رواية شاهد بلا ذاكرة الجزء الحادي والثلاثين 31 بقلم رباب حسين شاهد بلا ذاكرةرواية شاهد بلا ذاكرة الحلقة الحادية والثلاثين هناك لحظات لا تُقاس بالوقت… بل بعدد القلوب التي تتوقف فيها عن النبض خوفًا. رصاصةٌ واحدة كانت كفيلة بأن تُسقط أقوى الرجال، وأن تحول لحظة النجاة إلى بداية كابوس جديد. وبين دماءٍ امتزجت بالتراب ودموعٍ عجزت عن إيقاف الموت، أصبح الجميع أمام اختبار لم يعد يحتمل خسارةً أخرى.
أما يارا… فقد وجدت نفسها تحتضن الرجل الذي خاطر بكل شيء لينقذها، بينما الحياة تتسلل من بين يديه ببطء، وهي لا تملك سوى الدعاء والتشبث بالأمل. فهل تنتهي رحلة فارس هنا… أم أن القدر الذي أعاده من الموت يومًا، يخبئ له فرصة أخيرة؟
وفي اللحظة التي سقط بها فارس، اقتحمت الشرطة المكان وتجمد زين في مكانه عندما رأى عدنان وزافر قد فقدا حياتهما وفارس مصاب وينزف الدماء على الأرض، وصوت نحيب يارا يتصدع بالأجواء، في مشهد جعل كل من يراها في حالة حزن لا مثيل لها. اتصل زين بالإسعاف على الفور، وجاءت السيارة وأخذت فارس الذي لايزال هناك أمل في حالته، أما عدنان وزافر وروني فقد تم تحويلهم إلى الطب الشرعي.
ساعد يونس وجلال يارا حتى صعدت داخل السيارة وقادها سعد، ولحق بالسيارة التي وضع بها فارس. اتصل يونس بنيرة وهو يكبت دموعه، ثم قال بصوت مكسور: نيرة… فارس اتصاب وواضح إن حالته صعبة. وقفت نيرة بفزع وهي تصرخ من الخوف وقالت: يعني إيه؟! هيموت يا يونس؟ يونس: إن شاء الله لا، بس أنا قلت اكلمك عشان مش هرجع دلوقتي. نيرة: طمني أول بأول يا يونس، ويارا! هي فين؟ نظر يونس نحوها
بألم على حالتها ثم قال: كانوا هيدفنوها وهي عايشة، فارس لحقها على آخر نفس. نيرة: يالهوي، إيه اللي بيحصل فيهم ده؟ يونس: إهدي بس، إن شاء الله هيقوم بالسلامة. أنهت نيرة المكالمة ونظرت إلى كمال الذي يتطلع بها بقلق وقال: حصل إيه؟! نيرة: فارس اتصاب وحالته صعبة، أنا مرعوبة لا يموت. كمال: طيب تعالي نروح المستشفى، غيري هدومك ويلا بينا. وافقت نيرة ولحقت بهما إلى المشفى.
وصل فارس ولحقوا به جميعًا إلى الداخل، وحين دخل من باب المشفى كانوا بانتظاره حتى يدخل إلى غرفة العمليات على الفور، ثم وقف جلال يملي بياناته إلى موظف الاستقبال، وحين وضع اسمه على الجهاز أمامه رأى توصية من الطبيب منير، فركض على الفور نحو فارس وقال: يا دكتور، المريض موصي إنه لو جراله حاجة يعمل عملية نقل الكبد الأول. التفتوا إليه جميعًا وقالت يارا بصدمة: يعني إيه؟
_يعني المريض المفروض يتبرع بالكلية للسيدة منال عبد الله، وهي دلوقتي في الرعاية عندنا، ووصى إن لو دخل المستشفى مصاب يعمل عملية النقل الأول حتى لو على حساب حياته. الطبيب: هنعمل النقل بعد العملية. سعد: فارس باشا لو عرف ممكن يقتلني أنا. الطبيب: عملية النقل ممكن تتم بعد الوفاة حتى، لكن هو حياته أهم، الأولوية ليه هو دلوقتي. بسرعة على العمليات.
