تحميل رواية شظايا قلوب محترقة وكانها لي الحياة الجزء الثاني بقلم سيلا وليد pdf
بقلم سيلا وليد
الفصل 79
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ شظايا قلوب محترقة وكانها لي الحياة الجزء الثاني بقلم سيلا وليد.
الفصل 79
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض، ويوم العرض عليك "
حين يخذل القلب صاحبه، لا يكون الصمت رحمة، بل عقابًا مؤجلًا.
ثمّة قرارات لا يصنعها الهوى، بل تفرضها قسوة التضحية. وثمّة كلماتٌ خرجت كالسِّهام، لم تكن سوى درعٍ يقي روحًا أخرى من الانكسار، لكنها مزقت روح قائلها قبل أن تصيب من وُجِّهت إليه.
لم يكن أحدٌ يدرك أن الاعتراف الذي خرج من قلبٍ واحد، سيُحطم ثلاثة قلوب دفعةً واحدة.
هو ظنَّ أن الكراهية قد حلَّت محل الحب، فاختار طريقًا لم يكن يومًا يتمناه. وهي أقنعت الجميع بأنها لا تبالي، بينما كانت تنهار كلما اقترب موعدٌ يقرّبه من غيرها.
وفي هذا الفصل... لن يكون الألم هو الضيف الوحيد؛ فبعض الحقائق حين تخرج إلى النور، لا تُنقذ أحدًا... بل تترك الجميع يغرقون في عواقبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت سارة إلى الصورة، ثم رفعت عينيها نحو إلياس، وقالت بتحفُّز:
_إنتَ ليه مهتم بموضوع مايكل؟
ثبَّت نظراته عليها، حتى شعرت وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه قبل أن يجيب ببرودٍ قاسٍ:
_أنا مش هنا علشان تسأليني...جاوبي وبس..ده مايكل؟
تردَّدت لثانية، ثم أومأت برأسها:
_أيوة هوَّ، ماله؟
ظلَّ يحدِّق بها للحظات، ثم أخرج زفرة حادَّة، وتراجع خطوة إلى الخلف وقال:
_تمام أوي كده.
قالها واستدار متَّجهًا إلى الباب.
وقبل أن يخرج، استوقفته:
_إلياس باشا...ممكن أعرف بتسأل ليه؟
توقَّف دون أن يلتفت إليها، وقال بصوتٍ جامد:
_مالكيش فيه...قالها وغادر.
أغلق الباب خلفه، بينما بقيت سارة تحدِّق في الفراغ الذي تركه، ثم همست بقلق:
_إزاي عرف مايكل...وهوَّ مغيَّر اسمه لمعتز؟
مرَّرت يدها على وجهها في توتُّر:
_أوف...أعمل إيه دلوقتي، أحذَّر معتز...ولَّا أسيب إلياس يتصرَّف؟ أكيد عرف حاجة...أو مايكل عمل مصيبة جديدة.
قطع أفكارها طرقٌ خفيف على الباب:
_ادخل.
دلف رجل يحمل ملفًّا سميكًا، ووضعه أمامها:
_جبت لحضرتك كل المعلومات اللي طلبتيها عن إلياس الشافعي.
فتحت الملف سريعًا، لكنها عقدت حاجبيها عندما قال:
_بس فيه حاجة لازم تعرفيها...إلياس الشافعي ده مش اسمه الحقيقي، هوَّ أصلًا من عيلة السيوفي.
رفعت رأسها إليه بصدمة:
_مش فاهمة.
جلس الرجل، وبدأ يسرد لها الحكاية من بدايتها...كيف خرج إلياس من عائلة السيوفي، وكيف تبدَّلت حياته، وكيف أصبح إلياس الاسم الذي يهابه الجميع.
كانت تستمع في ذهول، وعيناها تتَّسعان مع كلِّ كلمة..وحين انتهى، سألته بسرعة:
_يعني...مش يزن هوَّ اللي ماسك العيلة؟
هزَّ رأسه نافيًا:
_لا...الكبير الحقيقي هوَّ إلياس. وصدَّقيني، زمان كان اسمه لو اتقال في شغله الناس تعمل له ألف حساب، معروف بالقوة...والجبروت... والقرارات اللي محدش يقدر يعترض عليها.
صمت لحظة، ثم أكمل:
_بس بعد اختفاء مراته، الدنيا اتقلبت..
ناس قالت إنها هربت، وناس قالت عملت حادثة وفقدت الذاكرة، ولمَّا رجعت بعد خمس سنين، الإعلام فضل يطارد القصَّة، لولا إن مصطفى السيوفي وقَّف أي كلام عنها، وفي الآخر ثبت إنها فعلًا كانت فاقدة الذاكرة... لكن الصحافة الصفراء عمرها ما سكتت.
ظلَّت سارة صامتة، قبل أن تسأل:
_ورحيل العامري؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة:
_دي بقى غير اللي سمعتيه، رحيل بنت رجل أعمال ثري جدًّا، ولمَّا مات ساب لها شركات وأملاك بالمليارات، يعني هيَّ ما أخدتش حاجة من شركات راجح ولا كانت محتاجة أصلًا.
تجمَّدت ملامح سارة:
_يعني...معتز ضحك عليَّا؟!.
همست بها لنفسها، ثم أردفت في حيرة:
_طيب...ليه رؤى تشوَّه سمعة أخوها ومراته، إيه مصلحتها؟ همست بها لنفسها ثم أشارت للرجل أن ينصرف.
وبمجرَّد أن أُغلق الباب، سحبت ورقة بيضاء، ورسمت شجرة صغيرة للعائلة..
إلياس...أرسلان...يزن...طارق... ميرال...
ظلَّت تحدِّق في الأسماء طويلًا، ثم همست بصوتٍ غارقٍ في الشك:
_يا ترى...مين فيكم هيوصَّلني للحقيقة؟
توقَّفت أناملها فوق اسم إلياس، ثم ابتعدت عنه ببطء:
_هوَّ فعلًا راجح ظلمكم...زي ما ظلمنا؟
رفعت رأسها، وعيناها تمتلئان بالحيرة:
_ولَّا...إنتوا بارعين أوي في رسم دور الضحية؟
مسحت على وجهها بزفرةٍ مختنقة:
_تبعدي يا سارة، ولَّا تدوَّري على حقِّك وحقِّ مامتك؟..
قطع حديثها مع نفسها رنين الهاتف:
_أيوة يا نور، إنتَ رجعت حبيبي؟.
_أيوة يا ماما، وصلت البيت، ونانا مش موجودة.
_مش موجودة إزاي، راحت فين؟! هيَّ متعرفش حاجة في مصر.
نهضت سريعًا تجمع أشياءها وهي تتحدَّث إلى ابن أخيها:
_حبيبي أنا جاية، اسأل الأمن راحت فين.
دلفت إلى غرفة مكتبه، فتوقَّفت عند الباب تحدِّق في انشغاله أمام شاشة الحاسوب، ولم ينتبه لوجودها، أو ربما تعمَّد ذلك.
فقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا، لكنَّه خرج مرتجفًا:
_ لو هتفضل تعاملني كده...يبقى طلَّقني، وكلِّ واحد يروح لحاله.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها لثوانٍ طويلة، نظرة مرهقة، خالية من أي رغبة في الجدال...ثم أعاد بصره إلى الشاشة.
اشتعل الغضب بداخلها، واقتربت منه حتى أصبحت أمام مكتبه:
_ أنا بكلِّمك يا بلال...لو هتفضل ساكت كده، طلَّقني...وروح اتجوز.
أغمض عينيه للحظة يتمتم باستغفارٍ خافت، يحاول أن يخمد النار التي أشعلتها كلماتها في صدره.
لكنَّها، فقدت السيطرة على نفسها، دفعت الحاسوب بعنف حتى انزاح فوق المكتب:
_ ما ترد عليَّا!
نهض فجأة، واتَّسعت عيناه بألمٍ سبق غضبه، وقال بصوتٍ مبحوح:
_ حاضر...هعمل اللي إنتِ عايزاه... هطلَّقك.
تجمَّدت ملامحها، وكأنَّ الكلمات صُبَّت فوقها ماءً مثلجًا.
همست بصعوبة:
_ هتطلَّقني...وتتجوز يا بلال؟!.
ابتعد عنها عدَّة خطوات، يخشى أن ينفجر في وجهها:
_ مش أحسن ما أفضل في نظرك الراجل الخاين...الراجل اللي عمره ما يستحقِّ ثقتك؟
ارتجف قلبها بعنف، حتى شعرت أن ضلوعها تضيق على أنفاسها:
_ يعني...ممكن تطلَّقني للمرَّة التانية... وتتجوز؟
أطلق زفرة خرجت كأنها انتُزعت من أعماقه.
نظر إليها بعينين أنهكهما الوجع:
_ أعمل إيه تاني علشان تصدَّقي إني بعشقك؟ أعمل إيه علشان تمحي من دماغك إنِّي ممكن أبص لغيرك؟ كلِّ اللي عملته...ما كانش كفاية؟
اقتربت منه ببطء، ودمعة هربت من عينها، مسحتها سريعًا قبل أن تسقط:
_ مين اللي وصَّلني لكده...مش إنتَ؟
التفت إليها بسرعة، وكأنَّ كلماتها صفعة على وجهه:
_ عملت إيه، قوليلي...عملت إيه علشان أبقى في عينك راجل واطي... حقير...وخاين؟
هزَّت رأسها بعنف، وانكسر صوتها:
_ لأ...إنتَ ما عملتش، أنا اللي وحشة... أنا اللي متهورة...واللي من غير عقل... زي ما قال باباك.
