تحميل رواية شظايا قلوب محترقة وكانها لي الحياة الجزء الثاني بقلم سيلا وليد pdf
بقلم سيلا وليد
الفصل 77
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ شظايا قلوب محترقة وكانها لي الحياة الجزء الثاني بقلم سيلا وليد.
الفصل 77
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
بعض الأسرار لا تُقال لأنها ممنوعة... بل لأنها قادرة على تحطيم كل شيء.
ثلاثةُ قلوبٍ وقفت على حافةِ مصيرٍ واحد، تتوارى خلف أقنعةٍ من الصمت، وتقتات على ما لا يُقال. كان في الأفق وعدٌ مؤجَّل، وفي العيون ارتباكٌ يشبه حكايةً لم تُكتب نهايتها بعد، كأنّ القدر قد كتب السطور الأولى ثم ترك النهاية معلّقةً بين الظلال. وبين خطًى ظُنّت عابرة، ومساراتٍ لم تُختر بإرادة أصحابها، دارت الأرواح في فلكٍ واحد، يقرّبها ببطءٍ من مصيرٍ بدا وكأنه كُتب قبل أن تبدأ الحكاية.
لكن الحب حين يُدفن لا يموت... بل يتحوّل إلى شيءٍ أكثر خطورة.
وما بين الرغبة والواجب، وبين ما كُتب وما كان يُراد له أن يُكتب، بدأت الخيوط تتشابك ببطء، وتضيق المسافات بين الحقيقة وما يُراد إخفاؤه، على نحوٍ لا يوحي إلا بشيءٍ واحد:
أن بعض الأسرار لا تموت حين تُخفى... بل تبدأ.
تجمَّد آسر في مكانه فور أن خرجت الكلمات من بين شفتيها، استدار إليها ببطءٍ شديد، وعيناه متَّسعتان بذهول لا يصدِّق ما سمعه.
اقتربت منه سدن بخطواتٍ مرتجفة، بينما كانت عيناها تلمعان بدموع حبٍ أخفته طويلًا حتى أثقل قلبها.
همست بصوتٍ مكسور:
_أنا بحبَّك.
هزَّ رأسه نافيًا، كأنَّه يرفض الكلمات نفسها، لا معناها فقط:
_إيه اللي بتقوليه ده يا سدن؟ إنتِ زي أختي.
ارتجفت شفتاها، وهزَّت رأسها بعنف، ثم تقدَّمت خطوة أخرى حتى أصبحت أمامه مباشرة، لا يفصل بينهما سوى أنفاسهما:
_بس أنا مش أختك...ولو إنتَ مش واخد بالك من حبِّي، تبقى أعمى يا ابن خالي.
أغمض آسر عينيه لثوان، وكأنَّ اعترافها سقط فوق صدره كحجرٍ ثقيل.
ثم قال بحدَّة حاول أن يخفي بها ارتباكه:
_اسكتي يا سدن...مش عايز أسمع كلام في الموضوع ده.
انكسرت ملامحها، وانسابت دموعها رغم محاولاتها اليائسة للتماسك.
رفعت عينيها إليه، تحملان ألف سؤال وألف خيبة:
_يعني إيه؟
لكنَّه لم يجد إجابة.
في تلك اللحظة، اقترب يزن منهما على كلمات ابنه، بينما وقفت آسيا على بُعد خطوات، عاجزة عن الحركة..
كانت تشعر وكأنَّ قلبها انشطر إلى نصفين؛ نصفٌ يصرخ بحبِّه، ونصفٌ آخر يتألَّم لأجل شقيقتها التي تنهار أمام عينيها.
توقَّف يزن بجوار سدن، ونظر إليهما باستغراب:
_فيه إيه يا خالو، صوتكم عالي ليه؟
ارتبكت سدن، ومسحت دموعها سريعًا بكفٍّ مرتجفة، محاولةً جمع شتات نفسها قبل أن يفضحها انكسارها.
أجابت بصوتٍ بالكاد خرج:
_مفيش...كنت بكلِّمه عشان ياخد باله من نفسه، ويا ريت يبطَّل تهوُّر.
أنهت كلماتها بصعوبة، ثم ابتعدت قبل أن تخونها دموعها أكثر.
وصلت إلى حيث تقف آسيا.
توقَّفت أمامها لثوانٍ..
تلاقت أعين الأختين، ولم تحتج أي منهما للكلام.
رأت آسيا في عينيها قلبًا ينزف، ورأت سدن في عيني أختها وجعًا لا يقلُّ عنها.
وفي اللحظة التي سقطت فيها دموع سدن بغزارة، شعرت آسيا أنَّ دموعها هي الأخرى تحرق عينيها، لكنَّها تماسكت.
أمَّا سدن، فلم تستطع.
استدارت وركضت، هاربةً من نظرات الجميع، ومن خيبتها، ومن قلبها الذي اختار الشخص الخطأ.
ظلَّ آسر واقفًا مكانه، يحدِّق في الفراغ الذي خلَّفته خلفها، وكأنَّ رحيلها انتزع شيئًا من روحه..شحب وجهه، وثقُلت أنفاسه، حتى أنَّه لم يلحظ وقوف آسيا على بُعد خطوات، تراقبه بقلبٍ يرتجف.
أخفضت عينيها سريعًا، لم تكن تملك الشجاعة الكافية لمواجهة ذلك الوجع المرسوم في ملامحه..تراجعت بهدوء، وانسحبت كما دخلت، تحمل داخلها ألف انكسار.
اقترب يزن من ابنه، يتأمَّله بقلق:
ـ مالك ومال بنت عمِّتك، إيه الطريقة اللي بتكلِّمها بيها دي؟
أطلق آسر زفرة مثقلة بالاختناق، ثم التفت إلى والده بعينينِ متعبتين:
ـ بابا، لو سمحت...لازم أمشي دلوقتي.
اعترض يزن طريقه، وقال بهدوء:
ـ سمعت سدن وهي بتقول إنَّها بتحبَّك، البنت كويسة يا ابني...ليه ما تديش نفسك فرصة معاها؟
مرَّر آسر يده فوق وجهه بإرهاق، وكأنَّ الكلمات صارت أثقل من أن تُقال:
ـ بعدين يا بابا...مش دلوقتي.
قالها وتحرَّك سريعًا دون أن يلتفت خلفه.
وصل إلى سيارته، وأخرج هاتفه على عجل، بحث عن اسم آسيا وضغط زرَّ الاتصال.
في الجهة الأخرى، ارتفع رنين هاتفها بين يديها، حدَّقت في الشاشة للحظات، رأت اسمه يلمع أمامها، لكن أصابعها ارتجفت، ولم تستطع الرد.
أغلقت الهاتف، ودلفت إلى منزلها بخطواتٍ بطيئة مثقلة، واتَّجهت مباشرةً إلى غرفة شقيقتها.
فتحت الباب بهدوء، فتوقَّفت مكانها.
كانت سدن تجلس فوق فراشها، تضمُّ ركبتيها إلى صدرها، تنساب دموعها بصمتٍ موجع.
وقفت آسيا تراقبها، وقلبها يصرخ داخل صدرها.
كيف تُواسي أختها من وجعٍ سببه الرجل الذي يسكن قلبها هي؟
ابتلعت غصَّتها، واقتربت منها ببطء، ثم جلست بجوارها، ورفعت يدها تمسِّد على خصلاتها بحنانٍ مرتعش، وانحنت تقبِّل رأسها:
ـ حبيبتي...ممكن تبطَّلي عياط شوية ونتكلِّم؟
رفعت سدن وجهها المبلَّل بالدموع، ونظرت إلى أختها بعينينِ منكسرَتين:
ـ أنا غلطت، صح؟ كده عيب، ماما قالتلي إنِّ عيب البنت تعترف للولد بحبَّها.
ارتجف قلب آسيا، وسألتها بصوتٍ خافت:
ـ إنتِ قولتي لماما إنك...يعني بتحبِّيه؟
أومأت سدن برأسها، وابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة:
ـ أيوة..وعجبها آسر بس قالت مااستعجلش ولازم اقولك الأول
شعرت آسيا وكأنَّ الكلمات انغرست في قلبها كالسكاكين.
وضعت كفَّيها حول وجه شقيقتها:
ـ حبيبتي...سيبك من آسر، هوَّ مش هينفعك.
هزَّت سدن رأسها بعنادٍ طفولي ممزوجٍ بالألم، ثم انفجرت باكية:
ـ بحبُّه يا آسيا...بحبُّه أوي، ومش هقدر أنساه.
قالتها وألقت بنفسها بين ذراعي أختها.
احتضنتها آسيا بقوة، وضمَّتها إلى صدرها، بينما انهمرت دموعها بصمت..
بكت على قلب شقيقتها الذي انكسر للمرَّة الأولى.
وبكت أكثر على قلبها هي...ذلك القلب الذي أحبَّ الرجل نفسه، لكنَّه لم يعد يملك حقَّ البوح.
كيف تخبر أختها أنَّ الوجع الذي تعيشه الآن، تعيشه معها؟
وكيف تنافس أختها على رجلٍ تحبُّه، وهي التي اعتادت أن تكون ملاذها من كلِّ ألم؟
لأوَّل مرَّة شعرت آسيا أن الحبَّ قد يتحوَّل إلى ذنب..
ولأول مرَّة أدركت أن أقسى أنواع الألم، ألَّا تخسر من تحب فحسب، بل أن تُجبَر على مواساة من يحبُّ الشخص ذاته.
وأنَّ أصعب أنواع الفقد، ليس أن يرحل من نحب، بل أن نتخلَّى عنه بأيدينا، ونبتسم، وندفن وجعنا في أعماقنا، فقط لأن سعادة من نحبُّهم أهم من أحلامنا.
فبعض التضحيات لا تُعلن، وبعض القلوب تنكسر بصمت حتى لا تُسمع شروخها.
عند آسر..
تحرَّك بسيارته وغادر الكمبوند؛ وهو يتحدَّث بهاتفه مع أحد الرجال الموكَّلين بالبحث عن المهندس:
_أنا رايح على العنوان اللي بعته، بس أتأكد الدنيا تمام ولَّا لأ.
بمنزل إلياس..
كان يقف أمام النافذة، يطالع الظلام الممتد خارجها بعينينِ متعبتين، يتحدَّث بالهاتف:
ـ أيوة...وبعدين؟
جاءه صوت مالك متردِّدًا:
ـ مفيش...كل اللي قالته طلع صح.
أغمض إلياس عينيه لثوانٍ، وزفر ببطء كأنَّه يحاول ابتلاع قلقه:
ـ طيب يا مالك، جهِّز نفسك...هنروح نزور الستِّ دي.
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يتحدَّث مالك مجدَّدًا بنبرةٍ أكثر حذرًا:
ـ فيه خبر وصلني إن آسر بيدوَّر على المهندس.
تشنج فكُّ إلياس، ومرَّر كفِّه على وجهه بإرهاق:
ـ كنت عارف إنه مش هييأس.
استقام في وقفته، وقال بصوتٍ صارم:
ـ اسمعني كويس...سلِّم المهندس لجاسر الألفي، مش عايز حد من الولاد يتهور معاه.
حمحم مالك بتردُّد:
ـ يوسف وبلال بيدوَّروا عليه همَّا كمان.
أغمض إلياس عينيه للحظة، ثم قال بثقة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًّا:
ـ عارف...ومتقلقش، أنا بمشِّيهم زي ما أنا عايز..المهم، قبل ما آسر يوصل للمهندس ويضيَّع نفسه...أعرف أسيطر على يوسف وبلال، بس آسر لا، علشان كدا سلِّمه لجاسر الألفي.
صمت لثوانٍ، ثم أردف بصوتٍ خافت:
ـ خايف يموت في إيدينا..
أنهى المكالمة ببطء، وذهب ينظر بعينينِ شاردتينِ في الفراغ..
يهمس لنفسه:
ـ يا ترى يا بنت راجح...إيه اللي مخبياه وراكِ؟
تنهَّد بعمق، ثم ضغط على اسم يزن واتصل به.
ما إن أجابه حتى قال:
ـ جهِّز نفسك...ورانا مشوار بعد ساعة.
جاءه صوت يزن ساخرًا، يخفي خلف سخريته غضبًا قديمًا:
ـ وده على أساس إنِّي صبي عندك يا إلياس، مش هعرف رايحين فين؟
زفر إلياس بضيق، لكنَّه تمالك أعصابه:
ـ يزن، أكيد مش هخطفك يعني. هنروح لسارة دي ونشوف حكايتها إيه. أظن إدِّينا الموضوع وقت كفاية.
ضحك يزن بمرارة:
ـ بقولَّك إيه...أنا لا يهمِّني سارة ولا غيرها، وبقولها لك للمرَّة الألف، إنتوا على بعضكم متهمونيش..أنا مكنتش عايز العيلة دي من الأساس...وإنتَ السبب.
أغمض إلياس عينيه بقوة، وكأنَّ كلمات يزن أصابت جرحًا قديمًا:
ـ يزن...مش وقت الكلام ده.
