر عودته ليرد لها حقها من والدته؟ ، لماذا ذهبت عنه؟ كيف رحلت عنه وهي تخبره بعشقها؟ كيف لها أن تحيا بدونه؟ ، قال بخفوت عاجزًا: -فينك يا مريم؟ سرقتي قلبي وروحي وروحتي فين...
قلبه الممزق لم يقل حاله عن حالها، كانت جالسة "مريم" على الأريكة في الشرفة تنظر للقمر في السماء ودموعها تنهمر دون توقف، يؤلمها قلبها من الوجع، الشعور بالظلم والذل والإهانة قتل عقلها وتفكيرها لكن الهرب من "جمال" لم يكن نجاتها، بل كان موتها فكيف لها أن تحيا دونه؟ ، خُلقت "مريم" من ضلعه لتحبه وتحيا بهذا العشق فقط وبدونه ستهلك، خرجت "مسك" من باب الشرفة بكوب من مشروب شاي البابونج لأجل الأرق، مدت يدها بلطف وقالت:
-معقول يا مريم لسه بتعيطي، إذا كان روحك فيك قد كده ليه سبتيه طيب؟ نظرت "مريم" إليها بضعف ووجه شاحب باكية بحزن شديد ثم قالت بلهجة واهنة: -حاسة روحي هتطلع مني، أنفاسي بتقطع في صدري وقلبي مش قادر يدق، شعوري اللي جوايا بقتلني يا مسك، جمال عمري كله وحياتي وعائلتي وكل اللي ليا تخيلي تبعدي عن جوزك وعائلتك، البنت لما بتسيب بيت جوزها بتروح لأهلها ما بالك بحالي أنا سايبة جوزي وأهلي يا مسك، أنا شبه الميت اللي فاتح عينه بس.
نظرت "مسك" إليها بتعجب من قدر الحب الذي تراه في عينيها ووصفها لحالها، لم يكن بل عشق لم تكفِ الكلمات وصفًا أو التعبير عن جزءًا ولو قليلًا عنه، أخذت يدها في راحة يديها بلطف ونظرت لعينيها ثم قالت: -ارجعيله يا مريم، تروح الدنيا ويولّع العالم كله مقابل رجعك لحضنه وتحت عينيه، إذا كان كل العشق ده بينكم حرام يقتله الفراق والهروب من المشكلة، أرجعي لجمال وردي روحك ليكي ولقلبك... قَوَّستْ شفتيها بحزن قاتل يمزقها ثم قالت:
-وظلمه لي وقسوته، أنا عمر جمال ما قسى عليّ يمكن عشان كده قسوته وجعاني. -مريم أنتِ مسألتيش عن بنتك أنتِ اللي وجعك فراق جمال، أرجعيله. -مش هيك حتى من جمال، معتقدش أن ممكن أحبها أكتر منه وده اللي تعبني مفيش أم بتحب حد أكتر من ضناها لكن أنا، أنا عاشقة جمال وبس. قالتها بانهيار تام وبكاء يزداد أكثر وأكثر، ضمتها "مسك" إليها بعفوية وبدأت تربت على ظهرها بحنان حتى أتاها صوت "تيام" من الداخل يقول: -مسك.
ابتعدت عن "مريم" وذهبت إليه في الداخل فقال بضيق ونبرة خافتة: -لسه هنا؟ مسك أنا قبل ما أخرج قولتلك مشيها. نظرت "مسك" بحرج نحو الشرفة خوفًا من أن تسمعه "مريم" قَمْ أخذته من يده ودخلت إلى غرفة نومهما وقالت بحذر: -معقول اللي بتقوله ده يا تيام، البنت لجأت لينا وأنت عايز تتخلّي عنها. تحدث "تيام" بضيق أكثر من هذا الأمر وقال غاضبًا: -أتخلّي عنها!!