سكتت لحظة، ثم رفعت عينيها الغارقة بالدموع إليه:
_ يمكن...لأنِّي بحبَّك أوي، بحبَّك لدرجة إن الخوف منك بقى أكبر من أي حاجة، بعد كل اللي حصل..بقيت مجنونة بيك، كل مرَّة أتخيل إنك ممكن تروح لها وتسيبني...بموت ألف مرَّة قبل ما يحصل.
ابتسمت ابتسامة مكسورة، موجعة:
_ بس خلاص...أوعدك إنِّ المجنونة دي...هتبعد، يمكن لمَّا أبعد..تعرف تشوف نفسك راجل كامل، من غير واحدة كل يوم بتحسِّسك إنها كسرتك.
استدارت قبل أن يرى دموعها، وغادرت الغرفة بخطواتٍ مسرعة.
أمَّا بلال...فبقي واقفًا مكانه، يحدِّق في الباب الذي أغلقته خلفها.
رفع يده إلى وجهه، وضغط على عينيه بقوة، ثم زفر باختناق، وعيناه معلَّقتان بالباب الذي خرجت منه في عجزٍ لم يعهده من قبل.
ماذا عليه أن يفعل أكثر من ذلك؟
أيُثبت لها حبَّه بقلبٍ آخر غير الذي أهلكه عشقها؟
كم مرَّة عليه أن يحترق أمامها حتى تؤمن أنه لا يرى امرأةً سواها؟
ألم تكفِ أفعاله، أم أن الحب وحده لا يكفي إذا ماتت الثقة؟
وهل سيظل طوال عمره يُحاكم بذنبٍ انتهى، بينما كل ما يفعله بعده لا يُحسب له؟
بعد فترة..
تحرَّك خلفها، ودلف إلى غرفتهما، لكن الغرفة كانت خالية.
توقَّفت عيناه على الفراش المرتَّب، فأطبق على شفتيه بقوة حتى ابيضَّتا، يحاول كبح غضبه الذي بدأ يشتعل داخله.
استدار بعصبية، وخرج يبحث عنها في أرجاء المنزل.
توقَّفت المربية وهي تحمل حقيبتها:
_ دكتور...يوسف نام دلوقتي، ممكن أخرج ساعتين؟ والدتي لازم أودِّيها للدكتور.
أومأ لها برأسه دون أن يسمع بقية حديثها، ثم تجاوزها بخطواتٍ سريعة، يبحث عنها في كل مكان...لكنها لم تكن هناك.
وفي تلك اللحظة، ظهرت الخادمة تحمل فنجان قهوته..توقَّفت أمامه:
_القهوة يا دكتور.
التفت إليها بحدَّة:
_ مدام رولا فين؟
ارتبكت قليلًا قبل أن تجيب:
_ خرجت من شوية يا دكتور...راحت بيت الباشا الكبير.
قطب حاجبيه:
_ بابا...ولَّا عمُّو إلياس؟
_ إلياس باشا...هوَّ اللي بعت لها.
أشار إليها بيده أن تنصرف.
ما إن ابتعدت حتى انقبض فكَّه بقوة، حتى برزت عروقه، وانغلقت كفِّه في قبضةٍ كادت تسحق أصابعه.
همس بصوتٍ يحمل غضبًا ووجعًا في آنٍ واحد:
_ ماشي يا رولا...
بمنزل إلياس..
طرقت الباب، ثم دلفت إلى الداخل:
_ حضرتك طلبتني يا عمُّو؟
رفع رأسه إليها، وأومأ بهدوء:
_ تعالي...اقعدي.
جلست أمامه، تنتظر ما سيقوله، لكنه ظلَّ صامتًا لثوانٍ، ثم نهض واتَّجه إلى الأريكة:
_ تعالي اقعدي جنبي...عايز أتكلِّم معاكي كأب، مش كعم.
نهضت في صمت، وجلست إلى جواره.
ظلَّ يراقب ملامحها المنهكة للحظات، ثم قال بهدوء:
_ طنط ميرال حكتلي اللي حصل..
وقبل ما أسمع منك، وقبل ما تبرَّري أو تشرحي...هسألك سؤال، وعايز إجابته بكلمة واحدة...آه أو لأ.
مال برأسه قليلًا، وحدَّق في عينيها:
_ إنتِ...مش واثقة في جوزك؟
ارتبكت، وراحت تفرك كفَّيها بعصبية، تهرب بعينيها بعيدًا عنه.
فقالت بصوتٍ مكسور:
_ مش عارفة ليه...محدش قادر يفهمني.
ثم التفتت إليه وقد اغرورقت عيناها:
_ عمُّو...بلال كذب عليَّ، خلَّاني في يوم من الأيام رقم اتنين في حياته، وجعي مش إنِّي مش واثقة فيه...وجعي إنِّي عمري ما قدرت أنسى الإحساس ده، أنا مش طالبة غير حاجة واحدة...أكون أهمِّ واحدة في حياته...وبس..يحبِّني زي ما بحبُّه.
هزَّ إلياس رأسه ببطء:
_ ومين قالِّك إنك مش كده؟
ابتسمت بسخرية موجوعة:
_ أفعاله يا عمُّو...الأفعال عمرها ما بتكدب.
تنهَّد إلياس طويلًا، وأسند ظهره إلى الأريكة، ثم قال بصوتِ رجلٍ علَّمته الحياة الكثير:
_ للأسف يا رولا إنتِ ما بتثقيش فيه.
_بحاول، أنا بحبُّه أوي، لكن قلبي موجوع...
صمت يتابع معالم الألم بملامحها ثم قال:
_اسمعيني يا بنتي...
الزواج عمره ما اتبنى على الحبِّ لوحده.
الحب ممكن يضعف...ويقوى من جديد.
لكن الثقة...لمَّا تتكسر، كلِّ كلمة بعدها بيبقى لها ألف معنى، وكلِّ غياب بيبقى خيانة، وكلِّ صدفة بتتحوِّل لشك.
نظر إليها بعينينِ يملؤهما الأسف:
_ بلال غلط...وده محدش يقدر ينكره.
لكن قوليلي...هوَّ بيدفع تمن غلطته من كام سنة؟
وإنتِ...هتفضلي تعاقبيه لحدِّ إمتى؟
لو كلِّ يوم هيصحى يحاول يثبتلك إنُّه بيحبِّك...وإنتِ كلِّ يوم هتفتحي نفس الجرح...يبقى لا هوَّ هيعرف يعيش... ولا إنتِ هتعرفي ترتاحي.
ساد الصمت، بينما انهمرت دموعها بصمت.
أكمل بصوتٍ حازم:
_ علشان كده هقولِّك كلمة يمكن تزعَّلك منِّي...
لو فعلًا مش قادرة تثقي فيه...ولو جوَّاكي يقين إنُّه ممكن يخونك في أي لحظة...
يبقى ارجعي بيت أبوكي.
اتَّسعت عيناها بصدمة، فواصل بهدوء:
_ لأن الظلم مش إنه يكون مع واحدة مش واثقة فيه...الظلم الحقيقي إنُّكم تكمِّلوا مع بعض، وكلِّ واحد فيكم بيتعذِّب كل يوم.
إمَّا تثقي فيه...وتقفلي باب الماضي للأبد.
وإمَّا تسيبيه...وتريَّحي قلبك وقلبه.
أمَّا تعيشي بين الاتنين...فدي حياة هتكسر الاتنين من غير ما يحسُّوا.
ثم ربت على كفِّها بحنان، وقال:
_ فكَّري كويس يا رولا...وخدي قرارك بعقلك وقلبك...لأن القرار اللي هتاخديه المرَّة دي...هيحدِّد إذا كان جوازكم هيكمِّل...ولَّا هيضيع منكم وأنتوا لسه بتحبُّوا بعض..ولو على ابنك متخفيش، دا أوَّل حاجة آخد حقِّك فيها.
_لا..أنا مش عايزة أبعد زي ما حضرتك بتقول، أنا بس عايزة يحسِّسني بالأمان.
تنهَّد إلياس، ثم قال بهدوء:
_يعملِّك إيه، وأنتِ لحدِّ النهاردة لسه بتحاكميه بنفس التهمة.
يابنتي مفيش بينكم ثقة، أو بمعنى أصح..
لمَّا الثقة بتموت، أي كلمة هتبقى منه كدب، وأي تأخير هتبقى خيانة، ومهما عمل علشان يطمِّنك، هتشوفيه كذَّاب، زي ماقولت لك.
بصِّيلي...
الراجل يقدر يستحمل تعب الدنيا كلَّها، لكن ما يقدرش يعيش مع واحدة كلِّ يوم تطلب منه يثبت إنُّه مش خاين.
لو قلبك مش قادر يصدَّقه، يبقى ظلمتيه وظلمتي نفسك.
ولو مصدَّقة إنه بيحبِّك، اقفلي باب الماضي، لأن مفيش جواز هيكمل، وكلِّ يوم واحد فيكم بيحاسب التاني على ذنب انتهى.
فكَّري كويس يا رولا...
يا تثقي فيه وتبدأوا من جديد، يا بلاش تكمِّلوا حياة هتوجعكم أنتم الاتنين.
دا آخر كلام عندي، وشوفي باباكي برضو..
مش عايز كلِّ شوية كلام في الموضوع دا.
ظلَّت صامتة لبعض الوقت ثم همست:
_أنا سمعته بيقول ليوسف إنُّه بيحبِّ كارما دي، الكلمة دي بتدبحني يا عمُّو، بحاول أمسحها بس اللي عمله كسر قلبي.
_ رولا...بصِّيلي.
رفعت عينيها إليه..
