خرج من غرفته بذعر واستيقظ الجميع على صوت صراخها المستمر. فتح باب غرفتها ليراها جالسة بفراشها وتصرخ بانهيار كأنها لا تشعر بشيء، وتضع يديها الاثنتين على أذنيها كأنها تمنعهما من سمع شيء، أو بالأحرى من سماع صوت الرعد الذي يضرب السماء مع الأمطار الغزيرة. تسمر مكانه من الدهشة بينما دلفت والدته وخلفها "حنان" و"نانسي". أسرعت "نانسي" إليها وحاولت نزع يديها لكنها تقاومها بكل قوتها. نظرت "نانسي" إلى "جمال" فأشار إليها بأن تترك يديها كأنه فهم خوفها الشديد من صوت هذا الرعد. ضمتها "نانسي" إليها بلطف وبدأت تربت على ظهرها وتمسح على رأسها
بحنان متمتمة إليها بلطف: متخافيش إحنا معاكي هنا. متخافيش كله هيكون تمام. قالتها بصوت مبحوح من الخوف ولا أحد يعلم سبب خوفها، لكن "مريم" بهذه اللحظة كانت تتذكر ليلتها المؤلمة بكل تفاصيلها وجوارحها. خرجت "ولاء" بضيق من الغرفة متمتمة بضجر: أنا مش هتحمل المحن دا كتير. عادت لغرفتها بينما فتح "جمال" هاتفه وخصيصًا على التحكم بـ "جين" وسريعًا بأقل من ثواني وقال "جين" بصوت يسمعه الجميع:
لقد تم إغلاق كل النوافذ والأبواب وتم تفعيل خاصية مانع الصوت. لم تسمع صوت شيء بعد إغلاق الزجاج العازل للصوت. غادر "جمال" الغرفة بهدوء دون أن يتساءل عن سبب خوفها من الرعد بكل هذا القدر حتى لا تشعر بما يحدث حولها، وماذا تسمع حتى تضع يديها على أذنيها هكذا. عادت لوسادتها و"نانسي" جالسة جوارها تمسح على رأسها وتقرأ القرآن من أجلها بينما "مريم" غارقة في الماضي تحديدًا باليوم الذي توفي فيه "مختار".
عاد للمنزل غاضبًا بعد أن أعطى للخدم إجازة طويلة دامت لثلاثة أيام حتى الآن. كان سكيرًا ومعه أصدقاؤه رجلين من عمره. فتح باب الغرفة لـ "مريم" لينهي حبسها الآن بعد أن حرمها من حصانها وأرسله بعيدًا، وأكد له الأطباء بأنها تعاني من صدمة شديدة أفقدتها النطق، لكنه لم يبالِ بحالتها وحبسها بغرفتها حتى هذه اللحظة التي أمرها بخدمته هو وضيوفه. بدأت تقدم لهم الخمر وتنفذ طلباتهم أثناء لعب القمار وتحضر لهم ما يريدون وتشاهدهم وهم
يشربون الخمر والمخدرات. وقفت بجوار "مختار" تسكب له الخمر في كأسه حتى شعرت بصديقه يضع يديه على فخذها يتحسسه فأبعدته بغضب وسكبت الخمر على رأسه بانفعال من لمسه لها. فحتى وإن كانت ضعيفة لكنها لم تقبل بأحد يلمسها أو يعاملها كعاهرة. استشاط "مختار" غيظًا من فعلتها
وهكذا صديقه فقال بضيق: أنتِ فاكرة نفسك إيه يا بت؟ دا أنا شاريكي بفلوسي. أنا أخدمك آه لكن حاجة تانية متحلمش غير على جثتي. قالتها بسخط شديد وغضب يأكلها من الداخل وبهذه اللحظة عادت للنطق مدافعة عن نفسها، ولم يكن يعلم "حمزة" أو "سارة" بأنها تحدثت وتخلصت من صدمتها للتو على يد هذا الذئب البشري ثم رحلت من أمامه. كاد "مختار" أن يذهب خلفها بجسده الهزيل من كثرة الخمر الذي شربه، لكن أوقفه زميله عندما قال: على فين يا مختار؟
أثقل عشان تستطعم وأنت بتدوق.