قالها بصوتٍ هادئ، لكنه كان مثقلًا بالتعب:
ـ أنا ادِّيتك وقت كفاية تفكَّر..لازم نزور الستِّ دي ونعرف جاية ليه بعد السنين دي كلَّها.
توقَّف لحظة، ثم أضاف بجدية:
ـ وفكَّر في قضية ابنك...يمكن تكون هيَّ اللي ورا اللي بيحصل، إنتَ مسمعتش كلامها؟
ساد الصمت للحظات، قبل أن يأتيه صوت يزن مستسلمًا:
ـ تمام يا إلياس...لمَّا أشوف آخرتها معاك إيه.
بمكتب رولا..
بعد فترة من الحديث:
ـ تمام يا باشمهندسة، يبقى نتقابل في الاجتماع.
اكتفت رولا بإيماءة خافتة دون أن تنطق بحرف، فودَّعها وغادر المكتب.
ما إن أُغلق الباب خلفه حتى هوت على مقعدها بإرهاق، تسحب أنفاسها بصعوبة وتخرجها ببطء، شعرت وكأنَّ الهواء انسحب من الغرفة.
جلست تضمُّ رأسها بين كفَّيها، تحاول السيطرة على ارتعاشة جسدها،
عند بلال..
صعد بلال أولى درجات السلَّم، لكنه توقَّف على رنين هاتفه:
ـ أيوة يا يوسف.
على الجانب الآخر جاءه رد يوسف:
ـ بلال...عايزين نسهر النهاردة، اتِّصل بآسر، نتجمَّع كلِّنا عند بابا، بقالنا كتير أوي متجمَّعناش.
تنهَّد بلال وهو يواصل صعوده ببطء:
ـ معرفش يا يوسف، أنا بس...
توقَّفت الكلمات على شفتيه حين لمح سيارة معتز الدمنهوري تخرج من چراج الشركة.
انعقد حاجباه وهو يتابع السيارة بعينيه حتى اختفت.
ـ خلاص يا يوسف، هشوف وأرد عليك.
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يتحدَّث يوسف بصوتٍ خافت:
ـ بلال...إنتَ لسه زعلان من رولا؟.تنهد بلال، ثم قال على عجل:
ـ يوسف، لازم أقفل دلوقتي.
أنهى المكالمة وصعد بخطواتٍ سريعة.
دلف إلى الداخل، فوجد السكرتيرة تحمل فنجان قهوة وتتَّجه نحو مكتب رولا.
أوقفها بإشارة من يده:
ـ الباشمهندسة جوه؟
أومأت برأسها:
ـ أيوة يا دكتور.
تردَّد قليلًا قبل أن يسأل:
ـ هوَّ معتز الدمنهوري كان بيعمل إيه هنا؟
أجابت ببساطة:
ـ كان فيه اجتماع من يومين ومجاش، فجه يعتذر.
هزَّ رأسه في صمت، وداخله يحترق،
اتَّجه نحو المكتب ودفع الباب بهدوء.
وجدها جالسة خلف مكتبها، تضمُّ رأسها بين كفَّيها..
رفعت رأسها فور شعورها بوجوده.
تجمَّدت ملامحها لثانية قبل أن تخفي ارتباكها.
نظر إلى ساعة يده وقال بنبرةٍ هادئة، لكنَّها تحمل عتابًا واضحًا:
ـ اتأخرتِ ليه؟ الساعة بقت تمانية.. قالها وهو يرمق السكرتيرة، لايريد الجدال امامها
وقعت عيناه على فنجان القهوة الذي وضعته السكرتيرة أمامها:
ـ وكمان طالبة قهوة؟
نهضت بسرعة، تجمع أغراضها بعصبية واضحة:
ـ لا خلاص...كنت بس مصدَّعة.
خرجت السكرتيرة وأغلقت الباب خلفها.
تقدَّم بلال ببطء حتى وقف أمامها مباشرة.
كانت تتجنَّب النظر إليه، تعبث بأشيائها بلا هدف.
تأمَّل وجهها الشاحب، وعينيها المرهقتين.
ورغم ذلك قال:
_إيه اللي نزِّلك الشغل دلوقتي، مش قولنا لمَّا نعرف مين اللي عمل كدا.
رفعت رأسها أخيرًا، وارتدت نظَّارتها الشمسية في محاولةٍ يائسة لإخفاء ألمها:
_بلال اتكلِّمنا في الموضوع دا، أنا مستحيل أوقَّف شغل، وياله زمان يوسف تعب النانا.
مدَّ يده بهدوء، وسحب النظَّارة من على وجهها:
_في حد بيلبس النظَّارة بالليل؟.
التقت عيناه بعينيها مباشرة.
عيناها كانتا حمراوتين، ممتلئتينِ بدموعٍ حاربت كثيرًا حتى لا تسقط.
انعقد قلبه وهو يهمس:
ـ مش عايزة تقوليلي حاجة؟
هزَّت رأسها بالنفي سريعًا، وكأنَّها تخشى أن ينهار كل ما تحاول التماسك به.
حملت حقيبتها واتَّجهت نحو الباب بخطواتٍ متعجِّلة.
مرَّت بجواره دون أن تنظر إليه.
أمَّا هو، فظلَّ واقفًا مكانه للحظات، يتابع خروجها بصمت، وقلبه يزداد قلقًا كلَّما تذكَّر خروج معتز من المبنى.
عند يوسف...
دلف إلى المنزل فاستقبله سكونٌ دافئ.
خطا إلى الداخل على مهل، يظن أنَّهما غارقانِ في النوم، لكنه توقَّف مكانه حين رآها.
كانت تتمدَّد فوق الأريكة، تضمُّ الصغير فوق صدرها بحنانٍ فطري، تمرِّر أناملها بين خصلاته الناعمة وتهمس له بأغنية طفولية بالكاد تُسمع.
كان الصغير غافيًا بطمأنينة كاملة.
تسمَّرت قدميه..
مشهد بسيط...لكنه هزَّ شيئًا عميقًا بداخله.
ارتجف قلبه وهو يراها تحتضنه بذلك الدفء الذي لطالما تخيَّل أن يراه يومًا مع طفله...طفله هو.
لكن بعض الأمنيات لا يمنحها الله لنا وقتما نشاء.
انسابت عيناه فوق ملامحها الهادئة، ثم توقَّفتا عند منامتها السوداء الشفافة التي كشفت أنوثتها دون قصد، وخصلاتها المبعثرة التي غطَّت نصف وجهها، استقرَّت نظراته على قبضة الصغير المتشبِّثة بمقدِّمة منامتها.
شعر بشيء يعتصر صدره..
غيرة؟
حزن؟
أم حسرةِ رجلٍ حُرم من حلم الأبوَّة حتى بات يغار من طفلٍ لا يملك سوى قلبٍ بريء؟
اقترب سريعًا..شعرت بخطواته، فرفعت عينيها إليه بابتسامة دافئة:
ـ حمد الله على السلامة يا حبيبي... محسِّتش بيك.
أجابها بصوتٍ خشن لم ينجح في إخفاء اضطرابه:
ـ وإنتِ هتحسِّي بيَّا إزاي...وإنتِ واخدة الواد ده كلُّه في حضنك؟
انحنى وحمل الصغير بين ذراعيه، ثم أردف بجمودٍ مصطنع:
ـ ودِّيه لأبوه وأمُّه...كفاية عليه كده.
اعتدلت تنظر إليه بذهول:
ـ إيه اللي بتقوله ده يا يوسف؟
لكنَّه لم يجب.
تحرَّك بالصغير...ليفتح الصغير عيناه مبتسمًا..
ومدَّ كفِّه الصغير نحو وجهه، يربت على ذقنه ببراءة، ثم مرَّر أصابعه الممتلئة فوق وجنته.
توقَّف يوسف...يحدِّق به وكأنه يرى معجزة صغيرة بين يديه.
كيف لطفلٍ لا يعرف الكلام أن يرمِّم كلَّ هذا الخراب؟
كيف لضحكةٍ بريئة أن تداوي أرواحًا أنهكها الفقد؟
جلس على الأريكة وهو يحمله، يتأمَّل أصابعه الصغيرة التي تشبه أغصانًا غضَّة، يلامسها بحذر يخشى أن يؤذيها.
كانت أنفاسه الدافئة تداعب وجهه، وعيناه الواسعتان تتعلَّقان به بفضولٍ طفوليٍّ نقي، خالٍ من الأحكام والخذلان..لا يعرف هذا الطفل شيئً
ضحك الصغير حين داعب يوسف وجنتيه، فانطلقت منه ضحكةً صغيرة تشبه الموسيقى.
ضحكة واحدة فقط...كانت كفيلة بأن تضيء شيئًا انطفأ بداخله منذ زمن.
ظلَّت ضي تراقبهما بصمت.
تأمَّلت ملامحه التي أشرقت والطريقة التي احتضن بها الطفل، وخز الألم قلبها بقسوة.
كم تمنَّت أن يكون هذا الطفل ابنهما.
كم تمنَّت أن ترى ملامحه في صغيرٍ يحمل اسمه، ويشبه ضحكته، ويناديها يومًا "ماما".
شقَّت دمعة وحيدة طريقها إلى وجنتها.
انسحبت بهدوء، قبل أن يفضحها قلبها.
لكن...
كيف للحبيب ألَّا يشعر بانكسار حبيبه؟
رفع يوسف رأسه، فلم يجدها.
التفت حوله، فوقع بصره على ظلِّها الواقف بالشرفة.
وضع الصغير برفقٍ في فراشه الصغير الذي أعدَّته ضي بعناية، ثم اتَّجه نحوها.
توقَّف عند باب الشرفة.
كانت تقف وظهرها إليه، تحدِّق في ظلام الليل، تمسح دموعها سريعًا.
شعر بثقلٍ هائلٍ يهبط فوق صدره.
فوجعها...كان يشبه وجعه تمامًا.
تراجع خطوةً إلى الخلف..
هرب.
هرب لأنَّه لا يملك كلماتٍ تواسيها، ولا معجزة تمنحها ما تتمنَّاه.
اتَّجه إلى غرفته، لكنَّه توقَّف على صوت صغيرٍ انبعث من خلفه:
ـ بب...بب...
استدار.
كان الصغير يلوِّح بكفَّيه الصغيرتين، يضحك له ببراءة، وكأنَّه يناديه.
ابتسم يوسف رغمًا عنه.
ابتسامة موجوعة...تشبه دمعة تأخَّرت كثيرًا.
ظلَّ واقفًا للحظاتٍ يحدِّق فيه.. واحلامًا
عند بلال
وصل بلال الكمبوند، فأوقف السيارة وترجَّلت رولا ببطء، بينما استدار هو متَّجهًا نحو منزل والده.
التفتت إليه باستغراب وسألته:
_إنتَ رايح فين؟
أجابها دون أن ينظر إليها:
_هشوف ماما...بابا لسه مرجعش، على ما أرجع، عدِّي هاتي يوسف من عند ضي.
أومأت برأسها قائلةً بهدوء:
_تمام.
راقبته للحظات وهو يبتعد، ثم أخذت نفسًا عميقًا وتحرَّكت نحو منزل يوسف.
في الطابق العلوي بمنزل يوسف، استدارت ضي على صوت بكاء الصغير. بحثت بعينيها عن يوسف، علمت أنَّه صعد إلى غرفته.
حملت الطفل بين ذراعيها، وفي اللحظة نفسها دوى جرس الباب.
أسرعت الخادمة لتفتحه، لتدلف رولا بخطواتٍ مرهقة، تحمل على ملامحها الألم.
ما إن وقعت عينا الصغير عليها حتى أطلق همهمة فرحة، رافعًا ذراعيه الصغيرتينِ نحوها.
ابتسمت رغم الألم الذي يسكنها، وضمَّت طفلها إلى صدرها، تغمر رأسه بالقبلات:
_مساء الخير يا حبيب مامي.
جلست بجوار ضي، التي رمقتها بنظرةٍ عاتبة ممزوجة بالقلق:
_إيه اللي أخَّرك كده؟ مش قولتي هتروحي تشوفي كارما وترجعي على طول، الواد مسكتش مع ماما ولا النانا؟
خفضت رولا عينيها وهي تشدُّ طفلها إلى حضنها أكثر:
_عدِّيت على المكتب.
زفرت ضي بضيق وقالت:
_مكتب إيه دلوقتي يا رولا؟ إحنا ما صدَّقنا الأمور هديت شوية.
ارتجفت شفتا رولا، ولم تستطع أن تمنع الدموع من التسلُّل إلى عينيها:
_بلال مش عايز يسامحني يا ضي...
اقتربت ضي منها فورًا، وجلست بجوارها، تحيط كتفيها بذراعها:
_رولا...أنا وقفت معاكي، وغلَّطت أخويا، أنا عارفة إن غيرة الست نار... بس إنتِ لغيتي عقلك خالص.