_ أنا مش هدافع عن بلال، لأنُّه غلط، والغلط عمره ما له تبرير...لكن اللي بتعمليه دلوقتي اسمه اتِّهام، والاتِّهام من غير دليل بيهدِّ أي بيت.
صمت لحظة، ثم أردف بهدوء:
_ اتكلِّمنا في الموضوع ده كتير، وكلِّ اللي عندي قولته..حافظي على جوزك، ومتخليش أي كلمة تسمعيها من أي حد تهزِّ ثقتك فيه، طول ما إنتِ فاتحة باب الشك، عمرك ما هترتاحي، ولا هوَّ هيرتاح.
تنهَّد وهو ينظر إليها بعطف:
_ بلال بيحبِّك...وصدَّقيني، مفيش راجل يفضل يدفع تمن غلطة واحدة طول عمره، اقفلوا باب الماضي، لأن كل مرَّة تفتحوه، بتقتلوا اللي بينكم بإيديكم.
أشار إليها برفق:
_ اتفضلي.
تحرَّكت نحو الباب، لكنَّها توقَّفت عندما سمعت صوته من جديد:
_ رولا...
التفتت إليه.
_ ومش عايز أكرَّر كلامي تاني...أي تهوُّر منك مرفوض، قضية أخوكي لسه مخلصتش، والوقت ده مينفعش فيه قرارات ولا اندفاع.
ثم أشار إلى نفسه وقال بحزم:
_ قبل ما تخطي خطوة برَّه بيتك، لازم حد فينا يبقى عارف، مش شرط بلال... أنا موجود، أبوكي موجود، عمِّك موجود...أي حد، لكن إنِّك تخرجي أو تتصرَّفي لوحدك وإنتي مندفعة... ساعتها هتزعَّليني أنا قبل أي حد.
أومأت برأسها في صمت، ثم خرجت.
دلفت إلى المنزل، فوجدت بلال يحمل يوسف بين ذراعيه، يداعبه في هدوء..
اقتربت، وانحنت تحمل صغيرها من بين يديه دون أن تنظر إلى وجهه.
قالت ببرود يخفي خلفه وجعًا كبيرًا:
_ أنا رايحة بيت بابا...لحدِّ ما تشوف هتعمل إيه.
نهض ببطء، ثم وقف أمامها يمنعها من المرور، وعيناه تراقبانها بإرهاقٍ واضح:
_ عندي شغل دلوقتي...ولمَّا أرجع هنتكلِّم.
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ حاسمة امتزج فيها الألم بالإصرار:
_ لازم نتكلِّم يا رولا...المرَّة دي مفيش هروب، ولا سكوت.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
_ وكلِّ واحد فينا يقول بصراحة...هو عايز يكمِّل، ولَّا عايز يفضل يعذِّب التاني.
ترقرقت عيناها بالدموع، اقترب منها، وحاوط وجهها ينظر لعينيها التي تكوَّرت بها الدموع:
_وجعتيني أوي، رغم كدا مش قادر أوجعك، لمس وجنتيها وملامحه تحكي الكثير والكثير:
_أنا بحبِّك أوي، ثقي في دي، مش معقول إنتِ مش حاسَّة بكدا.
رفعت عيناها إليه:
_أنا تعبانة أوي يا بلال، وموجعة منك.
انحنى يلمس شفتيها بقبلةٍ ناعمة، ثم تحرَّك إلى الغرفة:
_لمَّا أرجع هنتكلِّم.
بمنزل يزن..
كان يجلس أمام مكتبه، وعيناه معلَّقتان بملفِّ القضية، يقلِّب صفحاته للمرَّة التي لا يعلم عددها، يبحث عن ثغرة، عن خيط يقوده للحقيقة، لكن عقله كان أكثر تشوُّشًا من الأوراق التي أمامه.
قطع شروده رنين هاتفه.
رفع الهاتف وأجاب:
_أيوة يا سدن.
جاءه صوتها على الجانب الآخر:
_آسر...إنتَ لسه مجهزتش؟
قطب حاجبيه:
_جهزت لإيه؟
أطلقت زفرة ضيق:
_المفروض ننزل نشتري الشبكة وفستان الخطوبة.
أغمض عينيه للحظة:
_تمام...نسيت, ادِّيني نصِّ ساعة أجهز.
_خلاص...هستنَّاك براحتك.
_أوكي.
بعد نحو نصف ساعة، وصل أمام منزلها، فوجدها تقف بالخارج تتحدَّث بالهاتف:
_أوكي يا أنس...متتأخَّرش.
أغلقت المكالمة، وما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتسمت ابتسامة رقيقة فوق شفتيها.
اقتربت منه قائلة:
_متأخَّرتش.
أجاب وهو يتَّجه نحو السيارة:
_كنت ناسي أصلًا.
سارت بجواره، ثم بعفوية مدَّت يدها، تشبَّثت بكفِّه وكأنَّها تمسك حقًّا طبيعيًا لها.
في اللحظة نفسها..توقَّف عن السير.
انتفض قلبه بقوَّة، وسحب أنفاسه بصعوبة، ثم حرَّر يده برفق، وقال بصوتٍ خافتٍ لكنَّه حازم:
_سدن...مينفعش تمسكي إيدي.
تجمَّدت مكانها.
نظرت إليه وكأنَّها لم تستوعب ما قاله:
_ليه؟
التقت عيناه بعينيها للحظة، ثم أشاح ببصره:
_لسه..مفيش رابط بينَّا.
شحب وجهها..وخرج صوتها مكسورًا:
_إيه اللي بتقوله ده يا آسر؟..إحنا بنقعد جنب بعض بالساعات...وأوقات كتير كنت إنتَ اللي بتمسك إيدي، ومكنش فيه أي رابط...دلوقتي بقيت خطيبتك...وبقى مينفعش؟
انقبض صدره..لأنَّه يعلم أنَّ كل كلمة قالتها كانت صحيحة.
بل إنَّها أصابته في موضعٍ لم يستطع الدفاع عنه.
مرَّر يده فوق وجهه بضيق، ثم قال:
_أنا بقول كده...علشانك، ومش...
لكنَّها قاطعته قبل أن يكمل.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، باهتة:
_خلاص...مش هقرَّب.
ابتعدت عنه خطوة كاملة، وكأنَّها تضع بينهما المسافة التي طلبها.
ثم قالت بهدوءٍ موجع:
_ممكن نمشي؟
اكتفى بإيماءة صامتة، واتَّجه إلى السيارة.
وطوال الطريق...
كان الصمت هو الراكب الثالث.
بعد قليل، توقَّفت السيارة أمام متجرٍ للمجوهرات.
ترجَّلت سدن أوَّلًا، ثم سارت نحو الباب، لكنها توقَّفت تنتظره..كانت تتمنَّى ولو لمرَّة واحدة..أن يسبقها، ويفتح لها الباب، أو يمدُّ يده إليها، أو يحتضن كفَّها كما يفعل أي رجلٍ مع خطيبته.
لكن أمنيتها ماتت قبل أن تولد.
وصل إليها، وأشار برأسه نحو الداخل:
_اتفضلي.
ابتلعت غصَّتها، ودخلت في صمت.
وقفا أمام واجهة العرض، فأشار آسر للبائع:
_ورِّينا شوية دبل ومحابس.
بدأ الرجل يخرج القطع واحدة تلو الأخرى.
أمَّا سدن...فلم تكن تنظر إليها.
كانت عيناها تتجوَّلان بالمكان بشرود، حتى توقَّفتا على طقم ألماس رقيق، يضمُّ عقدًا وأقراطًا، يلمع خلف الزجاج.
ارتسمت ابتسامة حقيقية على وجهها لأول مرَّة، أشارت إليه:
_ممكن أشوف الطقم ده؟
أحضره البائع ووضعه أمامها.
تأمَّلته بإعجاب، ثم قالت وهي ترفعه برفق:
_حلو أوي...
ثم التفتت إلى آسر:
_أنا مش عايزة دبلة...عايزة ده.
رفع رأسه إليها باستغراب:
_نعم!! يعني إيه مش عايزة دبلة؟
هزَّت كتفيها ببساطة:
_عادي...هوَّ كلِّ المرتبطين لازم يلبسوا دبلة؟ عجبني النيكلس ده...كفاية أوي.
ثم نظرت إليه بنظرة مشاكسة تخفي خلفها وجعًا كبيرًا:
_ولَّا علشان غالي؟
لم يعلِّق..التفت إلى البائع وقال بهدوء:
_هناخده...وهات دبلتين كمان.
تأفَّفت بضيق:
_يا آسر...أنا مش عايزة دبلة، خلاص بقى.
أجابها بنبرة لا تقبل النقاش:
_مينفعش يا سدن...لازم تلبسي دبلة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها:
_أوف...أنا اللي هلبس ولَّا إنتَ..هتفت بها بصوتٍ مرتفع.
التفتت عدَّة رؤوسٍ نحوهما.
رمقها آسر بنظرةٍ حادَّة، وقال من بين أسنانه:
_احنا مش في البيت.
في تلك اللحظة عاد البائع ووضع أمامهما الدبل والمحابس، بينما ظلَّت سدن تنظر إليها، وتشعر للمرَّة الأولى...أنَّ قطعة الذهب التي يُفترض أن تعلن ارتباطها به، أصبحت أثقل من أن تتحمَّلها يدها.
بمنزل يوسف..
تململت في نومها على رنين الهاتف، تحسَّست الهاتف بصعوبة، وما زالت عالقة بين النوم واليقظة:
_ألو...
جاءها صوته مبتسمًا:
_صباح الخير...لسه نايمة؟
أغمضت عينيها تتمتم:
_أيوة...
_طيب قومي يلَّا، لازم تكوني نشيطة علشان العقد.