غمز له بعينيه وبيده قدم له جزءًا من المخدرات ليبتسم "مختار" بمكر وذهب ليخلط المخدرات بكأس عصيرها ودقائق وبدأت تفقد الشعور بأي شيء يحدث حولها. أخذوها ثلاثتهم إلى غرفة النوم ولأول مرة يتقرب "مختار" منها هكذا لتشعر بيديه تحسس كل إنش في جسدها أثناء صعودهم الدرج وأصوات الرعد تضرب أذنيها بالخارج كأنها إشارة من الله بأن تستعيد وعيها وتقاوم ما يحدث بها بهذه اللحظة. ألقاها على الفراش بقوة وهي تأني من اللاوعي ليتطلع إلى جسدها
بشهوة واقترب الجميع محاولين تذوقها فتألمت من تمزيق فستانها وهنا فقدت وعيها تمامًا وعندما استيقظت رأت جثة "مختار" بجوارها وهي تحمل في يدها مسدسًا تعرفه جيدًا فهو مسدس "مختار" الذي يحتفظ به أسفل وسادته دومًا لتفزع بهلع من منظر الدم وجثته وبدأت تصرخ وهي تلقي بالمسدس بعيدًا وتخفي جسدها العاري بالملاءة. ما زالت صوت الأمطار تضرب أذنها وهي تزيد من بكائها ولا تقوى على الحديث ودخل "حمزة" في هذه اللحظة ليصدم مما رآه.
لم تستطع النوم بهذه الليلة التي أعادت لها ذكرياتها المخيفة. أشرقت الشمس صباحًا وكان يوم الجمعة اتصلت على "أصالة" تطلب منها لقاءها فبعد مشوارهما الأول معًا شعرت بالرحب والارتياح معها وقررت أن تعتبرها بمثابة أخت كبيرة لها. ذهبت إلى غرفته بهدوء وطرقت الباب بخفوت وهي تعلم أن هذا الأمر ممنوع تمامًا فأذن بالدخول وفور رؤيتها وقف ببرود ووضع يديه في جيوبه وقال بحدة: نعم. تنحنحت بحرج شديد ثم قالت: ممكن أخرج شوية.
ويا ترى هجيبك منين المرة دي. قالها بسخرية مما حدث سابقًا لتستشيط غيظًا وتشتعل نيرانها من حديثه فقالت: أنا قولتلك إني روحت عشان صاحبتي عزمتني على عيد ميلادها ومشربتش من القرف اللي في خيالك. أنت مصر أكون وحشة وخلاص. ضحك ساخرًا على حديثها واقترب نحوها بخطوات ثابتة لكن مع كل خطوة كأن يدب بقلبها الخوف منه. أمقنها بعينيه وقال بجدية: ويا ترى عزمتك على فين المرة دي؟ فندق ولا حفلة شباب.
كزت "مريم" على أسنانها بضيق شديد من برودته ولم تستطع أن ترد على حديثه المهين والمؤلم لها كأنه يريد أن يزيد من ألم ليلة الأمس عليها. تبسم على صمتها وهو يعلم بأنها لا تستطيع الجواب فتابع "جمال" بنبرة أكثر استفزازًا: خلي بالك إن طول ما أنتِ هنا مش مسموحلك بالقرف دا حتى لو كان بيعجبك يا مريم لمة الشباب حواليكي ومعاكستهم ليكي، وطبعًا دا لو أنتِ شايفة إن دي رجولة منهم... لما تغوري من هنا أبقي أعملي اللي عايزاه.
قضمت شفتها السفلى بأسنانها ليعلم أنها وصلت لأكبر قدر من الغضب ثم أخذت خطوة نحوه أخيرة ولم يعد يفصل بينهما شيء وقالت: معتقدش إن أنتِ ممكن تتكلم عن الرجولة لأنك هربت بعد عملتك حتى معتذرتش وقولت غلطة، بس أنت زيهم بالظبط اللي بتكلم عنهم عاجبك جمالي... لتكون تقصد بكلامك أني أكون لك لوحدك.
