الفصل 1 | من 11 فصل

رواية سحر الراوي الفصل الأول 1 - بقلم الثناء ضاحي

المشاهدات
39
كلمة
1,152
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

أسيب داري ومالي وأمشي؟ بأي عقل فهميني.. أربي البنت برة بلدها وبعيد عن أهلها ليه طيب؟ ولما نمشي الناس تقول علينا إيه يا عزيزة؟ تقول جوزها مات وخدت البنت وطفشت؟ إنتي شايفاني بطالة؟”
​استعجبت عزيزة لقولها، فتلاحقت الكلمات برد فعل هادئ: “لا.. خايفة عليكي وخايفة على بنتك.. تخيلي كدة موتة غريبة ليها ولا ليكي، لا هينفعك ورث ولا هينفعك خير.. عبد المنعم مش هيدي بنات أرض، ولا هيدي مال، وحقك استعوضي ربك فيه يا فاطمة.. وأهو بنتك دي اللي طلعتي بيها من الدنيا الغبية دي، سامحيني كلامي صعب بس ده الواقع.”
​تغيرت نظرات عيون فاطمة للمحات من اليأس والبؤس… في تلك اللحظة طرق باب الغرفة، وسُمح بالدخول، فدخلت فتاة فائقة الجمال، رائعة الحسن، عيونها لوزية جميلة، ملامحها بديعة، رقيقة الصوت، راقية الطبع. وبصوت رقيق هادئ قالت: “بعد إذن حضرتك يا ماما، أنا نازلة درس الكيمياء دلوقتي.”
​للحظة شردت الأم في ملامحها بوجه ثابت وعقل يدور ويفكر: ماذا لو اختفت ابنتها عن حياتها؟ كيف تعيش بدونها للحظة واحدة؟ هذا غير معقول، سوف تذوق العذاب وينفطر قلبها بالغياب، الفكرة لا يستطيع عقلها تحملها، لذا… خرجت من شرودها قائلة: “روحي يا وهج ومتتأخريش وخلي بالك من نفسك.”
​انسحبت وهج، ولحقت بها عزيزة، وظلت الأم تفكر بقلب مفطور… وحينها تحركت باتجاه خزنة ملابسها وأخرجت منها صندوقاً عتيقاً به مجوهراتها التي كان يهديها لها دائماً وأبداً في أغلب المناسبات وبدون مناسبات زوجها رحمة الله عليه، الحاج عبد الحكيم.. بالأمس كانت ملكته المتوجة والآن غيابه أفزعها وسيغير كل شيء في حياتها.
​في الطابق التالي
​في الطابق الموالي بنفس السرايا، تنهدت عزيزة وعلى وجهها بسمة ماكرة، فوجدت أمامها زوجها أمير الراوي ينطق بضيق: “كنتي فين كل ده يا ولية؟ هو إنتي متقعديش في مكانك أبداً؟”
​نطقت بدلال: “أبداً يا خويا، لازم أزور التعبان، ده الواجب.. ده الصح.. وكنت عند أم وهج بسأل عليها. إلا صحيح يا أمير، هو عبد المنعم برضه مصمم يفاتح الست فاطمة في موضوع الزواج؟ الراجل ده عيب عليه، دي أم قاسم أختي طول عمرها شيلاه فوق راسها.. وبعد العمر ده كله عاوز يقهرها ويتجوز عليها؟”
​تغيرت ملامح أمير للاستعجاب، فردت متمتمة ومكملة قائلة: “متستغربش.. أختي! يعني تفتكر أختي هتخبي عليا؟ أهو كانت بتدردش معايا بكلمتين، واللي في نوايا زوجها قالته، يا عيني عليها ده حال يغم.”
​تنهد أمير بعنف ليقول بصوت يتحسسه الغضب: “عشان كدة كنتي عند أم وهج؟ روحتي تعيدي وتزيدي وتقولي… وأكيد قولتيلها.. آه ما أنا عارف خروجي من البيت هنا على إيدك أنتي.. أبو قاسم لو عرف حاجة وراحت أم وهج قالت، بس مظنش لأنها ست كُمل وعاقلة مش بنص دماغ… آااه هتخربي البيت قريب إنتي.”
​تسرعت عزيزة تنفي كل شيء بتوتر زائد: “لا لا هو ده معقول؟ هو ده كلام يتقال؟ يغلبك يا عزيزة.. هو أي مصيبة تحصل هبقى أنا السبب فيها؟ ده كلام كبير ميتقالش يا بويا.”
صمت الرجل ونظر لها بحنق.
​الإسكندرية.. عروس المتوسط
​الإسكندرية ويا لجمالها الخلاب وريحها الجذاب وأرضها الطيبة وبحرها الذي لا مثيل له… بعد حوالي أسبوع وأكثر من آخر مرة تحدثت فيها مع عزيزة، فقد أخبرت فاطمة ابنتها بعدها سراً بذهابهم إلى الإسكندرية. أرسلت مالاً لابنة عمتها، فاستأجرت لهم مسكناً، وزوجها ساعدهم في تحويل أوراق المدرسة لـ “وهج” لأنها في آخر سنة دراسية… ومر الآن عشرة أيام أخرى.
​قالت وهج بإحباط: “آه يا ماما عجباني الشقة.. بس ليه؟ ليه سيبنا بيتنا وأهلنا وبلدنا ونكون هنا؟ أنا كمان سيبت أصحابي وكمان سيبت مدرستي… وكمان نيجي هروب؟ زي الفيران يا ماما؟ وكمان عمو حبيبي مسلمتش عليه!”
​بغضب هادئ ولأول مرة ردت أمها: “اسكتي! الراجل ده بالذات إياكي وأسمع اسمه وسيرته على لسانك، واتفضلي دلوقتي ادخلي جوه.”
بإحراج وتأسف قالت وهج: “آسفة أوي يا ماما حقك عليا مش قصدي.”
بنظرة حنونة وملامح لينة ردت الأم: “ولا يهمك يا حبيبتي وإنتي حقك عليا… بس وعد بلاش السيرة دي لو بتحبي ماما.”
“حاضر يا ماما.. أمرك يا ست الكل.”
​ثورة عبد المنعم الراوي
​الذعر ملأ البيت والغضب ملأ وجه عبد المنعم الراوي… وصّى أكثر من شخص للبحث عنها بكل جدية، واستدعى كل نساء المنزل بأطفاله وبالجميع، ووقف بكل هيبة. هذا الرجل الخمسيني الذي يمتلك قدراً هائلاً من الوسامة لا يمحيها العمر ولا تغيرها الأيام، وكل يوم يزداد هيبة ويزداد قلبه حدة، وظاهره يخفي باطنه ولكنه ذو معدن نقي نفيس. بصوت حاد صادح مميز، وبيد تشير وبعين ثعلبية رغم زرقتها النقية، قال:
​”لو كان اللي في بالي صح، فالموت قدر محتوم يحصلوا الغالي.. ولو كان غير اللي في بالي فهسامح فيها بس مش هعديها. هنا فيه نظام، لكن قبل النظام فيه استئذان، الكبير والصغير يستأذن… لكن تعدي كدة والله عال! دية اللي يخرج عن طوع كبيره وولاءه إيه يا أمير؟ ها؟ إيييييه؟”
​اهتز أمير وارتجف: “يجوز عليه حكمك يا خويا.”
فرد بغضب: “بنت أخوك ومراته يرجعوا في ظرف معلوم ومحدد… ومن الحق والعدل والإنصاف نسمعهم الأول.”
ردت عزيزة في سرها بابتسامة ماكرة مستهزئة: “هه.. مش لما يرجعوا!”
​تقف فاطمة في المطبخ تحضر الطعام وتفكر… كيف أن بعض الظن إثم؟ زمان كانت تخاف من عزيزة، ليس خوفاً بمعناه الحقيقي، ولكن ظنت بها السوء والآن هي من ساعدتها. تذكرت أن تحادثها، فسحبت الهاتف لترن عليها… وصلت الرنة، وحينما رأت عزيزة الرقم توترت وهي بين الحضور فرفضت المكالمة، ولكن عاود الرنين مرة أخرى. كان الجميع يتناولون الطعام على المائدة الطويلة التي يترأسها عبد المنعم الراوي، فلاحظوا الرنين المتكرر.
​تأفأف عبد المنعم أخيراً: “ما تردي على المخروب ده!”
هنا زاد توترها للضعف وظهر الارتباك عليها: “حاضر.. حاضر…”
​عودة قاسم
​وبعد الغياب عاد إلى السرايا أهم ركن في العائلة: قاسم عبد المنعم الراوي، أو كما يقال له “الدكتور قاسم الراوي”.
بنيته عريضة، ملامحه دقيقة، عيونه جذابة، بشرته قمحية، وشعره حالك كليل بلا قمر. عاد من عمله فهو طبيب في إحدى مستشفيات الإسكندرية. يبلغ من العمر 26 عاماً، ويمتلك من العقل حكمة تفوق سنه. قليل الكلام، معقد من جنس النساء، ورغم أنه اجتماعي ويعاملهن بلطف قليل لكن لا أحد يحرك مشاعره.
​أكثر ما يميزه عدم التفاته لأي فتاة؛ فهو دائماً غائب عن السرايا، غارق في عمله. حينما توفي عمه عبد الحكيم، حضر العزاء ليوم واحد فقط ثم هرول سريعاً إلى الإسكندرية. أباه دائماً ما يتفاخر به، وأغلب الناس يطلقون عليه “ابن البندر” رغم أن الدماء الصعيدية تجري في عروقه.
​هناك الكثير من الفتيات يعشقنه سراً وعلانية، وبرغم هذا لا يهتم. عرضت عليه والدته أكثر من