توقَّفت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ أكثر هدوءًا:
_طب لو حطِّينا أسوأ الاحتمالات...لو كان فيه حد مستنِّيكي فعلًا، وكان قصده يئذيكي، كنتِ هتعملي إيه؟
انهمرت دموع رولا، وتذكَّرت انهيارها ولولا وقوف بلال ووالدها معها في تلك المرحلة لكانت انتحر. ت ممَّا شعرت به..نظرت لضي:
_أنا تعبانة أوي يا ضي...تعبانة وبحاول أبيِّن إنِّي كويسة.
احتضنتها ضي بقوة، وربتت على ظهرها بحنان:
_اهدي يا حبيبتي...إن شاء الله كلِّ ده هيعدِّي، وبلال مهما زعل، بيحبِّك، سيبيه يهدا شوية وهيرجع.
ابتسمت ضي في محاولة انتشالها من حزنها، ورفعت ذقنها بمشاكسة:
_وبعدين، الجمال ده كلُّه وأخويا الأهبل يعرف يبعد عنه؟
خرجت ضحكة باهتة من بين دموعها:
_والله أنا اللي هبلة...
وقبل أن تكمل، قطع صوت يوسف حديثهما وهو يهبط الدرج:
_عاملة إيه يا رولا؟
مسحت دموعها سريعًا ونهضت وهي تحمل طفلها:
_كويسة.
استوقفتها ضي:
_رايحة فين؟ استني اتغدي معانا، ويوسف هيتِّصل ببلال.
هزَّت رأسها برفضٍ خفيف، ثم التفتت إلى يوسف:
_إنتَ هتسافر تاني؟
أومأ وهو يجلس:
_آه.
قطّب حاجبيه باستغراب:
_.ليه؟
_سمعت بابا بيقول إنُّكم مسافرين، فسألت بس.. وعرفت ضي كمان هتسافر معاك
أومأ لها بابتسامةٍ مقتضبة، فغادرت وهي تضمُّ طفلها إلى صدرها،
تابعتها ضي بعينيها حتى اختفت، ثم التفتت إلى يوسف:
_أخلِّيهم يجهِّزوا الغدا؟
أشار إليها أن تقترب:
_تعالي اقعدي جنبي الأوَّل.
جلست إلى جواره، تنظر إليه بابتسامة، فمدَّ يده يداعب وجنتها بحنان.
تأمَّلت ملامحه للحظات، قبل أن يقول بصوتٍ هادئ:
_أنا قرَّرت نعمل حقن مجهري.
اتَّسعت عيناها بذهول، وكأنَّها لم تستوعب ما سمعت:
_بجد؟! قول والله!
ابتسم وهو يومئ برأسه:
_والله.
شهقت بسعادة، وألقت نفسها بين ذراعيه بقوَّة:
_إنتَ أحسن راجل في الدنيا.
ابتعدت قليلًا، تنظر إلى عينيه الهادئتين، كانت الفرحة تفيض من ملامحها:
_أنا بحبَّك أوي يا يوسف.
احتوى وجهها بين كفَّيه، ثم طبع قبلة حانية فوق جبينها:
_أهمِّ حاجة عندي إنِّك تكوني سعيدة.
أغمضت عينيها، وأسندت رأسها إلى صدره، تستمع إلى دقَّات قلبه التي كانت دائمًا ملاذها الآمن.
همست بصوتٍ امتزج بالامتنان والحب:
_أنا سعيدة طول ما أنا في حضنك...يا حبيبي..
عند إلياس...
دلف هو ويزن إلى منزل سارة بعدما سمحت لهما الخادمة بالدخول. تحرَّكت عيناه ببطء تتفحَّصان المكان؛ أثاث أنيق، لوحات باهظة، وتفاصيل تنتمي بوضوح إلى حياةٍ مرفَّهة.
توقَّفت نظراته عند صورة كبيرة معلَّقة على الحائط لسارة تقف بجوار رجلٍ تبدو عليه ملامح الثراء والنفوذ.
اقترب منها في صمت، يتأمَّل ملامحها المبتسمة في الصورة، بينما تعالت في أرجاء المنزل طرقاتِ حذائها الهادئة.
التفت إليها فور ظهورها.
توقَّفت عند مدخل الصالة، وبادلت نظراته بنظراتٍ متحفِّظة:
_أهلًا...نوَّرتوا.
استدار إليها كاملًا، يرمقها بهدوءٍ غريب، ورغم ملامحه الجامدة، كانت عيناه تتفحَّصان كلِّ تفصيلةٍ بها؛ كأنَّها لوحةٌ قديمة يحفظها رسَّام عن ظهر قلب.
اقتربت منه بخطواتٍ حذرة، وعيناها تنتقَّلان بينه وبين يزن:
_خير؟
أجابها إلياس بصوتٍ هادئ:
_عايز أتكلِّم معاكي شوية..محبتش أبعتلك، فقولت أجيلك لحدِّ هنا.
التفتت إلى يزن الذي كان يجلس بأريحية مستفزَّة، يعقد ساقًا فوق الأخرى ويشعل سيجارته ببطء.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بحدَّة:
_وإنتَ كمان جاي وعايز تتكلِّم؟
أطلق يزن ضحكة ساخرة، ثم نفث دخان سيجارته قائلًا:
_إنتِ وعيلتك ما تهمونيش في حاجة، بس شكلك واحدة كذَّابة...أو نصَّابة، وفي الحالتين، نصَّابة غبية.
اشتعل الغضب في عينيها، فتقدَّمت نحوه خطوة:
_اخرس! هنصب عليك في إيه؟
رفعت ذقنها بتحدٍّ وأردفت:
_ولمَّا أنا نصَّابة، وافقتوا ليه على جواز بنتكم لابننا؟
ضرب يزن ذراع المقعد بكفِّه ساخرًا:
_يبقى إحنا اللي أغبيا، علشان معرفناش أشكالك من الأوَّل.
ارتفع صوتها وهي تشير إلى الباب:
_اطلعوا برَّه بيتي، فعلًا ولاد راجح.
هبَّ يزن واقفًا، واشتعلت عيناه غضبًا:
_نسأل عليكي إزاي وإحنا منعرفش إنِّ المرحوم كان بيمشي يجري ورا الستَّات!
ضحكت بمرارة، وعيناها تمتلئان بالغضب والوجع:
_يا سلام! ولَّا سألتوا علشان تاخدوا حقِّنا؟ ولَّا علشان تقتلونا زي ما قتلتوا أبوكم؟
ساد الصمت للحظة.
تصلَّبت ملامح يزن، واقترب منها بخطوةٍ خطيرة:
_كويس إنك عارفة إنِّنا قتلناه... وممكن نقتلك إنتِ كمان دلوقتي.
التفت إليه إلياس بعينينِ حادَّتين:
_يزن...اسكت.
قالها بنبرةٍ حاسمة، ثم عاد بنظره إلى سارة، وصوته أكثر هدوءًا:
_مدام سارة، لو ناويين نعمل مشاكل، ما كناش جينا لحدِّ هنا.
توقَّف لحظة يتأمَّل ارتجافة يديها رغم محاولتها إخفاءها:
_إحنا جايين نفهم، لو إنتِ فعلًا بنت راجح، ليه استنيتي كلِّ السنين دي..وليه دلوقتي قرَّرتي تظهري؟
نظرت إليه مباشرة، وفي عينيها عتاب عمرٍ كامل:
_وليه إنتوا ما سألتوش علينا؟
وقبل أن يجيب، قطع التوتُّر صوت ضعيف آتٍ من آخر الممر:
_سارة...فيه ضيوف؟
التفتت سارة سريعًا:
_إيه اللي نزِّلك يا ماما؟ كنتِ ارتاحي.
تقدَّمت امرأة خمسينية بخطواتٍ بطيئة، ترتسم على وجهها ملامح إرهاق السنين.
توقَّفت أمامهما، تنظر إليهما بفضولٍ ممزوجٍ بالحذر:
_مرحبًا.
أومأ إليها إلياس باحترام:
_أهلًا بحضرتك.
بينما وقف يزن في مكانه، يرمقها بنظراتٍ متفحِّصة.
جلست السيدة على المقعد، لكن عينيها لم تفارقا وجهيهما.
تنحنحت سارة وقالت بتردُّد:
_ماما...ده إلياس، وده يزن.
أومأت برأسها في صمت.
ابتلعت سارة ريقها، ثم أضافت بصوتٍ خافت:
_يزن...يزن راجح الشافعي.
تغيَّر لون وجه صوفيا في لحظة.
واتَّسعت عيناها بذعر، ونهضت من مكانها بعنف حتى كادت تتعثَّر.
تراجعت خطوة للخلف، ثم تشبَّثت بذراع ابنتها بقوَّة:
_ماذا تريدون؟!
ارتجف صوتها وهي تنظر إليهما بخوفٍ حقيقي، خوف قديم استيقظ فجأة بعد سنواتٍ من الدفن:
_سارة، اتِّصلي بالشرطة الآن!
تجمَّد يزن في مكانه، بينما انعقد حاجبا إلياس في دهشة.
لم تكن نظراتها نظراتُ امرأة خائفة من غرباء...
بل نظراتُ شخصٍ رأى شبحًا عاد لينتقم.
_استني يا ماما...لمَّا نشوف البهوات عايزين إيه.
جلس إلياس بهدوء، وأشار إليها قائلًا:
_ممكن تقعدي، إحنا مش جايين نؤذي حد..أنا بس عايز أفهم إزاي راجح اتجوِّز وخلف.
تقدَّمت صوفيا خطوة، تضمُّ ذراعيها إلى صدرها كأنها تحتمي بنفسها:
_من يكون هذا سارة؟.
أجابت سارة بصوتٍ خافت، وهي تنظر إلى والدتها:
_ده إلياس..اللي المفروض يبقى ابن عمِّي يا ماما.
تأمَّلته صوفيا طويلًا، وعيناها تضيقان بالشكِّ والخوف:
_أنا لا أعلم شيئًا..وسارة لا تعلم شيئًا.
جلست سارة إلى جوار والدتها، وربتت على يدها المرتجفة:
_اهدي يا ماما...عادل جاي في الطريق، الأمن بلَّغوه.
حكَّ يزن ذقنه وهو يطالعها بسخرية، بينما قال إلياس بنبرةٍ هادئة:
_أنا جيت أسمع وبس.
ثم نظر إلى سارة وسأل:
_مامتك هتحكي...ولَّا هتحكي إنتِ؟
عقدت صوفيا حاجبيها وقالت بارتباك:
_«عمَّ تتحدَّثون، وماذا تقصدون؟»
ظلَّ إلياس يتابعها بعينينِ ثابتتين، قبل أن يقول:
_حضرتك ليه محسِّساني إنِّنا جايين نؤذيكم؟
قاطعهم يزن بحدَّة:
_الأستاذة قالت إنِّنا سرقناكم وقتلناكم كمان! سرقة إيه اللي بتقولوا عليها؟
رفعت سارة رأسها، وقالت بصوتٍ اختلط فيه القهر بالغضب:
_حقِّنا يا باشمهندس.
سخر يزن:
_حقِّ إيه، هتستعبطي؟
التفت إليه إلياس بعصبية مكتومة:
_يزن...
ثم أعاد نظره إلى سارة:
_سامعك...اتكلِّمي.
نظرت سارة إلى والدتها، فهزَّت صوفيا رأسها بالرفض، لكن سارة أغمضت عينيها للحظة، وكأنَّها تستجمع شجاعة خمسةٌ وثلاثون عامًا من الصمت.
ثم بدأت تحكي:
_من خمسة وأربعين سنة..كان فيه راجل طيِّب، عنده مقهى صغير على البحر، كلِّ رزقه وحياته كانوا مراته وابنه الصغير اللي ما كمِّلش عشر سنين.
ارتجف صوتها وهي تكمل:
كان كلِّ حلمه يعيش في ستر، ويشوف ابنه بيكبر قدَّامه.
انهمرت دموع صوفيا بصمت، بينما تابعت سارة:
في ليلة..دخل المقهى راجل غريب، قعد زي أي زبون عادي، لكن أمِّي ما كانتش تعرف إنِّ الشيطان دخل بيتهم بنفسه.
ابتلعت غصَّتها وأكملت:
_فضل يطلب حاجات كتير...مش عشان محتاجها، لكن عشان يشوفها أكتر.
وبعدها بأسبوع رجع، وبعده أسبوع كمان..لحدِّ ما بقى صاحب الراجل الطيب، صدَّقه وفتح له قلبه وبيته، وهوَّ كان فاتح عينه على مراته.
أخفضت رأسها، ثم رفعت عينيها إلى إلياس:
_لعب بعقله..ورسم له أحلام كبيرة. أقنعه يهدم المقهى اللي ورثه عن أبوه، ويستلف فلوس ويبني مشروع أكبر.
خلَّاه يمضي على شيكات، ويغرَّق نفسه في الديون..وفجأة اختفى.
اشتدَّت شهقات صوفيا، فأمسكت سارة يدها بقوَّة:
الديون تراكمت..والراجل دا باع بيته وكلِّ حاجة يملكها، بس ما قدرش يسدِّد.