رفع يده كي يصفعها على وجهها بسبب حديثها وهي تذكره بما فعله، وأنه في نظرها لا يختلف عن الجميع، لكن توقف ويديه أمام وجهها لتبتسم بسخرية على حاله وتغادر غاضبة. ارتدت ملابسها واستعدت للخروج، فنزلت الدرج لتراه واقفًا هناك مرتدِيًا بنطلونًا أسود وقميصًا أبيض يُفتح أول زرين منه بحرية، لتتجاهله تمامًا كما يفعل معها.
رآها تستعد للخروج بملابسها الضيقة وهي ترتدي فستانًا أزرق يصل لركبتها بأكمامها، ليقف محله قبل أن يخرج من القصر وامقنها بنظره، ثم قال بنبرة حادة: -إيه دا؟ نظرت له بضيق شديد من حديثه معها بعد أن تجاهلها تمامًا فور تقبيلها، تمتمت بنبرة باردة: -خارجة. تحدث وهو يغلق زر سترته بضيق شديد من فستانها القصير الذي يظهر قدميها قائلًا: -اطلعي غيَّري القرف دا. -القرف دا أنت اللي اشتريته.
قالتها ببرود غاضبة منه ولأول مرة تتحداه وتعصي أمره، التف إليها بصدمة ألجمته من جرأتها وقال: -اشتريته تعلقيه في الدولاب أو تلبسيه في البيت مش تخرجي بيه. نظر "شريف" إلى "حنان" باندهاش، فهل اشترى فستانًا بالعملة الصعبة وعلامة تجارية عالمية لأجل إبقائه في الخزينة، أيعقل هذا؟ تبسمت "مريم" بسخرية شديدة وقالت: -والله ما كنتش أعرف، بس أنا برضه هخرج بيها، أنا واحدة زي ما قولت بتتبسط بإعجاب الرجالة بيها ومعاكستهم ليا.
مسك ذراعها بانفعال شديد من كلمتها التي ترددها ببرود وتخبره بإعجابها بتجمع الرجال حولها الذين يتغزلون بها، حدق بعينيها بنظرة مخيفة أرعبتها وهدمت كل شجاعتها، ولا تدرك سبب غضبه ونظرته المرعبة لها، قال بنبرة مخيفة: -أنا عارف إن المرة الجاية هجيبك من فندق، لكن دا بعينيك يا مريم، وإنك تكوني علاقة مع أي شاب أو ذكر طول ما أنتِ هنا. تبسمت بسمة مثيرة وتخلت عن خوفها الذي تبدل بالدلال المفرط وهو يخبرها بأنها لن تكون لرجل نهائيًا
طالما تعيش هنا معه وقالت: -بتغيَّر!! استشاط غضبًا من سؤالها الذي تكرره دومًا عليه، عينيه لا تتركها وعطرها الفريد يغتصب أنفه فقال بجدية: -جربي يا مريم تكرريها مرة تانية ومتسألنيش عن وشي التاني. دفعها بقوة بعيدًا عنها، استشاطت غيظًا من تحجر قلبه في حين أنه من بدأ بتقبيلها لتعتقد أنه كبقية الرجال يرغب بجسدها وهذا الإعجاب نابع من رغبته بها لتصرخ غاضبة من حديثه بانفعال شديد قائلة: -أنت عايز تنام معايا!
اتسعت أعينه بصدمة ألجمته من كلمتها وأسرع إليها يضع يده على فمها يمنعها من الحديث، بينما نظر "شريف" لها بصدمة قوية أصابته وهكذا "حنان" التي تقف مكانها متجمدة من كلمتها، أخذها للأعلى بصدمة لم يتحملها وأدخلها للغرفة ثم قال بانفعال ونبرة مخيفة: -أنا هعرف إزاي أربيكي يا مريم وأعلمك إزاي تتعاملي معايا وتتكلمي بأدب.