عروس حسناء، ولكن هل سيوافق؟ رده مختصر دائماً: “مبفكرش في الجواز دلوقتي.”
​ورغم إلحاح والدته لمعرفة السبب الحقيقي خلف نفوره من الفتيات، ورغم دموعها الأمومية: “نفسي أفرح بيك وأنا زعلانة عليك”، يبقى رده واحداً:
“أمي، تقديري ليكي فوق راسي، وأي حاجة غير دي هفني وقتي وأسعدك فيها ومش هتأخر عليكي.. بس أنا معنديش ثقة في البنات، البنات دلوقتي مش زيك ولا زي زمان، الأخلاق مش زي زمان ومفيش بنت هتتحمل مسؤولية بسهولة… وغير كدة أنا ورايا أهداف الجواز أهم منها.”
​دخل قاسم السرايا في إجازة بسيطة لزيارة أهله، واحتضن والده الذي لمعت عيناه حباً وتقديراً له. وبعد مرور وقت، علم قاسم من والده ما حدث في الأيام السابقة، فنفر أكثر تجاه زوجة عمه وابنته التي لم يرها إلا وهي صغيرة ولا يتذكر ملامحها. قاسم الهادئ الرزين تحركت مشاعر غضبه ورد بصوت حاد:
“يا بويا اللي زي دول التراب يلمهم ويمحي عارهم، وأنا لو هنا دايماً كنت خليتهم تحت إيدي من تاني يوم، لا راعوا حرمة عمي وكمان هربوا!”
​ثم أضاف بتوعد: “بس اتأكد.. الغايب مسيره يعود.”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...