الدَّيَّانة وقفوا له، والشيكات اترفعت عليه..ودخل السجن.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تنطق سارة بصوتٍ مكسور:
وهنا..ظهر الشيطان من تاني.
تجمَّد إلياس في مكانه، بينما شحب وجه يزن.
راح له السجن..وساومه.
رفعت سارة عينيها المبلَّلتين بالدموع إلى إلياس مباشرة:
قال له هخرَّجك من السجن..بس تطلَّق مراتك.
ارتفع بكاء صوفيا، وكأنَّ الجرح انفتح من جديد بعد كل تلك السنوات.
_ رفض..واختار السجن.
تنفَّست سارة بصعوبة، ثم همست:
لكن الشيطان ما اكتفاش.
توقَّفت لحظة، ومسحت دموعها المرتجفة:
هدَّده بقتل ابنه..قال له لو ما طلَّقتهاش، ابنك هيموت.
ارتعش صوتها عند كلماتها الأخيرة، وكأنها تعيش المأساة من جديد:
ـ كان بين نارين..نار زوجته، ونار ابنه.
توقَّفت لثوانٍ، تحاول التقاط أنفاسها، ثم همست بانكسارٍ موجع:
ـ وفي النهاية..اختار يضحِّي بمراته علشان ينقذ ابنه.
أطرقت رأسها، وسقطت دمعة حارَّة على كفَّيها المرتجفتين:
ـ وطلَّقها...
أطلق يزن ضحكة ساخرة، وكأنَّ ما سمعه لم يكن سوى حكاية تُروى قبل النوم.
ـ طبيعي..ده راجح جيمس نارُو.
رفعت سارة عينيها إليه بغضبٍ مشتعل، لكنَّه أكمل بلا مبالاة:
ـ مش متفاجئ، طول عمره راجح ماكانش إنسان عادي.
تدخَّل إلياس، وقد عقد حاجبيه في حيرة:
ـ بس والدتك قبطية..إزاي اتجوزت راجح؟
قهقه يزن بمرارة، وهزَّ رأسه ساخرًا:
ـ ما تلاقيه غيَّر ديانته، عادي راجح.
رفعت سارة رأسها ببطء، وقالت بصوتٍ متهدِّج:
ـ بعد ما طلَّقها..قتله
شهقت صوفيا، بينما أكملت سارة بصعوبة:
ـ وماما بقت أرملة...وبعدها هدَّدها بابنها لأنَّها رفضت.
هنا ارتجفت شفتي صوفيا ، وانهمرت دموعها دون توقُّف.
ـ كان إنسانًا بشعًا.
ظلَّ إلياس يراقب انهيارها بصمت، بينما انفجرت بالبكاء:
ـ أردت قتله لعدَّة مرَّات..
ضمَّت ذراعيها حول نفسها، وكأنها تحاول حماية جسدها من ذكرياتٍ تنهش روحها:
ـ لقد دمَّرني أنا وعزيزي، أقسمت بالمسيح أنِّي سأقتله، لكنَّه ذهب... وبعدها علمت أنَّه مات.
قطَّب إلياس جبينه، وسأل بهدوء حذر:
ـ طيب...إزاي الكنيسة وافقت على جواز مسلم من مسيحية؟
مسحت صوفيا دموعها بيدٍ مرتجفة، وقالت بصوتٍ خافت:
ـ بعد ما خطف مايكل..اضطررت لموافقة زواج مدني.
تبادل يزن وإلياس نظرة سريعة، قبل أن يسأل يزن:
ـ وابنك فين دلوقتي؟
ساد الصمت.
ظلَّت تحدِّق في الأرض، عاجزة عن الإجابة.
لكن سارة رفعت رأسها وقالت بحزم:
ـ عايز ينتقم منكم.
انتفضت صوفيا، ونظرت إليها بذعر:
ـ سارة...اصمتي.
لكن سارة أكملت، وكأنَّها قرَّرت أخيرًا أن تزيح هذا الحمل عن صدرها:
ـ مايكل عرف إنُّكم قتلتو راجح، وإن يزن أخد فلوسه..
اقترب يزن خطوة، وقد اتَّسعت عيناه بصدمة:
ـ إنتِ بتقولي إيه؟
تدخَّلت صوفيا بسرعة:
ـ سارة لا تعلم شيئًا..
_لا..لقد أوقعه راجح في بعض الأعمال وهو صغير السن، وبعدما استغلَّه وسرق حياته، قاله أنَّكم أخذتم كلَّ شيء.
_هوَّ راجح اتجوز والدتك إمتى؟.
نظرت لوالدتها وقالت:
_أنا عندي أربعين سنة.
لكن الأخيرة لم تتراجع:
ـ مايكل موجود هنا..في مصر.
تجمَّدت ملامح يزن، بينما اشتدَّ انتباه إلياس.
ـ وعايز ينتقم منكم.
هزَّت صوفيا رأسها بعنف:
ـ اسكتي!
إلَّا أنَّ سارة اندفعت بالكلمات وكأنَّها تخشى التراجع:
ـ راجح كان له بنت في السجن، مايكل وصل لها بعد ما عرف بموته، وهيَّ قالت له إنُّكم قتلتوه، وإنِّ يزن أخد فلوسه.
همس يزن بذهول:
ـ تقصدي مين؟
أجابه إلياس فورًا:
ـ رؤى.
أومأت سارة برأسها.
ـ أيوه..كان بيتواصل معاها فترة، وبعدها اختفت.
زفر يزن بقوَّة، واقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطواتٍ قليلة:
ـ لأنَّها اتعدمت.
نظر إليها بثبات، وعيناه تشتعلان غضبًا ممزوجًا بالألم:
ـ وإحنا ما قتلناش حد، ولا أخدنا جنيه واحد من راجح.
توقَّف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ حاد:
ـ عارفة ليه؟
ابتلعت سارة ريقها بصعوبة.
ـ لأنُّه كان إرهابي..تابع لجماعات إرهابية، واتعدم بحكم قانوني.
أشار يزن إلى إلياس ثم قال بجديَّة:
ـ وإحنا كنَّا ضحاياه زيُّكم بالضبط.
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل، محمَّل بالخوف والصدمة والذكريات.
قطع يزن الصمت، وعيناه مثبَّتتان على صوفيا:
ـ مايكل عايش فين؟
التفت إليه إلياس سريعًا، مترقِّبًا الإجابة.
رفعت صوفيا عينيها ببطء، وبدا الارتباك واضحًا في ملامحها..
ثم هزَّت رأسها بيأس، وهمست:
ـ لا أعلم.
خرج إلياس من المنزل بخطواتٍ بطيئة، توقَّف أمام سيارته، وأسند كفِّه إلى السقف للحظة؛ وكأنَّه يحاول ترتيب ذلك الكم الهائل من الأفكار التي تعصف برأسه.
قال دون أن يرفع عينيه:
_أرسلان هيروح لراكان..روح شوف موضوع المهندس ده هينتهي على إيه، قبل ما ابنك يورَّط نفسه في حاجة مش هيعرف يخرج منها.
أومأ يزن برأسه، ثم قال:
_أرسلان كلِّمني فعلًا...إنتَ استفدت حاجة من مقابلة الستِّ دي؟
رفع إلياس عينيه إليه، نظرة طويلة صامتة، مثقلة بما لم يقله..قبل أن يجيب، سبقه يزن بغضبٍ مكبوت:
_راجح ده لو عايش..كنت قتلته بإيدي..والله كنت موِّته بدل المرَّة مليون مرَّة.
التفت إليه إلياس ببطء، وقال بنبرةٍ هادئة على نحوٍ مستفز:
_تموِّته مليون مرَّة..وإزاي، هوَّ اللي بيموت بيرجع تاني علشان تموِّته كل مرَّة؟
زفر يزن بقوة، ولوَّح بيده في الهواء بضيق:
_أنا ماشي يا إلياس..مش ناقص استخفاف دم.
راقبه إلياس بصمت وهو يبتعد، حتى اختفى تمامًا عن ناظريه، أخرج هاتفه وضغط على اسم أرسلان.
جاءه صوت أرسلان على الجهة الأخرى:
_أيوة يا إلياس.
_وصلت لراكان ولَّا لسه؟
_لسه، يادوب داخل البيت..هطلع أغيَّر هدومي وأروح له، فيه حاجة؟
انعقد حاجبا إلياس، وعادت إليه خيوط فكرة كانت تؤرقه منذ خروجه من منزل سارة:
_فاكر الراجل اللي جاسر قال معاه كذا جنسية؟.
اجاب أرسلان:
_تقصد معتز الدمنهوري؟
اشتدَّت ملامح إلياس وهو يحدِّق في الفراغ أمامه:
_أيوة..ركِّز معايا كويس، إنتَ قولت قبل كده إنِّ الراجل ده عنده جواز سفر باسم مايكل.
_صحيح..وكمان بجنسية فرنسية.
للحظة، خفق قلب إلياس بعنف، وكأنَّ قطعة جديدة استقرَّت أخيرًا في مكانها الصحيح من تلك الأحجية المعقَّدة.
فقال بحزم:
_أوِّل ما تخلص من عند راكان، خدلي ميعاد مع إسحاق..ضروري.
_إسحاق!!.دلوقتي صعب يا إلياس. حفلة حفيده بكرة وكلِّ البيت مقلوب بسببها.
سكت إلياس، وتسلَّلت إلى ذهنه صورة شمس وطفلها..تذكَّر كيف تأجَّلت الحفلة شهرًا كاملًا بعد ما مرَّت به العائلة، وكيف انتظر الجميع حتى تستعيد شمس عافيَّتها ويعود الاستقرار إلى البيت.
أغمض عينيه للحظة، ثم قال:
_خلاص..بعد الحفلة على طول.
_تمام.
أغلق الخط دون كلمة أخرى.
ظلَّ واقفًا مكانه للحظات، يحدِّق في المنزل خلفه...وحديث سارة ما زال يصدح باذنه
شدَّ على الهاتف بين أصابعه، ثم استدار أخيرًا واستقلَّ سيارته.
انطلقت السيارة بهدوء، بينما تحرَّكت سيارات الحراسة خلفه.
بمكتب راكان..
جلس جاسر بمقابلته، يقصُّ عليه بحماس تفاصيل رحلته الصيفية القادمة بين الغابات.
ـ يعني هتسافر جولة كاملة؟
أومأ جاسر وهو يرتشف من مشروبه:
ـ أيوة...الولاد مصمِّمين، وأنا بصراحة محتاج أغيَّر جو.
ابتسم راكان:
ـ حلو...لو كنت فاضي كنت سافرت معاكم، سفيان وكيان هناك بقالهم أسبوع.
ـ أيوة، كلِّمني سفيان..بس قال إنُّه راجع آخر الأسبوع علشان ولادة كيان.
اتَّسعت ابتسامة راكان:
ـ أيوة...ابن أختك كان عايزها تولد في روسيا، هدَّدته لو منزلش مصر هطلَّقهم بنفسي.
ضحك جاسر ساخرًا:
ـ على أساس إن سفيان خاف.
ـ يا سيدي...بنحاول.
-المهم تعال بجد نعمل جولة، وسيب الشغل شوية.
ارتشف من فنجانه:
_والله نفسي، بس المكتب معاه قضية لابن يزن الشافعي، ومش عايز تقصير.
_يزن الشافعي دا اللي من عيلة إلياس الشافعي ولَّا تشابه؟.
_هوَّ...تذكَّر جاسر قضيته فأومأ قائلًا:
_أيوة أنا كمان متابع القضية.
طالعه راكان:
_تفتكر القضية دي تخص يزن وابنه، ولَّا ممكن شغل إلياس القديم؟.
هزَّ جاسر رأسه بالنفي وقال باعتراض:
_مش إلياس، لو إلياس كان حد من ولاده، زي حادثة ابنه اللي من فترة، رغم إنُّهم قالوا حادث طبيعي، بس متأكِّد لعبوا في القضية.
ابتسم راكان بتهكُّم:
_ توقَّع من أرسلان أي حاجة، دا راجل سم.
وافقه جاسر الرأي:
_معاك، ياخد منك اللي عايزه، وإنتَ متعرفش تاخد منه حرف.
حكَّ راكان ذقنه:
_طيب تفتكر وصل لحاجة في قضية آسر دا ولَّا فعلًا القضية معقَّدة زي ما المحامي بيقول؟.
تبدَّلت ملامح جاسر فجأة وقال:
ـ بس فيه موضوع مهم يا راكان..عيلة الشافعي ما قالتش عليه.
رفع راكان رأسه نحوه:
ـ تقصد إيه؟
انحنى جاسر للأمام مستندًا إلى المكتب:
ـ اتِّصل بأرسلان الشافعي واسأله ليه مخبِّي ابن راجح الخفي.
تجمَّدت ملامح راكان لثوانٍ:
ـ ابن راجح مين، قصدك يزن؟
هزَّ جاسر رأسه بضيق:
ـ إيه يا سيادة المستشار، هوَّ ده خفي برضه؟
قطب راكان جبينه:
ـ راجح عمُّهم..الإرهابي؟!