قاطعته "مريم" بقبلة ناعمة مفاجئة تعانق شفتيه بشفتيها بدلال كأنها تفرغ غضبها باللين والدلال، اتسعت عينا "جمال" على مصراعيها وتسارعت نبضات قلبه لا يعلم أيصفعها كعقاب أم يبادلها قبلتها كامتنان لدقات قلبه. فاق من شروده وعينيه المثبتة على شفتيها التي تتحدث وهو لم يستمع لشيء بل ذهب مع خياله في قبلة من نسخ عقله، تطلعت "مريم" به بغضب شديد من كلماته ليقول بحرج مما صوره عقله للتو:
-إياكِ تطلعي برا أوضتك يا مريم، وطول ما أنتِ محبوسة هنا احفظي القواعد الجديدة: ممنوع تلبسي قصير أو ضيق، ومفيش خروج مع أصحابك المستهترين زيك دول، ممنوع نهائيًا ألمحك بتضحكي مع أي كائن مكتوب في بطاقته ذكر، ومفيش ركوب خيل غير بأمري وفي وجودي، إياكِ ألمح قلم روج على شفايفك يا مريم، أول ما تحفظي القواعد هتخرجي من هنا.
خرج من الغرفة بعد أن أخبرها برسالة واحدة تحمل كل أوامره بألا تكون جميلة مع رجل غيره، أغلق عليها بالمفتاح ثم أعطاه إلى "حنان" وقال: -إياكِ تخرجيها من أوضتها يا حنان، فاهمة؟ أومأت "حنان" له بنعم ونظرت إلى باب الغرفة بإشفاق على هذه الفتاة، ضربت "مريم" قدميها بالأرض بغيظ شديد من حبسها هنا وأرسلت رسالة لـ "أصالة" تعتذر منها على عدم ذهابها. **شركة الجمال جي آند إم للإلكترونيات**
كان كبركان يغلي من داخله مما حدث، والآن "مريم" أصبحت خطرًا عليه فأصبح يقبلها ويتذوقها كثيرًا في عقله، لا يعلم ماذا يحدث معه؟ لكن كل ما يعرفه أنها تربكه وتهزم كيانه وصموده، دلف "شريف" إلى غرفة مكتبه وكان متكئًا بظهره على مقعده للخلف ومغمض العينين بتهكم شديد فقال بهدوء: -مش هتروح يا مستر جمال؟ الموظفين كلهم روحوا. أجابه وهو مغمض العينين بضيق قائلًا: -لا مش عايز أروح.
كان "شريف" يراقبه الفترة الأخيرة ويعلم بأنه يهتم كثيرًا بهذه الفتاة حتى وإن لم يكن يسأل عنها وعن أحوالها، يكفي أنه اشترى مدرسة بملايين لأجلها وأجبر "سارة" على التنازل عن حصتها في القصة لأجل "مريم"، ينتفض من مكانه إذا علم بأنها في خطر ويغضب كلما ارتدت ملابس قصيرة أو ضيقة حتى وإن كانت جميلة، فكلما كانت جميلة كلما عاقبها، وهو يعلم بأنه يعاقبها على شيء ليس من صنعها فهي خُلقت بجمالها، يخبرها ألا تدخل في علاقة ارتباط مع شاب من مدرستها أو من أصدقائها دومًا، وكأن "جمال" غبيًا بالحب ولا يعلم أن كل هذه التصرفات من فعل غيرته التي تلتهب بداخله، تنهد "شريف"
بلطف ثم قال: -تحب أحجزلك في فندق؟ ما هو مش معقول هتنام هنا. هز رأسه بلا وقال بلهجة واهنة وصوت خافت: -اقعد يا شريف، معلش هأخرك على ولادك ومراتك. جلس "شريف" بابتسامة على وجهه مرحبًا بهذه الجلسة لكن "جمال" كان صامتًا لا يتحدث بشيء واكتفى بتنهيدة شقت طريقها من صدره مُعبأة بحيرته وصراعه النفسي والعقلي القائم بداخله فقال "شريف" بخفوت وقلق خائفًا من رد فعل هذا الرجل: -مريم!!
فتح عينيه على مصراعيها بنظرة مخيفة من ذكر اسمها، فهو جلس هنا هاربًا من هذه الفتاة والآن يذكرها هو، تنحنح "شريف" بخوف منه ثم قال بلطف متابعًا الحديث: -أحم... مريم من إمبارح من ساعة ما حبستها وهي رافضة تاكل أو تشرب، وطلبت من حنان تشتغل في القصر مع الخدم عشان تكسب فلوس من تعبها، وقالت صراحةً إنها مش عايزة حاجة من حضرتك حتى لو لقمة أكل، حنان ونانسي حاولوا معاها كتير لكنها مصرة على رأيها وعنيدة بتشبهك في عنادك.