، هي مين بالنسبة ليّا عشان أتخلّي عنها يا مسك، وبعدين أنتِ عارفة كويس هي مرات مين، مريم مش بنت عادية، ولو جمال شَمَّ خبر أنها هنا الله يستر علينا، وكلامي مش هكرره كتير يا مسك، الصبح تمشيها. تأفّفت "مسك" من حديثه وقسوة زوجها ثم قالت بضيق: -البنت مالَهاش حد تروح له يا تيام، أمشيها من هنا وتروح فين؟ معقول هسيبها في الشارع، الله يخليك فكر شوية. صرخ "تيام" بنبرة قاسية وقوية:
-ترجع لجوزها وبعدين ده مريم الإعلامية المشهورة ميّة ألف واحد هيتعرف عليها ووقتها متلوميش غير نفسك، عشان كده تمشيها يا مسك من هنا وألا أنا اللي هتصل بجمال وهقوله يجي ياخد مراته من بيتي. رمقتْه "مسك" بحزن وخيبة أمل من زوجها وهذا الموقف الذي وضعها به أمام صديقتها، كيف لها أن تخبرها بأن ترحل؟ ... _ظلَّتْ "جميلة" تنظر إلى "حسام" وهو نائمًا بالفراش والخصام طال بينهما، صعدت إلى الفراش في صمت وأعطته ظهرها بحزن وخيم،
أتاها صوته يقول: -أنا بكرة هاخد يوسف معايا يشوف أخته، ممكن تيجي معايا عشان تتأكدي بنفسك أن مفيش حاجة من اللي في خيالك. التفتتْ "جميلة" إليه بدهشة من طلبه وقالت بجدية صارمة: -ومين قالك أني هسمح لك تاخد أبني؟ تنهد بهدوء شديد ثم قال بلطف: -لأنه أبني أنا كمان يا جميلة، وليَّ حق فيه زيك...
لعلمك أنا لما حبيتك واخترتك، أخترت جمال روحك وقلبك يا جميلة ورحمتك كنت عارف أن البنت دي مش جميلة بالاسم بس لا وكمان روحها جميلة مستحيل تقبل أن تفرق أب عن ولاده. اخترتك لأنك متعلمة وفاهمة إن مش عشان بشوف بنتي يبقى هرجع لأمها لا أنا كل اللى يخصني فى العائلة دى كلها بنتي كايا وبس. نظرت "جميلة" للسقف مُطولاً ثم تحدثت بنبرة هادئة تقول: -أنا اللى وجعني وزعلني أنك بتعمل كده من ورايا،
لو فعلاً كنت واثق أنك اخترتني لأني مدركة ومتفهمة لحالتك كنت قولتلي مخبيتش عليا، لكن أنك تخبي ده اللى حسّسني أن في حاجة غلط بتحصل من ورايا. دهشت عندما قبل "حسام" رأسها بلطف على سهو دون أي مقدمات فحدقت بعينيه لتراه ينظر إليها بسعادة وقال: -أنا آسف، حقك عليّا يمكن خاني التصرف لكن أقسم لك أن مفيش حاجة من اللى فى دماغك حصلت، أنا مبحبش ولا هحب غيرك وعيني مبتشوفش ست على وجه الأرض غيرك يا جميلتي.
تطلعت به بأشتياق وتسارعت نبضات قلبها، كم أشتاقت لهذا الزوج الأحمق، لو كان جاء لها بلطف من قبل لغفرت له بعد دقيقة واحدة من غضبها، تبسمت بلطف لتتراقص دقات قلبه العاشق بسبب بسمتها، فطالما تبسمت إذن غفرت كل شيء. خرج "جمال" من المصعد مع "شريف" الذي يتحدث عن الاجتماع وقال: -الاجتماع ده مهم جدًا، خلي بالك أنهم هيحاولوا ينزلوا السعر .. مستر جمال حضرتك سامعني؟
كان شاردًا فى "مريم" وذكرياتها معه حتى ارتفعت نبرة "شريف" فى الحديث ليفوق من شروده على صوت "شريف" ووجه العابس من إهمال "جمال" للعمل، فقال: -خلاص يا شريف. خرج من باب الشركة وبجواره "شريف" ففتح "صادق" باب السيارة الخلفي من أجله وقبل أن يصعد صُدم بما رآه وظل يتطلع بالجهة الأخرى من الطريق ولا يصدق أنه يراها هنا، تقف أمامه "مريم" وتحدق به بوجه شاحب وضعيفة مهزومة كأنها كانت تحارب فى المعركة وقد هُزمت للتو،
ترك سيارته وذهب نحوها فعبر الطريق دون أن ينتظر الإشارة حتى وصل للجهة الأخرى حيث "مريم" زوجته ومحبوبة قلبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!