ـ أيوة.
ساد الصمت للحظات، بينما بدأت الخيوط تتشابك داخل رأسه:
ـ طارق؟.
تمتم بها ببطء وكأنَّه يحدِّث نفسه:
ـ الواد ده..اتغيَّر فجأة، ولَّا كان بيرسم علينا كلِّنا؟
ابتعد جاسر نحو النافذة:
ـ هوَّ إنتَ عندك حفلة ولَّا حاجة؟
نهض راكان من مكانه وقد نفد صبره:
ـ لأ..بتسأل ليه؟
ـ علشان أسئلتك غبية.
رمقه راكان بغيظ:
ـ لا والله، أنا الغبي ولَّا أفكارك المتخلِّفة؟ ممكن تسكت..حتى بعد ما كبرت لسه ما بستفيدش منك بحاجة.
رفع جاسر حاجبًا واحدًا وتمتم ببرود:
ـ وإنتَ برضه بعد العمر ده كلُّه، ولسه الغرور ماليك يا ابن البنداري، نافخ ريشك على الفاضي، وصدَّقت مراتك لمَّا قالت عليك طاووس مغرور..لسة بقولَّك أرسلان بيوصلَّك اللي هوَّ عايزه بس.
جزَّ راكان على أسنانه، وفتح فمه ليرد، لكن الباب انفتح فجأة.
دلف أرسلان ه يزن.
التفت جاسر إليهما فورًا:
ـ أرسلان باشا..نوَّرت والله، كنَّا لسه بنجيب في سيرتك.
صافحهما، ثم جلس الجميع.
قال يزن:
ـ خير يا سيادة العقيد؟
ابتسم جاسر ابتسامة غامضة:
ـ كنت بقول لسيادة المستشار على ثغرة صغيرة...يمكن تفيدكم.
ضيَّق أرسلان عينيه:
ـ ثغرة! تقصد قضية آسر؟
أومأ جاسر.
بينما ظلَّ راكان يراقب أرسلان بصمت، ثم قال فجأة:
ـ هوَّ إنتَ ليك ابن عم غير يزن وطارق؟.
وقبل أن يتحدَّث أرسلان، قاطعه يزن وهو يهزُّ رأسه بعبث:
ـ لا...قصدك بنت عم.
في اللحظة نفسها التفت أرسلان إليه بعنف.
كانت نظرة واحدة كفيلة بإسكات يزن، لكن يزن اكتفى بابتسامة مستفزَّة.
أمَّا راكان، فانحنى للأمام ببطء، وغرس عينيه في وجه أرسلان.
لاحظ التوتُّر الذي مرَّ كوميض خاطف في ملامحه، ورأى كيف تشنَّج فكَّه للحظة قبل أن يستعيد هدوئه المعتاد.
_ابن ولَّا بنت، مش يمكن هيَّ أو هوَّ السبب.
تصلَّب يزن في مقعده رغم محاولته التظاهر باللامبالاة..يتذكَّر حديث سارة عن مايكل.
أمَّا أرسلان...ارتفعت عيناه ببطء نحو راكان.
نظرة جامدة...قاسية...وخطيرة.
ثم قال بصوتٍ خافت حاد:
ـ أظن الاجابة مش عندي، التفت إلى جاسر وأكمل حديثه:
_مش الشرطة والمحامي والنيابة المسؤولين.
_أرسلان.
تمتم بها راكان ووضع بعض الصور والأوراق:
_سؤال واحد علشان كل الأوراق تبقى في إيدينا، إنتَ ليك ابن عم غير اللي نعرفهم؟.
_ما قولت لحضرتك يا باشا، السؤال دا إجابته عند جاسر باشا، قالها وهو يرمق جاسر وتابع حديثه:
_مش كان من الأولى نتأكِّد من الأخبار.
_متخافش...راكان هيعرف يوصل للمعلومات، قولُّه على المضمون علشان توصلوا للمتَّهم ودا الأهم.
بمنزل بلال..
خرج من الحمَّام يجفِّف شعره بالمنشفة، فوجدها تبدِّل ملابس الصغير، اتَّجه إلى الخزانة يخرج قميصًا وهو يقول دون أن ينظر إليها:
ـ يوسف وضي هيجوا يسهروا معانا، وكلِّمت آسر كمان..كانوا عايزين يتجمَّعوا في بيت عمُّو إلياس، بس طنط ميرال عند شمس.
لم تجبه.
أنهت إلباس طفلها بصمت، ثم وضعته على الفراش برفق...توقَّف أمام المرآة يصفِّف شعره وكأنها غير موجودة.
اقتربت منه ببطء، حتى وقفت خلفه مباشرة:
ـ بلال...
ـ نعم؟
قالها دون أن يلتفت.
اشتعل الغضب داخلها، فأمسكت ذراعه وأجبرته على مواجهتها:
ـ دي مبقتش عيشة! ممكن أفهم هتفضل مخاصمني لحدِّ إمتى؟ عرفت إنِّي غلطت واعتذرت، والموضوع انتهى!
استدار إليها فجأة، وانقبض فكَّه بقوة:
ـ انتهى؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح.
ـ الموضوع اللي انتهى ده يا مدام أخوكي لسه متَّهم فيه...الموضوع اللي انتهى ده كسرني من جوَّايا..
جزَّ على أسنانه وضغط على ذراعها:
_مهما أعمل، ومهما أحبِّك، هفضل في نظرك الخاين...رغم إنِّي عمري ما خنتك.
اهتزَّ صدرها من وقع كلماته، لكن عنادها كان أقوى من انكسارها.
نزعت ذراعها من قبضته بعنف وصاحت:
ـ وأنا هفضل شايفة الراجل اللي داس على قلب مراته علشان واحدة تانية.
ساد الصمت...صمتٌ مخيف.
كأنَّ الكلمات أصابته في صدره مباشرة.
تجمَّد مكانه للحظات، وعيناه معلَّقتان بها وكأنه لم يتوقَّع أن يسمع منها ذلك أبدًا.
ثم قال بصوتٍ منخفض موجع:
ـ وإذا كنتِ شايفاني كده...إيه اللي مخلِّيكي مكمِّلة معايا؟
ارتجفت شفتاها وضربت صدره بكفَّيها وهي تصرخ:
ـ لأنِّي غبية..غبية وبحبَّك، سامع؟! لكن مش هقبل تفضل تعاقبني كل يوم بالشكل ده! مش هقبل أفضل أترجَّاك تبصلي أو تكلِّمني!
ازدادت دموعها وهي تدفعه مرَّةً أخرى:
ـ لو هتفضل تعاملني كأنِّي عدوَّة ليك، يبقى أروح بيت أبويا أكرملي!
لم يتحرَّك..ظل يحدِّق فيها وكأنَّ كل كلمة تخرج منها تمزِّقه.
ثم أمسك كفَّيها فجأة قبل أن تضربه مرَّةً أخرى، شهقت وهي تحاول سحب يديها:
ـ سيبني!
لكن أصابعه اشتدَّت حول كفَّيها:
ـ زعلانة من إيه، رغم اللي حصل ولسة دماغك زي ما هيَّ، تقدري تقولي لي رحتي المكتب ليه، كنتي بتقابلي مين هناك، معتز مش كدا؟.
انتفض جسدها كلِّه..واتَّسعت عيناها بصدمة.
أمَّا هو فاقترب خطوة، وعيناه تمتلئان بوجعٍ وغضبٍ ورجولةٍ مجروحة:
ـ ردِّي عليَّا.
حاولت الإفلات لكنَّه جذبها إليه أكثر:
ـ حذَّرتك منه كام مرَّة؟
ـ بلال...
ـ كام مرَّة؟!
ارتفع صوته حتى ارتجف قلبها.
ـ قلتلك الراجل ده مش مرتاحله، قلتلك ابعدي عنه...ورغم كده دوستي على كلامي وروحتي تقابليه.
ـ كنت...
ـ كنتِ إيه؟!
ضرب بيده على الخزانة خلفها فانتفضت.
ـ عايزة تثبتي إنِّ كلامي ملوش أي قيمة عندك؟
انهمرت دموعها أخيرًا:
ـ لا...والله لا.
ابتسم بمرارة موجعة:
ـ بس ده اللي حصل، ضغط أكثر يهدر بعنف:
_ مش هسيبك لمَّا تقولي لي ليه رحتي تقابلي الراجل دا..قاطعهم رنين جرس الباب..ابتعدت عنه سريعًا تحاول أن تلملم شتات نفسها، فركت ذراعيها وترقرقت الدموع بعينيها.
ارتفعت أنفاسه، يدور بالغرفة، يمسح على وجهه بعنف..خرجت رولا سريعًا بعدما وجدت حالته، توقَّفت على صوت يوسف مع الخادمة:
_الدكتور صاحي ولَّا نايم؟.
أشارت للداخل:
_هبلَّغه يا دكتور...سحب كفَّ ضي وتحرَّك للداخل وهي تتحدَّث بهاتفها:
_خلاص يا منى ابعتي التصميمات وهشوفهم.
خرجت رولا راسمةً ابتسامة:
_كنتوا بتقولوا أسهر معاكم أهو إنتوا اللي هتسهروا.
جلس وهو يحاوط جسد ضي:
_بلال فين؟.
أشارت للداخل، وتحرَّكت من أمامهم:
_ماما باعتة حلويات هدوِّقالكم.
راقبها يوسف ثم لكز ضي المنشغلة بهاتفها:
_قومي شوفي مالها دي، صوتها مش مظبوط.
رفعت رأسها إليه:
_تمام...عقَّل بلال لسة واخد على خاطره منها.
أومأ لها...نهضت ودلفت خلفها.
بالمشفى عند كارما، أنهت الممرِّضة عملها..
_هوَّ أنا هطلع إمتى؟.
ابتسمت الممرِّضة وردَّت بعملية:
_نطمِّن عليكي، ممكن يوم أو اتنين، إنتي طالعة من حادث كبير.
_عايزة تليفون لو سمحتي.
أخرجت هاتفها وناولته لها، لحظات قليلة وأجاب على الهاتف:
_أيوة يا هشام أنا كارما.
_عايزة إيه مش قولت تنسي اسمي ورقمي، انسي إنِّ ليكي ابن عم.
_هشام لو سمحت، عايزة أطَّمن على كندا، كندا عندك؟.
_معرفش حد بالاسم دا، قالها وأغلق الهاتف.
_ألو..ألو..لكنَّها لم تسمع سوى صوت صفير الإغلاق.
_يا ترى إنتي فين يا كندا؟.
_يا مدام..لو خلَّصتي التليفون ممكن أخده.
_آسفة...قالتها ورفعته إليها.
بأحد الشقق البعيدة عن العمران
كانت تغفو تحتضن نفسها كالجنين، تنساب دموعها بصمت.
دلف أحد الرجال يحمل بعض الطعام:
_قومي يا بت، الأكل.
اعتدلت سريعًا:
_لو سمحت عايزة أمشي من هنا، والله ما هقول حاجة، ههرب بعيد لو سمحت، أنا ما ليش دعوة.
لكنَّه لم يرد عليها خرج وأغلق الباب خلفه، أسرعت تطرق على الباب وتبكي:
_طلَّعوني من هنا.
أمسك الرجل هاتفه وقام بالاتصال:
_معتز باشا، البنت ما أكلتش وكدا هتموت.
أجابه على الطرف الآخر:
_البنت دي تحافظ عليها زي روحك، علشان أقدر أتحكِّم في البتِّ التانية.
_تمام يا باشا.
نظر معتز للرجل الذي يقف أمامه:
_عملت آيه مع الممرِّضة؟.
_للأسف يا باشا، الممرِّضة كانت شغَّالة تمريض عسكري، وحضرتك فاهم.
حكَّ ذقنه بتفكير وتذكَّر الفتاة التي أرسلها معتز لكارما بعدما أفاقت من غيبوبتها التي استمرَّت شهرًا؛ ورسالة تهديد اذا تحدَّثت فأنَّه سيقوم بقتل كندا.
رفع نظره للرجل وقال:
_عرفت الكلام اللي قالته لوكيل النيابة؟.
_قالت سمعت أنين آسر ولمَّا راحت تشوف في إيه محِّستش بحاجة وأغمى عليها بس كان آسر مغمى عليه.
أومأ معتز يهزُّ رأسه ويجزُّ على فكَّيه بغضب:
_برَّأته الحيوانة.
_أيوة يا باشا..بس معترفتش علينا.
نفث رماد سيجارته وشرد وهو يقول:
_علشان مهدِّدينها، البتِّ دي شرسة.
بمنزل بلال..
ارتفعت ضحكات الاثنين، وضعت طفلها بفراشه، وخرجت على أصوات ضحكاتهما، بحثت عن ضي، وجدتها تقف تتحدَّث بهاتفها ويبدو الغضب على ملامحها، توقَّفت تستنتج ضحكاتهما، وصلت ضي إليها:
_رولا أنا ماشية، فيه مشكلة في الشغل، نكمِّل كلامنا بالليل.