فتحت عينيها ببطء، فوقعت نظراتها على يوسف الغارق في نومه، ساكن الملامح كطفلٍ أنهكه التعب..ظلَّت تستمع إلى حديث نور حتى انتهى، ثم همست:
_لا...مش هاجي غير بالليل.
_إزاي يا ضي؟ لازم تكوني موجودة الساعة واحدة.
نظرت إلى يوسف، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ حتى لا توقظه:
_نور...لازم أقفل.
أغلقت الهاتف برفق، ثم التفتت إليه من جديد.
ابتسمت عيناها قبل شفتيها، وراحت أناملها تتجوَّل فوق ملامحه في حنانٍ عاشق..
اقتربت أكثر، حتى لامست أنفاسه أنفاسها، وأغمضت عينيها وهي تدفن وجهها في عنقه، تهمس لنفسها:
_مش عايزة من الدنيا غير إنِّي كل يوم أصحى...وألاقي نفسي في حضنك بالشكل ده.
رفعت رأسها قليلًا تتأمَّله، فإذا به يفتح عينيه ببطء بعدما شعر بحركتها بين ذراعيه.
ابتسمت وهمست بصوتٍ ما زال يحمل آثار النوم:
_صباح الخير يا حبيبي...صحِّيتك؟
شدَّها إليه أكثر، حتى كادت تختفي بين ذراعيه، وقال وهو ما زال مغمض العينين:
_صباح الحب...وصباح النور اللي بيبتدي وإنتِ في حضني.
ابتسمت، ثم اقتربت حتى اختلطت أنفاسهما:
_لمَّا كنت بقول إنِّي نفسي في بيبي... كنت عايزة يبقى شبهك...قطعة منك... يشبه ضحكتك، وعينيك، وحتى نبض قلبك.
تجمَّدت ملامحه للحظة.
فتحت كلماتها الجرح الذي حاول إخفائه منذ أن رأى نتيجة التحليل.
رفع يده يتحسَّس وجنتها بحنانٍ موجوع:
_أنا حاولت...والله حاولت أحقَّقلك الحلم ده...لكن للأسف...
وضعت إصبعها على شفتيه تمنعه من إكمال حديثه:
_أيوة...عارفة اللي كنت هتقوله...
نظر إليها باستغراب.
ابتسمت رغم الوجع المختبئ بعينيها:
_قول إنك بتحبِّني...أوي...أكتر من أي حاجة في الدنيا...بس ده اللي محتاجة أسمعه.
انحنى يقبِّل أناملها برفق:
_ما أنا كنت هقول كده...إنتِ اللي استعجلتي.
رفعت حاجبها بمشاكسة خافتة تخفي بها حزنها:
_متأكدة...لأنك مينفعش تقول غير كده...صح يا دكتور؟
نظر إليها طويلًا...
ثم خرج صوته مكسورًا:
_النتيجة...نيجتف يا ضي...العملية منجحتش.
ساد الصمت...ثوانٍ فقط، لكنها كانت أثقل من العمر كلِّه.
مدَّت يدها تحتضن وجهه بين كفَّيها:
_مش مهم...قالتها بهدوءٍ نابعٍ من نبض قلبها باسمه..
_أكيد كان نفسي يبقى عندنا طفل... نفسي أشوف ابني شبهك...بس طالما دي إرادة ربِّنا...خلاص.
ثم ابتسمت وتابعت بهدوء:
_يوسف...إنتَ عندي أهم من مليون طفل...والله أهم من الدنيا كلَّها.
رأت الانكسار في عينيه، فشعرت أن قلبها هو من ينزف:
_لو سمحت...ما تبصليش البصَّة دي... قلبي بيوجعني...وحاسَّة إنِّي مكسورة من وجعك.
لم يحتمل أكثر...
اجتذبها بقوَّة بين ذراعيه، دفن وجهه في شعرها وهمس:
_سامحيني...كان نفسي أفرَّح قلبك.
شدَّت احتضانها له أكثر، حتى شعرت بدقَّات قلبه تضرب صدرها بعنف.
مرَّرت كفَّها فوق موضع قلبه، وقالت بصوتٍ اختلط بدموعها:
_أنا أسعد ست في الدنيا...عارف ليه؟
لأن القلب اللي بيدق تحت إيدي ده... باسمي أنا..
وطول ما نبضه بينادي اسمي...يبقى امتلكت الدنيا كلَّها..
ولو خيَّروني بين ألف طفل...وبين نبضة واحدة من قلبك...هختارك إنتَ في كل مرَّة...ومن غير تفكير.
أغمض يوسف عينيه، وشدَّد احتضانها حتى اختفت المسافات بينهما.
في تلك اللحظة...أدرك أنَّ الحب الحقيقي لا يُقاس بعدد الأطفال الذين يملؤون البيت، بل بعدد النبضات التي يخفقها قلبٌ وجد قلبه الآخر.
فقد يُحرم العاشقان من طفل...
لكنهما إذا امتلك كلٌ منهما قلبَ الآخر، فقد امتلكا الحياة بأكملها.
النهاية تعطي معنى أعمق..أنَّ نبض الحبيب هو الحياة نفسها، وأنَّ خسارة الحلم لم تُنقص من اكتمال حبُّهما شيئًا.
نعم عزيزي القارئ..
قد يُحرم قلبان من طفلٍ كانا يحلمان أن يناديهما "أبي" و"أمِّي"، لكنهما لم يُحرما يومًا من أعظم نعمة...أن ينبض كلُّ قلبٍ باسم الآخر.
فما قيمة الأمنيات إن كان الحبيب حاضرًا؟
وما قيمة الدنيا إن غاب النبض الذي يطمئن الروح؟
رفع ذقنها يسبح بملامحها الجميلة..
تلاقت نظراتهما، نظرة واحدة كانت كافية لتبوح بما عجزت عنه الكلمات.
في عينيه كانت ترى يقينًا واحدًا..."أنتِ عشقي."
وفي عينيها كان يقرأ اعترافًا لا يحتاج إلى نطق..."وأنا أذوب بك عشقًا."
لم يكن بينهما حديث...فالعشَّاق الحقيقيون أحيانًا تنطق عيونهم أكثر من ألسنتهم.
رفع يده يضمُّ وجهها بين كفَّيه، وكأنها أثمن ما وهبته الحياة له، ثم لامست شفتاه وجنتها برقَّةٍ فارتجفت أنفاسها، وتمنَّت أكثر من ذلك، فهي لم تكن قبلة...
بل كانت بيتًا من قصيدة عشقٍ لا يعرف كتابتها إلَّا هو.
قصيدةٌ حروفها همسات...
وأبياتها لمسات...
وقوافيها قبلاتٌ تذيب الأرواح قبل الأجساد.
كلُّ لمسةٍ منه كانت تخبرها: "أحبُّك."
وكلُّ تنهيدةٍ منها كانت تجيبه: "وأنا أعشقك أكثر."
ذاب الوقت بين ذراعيهما، حتى لم يعودا يشعرانِ بشيء سوى نبضيهما، وكأنَّ قلبيهما تخلَّيا عن صدريهما، واختارا أن ينبضا داخل الآخر.
وفجأة...
شقَّ رنين هاتفه ذلك السكون، مرتفعًا بحدَّة، كاضطراب أنفاسهما.
ابتعد عنها قليلًا مجبرًا، وأخرج هاتفه، يحاول أن يلتقط أنفاسه، ويستعيد شيئًا من اتِّزانه بعد أن سلبه عشقها كل قدرةٍ على التفكير.
وقعت عيناه على اسم المتَّصل...
لم تمنحه فرصةً للرد، فاقتربت منه، ثم أسندت رأسها إلى صدره، تطوِّق خصره بذراعيها، وهمست بصوتٍ أذاب ما تبقَّى من مقاومته:
_انسى إنك تخرج دلوقتي...
ابتسم لها ابتسامة تخصُّها وحدها، أراح ذقنه فوق رأسها، وأخذ يداعب خصلاتها المبعثرة بعشوائيةٍ بأنامله،
ثم قال بصوتٍ دافئ:
_مين قال إنِّي هخرج..التليفون كان بابا.
تنهَّدت وهمست له:
_حتى لو عقلك وسوس لك، مكنتش هسمح بكدا.
ابتسم، وشدَّد احتضانها حتى أصبحت أقرب إلى نبضه..أخذت تمرِّر أناملها على موضع قلبه...وما زالت النظرات تحكي الكثير...هنا ماتت المسافات، وتوقَّف كلُّ شيء سوى نبضات القلوب..
تلك اللحظة، لم يكن هناك منتصرٌ ومهزوم...
بل عاشقان، كلٍّ منهما يرى نفسه مكتملًا داخل قلب الآخر، وكأن الحبَّ بينهما لم يعد شعورًا...بل أصبح طريقةُ حياة، ونبضًا لا يعرف كيف يخفق إلَّا باسم صاحبه.
بعد عدَّة ساعات...
كان يتمدَّد على العشب بحديقة المنزل، متَّخذًا من ساقيها وسادته، بينما كانت أصابعها تعبث بخصلات شعره في هدوء، تقصُّ عليه تفاصيل العرض الذي عُرض عليها بحماس.
ظلَّ صامتًا، ينصت لكلِّ كلمة، حتى انتهت، فابتسمت وسألته بلهفة:
_إيه رأيك؟
رفع بصره إليها، وقال بهدوء:
_العرض حلو يا حبيبتي...بس قبل ما تمضي أي عقد، اتأكِّدي كويس إنُّهم مش هيطلبوا منك لبس مكشوف. الشركات العالمية دي ليها معاييرها، ومش دايمًا بتحط حدود.
