استمرت سارة تبكي لساعات طويلة.
كانت الصور أمامها كأنها سكاكين تغرس في قلبها.
كل ذكرى مع يوسف أصبحت كذبة.
كل وعد قاله لها تحول إلى سراب.
وفي وسط دموعها رفعت رأسها فجأة نحو أدهم.
وإنت عرفت من إمتى؟
أجاب بهدوء:
من شهور.
شهقت:
وسكت؟
كنت بدور على دليل أكيد.
ليه ما قلتليش؟
نظر إليها طويلًا قبل أن يقول:
لأنك ما كنتيش هتصدقيني.
خفضت رأسها.
وكانت تعرف في داخلها أنه محق.
—
مر أسبوع كامل.
اختفت سارة من الشارع ومن كل التجمعات.
لم تعد تخرج إلا للضرورة.
أما أدهم فكان يمر كل يوم ليسأل عليها من أمها دون أن يدخل.
وفي إحدى الليالي…
دق الباب بعنف.
خرج والد سارة بسرعة.
وفجأة سمعوا أصواتًا مرتفعة بالخارج.
خرجت سارة لتجد مجموعة من الرجال يقفون أمام البيت.
وفي وسطهم رجل غريب يصرخ:
بنتكم نصبت على ابني!
اتسعت عيناها بدهشة.
أنا؟!
أشار الرجل إليها بغضب.
أيوه إنتِ!
لم تفهم شيئًا.
لكن الرجل أخرج هاتفه.
وكانت المفاجأة الصادمة…
صور مفبركة لها مع شاب لا تعرفه.
بدأ الرجال يتهامسون.
والنساء يتجمعن.
وفي دقائق قليلة امتلأ الشارع بالكلام.
شعرت سارة أن الدنيا تدور بها من جديد.
صرخت وهي تبكي:
والله الصور دي كذب!
لكن أحدًا لم يكن يسمع.
وفجأة…
انشق الجمع عن شخص يسير بخطوات ثابتة.
أدهم.
وقف أمام الجميع.
وأخذ الهاتف من الرجل.
نظر للصور لثوانٍ.
ثم ابتسم ابتسامة باردة أخافت الواقفين.
مين ادالك الصور دي؟
ارتبك الرجل.
واحد بعتها لي.
مين؟
سكت.
اقترب أدهم خطوة.
فبدأ الرجل يتراجع.
مين؟
قالها بصوت جعل الجميع يصمت.
أخرج الرجل هاتفه بسرعة وأراه الرسائل.
ظل أدهم يتفحصها.
ثم رفع رأسه.
ونظر مباشرة نحو شخص كان يقف بعيدًا وسط الناس.
شخص حاول الهرب فورًا.
لكن رجال أدهم أمسكوا به قبل أن يتحرك.
شهقت سارة.
لأنها تعرفه.
كان سامح.
ابن عم يوسف.
—
بعد دقائق اعترف سامح بالحقيقة أمام الجميع.
هو من فبرك الصور.
وهو من نشر الإشاعات.
وهو من دفع الرجل ليأتي ويثير الفضيحة.
وقف الجميع مصدومين.
أما أدهم فقال أمام أهل البلد كلهم:
واللي هيفتح بقه على سارة بعد النهارده هيبقى خصمي أنا.
ساد الصمت.
ثم بدأ الناس يعتذرون.
لكن سارة لم تسمع شيئًا.
كانت تنظر فقط إلى أدهم.
الرجل الذي وقف وحده أمام البلد كلها من أجلها.
—
في اليوم التالي خرجت سارة لأول مرة منذ فترة طويلة.
كانت تسير قرب الأراضي الزراعية عندما سمعت صراخ طفل.
ركضت بسرعة.
فوجدت طفلًا صغيرًا سقط في ترعة ضيقة.
تجمدت مكانها من الخوف.
لكن قبل أن تفعل أي شيء…
قفز أدهم في المياه دون تردد.
وبعد لحظات خرج حاملًا الطفل بين ذراعيه.
كان الطفل يبكي.
وأمه تركض نحوه وهي تصرخ.
احتضنته بقوة وهي تبكي.
أما أهل القرية فالتفوا حول أدهم.
وسارة كانت تنظر إليه بصمت.
لأول مرة لم تر فيه الرجل القاسي الذي يخشاه الجميع.
بل رأت رجلًا لا يفكر في نفسه أبدًا.
رجلًا يخاطر بحياته لينقذ غيره.
اقتربت منه بعدما ابتعد الناس.
وقالت بخفوت:
شكرًا.
رفع حاجبه باستغراب.
على إيه؟
على كل حاجة.
نظر إليها للحظة.
ثم قال:
لسه ما عملتش حاجة تستاهل الشكر.
ابتسمت لأول مرة منذ أسابيع.
لكنها لم تنتبه إلى السيارة السوداء التي كانت تقف بعيدًا تراقبهما.
ولم تر الرجل الجالس بداخلها.
أما أدهم…
فما إن وقعت عيناه على السيارة حتى تغيرت ملامحه فجأة.بقلم منال عباس
لأنه عرف صاحبها فورًا…
يوسف عاد إلى البلد.