امسكتها من ذراعها:
_إيه هتسبيني وتمشي، مش قولتي هتفضلي معايا، هتسبيني لأخوكي.
ابتعدت ترمقها بذهول:
_إنتي عبيطة يا بت، بقولِّك فيه مشكلة في الشغل، وبعدين إيه أسيبك لأخويا دي، دا خايفة عليه منك...وسَّعي كدا لازم أمشي.
تشبَّثت بذراعها:
_هاجي معاكي، همَّا أصلًا مقضينها ضحك، وبيتريقوا عليكي.
ضيَّقت عيناها تطالعها باستفهام:
_مين اللي بيتريق؟.
أشارت رولا بعينيها تجاهم:
_سمعت يوسف بيشتكي منك، وبلال بيقولُّه متعبرهاش.
_يوسف بيشتكي منِّي أنا، والتاني بيقولُّه متعبرهاش!.
هزَّت رولا رأسها ببراءة وتابعت حديثها:
_بيقول بتخنقيه مش بيعرف يخرج زي الأوَّل.
رفعت حاجبها قائلة:
_والله...بخنــ قه!!.
أومأت لها وهي تبتعد بنظرها..
سحبت حقيبتها ودلفت إليهما:
_دا إيه الضحك العسل دا، طب وطُّوا صوتكم خايفة عليكم تتحسدوا.
التفت إليها يوسف، نظرت لعينيه التي تلمع من ضحكاته، بينما ربَّعت رولا ذراعيها فوق صدرها ومطَّت شفتيها واستندت على الجدار منتظرة هجومها عليهما، لحظة..اثنان...ثلاثة إلى أن شهقت معتدلة من فعلتها وهي تعانقه تطبع قبلة على شفتيه:
ابتعد يوسف ينظر إليها بذهول من فعلتها أمام اخيها
تعلقت بذراعه واستدارت تغمز لرولا
_أصل رولا بتقولي اثبتي انك بتحبي يوسف
_انت هتستهبلي ياختي، علشان تثبتي تبوسيه قدامنا
قالها بلال وهو يرمقها بغضب
_وانت لازم تبص علينا
نظر بلال الى رولا
_غمضي عيناكي في بيتك علشان الاستاذة تثبت انها بتحب الاهبل جوزها
لم ترد عليه وعانقت ذراع يوسف
_حبيبي هنزل نصِّ ساعة ورشة التصميم وراجعة.
قطَّب جبينه:
_دلوقتي يا ضي؟!.
نظرت بساعتها وردَّت:
_لسة الساعة مجتش عشرة يا يوسف، مش هتأخَّر...قاطعهم دخول آسر ملقيًا السلام.
أمسكها من كفِّها:
_خلاص هاجي معاكي...استدار إلى بلال:
_هنزل معاها لو رجعنا بدري هعدِّي عليك.
أومأ بلال دون حديث.
هوى اسر على المقعد يشير الى رولا
جلست بجوارها سحبها لأحضانه
_عاملة ايه النهاردة، لسة بتروحي للدكتور النفسي
_للا ياحبيبي، بقيت كويسة الحمدلله
هخليهم يجهزوا السفرة هتتغدى معانا
اومأ لها... نهضت متجهة للمطبخ، بينما اقترب منه بلال
_كنت فين
_بعد ماعرفت مكان المهندس ابوك نقل مكانه
_اممم.. طيب ماتيجي نرسم خطة ونشوف هنعمل ايه
_تسفر ابوك الاول، طول ماهو حاطط دماغه مش هنعرف نوصل لحاجة
_ودا اسفره فين، انت عبيط
بعد فترة خرج آسر من منزل بلال متَّهجًا إلى منزله، أوقفه أرسلان:
_آسر...
استدار إليه، ثم اقترب منه:
_نعم يا عمُّو.
_إنتَ مش عايز تعقل يا بني.
تنهَّد بضيق وقال:
_القضية دي بتاعتي يا عمُّو، ولازم أنا اللي أثبت براءتي بنفسي، مش محتاج مساعدتك يا عمُّو مدام حضرتك مش عايز تساعدني.
مطَّ أرسلان شفتيه واقترب يربت على كتفه:
_اسمعني يا بن يزن، أنا عايز أتعامل معاك كراجل، مش عايز تهوُّرك يا بني، طول عمرك عاقل محتاج عقل آسر الأيَّام دي، علشان نعرف مين بيلعب بينا كلِّنا.
_عمُّو...أشار أليه بالصمت:
_آسر اسمعني حبيبي، إنتَ فاكر الراجل اللي حاول يغتصب أختك؟.
_أيوة يا عمُّو..فاكر، وفاكر كمان إن حضرتك هدِّدتني لو حاولت آخد حق أختي هتنكر وهضيع مستقبلي.. وهفضح أختي بعد ما اتجوزت.
اقترب منه خطوة أخرى وقال:
_وفاكر كمان إنَّك وعدتني إن هتجيب حق رولا، بس فين الحق دا، بح.
دنا خطوةً أخرى ونظر لداخل عيني أرسلان:
_أنا بعد القضية دي تأكَّدت إن صاحب الحق هوَّ اللي بيجري عليه..
لو ضي مكنتش انتظرت الوقت دا كلُّه يا عمُّو.
زفرة حارَّة أخرجها أرسلان، ثم نظر إليه:
_أنا بفرق بينكم يا آسر، شايف إنتَ وأختك مش تهمُّوني زي أولادي.
_اثبت لي دا يا عمُّو، ماهو مش كلام، أختي تعرَّضت للاغتصاب من أكتر من سنتين، وحضرتك عارف مين اللي عمل كدا، بس مفيش أي حاجة.
بس دي لو ضي أو شمس مكنتش صبرت للوقت دا كلُّه.
زمَّ أرسلان شفتيه يهزُّ رأسه بامتعاض:
_طيب يا آسر، عمَّك بيفرَّق بينكو، قالها أرسلان وانسحب دون إضافة شيء آخر، بينما ظلَّ آسر يراقب تحرُّكه بحزن، يعلم أنَّه أخطأ ولكنَّه لم يعد يعلم ماذا يفعل، بسبب ضغط أرسلان عليه.
بمنزل إلياس..
دلفت ميرال تبحث عنه:
_بتعمل إيه يا جدُّو؟.
اعتدل ينظر إليها:
_رجعتي إمتى؟.
_لسة حالًا..هوَّ يوسف مجاش هنا الليلة؟.
_لا...عند بلال، كلِّمني من شوية.
_بلال...ليه فيه حاجة ولَّا إيه؟.
_لا..قالي سهران هناك، المهم شمس عاملة إيه؟.
_كويسة الحمدلله، وابنها حلو أوي يا إلياس، سألت عليك، قولت لها إنَّك هتيجي الحفلة بكرة.
_أكيد حبيبتي...كويس إنِّك جيتي، انا هوصل ماما ساعة كدا وأرجع.
_ماما فريدة..
_ليه..هيَّ كويسة؟.
نهض وهو يجمع أشيائه:
_لا..بس اتَّصلت الصبح ومفضتش، وبكرة هنشغل بالحفل، كلِّمت أرسلان نعدِّي عليها علشان متزعلش.
_خلاص هاجي معاك.
التفت إليها:
_إنتي لسة جاية من برَّة، ارتاحي وروحي لها مرَّة تانية.
طالعته باستغراب:
_إنتَ مش عايزني آجي معاك؟!.
تراجع يحاوطها من أكتافها:
_تفتكري أنا كدا، أنا خايف عليكي، مش عايزك تتعبي، ولو عايزة تيجي براحتك.
ظلَّت تنظر إليه، ثم هزَّت رأسها بالنفي:
_لا..خلاص، روح إنتَ، أنا هعدِّي على يزن، من زمان ماقعدناش مع بعض.
قبَّل جبينها ثم ربت على كتفها:
_سلِّميلي عليه.
_أسلِّم لك عليه، هوَّ مش كان معاك؟؟.
_ميرال...أنا ماشي، هلاقيها منك ولَّا من أخوكي.
بعد فترة كان يجلس بجوار أرسلان بالسيارة:
_آسر زعلان، بيقولِّي بتفرَّق بينَّا.
نظر إلياس للخارج ولم يعقِّب.
_إلياس بكلِّمك.
التفت إليه ينظر بتدقيق ثم قال:
_إنتَ ليه ما قولتليش على حادثة رولا يا أرسلان؟.
توقَّف أرسلان بالسيارة واستدار إليه:
_ومن إمتى وإنتَ بتشك بقدرات أرسلان يا إلياس، أنا متأكد إنَّك عرفت إنِّي بسأل عن معتز علشان حاجة.
أومأ إلياس بتهكُّم ثم عاد ينظر للخارج:
_آسر عنده حق متلموش، ومتنساش إنُّه شاب، والشباب دمُّه حامي.
_طيب يا إلياس، سيطر عليه، علشان ميهدِّش اللي بنعمله.
_قصدك اللي بتعمله يا أرسلان.
زفرة حارقة أخرجها أرسلان غاضبًا:
_إلياس مش وقت جدال، المهم لازم نثبت براءته، يارب المهندس دا ينطق.
_اسمعني يا أرسلان وركِّز، فاكر لمَّا قولت معتز دا له كذا جنسية ومنهم جنسية باسم مايكل؟.
_أيوة..ليه؟،
شرد إلياس بكلمات سارة وصوفيا، استدار إلى أرسلان:
_الراجل دا عايز أنفاسه.
_لو قصدك على موضوع رولا، أنا مش ساكت بحاول أوقَّعه في جريمة أكبر من كدا وبعيد عن فضح البنت، مش عايز اسم البنت يدخل أي قضية، وبعدين الموضوع انتهى وهيَّ اتجوِّزت وخلِّفت، لو عرفنا وقتها كان الموضوع اختلف.
_إنتَ لمَّا سافرت إيران، جبت إيه عن مرات راجح؟.
_كل اللي قولته، يعني الست مكذبتش، إحنا بس كنَّا بندوَّر على اسم راجح اللي هيَّ شطبته علشان خايفة نوصلهم.
_أوووف..كان ناقصني صوفيا وعيالها
تمتم بها إلياس.
طالعه أرسلان بتساؤل:
_إنتَ شاكك يكونوا ورا اللي حصل لآسر؟.
_لا...مش شاكك، أنا متأكِّد بعد كلام الستِّ دي.
_معقول يكون معتز دا هوَّ مايكل، طيب ليه يعمل في رولا وآسر كدا؟!.
_دا اللي عايزين نعرفه، آسر ممكن انتقام، إنَّما رولا لأ، وعايز أعرف الراجل دا يعرف إيه يخلِّيه ينتقم من ولاد يزن أوي، فيه حاجات ناقصة.
هزَّ أرسلان رأسه:
_دا لو معتز مايكل.
_ابعت لي صورة له، وأنا هتصرَّف، المهم دلوقتي عايزين نقرَّب من سارة دي، لازم تكون تحت عينينا، مش عايز أصحى على كارثة.
_من قبل ما تطلب، دلوقتي فيه ناس وراها.
_تمام...يلَّا سوق وفكَّر هنقول لأمَّك إزاي، لازم تعرف مننا قبل ما تتصدم في خبر.
_تمام...بس مظنش إنَّها هتهتم.
أجابه إلياس:
_هتهتم علشان ميرال، المشكلة في ميرال مش في ماما.
_أمممم...أهي دي نسيتها، الله يكون في عونها ميرال لمَّا تعرف.
بعد قليل..
_ماما...ولو سمحتي وحضرتك
فيه إيه يا بن جمال، مش عوايدك؟.
_سيبك منه ياستِّ الكل، وقولي لي عاملة أكل إيه لسيادة اللوا؟،
اتَّجهت بأنظارها إلى أرسلان:
_وإنتَ كمان من إمتى بتاكل عندي،
مخبيين إيه يا ولاد جمال؟.
جلس أرسلان وهو يسحب ثمرة فاكهة من أمامها:
_عايزين نجوز إلياس، وإنتِ تدوري له على عروسة.
ضربت على صدرها بعفوية:
_عايز تتجوز على مراتك يا بن مصطفى، بعد العمر دا كلُّه، والبنت حبيبتي حاسة إنَّك بتخو. نها؟.
مسح على وجهه وشعر بالاختناق، ينظر إلى أرسلان الذي ضحك غامزًا:
_ما ترد يا بن مصطفى، من دقيقة كانت بتقول يا ولاد جمال، شوفت خلِّيتها تقلب إزاي.
رمقتهم بتهكُّم:
_الناس بتكبر وتعقل، وإنتوا بقيتوا أجداد وبتتجنِّنوا.
رفع أرسلان حاجبه بتذمر:
_طيب هوَّ اللي اتجنِّن، بتجمعيني معاه ليه، أنا لسة عاقل ومخنتـ.. ش مراتي إنما هوَّ عينه زايغة، وتيجي تكلِّميه مغرور بيبقى زي الطاووس.
_ماهو لو معملش كدا ميبقاش ابن السيوفي.