اعتدلت تنظر إليه بدهشة:
_أنا أصلًا مفكَّرتش في النقطة دي... صح، كلِّ تصميماتي مقفولة، يمكن مش إسلامية، لكن عمرها ما كانت جريئة.
ابتسم وقال بتأكيد:
_علشان كده خلِّي محامي باباكي يراجع العقد، أو مدير أعمالك يشوف كلِّ البنود...متسيبيش حاجة للصدفة.
أومأت، لكن ابتسامتها تلاشت فجأة..
تسلَّلت إلى ذاكرتها حقيقة كانت تؤجِّلها منذ بداية الحديث.
تنهَّدت، ثم وضعت كفَّها أسفل ذقنه، ترفع رأسه برفق:
_اتعدل...فيه موضوع مهم لازم نتكلِّم فيه.
جلس في مواجهةٍ لها، وقد التقطت عيناه ارتباكها أنَّ القادم لن يعجبه.
فكانت تفرك أصابعها بعصبية، تهرب بعينيها بعيدًا عنه.
ظلَّ يراقبها في صمت، ثم مدَّ يديه، يحتضن كفَّيها بين راحتيه:
_قولي...هسمعك للآخر.
ارتفعت عيناها إليه، تلمعان بالخوف:
_إنتَ..بتثق فيَّا، وبتثق في حبِّي ليك؟
انعقد حاجباه.
هنا شعر أنَّ هناك شيئًا لن يعجبه. نظرت إليه، ثم رفعت كفَّها تلامس وجنته:
_مش عايزة يبقى بينَّا أي شك...وتأكَّد إنِّ يوسف هوَّ كل حياتي...أنا بعشقك بكلِّ حالاتك.
اختنق صوتها، وامتلأت عيناها بالدموع:
_بحبَّك أوي...ومش عايزة حبَّك ليَّا يبقى سبب إنِّي أدفن حلمي...أتمنى تسمعني للآخر.
رقَّ صوته رغم قلقه:
_فيه إيه يا ضي؟
ابتلعت ريقها:
_أوعدني الأوَّل إنك مش هترفض قبل ما تسمع.
خرجت منه ضحكة ساخرة قصيرة:
_قولي...عايزة إيه؟
أخفضت رأسها للحظة، ثم همست:
_الشغل اللي حكيتلك عنه...فيه شرط.
ظلَّ ينظر إليها منتظرًا.
_نور...هوَّ الراعي الرسمي للمشروع... لأنُّه الوسيط بينهم وبيني.
ساد الصمت..
صمت للحظات وشعر بالاختناق، ثم خرج صوته باردًا بصورةٍ أخافتها:
_إنتِ لسه شغَّالة مع نور؟
اقتربت بسرعة، وجلست أمامه، تمسك يده وترفعها إلى وجنتها.
لكنَّه سحبها بهدوء، وأبعدها عنه:
_إيه شغل الأطفال ده؟..مش اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده؟
قالت برجاء:
_بس يا يوسف...هوَّ مش شخص وحش.
رفع عينيه إليها:
_وأنا قولت إنُّه وحش؟
ثم أكمل بنبرةٍ حاسمة:
_أنا قولتلك مش عايز الراجل ده يكون في حياتك...يبقى الموضوع انتهى.
ارتجف صوتها:
_بس اسمعني...
قاطعها وهو ينهض بعصبية، ينفض ثيابه وكأنَّه يحاول نفض غضبه معها:
_الموضوع انتهى...وبلاش تحسِّسيني إن رأيي ملوش قيمة.
استدار إليها، وعيناه تمتلئان بغيرةٍ حاول كثيرًا أن يخفيها:
_ومتخلنيش أوصَّلك لاختيار بين شغلك...وبين حياتنا.
توقَّفت أنفاسها..
أمَّا هو فأكمل بصوتٍ خرج مشحونًا بالغضب والغيرة معًا:
_لأنِّي مستحيل أوافق إنِّ يبقى بينك وبين الراجل ده أي علاقة...مهما كان اسمها شغل.
استدار وغادر بخطواتٍ سريعة، تكاد الأرض تهتزُّ تحتها.
بقيت مكانها، تحدِّق في أثره حتى اختفى عن عينيها.
خرجت زفرة طويلة، أغلقت بها دموعها قبل أن تسقط.
همست لنفسها بمرارة:
_كنت عارفة...كنت عارفة إنِّ ده هيكون ردُّه...بس ماما قالت آخده بالراحة...أعمل إيه دلوقتي؟
دلف يوسف إلى مكتبه، وأغلق الباب خلفه بعنف.
بدأ يدور في المكان كوحشٍ حُبس داخل قفصٍ ضيِّق.
كلَّما حاول أن يهدأ، عاد اسم نور يطرق رأسه كالمطرقة.
توقَّف فجأة، وأسند كفَّيه إلى المكتب يلهث..ثم جلس ببطء، وكأنَّ جسده لم يعد يقوى على حمله.
خرج صوتٌ داخله، قاسيًا...لا يرحم:
_إنتَ مضَّايق ليه؟
أغمض عينيه بقوة..لكن الصوت لم يتوقَّف.
_خايف...
قبض على حافَّة المكتب حتى ابيضَّت مفاصله:
_خايف تقرَّب منه...وتبعد عنك؟.
هزَّ رأسه بعنف، كأنه يحاول إسكات ذلك الصوت.
_ولَّا خايف إنَّها تكتشف إنها تقدر تعيش من غيرك؟
ارتعش صدره...ووضع كفِّه فوق قلبه الذي كان يخفق بعنفٍ مؤلم..لأوَّل مرَّة...
يخشى أن يخسر المرأة الوحيدة التي جعلته يشعر أنَّ للحياة معنى..
احتوى رأسه وانقبض صدره:
_هتفضل لحدِّ إمتى عايش أسير خوفك من بكرة؟
ظلَّ صامتًا، بينما كان الصوت داخله ينهشه:
_لازم تثق فيها...ولو في يوم قرَّرت تمشي، متبقاش أناني وتمسكها جنبك لمجرَّد إنك بتحبَّها..من حقَّها تبقى أم...من حقَّها تعيش الحياة اللي بتحلم بيها، ليه دلوقتي عايز تحرمها من حقَّها؟ سيبها تحقَّق أحلامها... واتعلم تتقبَّل قدرك، لأنك لو فضلت تحارب نفسك بالطريقة دي، مش هتكسب غير الوجع.
أغمض عينيه بقوة، وكأنَّ الكلمات صفعات متتالية..في تلك اللحظة..انفتح الباب بهدوء، رفع رأسه سريعًا، يمسح آثار ضعفه قبل أن تراها.
رأت ارتجاف أنفاسه...والانكسار المختبئ خلف عينيه.
اقتربت دون أن تنطق بحرف، وجلست فوق ساقيه، ثم لفَّت ذراعيها حول عنقه، تنظر إليه طويلًا:
_خلاص...متزعلش.
ابتسمت ابتسامة حزينة، تخفي بها وجعها:
_هعتذر عن الشغل...وهبعد عن نور خالص..لا، كمان مش هكمِّل في المشروع كلُّه، لو ده هيريَّحك.
ظلَّ ينظر إليها بصمت.
كان قلبه يصرخ..وافق.
أمَّا عقله...فكان يصفعه.
تنهَّد بوجع، ثم همس بصوتٍ بالكاد خرج:
_أنا بغير يا ضي...
ارتجفت ملامحها.
_مش عارف أعمل إيه...كلِّ ما أحاول أنسى إنِّك اتخطبتي لراجل غيري...وإن في يوم كنتِ قاعدة مع واحد لوحدكم...
ضغط على صدره بكفِّه:
_عقلي بيقول انسي...
ثم رفع عينيه إليها:
_بس قلبي...مش قادر.
لم تدعه يكمل.
انحنت تقبِّله قبلة طويلة مرتجفة، وانسابت دموعها فوق وجنتيها.
ابتعدت هامسة:
_آسفة يا حبيبي...والله عارفة إنِّي غلطت..بس وقتها كنت موجوعة... وإنتَ السبب...ابتسمت بألم:
_مكنش علشان عجبني حد...ولا علشان كنت عايزة غيرك...أنا عمري ما شفت غير يوسف.
وضعت كفَّها على صدره:
_لو سمحت...انسى الموضوع ده... خلاص، مش هشتغل...ولا هحقَّق أي حلم لو هيكون تمنه وجعك.
أغمض عينيه، ثم جذبها بقوة بين ذراعيه:
_لا...
همس بها سريعًا:
_أنا اللي آسف...اتعصبت عليكي غصب عني.
داعب وجنتها بطرف أنفه، ثم ابتسم ابتسامة حزينة..لمست وجنتيه قائلة:
_غيران...
ضحك بخفَّة وهو يهزُّ رأسه:
_وده مش من حقِّي؟.
ابتسمت وسط دموعها:
_بالعكس...ده حقَّك.
ثم همست:
_وأنا آسفة.
ابتعد قليلًا، يمسك وجهها بين كفَّيه:
_كمِّلي شغلك.
اتَّسعت عيناها بدهشة.
_أنا مستحيل أمنعك من حلمك...لكن لو بتحبِّيني فعلًا، خلِّي بينكم وسيط. مش عايز أي اجتماع يكون بينكم لوحدكم...وتعاملك معاه يبقى في حدود الشغل وبس.
شهقت بفرحة، ثم ألقت نفسها داخل أحضانه:
_أنا بحبَّك أوي...أوي يا يوسف.
ضمَّها إليه حتى كادت تختفي بين ذراعيه، ثم همس بجوار أذنها:
_طيب...مش المفروض جوزك ياخد مكافأة؟
دفنت وجهها في صدره وهي تضحك، ثم ضربته بخفَّة:
_إحنا نايمين الصبح يا دكتور!