اعتدل "جمال" في جلسته من كلمته الأخيرة بغيظ شديد لتنحنح "شريف" بحرج وقال: -آسف، أعمل إيه؟ -خليها تعمل اللي عايزاه، يومين وهتقولك مش قادرة عشان مذاكرتها، لكن مدام قررت تكون من الخدم أنا مش عايز ألمحها قصادي، حتى فنجان القهوة متجبيهوش، واضح؟ قالها باختناق شديد ثم هم بالرحيل ليستوقفه صوت "شريف" يقول: -مدام ولاء طلبت نحجز لها على أول طيارة للندن.
وافق "جمال" على فعل ذلك لطالما والدته كانت تعيش في الخارج ولا تأتي سوى زيارات قليلة، رحل من مكتبه وبدأ يتجول في الشوارع بسيارته وحده وعقله لا يتوقف عن التفكير بها كأنها لعنة وسقطت عليه. **قصر جمال المصري**
تركت "مريم" غرفتها الملكية بالطابق العلوي وقررت أن تنزل مع الخدم في غرفتها المخصصة في السرداب لتكتشف جانبًا جديدًا في القصر لم تكن تعرف عنه شيئًا، غرفتها صغيرة جدًا تكفي لسرير صغير ومكتب بجواره من أجل دراستها، أخبرتها "حنان" أن تعمل لمدة أربع ساعات يوميًا وستجني ما يكفي لتناول طعامها حتى تستطيع الذهاب إلى مدرستها ودروسها وتهتم بدراستها، بدأت تعمل في المطبخ مع الطباخ كمساعدة له شكليًا، فالجميع يعرفون من هي وأنها هنا
بسبب غضبها منه وليس أكثر، لكن كونها هنا معهم لا يعني نهائيًا بأنها سيدة القصر الصغيرة، وإذا أصابها شيء أو جرحت يدها بالسكين أثناء عملها في المطبخ سيهدم "جمال" القصر فوق رؤوسهم، اكتفى الطباخ بجعلها تغسل الخضراوات وتجهز له مستلزمات وجبة اليوم وكان يصنع لها طبقًا خصيصًا من الوجبة التي يُعدها إلى "جمال" فهي أميرة القصر.
ضحكت "مريم" بسعادة وهي تقف مع الطباخ ومساعديه ورؤيتها لصنع هذه الوجبات اللذيذة ليقول الطباخ: -تحبي تذوقي؟ هزت رأسها بنعم إليه بحماس شديد بعد أن اغتصبت هذه الرائحة أنفها وفتحت شهيتها لتتذوق ما قدمه لها برحب ثم رفعت إبهاميها بإعجاب وقالت: -رائعة جدًا، ممكن تعلمني؟ أومأ إليها بنعم لتدخل "حنان" بجدية ويتوقف الجميع عن الثرثرة وقالت بنبرة حادة: -مريم وقتك خلص اتفضلي.
تأففت "مريم" بحزن شديد فأصبحت ساعات عملها القليلة تجلب لها السعادة داخل هذا القصر، خرجت من الغرفة واتجهت إلى الأسفل في السرداب وهي ترتدي ملابس الخدم وأخذت ملابسها وأدوات استحمامها واتجهت إلى دورة المياه العامة للخدم وأخذت حمامًا دافئًا ثم خرجت لتسمع خادمتين يتحدثون عنه لتسترق السمع لهما: -بكرة عيد ميلاده ربنا يستر على اليوم دا. -أكثر يوم بحط أيدي على قلبي فيه.