_خلَّصت مسريحتك يا تافه..قالها والتفت إلى فريدة:
_وإنتِ يا مدام فريدة، أنا غلطان وبحاول أخفف عليكي الصدمة، قاطعه أرسلان:
_ماما..ضرِّتك بتسلم عليكي، وعندها بنت زي القمر شبه إلياس.
قطبت جبينها غير مستوعبة حديثهما:
_إنتَ بتقول إيه؟!.
نهض وهو يلتهم التفاح:
_طلع عندك ضرَّة وعندها توأم زغرطي يا فريدة.
_ضرَّة!.التفتت إلى إلياس علَّها تستوعب ما نطقه أرسلان، وجدت الجمود على وجهه، انتفض قلبها تهزُّ رأسها تتمتم بلسانٍ ثقيل:
_مصطفى متجوز عليَّ!.
ضحك أرسلان بصوتٍ مرتفع حتى أدمعت عيناه، لكزته غاضبة:
_بتضحك على إيه، التفتت تنظر إلى إلياس بغضب:
_أنتوا بتتسلوا بيَّا؟.
سحب أرسلان كفَّها يقبِّله ولكنها سحبته سريعًا وتحدَّثت بنبرةٍ غاضبة:
_وسَّع كدا، أنتوا مخبيِّن عليَّ إيه؟.
_ماما.
التفتت إليه سريعًا:
_وإنتَ يا كبير دخلتك دي مش تدخل عقلي.
_هوَّ حضرتك مديانا فرصة نتكلم، هوَّ مصطفى فيه نفس علشان يتجوز، إيه يا فريدة عقلك فين؟.
_تقصد إيه يلا؟.
ضحك أرسلان وهو يلتهم التفاح:
_رد يلا، ولَّا أرد أنا؟.
بصي يا فريدة، راجح المتجوز.
_راجح مين؟.
_طليقك.
هبَّت واقفة وأشارت بيدها بتهديد:
_اسمعوني أنتوا الاتنين...وقف إلياس أمامها:
_ماما..راجح طلع متجوز واحدة يونانية وعنده بنت، أنا بقولِّك علشان تهيأي ميرال.
_راجح..
هوَّ كان متجوز على رانيا؟!.
توقَّف إلياس بمقابلتها:
_ماما اقعدي واسمعيني كويس، علشان نعرف هنواجه الموضوع دا إزاي، من غير ما اسمنا يكون متصدَّر وسائل الإعلام.
بمنزل كريم..
توقَّفت بالمطبخ تعد لأختها مشروبها المفضَّل، دلفت إليها إيمان:
_بتعملي إيه يا آسيا؟.
_مفيش يا ماما بعمل لسدن الكابتشينو بتاعها.
التفتت إيمان تبحث عن الخادمة:
_مطلبتيش من البنات يعملوها ليه؟.
احضرت ماكينة التقليب وقالت دون أن تنظر لوالدتها:
_مش مهم، أنا فاضية، وهيَّ كمان بتحبُّه من إيدي.
اقتربت منها وتوقَّفت خلفها:
_آسيا عايزة أسألك عن حاجة.
نظرت لوالدتها تنتظر حديثها.
_أختك بتقول إنَّها بتحب آسر، إنتِ تعرفي الموضوع دا؟.
ارتجفت يدها وسقط الكوب من يدها، انحنت سريعًا تلملم الزجاج المتناثر..
أوقفتها إيمان وهي تنادي على الخادمة، ثم سحبت كفَّ ابنتها وتحرَّكت بها للخارج وهي تقول:
_اعملو كابتشينو للبنات.
_تحت أمرك يا دكتورة.
تحرَّكت إيمان بها للخارج، حتى وصلت إلى حمَّام السباحة، توقَّفت أمامها تنظر إليها بتدقيق:
_فيه أي مشاعر لأسر؟.
_إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟
ارتبكت آسيا، وأبعدت عينيها عن والدتها، وكأنها تخشى أن ترى حقيقة مشاعرها.
_لا طبعًا...مش هلاقي غير آسر وأحبه.
اقتربت إيمان منها خطوة، تحدِّق في عينيها طويلًا:
_متأكدة؟
قبضة مؤلمة اعتصرت قلب آسيا، حتى شعرت أن أنفاسها تتقطَّع، لكنَّها رغم ذلك رسمت ابتسامة ساخرة فوق وجعها:
_اطمني يا ماما...مش آسر اللي يشاركني حياتي، ولو على الكلام اللي حضرتك قريتيه، فده كان مجرَّد تمثيل، كنت ناوية أتلاعب بمشاعره عشان كان الوحيد اللي يقدر يساعدني أسافر.
اتَّسعت عينا إيمان بصدمة لم تستطع إخفاءها:
_معقول!!.معقول تلعبي بمشاعر بني آدم عشان مصلحتك، أنا إزاي ما خدتش بالي من اللي جوَّاكي، إزاي اتغيرتي بالشكل ده يا آسيا؟
استدارت آسيا موليةً إياها ظهرها:
_اتغيَّرت إزاي، حضرتك نسيتي لمَّا حجرتوا على حياتنا؟ لمَّا جبتونا هنا من غير ما تسألونا؟ لمَّا قلتوا إن خالو تعبان وعايز يشوفنا، وأنتم من البداية مرتبين نسيب حياتنا كلَّها ونستقر في بلد مختلفة تمامًا على اللي كنَّا عايشينه.
في لحظة فقدت فيها إيمان صبرها، أمسكتها من ذراعيها وهزَّتها بعنف:
_طيب قوليلي يا ست المسلمة الراقية، صاحبة التقدم والتكنولوجيا... حلال تروحي تعيشي مع شاب غريب عنك..حلال تسيبي أهلك وبلدك عشان واحد..دينك بيقولِّك البسي الضيِّق والقصير، شايفة الحرية إن البنت تضيَّع نفسها؟
انتزعت آسيا ذراعيها منها بعنف:
_ومفيش حاجة في الدين بتقول للبنت تدفن نفسها وتختفي! أنتم اللي بتحرِّموا كل حاجة على مزاجكم!
أغمضت إيمان عينيها لحظة، كأنَّ كلمات ابنتها كانت صفعة جديدة... حاولت الهدوء وقالت:
عايزة أعرف إمتى بقى الستر تقييد، والعفَّة تخلُّف، والحجاب عبء..يا بنتي
إحنا عمرنا ما قلنا إن جمال البنت عيب، بالعكس...ربِّنا خلقها جميلة، لكن الجوهرة الغالية هيَّ اللي بتتصان، مش اللي تتساب لكل عين تتفرَّج عليها.
الحجاب عمره ما كان دفن للجمال يا بنتي، الحجاب احترام للجمال..ربنا لمَّا أمر بيه ما كانش عايز يحرم المرأة من شيء، كان بيحفظها من إنها تبقى سلعة يقيِّمها الناس بشكلها وبس.
المرأة قيمتها أكبر من ملامحها وشعرها وجسمها...قيمتها في عقلها وأخلاقها ودينها.
أنا مش خايفة عليكي لأنك لبستي أو قلعتي، أنا خايفة عليكي من يوم ما بقيتي شايفة أوامر ربِّنا قيود، وشايفة اللي يحافظ عليكي متخلِّف، واللي يدفعك للطريق الغلط متحضِّر ومتحرِّر.
صدَّقيني يا آسيا...الدنيا كلَّها ممكن تقنعك إن التبرُّج حرية، لكن الراحة الحقيقية عمرها ما كانت في مخالفة ربِّنا.
_مش مقتنعة يا ماما.
_والله يا آسيا...بعد كل اللي علمتهولك، واللي قولته لسه مصرّّة؟
زفرت آسيا بضيق:
_حضرتك عايزة إيه دلوقتي؟
نظرت اليها بتمعن:
_عايزة أتأكِّد من مشاعرك لابن خالك.
أفلتت آسيا ضحكة ساخرة موجوعة:
_ابن خالي؟!!.بجد بتسألي السؤال ده؟
ثم أضافت بقسوة متعمَّدة:
_ده لو آخر راجل في الدنيا...مستحيل أفكَّر فيه، وأنا ما قرَّبتش منه غير عشان هدفي وبس.
تراجعت إيمان خطوة للخلف، وكأنَّ الكلمات أصابتها في صدرها.
تذكَّرت حديث رحيل قبل أيام:
_إيه رأيك في آسر وآسيا يا إيمان؟ حاسَّة إن فيه حاجة بينهم.
يومها ابتسمت بثقة وأجابت:
_يا ريت...بس آسيا عمرها ما فكَّرت في آسر بالطريقة دي.
خرجت من شرودها على صوت آسيا وهي تقول ببرود:
_عندك سدن...حلوة وعلى قدُّه.
ثم أشارت بيدها في ضيق:
_لو سمحتي...ابعدي عني.
استدارت وغادرت المكان دون أن تلتفت خلفها.
لم تكن تعلم أن هناك قلبًا آخر كان يُذبح في تلك اللحظة.
حيث كان يقف آسر عند مدخل الممر، جامدًا كالصخر...وصلته كل كلمة...كل حرف...كل سخرية.
كل إهانة لحبٍّ أخفاه سنوات داخل صدره.
هل هذه هي آسيا التي أحبَّها؟
الفتاة التي كان يراها مختلفة عن الجميع؟
التي حفظ تفاصيلها، وانتظر نظرة رضا منها سنواتٍ طويلة؟
هل كان مجرَّد وسيلة؟
مجرَّد جسر تعبر فوقه نحو أحلامها؟
انقبض صدره بعنف حتى كاد يختنق.
ولأوَّل مرَّة في حياته شعر أن القلب يمكن أن يتمزَّق فعلًا..لا ينكسر...بل يتمزَّق.
وقف للحظات...أو ربما لدقائق.
لا يسمع شيئًا سوى صوت كلماتها وهي تتردَّد داخل رأسه كطعنة لا تتوقَّف..وهو الذي كان آتيًا حتى يخبرها أنه سيتقدَّم لخطبتها، ولكنها قتلته بل دفنته حيًّا.
استدار ببطء ورحل.
أمَّا إيمان...فجلست وحدها أمام المياه.
تحدِّق في انعكاسها الشاحب..
لا تعرف أيهما يؤلم أكثر...
باليوم التالي..
كانت تقف أمام المرآة تنهي زينتها، خرج من الحمَّام، توقَّف ينظر لجمالها الطاغي على قلبه، اقترب ببطء وعيناه تتجوَّل على ملامحها بعشق.
التفتت اليه مبتسمة وهي ترتدي مجوهراتها:
_يوسف متنساش هدية تميم، مش عايزين يقولوا خالو بخل على الواد.
لم يرد عليها، بل اقترب حتى حاوط جسدها من الخلف يضع ذقنه فوق كتفها ينظر لانعكاس صورتهما في المرآة:
_ايه الجمال دا.
لمعت عيناها بالسعادة وغرور الأنثى داخلها تنظر لنفسها:
_عارفة نفسي حلوة، أدارها إليه، ثم رفع أنامله يمرِّرها على شفتيها المطلية باللون الأحمر:
_طيب لمَّا إنتي متأكدة من جمالك ياروحي، لازمته إيه دا؟.
توسَّعت عيناها غير مستوعبة كلماته:
_عايزني أخرج من غير روج يا يوسف؟!.
انحنى مقتربًا من شفتيها:
_مش إنتِ جميلة ومش محتاجة أي إضافة، ليه الروج؟.
_أيوة..بس مفيش ست بتخرج من غير روج..و..صمتت حين احتضن شفتيها، لحظات وابتعد عنها:
_مش عايزك تخرجي كدا، أنا مش بمنعك يا ضي من حاجة ضرورية، لكن إنتِ مش محتاجة إنِّك تتصنَّعي بالجمال، زي ما قولتي إنتِ جميلة مش محتاجة، وحتى لو مش جميلة المفروض دا يكون لجوزك مش للأعين كلَّها.
_طيب مامتك بتحط روج يا يوسف.
_مامتي مش مراتي، عندها جوزها، وبعدين ماما م ابتحطش إلَّا إذا كان فيه حفلة في بيتها، وأنتوا اللي بتكونوا موجودين.
احتضن وجهها بين كفَّيه ينظر لعينيها:
_حبيبتي، أنا شايفك في كل أحوالك أجمل ست في الكون، لو إنتِ بتحطي أي مكياج علشان غيري يشوفك جميلة، مش هقولِّك حاجة، علشان وقتها مهما أقول مش هتحسي بوجع قلبي، وأنا شايف مراتي العيون هتاكلها.
صمتت تنظر إليه فقط، تقابلت العيون في حديثٍ طويلٍ عن الأمان والحب فقط.
لم تفعل شيئًا سوى أنَّها لفَّت ذراعيه حول خصره ودفنت رأسها بصدره:
_أنا كل اللي يهمِّني إنتَ وبس، وأنا مش بعمل كدا علشان ألفت انتباه حد غيرك وبس.
ضمَّها إليه أكثر، وأغمض عينيه مستمتعًا بدقَّات قلبها المتسارعة بين ذراعيه:
_وأنا عايز جمال مراتي ليَّا لوحدي... مش عايز حد يشاركني النظر ليكي.