وضع إصبعه على شفتيها:
_ششش...متخلنيش أرجع في كلامي.
هزَّت رأسها بسرعة وهي تضحك:
_لا لا...خلاص...هوَّ أنا مقولتش إنك وحشتني؟
رفع حاجبه بمكر:
_لا والله...نقِّيتي بس.
دفنت وجهها أكثر في صدره، وتعالت ضحكاتها.
ربت على ظهرها، ثم همس:
_طيب...كده مينفعش، لازم نكمِّل كلامنا فوق...الشغَّالين رجعوا، وإنتِ عارفة لو حد شافنا هيحصل إيه.
قفزت من فوق ساقيه فجأة:
_طب خلِّي واحدة منهم تبصِّ عليك بس...وأنا أقلعها عينيها.
انفجر ضاحكًا، ثم أشار بعينيه ناحية السلَّم:
_نطلع...ولَّا نكمل هنا؟
وقبل أن تجيبه...
رنَّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم رفع بصره إليها بحسرةٍ مصطنعة:
_حاسس إنِّ أبويا حاططلي جهاز تتبع.
ضحكت..ففتح الخط:
_صباح الخير يا باشا.
جاءه صوت إلياس ساخرًا:
_صباح إيه يا دكتور؟ الساعة أربعة العصر.
نظر إلى ساعته، ثم قال بجدية مصطنعة:
_قول والله...يبقى ساعتي متأخَّرة.
_خمس دقايق وتكون عندي يا كبير العيلة..
خلِّيك نايم جنب الهبلة..قالها، وأغلق الخط.
زفر يوسف وهو ينظر إليها:
_شوفتي؟ قولتلك بيراقبني..معرفش الراجل دا جوز أمِّي.
ثم أشار إليها وهو يتَّجه للخارج:
_هروح أشوف عايز إيه...وإنتِ تكوني اخترتي بدلة رقص محترمة.
اتَّسعت عيناها بصدمة:
_والله لأتصل بعمُّو إلياس وأسأله هوَّ بنفسه عن نوع البدلة.
قهقه وهو يدفعها برفقٍ بعيدًا:
_اعمليها...وأنا هقول له إنِّك عايزة واحدة هندي..ثم غادر سريعًا قبل أن تلحق به.
طرق باب مكتب والده، ثم دخل.
جلس أمامه في هدوء.
رفع إلياس رأسه عن الأوراق:
_إيه اللي حصل بين بلال ورولا؟
هزَّ يوسف كتفيه:
_معرفش...بلال مقاليش حاجة.
نهض إلياس ببطء، واتجه نحوه..
وقف أمامه مباشرة، وعيناه تخترقان وجهه:
_مش عيب تبقى دكتور...وكبير العيلة، وتكدب على أبوك؟
ابتسم يوسف ببرود:
_ومش عيب ندخَّل في حياة الناس الخاصَّة؟ حضرتك لسه بتعاملنا كأنِّنا عيال.
ضربه على كتفه ضربة قوية:
_إنتَ متخلِّف.
ثم أكمل بانفعال:
_هيَّ مشاكلكم دي مش بتخصِّ العيلة كلَّها يا كبير العيلة؟
اعتدل يوسف وهو ينظر إليه:
_أنا كبير على نفسي بس يا بابا...وحياة غيري الخاصَّة مليش دعوة بيها.
انحنى إلياس حتى صار وجهه مقابل وجه ابنه:
_قدَّامك لحدِّ المغرب...لو موضوع بلال ورولا متحلِّش...
قاطعه يوسف بسرعة وهو يرفع يده مستسلمًا:
_طيب...ينفع نخلِّيها الساعة اتناشر بالليل يا جنرال؟
ظلَّ إلياس ينظر إليه لثوانٍ...
ثم اشار إليه بالخروج، تحرَّك دون حديث..
رفع هاتفه، ثم ضغط على اسم بلال:
_إنتَ فين؟
جاءه صوت بلال من الطرف الآخر:
_في الطريق...مروَّح.
_عدِّي عليَّ الأول...عايزك في موضوع مهم.
ساد صمتٌ قصير، قبل أن يجيبه:
_تمام...عشر دقايق وأكون عندك.
بقصر الجارحي...
كانت شمس تجلس في الحديقة، لا تحيد عيناها عن صغيرها تميم، تتابع المربية وهي تعتني به.
اقتربت منها دينا، وما إن رأت تعلُّق نظراتها بطفلها حتى ابتسمت بحنان:
_شمس...لسه مجهزتيش؟
التفتت إليها، ثم عادت تنظر إلى تميم:
_مش قادرة أخرج وأسيبه يا طنط... وحمزة بيقول مينفعش ناخده معانا.
جلست دينا بجوارها، ثم أمسكت بكفِّها برفق:
_يا حبيبتي...تميم أغلى من روحنا كلِّنا، تفتكري ممكن حد في البيت يقصَّر معاه؟
هزَّت رأسها بالنفي، لكن عينيها بقيتا معلَّقتين بطفلها:
_عارفة...بس قلبي مش مطاوعني.
ربتت دينا على كتفها بحنانِ الأم:
_ده طبيعي...أوَّل طفل بيبقى قطعة من قلب أمُّه..بس صدَّقيني، لو فضلتِ حابسة نفسك معاه، هتتعبي إنتِ وهوَّ.
ثم ابتسمت وهي تدفعها برفق:
_قومي بقى...جهِّزي نفسك، زمان حمزة على وصول، ومتخليهوش يحسِّ إنِّ كل اهتمامك بقى لتميم.
ابتسمت شمس بخجل:
_بس حمزة متفاهم أوي.
ضحكت دينا:
_آه متفاهم...بس في الآخر راجل، والراجل مهما قال إنُّه فاهم، بيفرح لمَّا يلاقي مراته لسه بتستقبله بنفس اللهفة اللي كانت قبل الأطفال.
خفضت شمس رأسها وهي تبتسم بخجل.
_يلَّا يا شمس...النهاردة عايزة أشوف القمر منوَّر القصر.
تردَّدت للحظات، قبل أن تنهض، لكن دينا أمسكت بذراعها، ثم أشارت إلى إحدى الخادمات:
_خلِّي عزة تطلع جناح حمزة، تساعد شمس هانم في اللبس.
توقَّفت شمس سريعًا:
_لا...مالوش لزوم. أنا هجهز لوحدي.
ابتسمت دينا وهي تسحبها معها:
_دي مسؤولة عن العناية الشخصية يا حبيبتي...وجودها شغلها، مش رفاهية.
حاولت شمس الاعتراض مرَّةً أخرى:
_بس يا طنط...
توقَّفت دينا أمامها، تنظر إليها بحنان:
_شمس...أنا قبل ما أبقى دينا الجارحي، كنت بنت موظَّف بسيط، لا كنت من طبقة أرستقراطية، ولا عشت الحياة دي.
ابتسمت وهي تستعيد ذكرياتها:
_كنَّا ساكنين في حي متوسِّط...وكلِّ اللي كنت بحلم بيه بيت صغير مستور.
ثم أشارت حولها إلى القصر:
_بصِّي دلوقتي...دي كلَّها نعم من ربِّنا.
نظرت إليها شمس باهتمام:
_أنا فاهمة يا طنط...بس بابا عمره ما خلَّاني أحس إنِّي أعلى من حد.
ربتت دينا على وجنتها:
_وده لأن إلياس الشافعي ربَّى بنته صح.
ثم أكملت بابتسامةٍ دافئة:
_وأنا مش بقولِّك تعملي كده علشان تبقي مرات حمزة الجارحي...أنا عايزاكي تعملي كده لأنِّك شمس بنت إلياس الشافعي...البنت اللي تستحق تبقى في أجمل صورة دايمًا.
تأمَّلت كلماتها لثوانٍ، ثم ابتسمت أخيرًا:
_هحاول.
ربتت دينا على كتفها، في اللحظة التي اقتربت فيها فتاة في أوائل الثلاثينات..
أشارت إليها قائلة:
_خلِّيكي مع شمس هانم...ومش عايزة أي تقصير.
_تحت أمرك يا دينا هانم.
في تلك اللحظة...دلفت سيارة عمران للداخل..
التفت الجميع نحو البوَّابة الرئيسية.
دخلت سيارة عمران، لتَّتجه شمس إلى الداخل، بينما سارت دينا بخطواتٍ سريعة نحوه.
ترجَّل عمران من سيارته، نازعًا نظَّارته الشمسية وواضعًا إياها فوق خصلات شعره، وما إن وقعت عيناه على دينا حتى اتَّسعت ابتسامته:
_دينا هانم الجارحي...
فتح ذراعيه بمشاكسة:
_وحشتيني.
ضحكت وهي تتقدَّم نحوه، فضمَّهما عناقٍ طويل:
_وإنتَ كمان وحشتني أوي يا حبيبي.
ابتعد عنها قليلًا، يقبِّل رأسها:
_عاملة إيه يا ماما؟
ربتت على خدِّه بحنان:
_بخير طول ما ولادي بخير.
ثم نظرت إليه بعتاب أم اشتاقت لابنها:
_كده يا عمران؟ قولت أسبوعين... غبت شهرين كاملين.
ابتسم وهو يحكُّ مؤخرة عنقه بخجل:
_خلاص بقى يا دينا...هوَّ أنا لسه طفل؟
ضيَّقت عينيها وهي تضربه بخفَّة على ذراعه:
_آه...وهتفضل طفل، حتى لو شعرك كلُّه شاب.
ضحك بصوتٍ عالٍ، ثم احتضنها مرَّةً أخرى، وقال:
_إسحاق عامل إيه اتجوز تاني ولَّا لسة؟.