تجمدت ملامح أدهم للحظة وهو ينظر إلى السيارة السوداء.
أما سارة فلاحظت تغير وجهه.
مالك؟
لكن قبل أن يجيب…
انفتح باب السيارة.
ونزل يوسف.
شعرت سارة أن قلبها توقف.
لم تتخيل يومًا أن رؤيته مرة أخرى ستكون بهذه السرعة.
كان يقف أمامها كما كان دائمًا.
نفس الملامح.
نفس الابتسامة.
لكن شيئًا ما بداخلها لم يتحرك هذه المرة.
اقترب يوسف ببطء.
سارة…
نظرت إليه بصمت.
أما أدهم فوقف بينهما مباشرة.
إيه اللي رجعك؟
ابتسم يوسف بسخرية.
راجع لبلدي.
بلدك واسعة… ابعد عنها.
احتدت نظرات يوسف.
دي بيني وبينها.
رد أدهم ببرود:
من يوم ما خذلتها ما بقاش بينك وبينها أي حاجة.
كانت المرة الأولى التي ترى فيها سارة الأخوين بهذا الشكل.
وكأن نارًا قديمة تشتعل بينهما.
نظر يوسف إليها.
ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟
ترددت.
لكنها هزت رأسها بالموافقة.
ابتعد أدهم خطوات وهو يراقبهما بصمت.
اقترب يوسف وقال بصوت منخفض:
أنا غلطت.
سارة لم ترد.
كنت فاكر إني بعمل الصح.
لما خدت بنت تانية؟
خفض رأسه.
الموضوع أكبر من كده.
أكبر من إيه؟
تنهد يوسف.
البنت دي بنت رجل أعمال كبير… وأبويا وقتها كان مديون.
اتسعت عيناها.
يعني بعتني؟
ارتبك.
لا…
يبقى إيه؟
كنت مضطر.
ضحكت ضحكة موجوعة.
الحب عمره ما كان اضطرار يا يوسف.
نظر إليها طويلًا.بقلم منال عباس
ثم قال:
أنا لسه بحبك.
لكن المفاجأة كانت أن قلبها لم يهتز.
لم تشعر بذلك الضعف الذي كانت تشعر به دائمًا أمامه.
بل وجدت نفسها تنظر تلقائيًا ناحية أدهم.
كان واقفًا بعيدًا يراقب المكان كله كعادته.
شعرت بشيء غريب داخلها.
شيء لم تفهمه.
—
في المساء…
وصل خبر صادم إلى القرية.
مخزن كبير تابع لعائلة أدهم احترق بالكامل.
وخسائر بالملايين.
ركض الجميع نحو المكان.
وألسنة النار ترتفع في السماء.
وصلت سارة لتجد أدهم وسط الدخان يحاول إخراج العمال.
وفجأة…
صرخ أحدهم:
لسه في واحد جوه!
اندفع أدهم نحو الباب المشتعل.
لكن سارة أمسكت ذراعه.
مستحيل!
نظر إليها.
كانت الدموع في عينيها.
هتموت!
لأول مرة أمسك يدها بقوة وقال:
طول ما في حد محتاجني جوه… لازم أدخل.
ثم أفلت يدها.
ودخل وسط النار.
صرخت باسمه.
لكن النيران ابتلعته.
مرت الدقائق كأنها سنوات.
وسارة تبكي بجنون.
حتى خرج أخيرًا…
يحمل عاملًا فاقد الوعي على كتفه.
صفق الناس وهللوا.
لكن أدهم سقط على ركبتيه من شدة الإرهاق.
ركضت سارة نحوه دون أن تشعر بنفسها.
وجلست بجانبه.
إنت كويس؟
رفع رأسه إليها.بقلم منال عباس
ورغم السواد الذي غطى وجهه من الدخان…
ابتسم.
ابتسامة صغيرة لم يرها أحد غيرها.
وفي تلك اللحظة…
شعرت سارة بشيء أربكها.
شيء جعل قلبها يدق بعنف.
—
بعد يومين…
بدأت الشرطة التحقيق في الحريق.
وكان الجميع يعتقد أنه حادث.
إلى أن ظهرت كاميرات المراقبة.
وتبين أن الحريق متعمد.
والصدمة الأكبر…
أن الشخص الذي ظهر بالقرب من المخزن قبل اشتعال النار بدقائق…
كان يوسف.
لكن يوسف أقسم أنه بريء.
وأكد أن هناك من يحاول توريطه.
وبينما كانت القرية كلها تتحدث عن القضية…
وصل ظرف مجهول إلى بيت سارة.
فتحته بيد مرتعشة.
فوجدت بداخله صورة قديمة.
صورة لأدهم وهو يحتضن طفلة صغيرة.
وخلف الصورة عبارة مكتوبة بخط اليد:
“اسألي أدهم عن ابنته التي يخفيها عن الجميع…”
وسقطت الصورة من يد سارة وهي تشعر أن مفاجأة جديدة على وشك أن تقلب حياتها كلها…