اقتربت "مريم" بفضول شديد من معرفة السبب لخوفهما الشديد من يوم عيد ميلاده ألا يجب أن يكون يومًا سعيدًا، سألت بلطف: -ليه؟ التف الاثنان لها بصدمة ألجمتهما ونظروا إلى بعضهم بقلق من الحديث عنه أمام أحد أفراد العائلة وسكان القصر، لكن جمعت إحداهن الشجاعة بعد أن نظرت حولها بخوف من أن تسمعهم "حنان" وتعاقبهما وقالت:
-أصل اليوم دا بيفكروه باللي حصل قبل كده، لازم تخلي بالك من كل تصرف في اليوم دا لأنه بيكون مراقب كل حاجة وأي غلطة حتى لو عطستي ممكن يطرد أو يعاقبك بطريقة مخيفة. -ليه؟ قالتها بفضول لمعرفة سبب هذا الخوف الذي رأته على وجه الخادمتين لتقول الأخرى وهي تأخذ صديقتها من يدها بخوف من البوح إلى "مريم": -ما نعرفش، خلي بالك من تصرفات بس لأنه بيكون متعصب ومش طايق نفسه.
هرب الاثنان من أمامها ليشتعل الفضول في عقلها حتى أحرقه فتبسمت بخبث وذهبت إلى "نانسي" صديقتها المفضلة ونشرة أخبارها في القصر، دلفت إلى غرفتها ورأتها تستعد للنوم فقالت: -نانسي. ضحكت "نانسي" بسعادة وهي تعرف ماهية هذه النظرة التي تعلو عينيها وبسمتها الخبيثة التي تنير شفتيها، فمنذ أن نزلت للسرداب ولا ترى "نانسي" هذه النظرة إلا وكان وراءها سبب للفضول، فقالت بعفوية: -سمعتي إيه المرة دي؟
جلست "مريم" بحماس على الفراش أمام "نانسي" ثم قالت: -عيد ميلاده! تحولت ملامح "نانسي" العفوية إلى الخوف والقلق ثم قالت بحدة وحزم: -مين اللي اتكلم معاكي فيه؟ هزت رأسها بالنفي وأخبرتها أن الخدم جميعهم حذرون في التعامل معها، تنهدت "نانسي" بقلق ثم قالت: -ابعدي عنه اليوم دا بالذات يا مريم وإلا... -ليه؟ سألتها "مريم" بفضول شديد فتأففت "نانسي" من فضولها وإصرارها على المعرفة وقالت: -هحكيلك اللي أتحكي ليا بس أوعي يا مريم.
أومأت "مريم" لها بلطف وأنها ستلتزم الصمت بعد أن مررت يديها على فمها بمعنى أنها ستصمت نهائيًا لتبدأ "نانسي" في الحديث قائلة: -لما جيت هنا كان بعد عيد ميلاده بيوم، بدل كام خادمة طردها يوم عيد ميلاد، ووقتها حذرونا البقية، وحكولي إن يوم عيد ميلاده كان مسافر في شغل ومراته اتصلت به قبلها بيوم... اتسعت عينا "مريم" على مصراعيها بصدمة ألجمتها من هذه الكلمة وقالت بتلعثم تمكن منها وشل لسانها: -مراته، هو متجوز؟ أومأت "نانسي"
لها وقالت: -تفتكر واحد زيه هيعيش 34 سنة من غير جواز وهو عنده كل حاجة؟
ما علينا كان متجوز وقتها، المهم طلبت إنه يرجع عشان يحتفلوا بعيد ميلاده سوا، وقعدت تشتكي إنه طول الوقت مشغول عنها ومبيشوفهاش إلا مرات قليلة في السنة وإنها محتاجة ليه، وفعلاً الخدم نفسهم شافوا حالتها بتسوء بسبب بعده، وبدأت تشرب خمر وتسهر وأدمنت المخدرات، لكن الفترة دي عدت ورجعت لطبيعتها من غير ما حد يعرف السبب مع إنه كان لسه بيسافر كتير عشان ينجح شركته اللي كانت في بدايتها.