لكزته ضاحكة، ثم أشارت إلى تميم:
_شوفت تميم باشا، ولَّا لسة؟.
أشارت دينا لمربيته:
_هاتي تميم باشا.
حمله وهو يتمتم:
_بسم الله ماشاء الله، تميم باشا منوَّر الدنيا.
قالها وطبع قبلة فوق جبينه يتطلَّع إليه بتركيز:
_شبه حمزة أوي.
أومأت والدته:
_أيوة...واخد من والدته بردو.
_ربِّنا يبارك له فيه ويحفظه.
نظر للصغير وابتسم:
_هديِّتك محفوظة يا باشا.
ضحكت دينا:
_أيوة يعني إيه الهدية، ولَّا هتضحك علينا.
أشار للمربية بالمغادرة، وجلس وهو يحمله:
_جميل أوي يا ماما، أكيد حمزة فرحان بيه أوي.
_أوي...أوي، ابنه وأوَّل فرحته، وباباك بقى اللي ما بقاش يخرج بسبب الباشا الصغير.
رفع كفَّه يقبِّله ويضحك:
_إيه يا باشا مسيطر من دلوقتي.
في تلك اللحظة دلفت سيارة إسحاق بحرسه، ترجَّل من سيَّارته بهيبته الطاغية وأشار للحرس بأماكنهم، ثم توجَّه إلى جلوس دينا وعمران:
_حمد الله على السلامة يا دكتور، مالسة بدري.
_حبيبي يا إسحاق، عارف إنِّي وحشتك، ومكنتش عارف تتصرَّف من غيري.
رمقه بنظرةٍ مستخفَّة، ليقترب عمران يضمُّه ضاحكًا..
دفعه بخفَّة، وانحنى يتلقَّى حفيده من بين أيدي دينا:
_أنا جاي لحفيدي، مش لحدِّ تاني.
بمنزل كريم..
دلفت سدن إلى المنزل بجوار آسر، وخطواتها سريعة تعكس الغضب الذي يملأ ملامحها..ما إن رأتهما إيمان حتى اقتربت منهما بقلق:
_مالك يا حبيبتي؟
ألقت سدن نظرة حادَّة نحو آسر، ثم أعادت بصرها إلى والدتها وقالت ببرود:
مفيش يا ماما.
أنهت كلماتها وصعدت الدرج دون أن تنتظر ردًّا.
تنهَّد آسر وهو يتابعها بعينيه، ثم التفت إلى إيمان بابتسامةٍ خافتة:
_كانت عايزة فستان للخطوبة مكشوف شوية...وأنا رفضت، ده كلِّ الموضوع.
ربتت إيمان على ذراعه بحنان:
_معلش يا حبيبي...سدن طبعها صعب شوية، غير آسيا، كنت أعرف أقنعها، إنما سدن...لمَّا بتحط حاجة في دماغها بتعملها.
ابتسم بثقة وقال:
_متقلقيش يا عمِّتو...هعرف أتعامل معاها.
تأمَّلته إيمان للحظات، ثم سألته بهدوء:
_إنتَ بتحبِّ سدن يا آسر؟
في تلك اللحظة، كانت آسيا قد وصلت. توقَّفت خلفه مباشرة، وصمتت تستمع، تنتظر إجابته دون أن يشعر بوجودها.
ابتسم آسر ابتسامة هادئة وقال:
_سدن بنت طيِّبة...والطيبة دي تتحب، وأنا بحبِّ البنت البريئة اللي قلبها نضيف..يمكن دلوقتي عصبية ومندفعة، لكن مع الوقت هتهدى وتعقل...ومش هتبقى أصعب من رولا.
ارتسمت ابتسامة ارتياح على وجه إيمان:
_ربِّنا يسعدكم يا حبيبي.
_اللهمَّ آمين.
اعتدل واقفًا:
أنا همشي دلوقتي، وإن شاء الله بكرة نعمل حفلة بسيطة على الضيَّق...لحدِّ ما القضية تخلص.
_تمام يا حبيبي.
في تلك اللحظة تقدَّمت آسيا، وقالت بهدوء:
_مساء الخير.
التفت إليها آسر، توقَّفت عيناه عليها لثانيةٍ واحدة، لكنَّها كانت ثانية باردة، خالية من أي تعبير، لم يرد التحيَّة، وأعاد نظره إلى إيمان وكأنَّ وجود آسيا لم يكن:
_لو احتاجت أي حاجة...خلِّيها تتِّصل بيَّا.
أنهى حديثه، ورمق آسيا بنظرةٍ خاطفة يصعب تفسيرها، ثم استدار وغادر.
ظلَّت إيمان تتابع خروجه بعينينِ مثقلتينِ بالقلق، حتى اختفى خلف الباب.
اقتربت منها آسيا:
_ مالك يا ماما؟
زفرت إيمان ببطء وقالت:
_معرفش...قلبي مش مطمِّن، خايفة من قرارات أختك السريعة..مش عايزة أخسر أخويا بسببها.
ابتسمت آسيا محاولةً طمأنتها، وربتت على كتفها:
_متخافيش يا مامي، سدن بتحبِّ آسر...وبعدين آسر شخصيته قوية، وهيعرف يحتويها ويتعامل معاها.
هزَّت إيمان رأسها بتردُّد:
_مش حاسة بحبُّه معرفش ليه، وده اللي مخوِّفني...آسر شخصيِّته مسيطرة، وسدن مبتحبش حد يفرض عليها حاجة، إنتِ ناسية عملتوا فينا إيه زمان بعنادكم؟
ابتسمت آسيا ابتسامة باهتة، تخفي خلفها الكثير من الذكريات:
_الناس بتتغيَّر يا ماما...والسنين بتعلِّم.
ثم استدارت متَّجهة إلى غرفتها، ولوَّحت بيدها قائلة:
أنا طالعة أنام...ومحدش يصحِّيني.
قبل أن تغادر، أوقفتها كلمات والدتها، كأنها يدٌ خفية جذبت قلبها للخلف..
_مش حاسَّة إنُّه بيحبِّ أختك معرفش ليه
توقَّفت آسيا لثانية...ثانية واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتتصدَّع فيها كل القوَّة التي كانت تتظاهر بها.
لم تلتفت، ولم تُجب.
صعدت الدرج بخطواتٍ بطيئة، وكأنَّ كلَّ درجةٍ تثقلها ألفُ ذكرى معه، وصلت إلى غرفتها..أغلقت الباب خلفها برفق، ثم أسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها.
انسلَّت دمعة ساخنة فوق وجنتها..
همست لنفسها بصوتٍ مرتجف:
هتعملي إيه يا آسيا، هتسيبيه يلعب بمشاعر أختك..ولَّا هتوقفي الجوازة دي قبل ما تتم؟
ضحكت ضحكة مكسورة، ثم هزَّت رأسها بيأس:
_وهمنعها إزاي؟...وسدن بقت شايفة الدنيا كلَّها فيه...بتحبُّه بجنون.
أغمضت عينيها بقوة، تهمس:
_ربِّنا يسامحك يا ابن خالي...يا ريتك ما قرَّبت منِّي من الأساس.
سارت بخطواتٍ متعبة نحو الفراش، ثم ألقت بجسدها فوقه كما هي، حتى لم تجد في نفسها قوة لتبدِّل ملابسها،
أغمضت عينيها...
وهربت إلى النوم.
في وسط سكون حلمها...
شعرت بأنامله تمسح على وجنتها برقَّة، ثم اقترب بوجهه منها، وطبع قبلة دافئة فوق شفتيها.
وهمس بصوته الرجولي :
_حبيبتي...اصحي بقى، ده كلُّه نوم؟
فتحت عينيها ببطء..كان أمامها.
وجهه يبتسم لها بعشقه الذي تنطقه عيناه قبل شفتيه
احتضن وجهها ، وعيناه لا تريان في الدنيا سواها:
_صباح الخير يا حبيبة آسر.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة غابت عنها منذ فترة، أمسكت كفِّه بكلتا يديها، وقبَّلته برقَّة:
_صباح الخير...يا حبيبي.
انحنى إليها، فاختفت المسافات بينهما، وعانقت ذراعاها عنقه بكلِّ الشوق الذي دفنته..
ضمَّها بقوة، وأراح جبهته فوق جبهتها، بينما عيناه تخبرانها بكلِّ الكلمات التي لم تُقال..واحتضن شفتيها يبثُّ فيها كمِّ العشقِ الذي يشعر به، قبلاته وهمساته جعلت قلبها
يصرخ بالنبض..
وفي اللحظة التي شعرت فيها أنَّ قلبها عاد ينبض بالحياة...اختفى.
انتفضت آسيا من نومها فجأة.
شهقة حادَّة خرجت من صدرها، وجسدها كلَّه يرتعش بعنف، وعيناها تدورانِ في أنحاء الغرفة بجنون.
لا أحد...الغرفة كما هي...
رفعت يدها المرتجفة إلى شفتيها...
كأنَّها ما زالت تشعر بدفء تلك القبلة التي لم تحدث إلَّا في حلمها..
عندها فقط انهارت.
ضغطت بكفَّيها فوق فمها بكلِّ قوتها، تحاول أن تخنق صوت شهقاتها حتى لا يسمعها أحد..لكن الألم كان أقوى.
انفجرت دموعها بلا رحمة، تبكي بحرقة امرأة رأت في حلمٍ حياةً كاملة...ثم استيقظت لتجد الحقيقة تنتظرها ببرودها القاسي.
هو لم يعد لها...لم يعد حتى حبيبًا ضائعًا.
أصبح خطيب أختها...
وأصبحت هي مطالبة أن تبتسم، وتبارك، وتدفن قلبها حيًّا...وكأنَّها لم تحبُّه يومًا.