ركض الممرضات بجسد فارس نحو غرفة العمليات، ووقف الجميع بالخارج ويارا تتشبث بالباب الفاصل بينهما، الخوف يتملك قلبها وتخشى ألا يعود إليها، إلتفتت إلى سعد وقالت: هو مش كان لابس واقي! ازاي الرصاصة عدت القميص؟ سعد: إحنا قلعنا القمصان لما رجعنا الفيلا، كان مقيد حركتنا والجرحى كانوا كتير ولازم نشيلهم، ولما خرجنا أصلًا ماكناش متوقعين إن هنوصلكم بسهولة كده، إحنا كنا خارجين ندور في الشوارع من غير هدف من كتر قلقه عليكي.
يونس: ياريت كان لبسه تاني، كان زمانه عايش دلوقتي. يارا: وإيه حكاية التبرع دي؟ سعد: فارس وصى إن عملية مامتك تتم حتى لو حساب نفسه لو جراله حاجة، كان أهم حاجة عنده هي تقوم بالسلامة وتفضل جنبك. يارا ببكاء: ومافكرش هعمل إيه من غيره! هو ازاي يفكر يضحي بالشكل ده عشانا، ماما نفسها ماكنتش هتقبل بده أبدًا.
سعد: هو قرر كده لما كنتوا زعلانين من بعض، عشان الوضع كان صعب عليه جدًا وكان حاسس إنه خلاص خسرك، ومن ساعتها ماتكلمناش في الموضوع تاني. يارا: الحمد لله إن الدكتور ماوافقش، يارب يخرج بالسلامة. يونس: إن شاء الله هيرجع ويعمل العملية لمامتك وتعيشوا في بيت واحد، المهم إهدي شوية، كفاية اللي حصلك النهاردة. يارا: ياريت أنا اللي مت وهو يفضل كويس، مش هقدر أعيش يوم واحد لو بعد الشر جراله حاجة بسببي.
جلال: مش بسببك. بسبننا إحنا، كلنا خسرنا حاجات كتير بس اتعلمنا كتير، حتى فارس؛ المرة اللي فاتت لما عمل الحادثة ماكنش حد واقف عند باب العمليات بيعيط ولا زعلان عليه، بالعكس ماكنش فيه غيرنا وكلنا كنا بنفكر بس إن لو مات هناخد فلوسه وهنورثه. بصي دلوقتي؛ كام واحد واقف بيدعي إنه يرجع بالسلامة، ولسه ناس كتير برا خايفة عليه، ده غير إن أنا اللي كنت بتمنى يموت دلوقتي بتمنى يرجع ويسامحني. فارس لما اتنازل عن قضيتي أنا وخالي حسيت إني قليل أوي، من وقتها وأنا براجع حساباتي كلها، وصدقيني في الحسابات دي مفيش حد غلطان غيرنا ولا حد السبب في اللي فارس فيه دلوقتي غيرنا.
ربت يونس على كتفه وقال: يبقى ندعيله يرجع لبيته وعيلته بالسلامة. وصل زين ومعه عدد من العساكر، اطمئن على فارس الذي لايزال داخل غرفة العمليات، ثم وصلت نيرة وكمال، ركضت نحو يونس تبكي بخوف وتحمد الله أنه عاد لها سالمًا، ثم احتضنت يارا بقوة وطمئنتها بأن فارس قوي وسيعود إليهم قريبًا. مرت ساعات طويلة، أحصت يارا عدد دقائقها بقلبها مع كل نبضة مؤلمة بداخله، قلبها الذي كاد يتوقف من الخوف ويرتعش خوفًا من فقدان الحبيب.
خرج الطبيب بعد طول انتظار، ركضوا نحوه جميعًا بفزع وقالوا: طمنا يا دكتور. الطبيب: الحالة استقرت وقدرنا نخرج الرصاصة، بس نزف كتير ونقلناه على العناية المركزة، هياخد وقت عشان يتعافى ويقدر يفوق، مرحلة الخطر لسه موجودة وإحنا متابعينه، بس مش هيقدر يعمل عمليات تاني في الوقت الحالي، ممكن تراجعوا الدكتور الخاصة بالحالة وتشوفوا هتقدر تستنى شوية ولا لأ. يارا: أنا عايزة أشوفه دلوقتي. الطبيب: للأسف الزيارة صعبة دلوقتي.