المهم قالها إنه مش هيعرف يجي وفعلاً طلبت من الخدم يلغوا أي ترتيبات عملوها عشان عيد ميلاده، لكن مستر جمال قرر يرجع فجأة ويعملها مفاجأة ورجع تاني يوم اللي هو عيد ميلاده وهنا لقاها مع أخوه مختار في السرير، ومن ساعتها مختار ساب القصر ومدخلهوش مرة تانية وقرر يفضل في مزرعة الفيوم لعشر سنين كاملين ومراته اختفت، محدش يعرف قتلها أو سجنها أو حتى دفنها حية، كلام الناس كتير كل واحد هيقولك طريقة اتخلص بها من مراته من وحي خياله وطبعًا كمصريين كلهم هنا توقعوا إن حالتها اتحسنت بعد ما بقت في علاقة مع أخوه، ومن بعدها عرفت إن من يومها والخدم اتمنعوا يطلعوا الدور اللي فوق وهو بقي يكره عيد ميلاده لأنه بيفكره باللي حصل.
دمعت عينا "مريم" وهي تستمع إلى حكايته وتشمئز من "مختار" الذي لم يترك امرأة على وجه الأرض إلا وطمع بها حتى زوجة أخاه، خرجت "مريم" من الغرفة باكية وحزينة وعادت إلى غرفتها. -قولتلك مريم تحت وصاية جمال لحد ما تتم الـ 25 يعني كمان أربع سنين هتكون حرة ووقتها ممكن أقتلها أو أجيبهالك تعملي فيها اللي يعجبك. قالها "حمزة" بضيق وهو جالس في مكتب "سارة" داخل الملهى الليلي لتقول بضجر شديد:
-والله عايزني أستنى أربعة سنين عشان آخد حقي منها؟ أنت عارف في الأربع سنين دول ممكن يحصل إيه؟ دي مش بعيد تكون سيدة القصر يا حمزة بقى وبدل ما تبقى تحت وصايته تبقى مراته، تفتكر أنت عندك الجرأة تقتل مرات جمال المصري؟ تأفف "حمزة" بضيق شديد ثم قال بحيرة: -وكمان ما عنديش الجرأة أتجرأ على مريم دلوقتي، وحتى لو حاولت مريم ما بتخرجش من القصر غير بحارس ومبيفارقهاش، وأديكِ شوفتي بعينيك إيه اللي حصل لما جت هنا؟
ما كملتش نص ساعة وجمال طب هنا ولو كان عرف إن دا الملهى الليلي بتاعك كان هده فوق دماغك. تأففت "سارة" بضيق شديد وقالت: -عايزني أستنى أربع سنين عشان تدفع ثمن نصيبي في القصر اللي خسرته بسببها. وقف "حمزة" من مكانه بجدية وهو لا يبالي بشيء سوى حياته وقال: -هيعدوا هوا يا سارة، وبعدين أخذ الحق حرفة، واتعلمي مني أنا استنيت 19 سنة ونص عشان أقتلها وأدفعها ثمن موت مراتي ولسه هستنى أربعة كمان أهو وعايش للحظة دي.
خرج من المكتب بعد أن حسم أمره بألا يفعل شيئًا الآن خوفًا من "جمال" وما سيفعله إذا اقترب منها الآن وهي تحت وصايته. **قصر جمال المصري**
قررت "مريم" أن تصنع يومًا جديدًا له بعيد مولده رغم تحذير "نانسي" والخدمات له، ارتدت ملابسها عبارة عن بنطلون جينز وتي شيرت أبيض بكم وفوقه سترة جلدية تحميها من برد ديسمبر القارس وشتائه، صففت شعرها البني وتركته منسدلًا على الجانبين وارتدت طاقية من الصوف حمراء اللون تليق ببشرتها البيضاء الحليبية وأنفها الحمراء من البرد، خرجت بحذائها الرياضي من الغرفة وهناك قابلتها "نانسي" باندهاش وقالت: -إيه دا؟
شايفاكِ هتهربي من ساعات العمل النهار دا... للحظة تذكرت "نانسي" مناسبة اليوم وقالت بحذر: -مريم!! أنا حذرتك. تبسمت مريم بعفوية ثم قرصت وجنتها بلطف وقالت: أنا سيدة القصر الصغيرة، نسيتي؟ لا يمكن طردي... هربت من أمامها لتتمتم نانسي بقلق قائلة: لكن يمكن معاقبتك يا صغيرتي. صعدت مريم وكان القصر في حالة من الذعر، حتى الهواء تشعر بثقله، فأقتربت من باب غرفة مكتبه وأخذت نفسًا عميقًا ثم قالت: تشجعي يا مريم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!