ابتعد عنها قليلًا، واتجه إلى أحد الأدراج، ثم أخرج علبة مجوهرات فاخرة مزخرفة بعناية.
عاد إليها وفتحها أمامها.
اتَّسعت عيناها بدهشة وهي ترى عقدًا ألماسيًا رقيقًا، تتوسَّطه ألماسة صغيرة نُقش بداخلها بخطٍّ دقيق:
"حياة يوسف"
رفعت بصرها إليه وقد اغرورقت عيناها بالدموع.
_دي زي اللي جايبه لشمس...جايبلي واحدة أنا كمان؟
ابتسم بحنان، ثم طبع قبلة على وجنتها:
مبروك عليكي يا حياة يوسف.
لم تتمالك نفسها، فألقت بنفسها بين ذراعيه تعانقه بقوة:
_أنا بحبَّك أوي يا يوسف.
ضحك بصوتٍ مرتفع وهو يضمُّها إليه:
_يالا بينا نحب في بعض ونكنسل الحفلة كلها.
لكزته بخفَّة وهي تضحك، ثم دفنت وجهها بصدره:
يوسف.
ضمَّها وهو يضحك..
بعد قليل...
وصل الجميع إلى قصر الجارحي الذي تألَّق بالأضواء والورود البيضاء والزرقاء احتفالًا بالمولود الجديد.
ترجَّلت السيارات تباعًا.
دخل إلياس وهو يعانق ذراع ميرال بفخر، وخلفهما أرسلان وزوجته، ثم يزن وزوجته.
أمَّا يوسف فتوقَّف ينتظر وصول بلال.
توقَّفت السيارة فترجَّل بلال حاملًا طفله بين ذراعيه.
ثم استدار نحوها، وفتح الباب بنفسه.
مدَّ يده إليها يساعدها على النزول.
ابتسمت وهي تنظر إليه بمكر:
_كلُّه علشان لقطة العيلة قدام الكاميرات...مش كده يا ابن أرسلان؟
التفت إليها مبتسمًا بمشاكسة:
_كده يا روليتا...ارتجف قلبها فمنذ فترة لم يضحك لها ولم يناديها بتلك النبرة.
فجأة غرست أظافرها في كفِّه:
_عامل حساب للكاميرا وأنا فين؟.
حافظ على ابتسامته أمام المصوِّرين، ثم لفَّ ذراعه حول خصرها:
_امشي يا روحي...الناس كلَّها بتبص علينا.
توقفت فجأة وهي ترفع طرف فستانها الطويل الذي أعاق خطواتها.
انحنى بلال قليلًا رغم حمله للطفل.
_استني... ماتتحركيش.
عدل طرف الفستان بعناية حتى لا تتعثر.
كده تمام... يلا.
تأملته للحظة بصمت.. رغم كل شيء...
كان ينتبه لأصغر تفاصيلها.
وصل إلى يوسف الذي كان يقف بجوار زوجته.
أشار يوسف إلى الحشود داخل القصر.
_هو عمو أسحاق عازم مصر كلها ولا إيه؟
ضحك بلال وهو يهز رأسه.
_فرحان أكتر من حمزة نفسه.
بداخل القصر...
تعالت الموسيقى الهادئة، وامتلأ المكان بالضحكات والأحاديث.
وقف أسحاق في منتصف القاعة يحمل حفيده بين ذراعيه، وكأنه يحمل الدنيا كلها.
نظر إلى الصغير طويلًا، ثم قال بصوت اختلطت فيه السعادة بالفخر:
_أهلًا بيك يا بطل العيلة ... نورت الدنيا كلها.
تعالت التصفيقات والابتسامات.
بينما اقترب إلياس وربت على كتف حمزة.
مبروك يا أبو تميم الصغير.
ضحك حمزة وهو ينظر إلى طفله.
ربنا يبارك فيه ويحفظه يارب ياعمو
_اللهم آمين يارب العالمين
طالعه ارسلان وقال
_ النهارده احتفال بنعمة جديدة من نعم ربنا عليك ياحبيبي ربنا يديم الضحكة دي في بيتك ويبارك في ابنك
سادت الصمت للحظات
وتعالت الدعوات من كل جانب:
"اللهم أنبته نباتًا حسنًا، واجعله من الصالحين."
"ربنا يحفظه ويجعله قرة عين لوالديه"
قالها أحد الشيوخ الذي احضره اسحاق
بعد فترة باحد جوانب القصر
توقفت رولا تشاهد احتفال الصغير، وقع بصرها عليه يقف بجوار يوسف وحمزة بهدوء على غير عادته، هدوء موجع، شعرت بوقوف ضي بجوارها، التفتت إليها
_ايه اللي حصل يارولا
لم ترد عليها ظلت نظراتها عليه
لكزتها ضي بخفة
_رولا بكلمك
استدارت إليها بكامل جسدها
_أنا تعبانة وعايزة امشي، يبقى قولي لاخوكي
امسكتها ضي من ذراعها
_متكبريش الموضوع، مهما اللي حصل بينكم لازم تكوني هادية، صدقيني انا معرفش هو مااتكلمش، حتى يوسف سألت يوسف مقاليش، معنى كدا، لحظة غضب وكلنا بنغلط
_ضي... صدقيني أنا تعبانة وعايزة اروح، وكدا كدا السبوع خلص
توقفت ضي أمامها تمنعها من الحركة
_مينفعش... جوزك لسة مابركش لبنت عمه، ولازم تكوني معاه، مش حلوة تسبيه، غير الكلام هيكتر، واحنا يادوب فوقنا من اللي حصل
ربتت ضي على كتفها تهز رأسها
_لو سمحتي يارولا بلاش تكبري الموضوع.. عارفة انك مضغوطة وتعبانة، لكن انتي مش لوحدك
انسابت دمعة من عيناها تهز رأسها
مسحت ضي دموعها وتبسمت
_يسلملي العاقل، ممكن تضحكي بقى، وتقولي البت كارما عاملة ايه، عارفة انك بتحبيها
ضحكت تدفن رأسها في كتف ضي
مصمصمت ضي شفتيها بحركة شعبية وضربت كفيها ببعضهما
_ياخبتك يابنت يزن، على اخر الزمن تدعي لضرتك تعيش، طب وكتاب الله لو مكانك كنت مو. تها واهو قضاء وقدر
رفعت رأسها تنظر إليها بذهول
_قادرة وتعمليها يابنت ارسلان
_طب احترميني كأني عمك يابنت يزن، مش هقول حماكي
التفتت الفتيات اليه سريعا، اشارت ضي عليها
_سمعت ياارسلان، طليقة ابنك بتتكلم عنك ازاي، وانا اقولها عيب دا مهما كان ابو جوزك، ودي ولا هنا
لكزتها رولا بغضب مصطنع
_اه.. ياديل الكلب
وصل اليهم بلال ويوسف
_فيه ايه
التفتت ضي الى بلال
_فيه انك متجوز واحدة لسانها طويل، وبتغلط في الراجل الكُبرة دا
_اهييه، متقوليش
جزت على اسنانها
_دا بدل ماتجبها من شعرها وتقولها عيب
حاوط خصرها، ونظر اليها
_انتي غلطت فيه...
اهييه.. انت لسة بتسأل يابن ارسلان
تمتم بها ارسلان بطريقة مضحكة
بعد أسبوع
_دارين... لقد اتفقت مع طبيا داخل المعمل، لكنه اخذ الكثير من المال
_لا يهم موشيه، تأكد هذا سوف يكون أكبر ضربة لهما
نهضت وحاوطت مقعده
_الاهم عزيزي هل مع الطبيب عما يفعله
_لا تقلقي... سيفعل كل مااردته،
_موشيه هل انت متأكد أن العملية ستنجح
_ستنجح، اعلم أن عملية نقل الأجنة ستنجح وخاصة بعد العلاج الذي استمر عليه يوسف، ولكن لازم الدقة بكل شيئًا
تراجعت مبتسمة
_أوعدك ان تحقق مانريده، سأكون لك دائما
افلت ضحك وهو يجذبها إليه
_بطفل يوسف
هزت رأسها ضاحكة، قاطعهما دخول قائدهم
_لقد تم سفرك مرة اخرى الى مصر نارين
_متى... الم تقل ننتظر حتى لا ندخل الشكوك
_والان عليكي السفر، جاءنا خبر انك ستنجحين هذه المرة
_لا اريد السفر الان، هل نستطيع التأجيل فترة، فسوف اخضع لعملية نسائية
_هل انت مريضة
_لا.. ولكن هناك بعض الفحوصات
باليوم التالي
كانت تتشبث بكفه تستمع الى تعليمات الطبيب عن عملية الحقن المجهري، هزت رأسها تستمع الى كل حرفًا بتمعن مع ابتسامة... انهى الطبيب حديثه
_الان ستصل الممرضة حتى تهيأك وتعطيكي بعض العقاقير
_هي الحقنة التفجيرية دي بتوجع
ابتسم اليها الطبيب ثم تحرك للخارج
اتجه يوسف إليها، توقفت واقتربت منه
_يوسف... سمعت الدكتور بيقول ايه
_حبيبتي استرخي، واهدي تمام
اومأت مبتسمة
بالقاهرة وخاصةً بشقِّة كارما:
كانت تتمدَّد على الأريكة أمام التلفاز، استمعت الى رنين المنزل، خرجت الخادمة:
_نعم.
_مدام كارما موجودة؟.
_أيوة...نقولَّها مين؟.
_قولي لها معتز.
بمكتب إلياس..
_مراقب بيت كارما يا أرسلان؟.
_أيوة متخافش، كل حاجة تحت السيطرة، حتى الشغَّالة من التيم، هتعرف تتعامل.
_كويس أوي.
_ليه ما رحتش تزورها يا إلياس، إنتَ سمعت إنَّها كانت عايزاك؟.
_ويعني بنت يزن قالت حاجة، لولا كنَّا مراقبين الأوضة مكناش عرفنا.
_تفتكر هنوصل لحاجة؟،
_هنوصل وقريب كمان وهيتحاسب.
بمنزل يزن..
توقَّف أمام المرآة يغلق أزرار قميصه، ثم رفع عطره ونثره بكثرة، ارتفع رنين هاتفه باسمها للمرَّة الثالثة ولكنه لم يهتم، لحظات ووصلت رسالة:
_آسر...هستناك في الكافيه، فيه موضوع مهم لازم نتكلِّم فيه.
وضع الهاتف ثم أكمل ما يفعله، لحظات وهبط للأسفل، وصل إلى طاولة الطعام ملقيًا تحيَّة المساء..
رفع يزن نظره إليه:
_عندك حفلة ولّّا إيه؟.
_لأ..ليه؟.
ابتسمت رحيل وهي تنظر إلى ابنها:
_لا بس أوَّل مرة أشوفك متشيك وكأنك عريس.
قاطعته رحيل قائلة:
_ابني طول عمره شيك...تحدَّث آسر:
_لا يا ماما..أنا فعلًا عريس.
هنا توقَّف يزن ينظر لابنه بجهل حديثه:
_تقصد إيه يا آسر؟.
_مش حضرتك أقنعتني بسدن وقولت أدي نفسي فرصة، وأنا فكَّرت وموافق، وهروح لجوز عمِّتو وأطلبها، وبعد القضية نعمل خطوبة.
هبَّت رحيل صارخة:
_مستحيل..إنتَ اتجنِّنت.
التفت إليها يزن يرمقها بغضب:
_ليه يا مدام، شايفة البنت ما تستهلش؟.
لم ترد على يزن كانت تنظر لابنها الذي يهرب بنظراته منها:
_آسر..بصلي، اللي بتقوله دا مستحيل، سمعتني.
_لا ما سمعتش يا ماما، دي حياتي وأنا حر فيها...بعد إذنكم.
قالها وغادر، ركضت خلفه رحيل:
_متعملش كدا يا آسر...ولكن أوقفها يزن يسحبها بعنف:
_إنتي اتجنِّنتي، سيبي الواد يبني حياته ويختار شريكة حياته بنفسه.
_يزن متخلهوش يعمل كدا، هيندم.
_مالكيش دعوة، سمعتيني.
_يعني إيه، حتى لو قولت لك أنا مش موافقة.
_رحيل رأيك مش مهم...قالها ثم تحرَّك للخارج.
أنهت زينتها وابتسامة رائعة زيَّنت وجهها، ثم انحنت تحمل حقيبتها وهبطت للأسفل.
وصلت تبحث عن والدتها:
_ماما.
لكنها بترت حديثها حين وجدته متوقِّف أمامهم والسعادة على وجوههم:
_مساء الخير.
_مساء النور حبيبتي، تعالي عندي ليكي خبر حلو.
نظرت لذلك الذي يتطلَّع إليها بصمت:
_خبر حلو..ما أظنش فيه أخبار حلوة بتيجي من المتر.
_أنا ماشي يا عمِّتو، بعدين هعدِّي وأشوف العروسة هتجيب الشبكة إمتى.