يارا: أنا دكتورة ومراته ومش هسيبه لحظة واحدة، عايزة أدخل معاه العناية وأفضل جنبه. كاد الطبيب يتحدث ليعترض فصاحت به غاضبة وقالت: أنا بقولك هدخل العناية دلوقتي، ولو مانفذتش طلبي ماتزعلش من اللي هعمله ولا اللي فارس هيعمله لما يفوق لو عرف إنك منعتني عنه. الطبيب: يا دكتورة المفروض حضرتك فاهمة كويس خطورة الحالات دي. يارا: ومتأكدة إن الخطر عليه هيبقى أكبر لو حس إني مش جنبه. تنهد الطبيب ونظر
للرجال من حولها فقال سعد: الأحسن تسيبها معاه، عشانك مش عشانه، فارس السيوفي مش بيهزر وأكيد ده معروف. الطبيب: بس لو حصل حاجة للحالة بسبب دخولك العناية أنا مش مسئول. تقدري حضرتك تدخلي العناية. بجسد ينتفض، وعين تبكي دمًا، وقلب يلفظ نبضاته بخوف، ويد ترتعش لمجرد أن رفعتها لتلامس جسده، وحين قبضت على يديه كتمت شهاقاتها بكف يدها الآخر وهي تراقب ملامح وجهه المرهقة،
ثم قالت من بين شهاقاتها: يارب، إنت إديته فرصة تانية زمان عشان يقدر يرجع ويصلح كل اللي عمله ويبقى إنسان تاني، رجعته عشان قلبي يتعلق بيه وهو يتعلق بيا وحبنا يبقى طاهر وحلال، واللي حصل معاه كان مثال للتوبة لكل واحد يفكر يعصيك وينسى أوامرك، والمرة دي بترجاك ترجعه، رجعه المرة دي عشاني وعشان ابنه، عشان كل الناس اللي واقفة برا مستنياه، رجعه عشان هو دلوقتي يستحق يعيش مبسوط، يارب سامحه ورجعوهولي.
لم تغادر، ظلت بجواره لأيام طويلة، كانت تعود إلى المنزل قليلًا لتبدل ثيابها فقط، كانت تقرأ له الكتب، تمسك بيده وتتحدث معه كأنه يسمعها، تدعو الله وتصلي له وبقلبها دعوة واحدة؛ أن يفتح عينيه ويتحدث معها. وفي يوم، قبض على يدها وهي تجلس بجواره، وبدأ أن يستعيد وعيه، وقفت تنظر إلى وجهه عن قرب وتنادي: فارس… حبيبي إنت سامعني؟ فتح عينيك أنا هنا.
بعد عدة محاولات فتح عينيه، بحث عنها بجواره فرأى وجهها الجميل ينظر إليه بقلق، عينيها التي يعشقها تتفقد ملامح وجهه، فرفع يده ووضعها على وجهها فانسابت دموعها بسعادة وهي تردد: الحمد لله، الحمد لله إنك رجعتلي. قال فارس بصوت ضعيف: الحمد لله إنك إنتي رجعتي، لو كان جرالك حاجة كنت هموت وراكي، حقك عليا يا حبيبتي. يارا: تفتكر هزعل منك بعد ما كنت هتموت عشان تنقذني!
ده أنا أكتر حد محظوظ في الدنيا، كفاية إن حبني فارس اللي قلبه مفيش زيه أبدًا، اللي قدر يغلب شيطانه ويقف يقول للغلط لأ، قدر يغير نظرة الناس ليه وخلاهم يقفوا يتمنوا إنه يرجع ليهم من تاني، المرة دي هتقوم تلاقي عيلة بتحبك مستنياك، ابن مستني يترمي في حضنك ويفضل عايش معاك، وأنا جنبك ومش هسيبك، خلاص يا فارس الكابوس خلص وكل حاجة اتحلت. قوم بقى من السرير ده وارجعلنا. فارس: ماما منال فين؟
يارا: ما تقلقش هي في العناية وحالتها استقرت كتير، بس قوم بالسلامة وبعدين هشوف العملية. فارس: أنا كنت موصي… رفعت يارا يدها ووضعتها على فمه وقالت: مش هخليك تضحي بحياتك تاني عشاني ولا عشان أي حد، ماما كويسة وتقدر تستحمل شوية، ربنا هيقومها بالسلامة وهنرجع البيت سوا إن شاء الله. أمسك كف يدها وقبله وهو ينظر إليها بنظرات عشق، قلبه يحمد الله بأنه عاد إليها وجمع شملهمها من جديد.
بعد أسبوع، أصر فارس على إجراء الجراحة ونقل الكبد إلى منال، لتبدأ رحلة علاج قاسية ومرهقة، فا هذا المرض سرق كثير من الأحباب بجوارنا، وخطف قلوب داخل حزن لا ينتهي، نسأل الله أن يرحم أمواتنا.
_بعد عامين، في حديقة منزل فارس، كانت العائلة مجتمعة بالكامل، يونس ونيرة التي تحمل طفلها الأول بين يديها، كمال ومنال يتحدثان معًا على طاولة الطعام وجلال يقوم بشواء اللحم في الحديقة، وسعد يقف بجوار أميرة التي تراقب معتز الذي يركض خلف الكورة، وعبد السلام ينظر إليه بسعادة وهو يجلس على كرسيه المتحرك، ويارا تقف بجوار فارس وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة، وفارس يبتسم وهو يشاهد هذا التجمع العائلي،
ثم قال: كانت فكرة حلوة أوي يا روحي. يارا: معتز بيفرح لما بيلاقي البيت مليان أوي، وكان عايز يلعب مع يزن ابن نيرة جدًا، بص فرحان ازاي! فارس: لما تيجي أخته هيلعب معاها كمان، عايزين ٣ أو ٤ عيال كمان. يارا: إيه ده كله، هو حلو كده علينا. فارس: لأ مش حلو، أنا عايز عيال كتير مليش دعوى. يارا: نجيب بس البنوتة ديه وبعدين نشوف هتعمل فينا إيه ونفكر ساعتها هنجيب غيرها ولا لأ.
كاد يتحدث ولكنه وجد عدد سيارات تقتحم الحديقة، وقفوا جميعًا بذعر وجذب فارس يارا خلفه بقلق، ثم ترجل من السيارة رجلين يبدو عليهما الوقار، اقترب سعد على الفور ووقف أمام فارس، فتحدث أحدهما وقال: دكتور فارس السيوفي موجود؟ دفع فارس سعد برفق وقال: أيوه أنا، إنت مين؟ _أنا دكتور عبد العزيز، وجيت أخد كمية من الدوا اللي حضرتك صنعته. جذبته يارا وقالت: دوا إيه اللي صنعته! تاني يا فارس؟
فارس: لأ حبيبتي إنتي فاهمة غلط، يا دكتور براحة بس وفهمني. عبد العزيز: أنا جي من منظمة الصحة العالمية بعد ما الدوا اللي حضرتك أرسلته لينا للدراسة في علاج الأورام السرطانية، وثبت بالفعل إنه يقدر يعالج السرطان نهائيًا، وعايزين كمية منه نوزعها على المستشفيات في العالم كله، وده طبعًا زي ما حضرتك طلبت إن العلاج لو ثبت فاعليته إنه يتوزع بالمجان.
فارس: وأنا عند كلامي والدوا هيتصنع ويتوزع من غير مقابل، شكرًا إنكم قبلتوا بالفكرة. عبد العزيز: إحنا اللي مش عارفين نشكرك ازاي على العلاج ده. يارا: عملت ده كله إمتى؟ فارس: لما شفتيني في المعمل وافتكرتي إني بصنع مخدرات، الحقيقة كنت بطور العلاج اللي عمله دكتور علي ووصلنا لنتايج هايلة، وبعد سنتين من المجهود قدرنا نحقق المعجزة.
إلتفت العائلة حوله بسعادة، وبدأت التهاني والمباركات، وبالأخير اقترب منه معتز واحتضنه بقوة ثم جذب يارا نحوهما واحتضنهما معًا، في مشهد عائلة ينبض بالحب. كم نتمنى أن ينتهي كابوس هذا المرض من كل بيت دخل به ويتألم أفراده بسببه، ولكن ليس الحلم ببعيد، فا رب العباد قادر على كل شيء.
وهكذا انتهت حكاية فارس ويارا… حكاية أثبتت أن الإنسان قد يسقط ألف مرة لكن باب التوبة لا يُغلق، وأن الله إذا رأى صدق القلوب بدل الخطيئة رحمة، والندم حياة، وجعل بعد كل كابوس فجرًا جديدًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!