مساء اليوم التالي..
انتهت من وضع لمساتها الأخيرة أمام المرآة، كان الفستان الأسود يلتفُّ حول خصرها بانسيابية، يبرز أنوثتها الهادئة دون مبالغة..حدَّقت في انعكاسها طويلًا، كأنَّها تبحث عن امرأة أخرى غير التي تقف أمامها.
أغمضت عينيها بقوة، وسحبت نفسًا مرتجفًا:
_مش بتحبِّيه...إنتِ مش بتحبِّيه.
ردَّدت الجملة مرَّة...ثم أخرى...حتى فقدت معناها، بينما قلبها يصرخ بعكسها.
فتحت عينيها، رسمت ابتسامة باهتة لا تشبهها، ثم استدارت وغادرت الغرفة.
بالأسفل...
امتلأ المنزل بالأهل والأقارب، وتعالت موسيقى هادئة..
في منتصف القاعة، وقفت العروس بفستانها الأحمر، تشعُّ سعادة، وإلى جوارها رولا وضي يتبادلن الضحكات.
جالت عينا رولا تبحث عنها:
_فين آسيا يا سدن؟
أشارت سدن نحو الطابق العلوي:
_بتجهز...أصلها لسه راجعة من الشغل.
في تلك اللحظة..ظهرت على الدرج..
ما إن رفعت رأسها حتى توقَّفت خطواتها فجأة.
كان يقف..يتحدَّث مع بلال، يضحك بصوتٍ مرتفع، وكأنَّ قلبًا لم يتحطَّم بين يديه.
شعرت بشيءٍ يهبط فوق صدرها بثقلٍ مؤلم..لأوَّل مرَّة...تبغض رؤيته.
لأوَّل مرَّة تتمنى لو يختفي من المكان، لو يمحوه القدر من أمام عينيها، حتى لا تضطر إلى مقاومة ذلك الوجع الذي يعود كلَّما رأته.
ابتلعت غصَّتها، ورفعت رأسها بكبرياء، ثم أكملت نزولها بخطواتٍ ثابتة، تخفي ارتجاف روحها خلف هدوءٍ مصطنع.
مرَّت بجواره...
وصوته وهو يضحك اخترق أذنيها كالسهم.
أغمضت عينيها للحظة، وهمست داخلها بمرارةٍ مزَّقت قلبها:
_غبية...فضل وراكي لحدِّ ما خلَّاكي تصدَّقيه...وفي الآخر راح خطب أختك...قذر.
انتبهت لها رولا، فاتَّسعت ابتسامتها:
_أخيرًا البرنسيسة وصلت.
ابتسمت آسيا ابتسامة صغيرة بالكاد وصلت إلى شفتيها:
_آسفة...كان عندي شغل مهم.
وصل صوتها إليه..
التفت إليها دون إرادة.
وقعت عيناه عليها..تجمَّد للحظة..
انسابت نظراته عليها رغماً عنه.
الفستان الأسود احتضن قوامها برقَّة، وشعرها المنسدل زادها فتنة، أمَّا ملامحها...فكانت جميلة على نحوٍ أغضبه.
اشتدَّ فكَّه حتى برزت عروقه..
قبض على كفِّه بقوة، وكأنَّه يحاول كبح شيء يثور داخله.
كره ذلك الفستان...وكره كلَّ رجلٍ قد تقع عيناه عليها وهي بهذه الهيئة.
لكن أكثر ما كرهه...
أنه لم يعد يملك أي حقٍّ في أن يغضب عليها.
بعد قليل، جلس آسر إلى جوار سدن استعدادًا لإلباسها الدبلة.
مدَّت إيمان علبة المجوهرات إلى آسيا.
_ساعديهم يا حبيبتي.
أومأت بصمت، وأخذت العلبة بين يديها, كانت أصابعها ترتجف رغم محاولتها إخفاء ذلك، ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها..
اقتربت منهما، وتوقَّفت إلى جواره.
فتحت العلبة، وأخذت تخرج قطعةً تلو الأخرى، تضعها في يد آسر دون أن ترفع عينيها إليه.
كلُّ قطعة كانت كأنَّها تنتزع شيئًا من قلبها.
حتى وصلت إلى دبلة الخطوبة...
ناولتها له، فرفعت سدن رأسها إليه بعناد:
_مش عايزة ألبسها...ليه مبتسمعش الكلام؟
ابتسم آسر محاولًا إرضاءها، بينما ابتعدت آسيا خطوةً للخلف، تمنحهما مساحةً لحديثهما...ومساحةً تهرب فيها من وجعها.
اقتربت منها رولا وهمست وهي تتابع آسر:
_ شوفتي يا بت، أخويا عريس زي العسل.
لم تُجب.
كانت عيناها معلَّقتين بوجه شقيقتها فقط، تقرأ في ملامحها كل ابتسامة.
وللحظة..شعرت بحزنٍ مرَّ سريعًا على وجه سدن، ولكن دنا آسر وهمس لها ببعض الكلمات ليبدِّد حزنها بكلمةٍ لم تسمعها.
ثم..ارتفع التصفيق.
وانطلقت الموسيقى معلنةً لحظة إلباس الدبلتين.
اختلطت الزغاريد بالسعادة، وتزاحم الجميع حول العروسين للتهنئة.
إلَّا هي...بقيت في مكانها.
تراقب ابتسامة أختها، وفجأةً..حاوطت سدن عنق آسر، توقَّف على حركتها، تنظر إليه بابتسامةٍ بريئة، تنتظر أن يقبِّلها، ابتعد قليلًا يهمس إليها:
_سدن الناس بتبصِّ علينا.
كانت آسيا تقف تراقبهم بصمتٍ موجع، دقَّقت النظر إلى أختها في محاولة قربها من آسر، علمت من قربها ماذا تريد..هنا شعرت أنَّ شيئًا بداخلها قد انتهى إلى الأبد.
مدَّ آسر يده إلى سدن:
_يلَّا...نرقص، ودي كمان علشان متزعليش.
تقدَّمت سدن منه على مضض بينما وقفت رولا بجوار آسيا تتأمَّلها طويلًا:
_فيه حاجة حصلت معاكي؟
التفتت إليها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_نور...عايز يتقدملي.
قطبت رولا حاجبيها:
_نور مين؟
أشارت آسيا بعينيها نحو ضي.
اتَّسعت عينا رولا بدهشة:
_أكيد مش هتوافقي..دا يوسف يولَّع فيكي وفيه، دا أكيد مجنون!!.
تنهَّدت آسيا:
_أنا أصلًا مفكَّرتش في الموضوع.
ظلَّت رولا تحدِّق فيها للحظات:
_يعني...ده اللي مضايقك؟
هزَّت آسيا رأسها في صمت، دون أن تزيد حرفًا.
وفي تلك اللحظة..دخل نور بصحبة والدته.
توجَّه مباشرةً نحو يزن، وهو يبتسم:
_ألف مبروك.
نظر يزن إلى سارة باستفهام..
ابتسمت بهدوء:
_آسيا عزمت نور...وهوَّ أصر إنِّي آجي معاه.
أومأ يزن دون تعليق، وأشار إليهما بالدخول.
في الجهة الأخرى...
نهض إلياس لاستقبال سارة حتى يسيطر على الوضع.
كانت ميرال تراقب المشهد بصمت.
توقَّفت عيناها عند المرأة التي يقف معها زوجها، ولاحظت ابتسامته الهادئة وهو يتحدَّث إليها..ثم انضمَّ إليهما أرسلان.
اشتعل الفضول داخلها..
مالت على يوسف وهمست:
_تعرف الستِّ اللي واقفة مع خالك وعمَّك دي؟
هزَّ يوسف رأسه بمكر:
_لا...بس شايف اللي واقفة مع بابا؟
رمقته بنظرةٍ حادَّة:
_يوسف...مين الستِّ دي؟
ابتسم وهو يهزُّ كتفيه:
_معرفش...بس شوفتها مرَّة عند بابا.
اتَّسعت عيناها:
_عندنا في البيت؟!.
أومأ برأسه.
وفي تلك اللحظة، وصلت ضي إليهما.
_يوسف...تيجي نخرج مع العرسان بعد الخطوبة؟
_تمام.
لكن ميرال لم تعد تسمع شيئًا.
كانت ترى فقط..سارة تقترب من إلياس، وابتسامتها الواثقة أشعلت نار الغيرة داخلها.
تحرَّكت نحوه بخطواتٍ سريعة..
توقَّفت بجواره، ثم تشبَّثت بذراعه مع تحرُّك سارة مع نور في اتجاه إيمان.
_مين الستِّ دي؟
نظر إليها إلياس، وصمت لثوانٍ، يبحث عن إجابة لا تفتح عليه أبواب الأسئلة.
لفَّ ذراعه حول خصرها، وقال بابتسامةٍ واسعة:
_سيبك من كلِّ ده...تعالي نرقص مع العرسان.
شهقت وهي تنظر إليه:
_إنتَ بتهزَّر...صح؟
لم يجبها..سحبها معه حتى وصلا إلى جوار آسر وسدن..
_خدوني جنبكم يا ولاد.
ضحك آسر..أحسن عمُّو يرقص.
ضحك إلياس وهو يلوِّح بيده:
_بس يلا..هوَّ أنا بعرف أرقص، أنا بس بفرَّح عمِّتك.
انفجرت ميرال ضاحكة، ودفنت وجهها في صدره.
كان يعلم جيِّدًا...أن أفضل طريقة لإخماد غيرتها، هي أن يجعلها محور اهتمامه كلِّه.
في الجهة المقابلة...
عقد أرسلان ذراعيه وهو يتابع المشهد بابتسامةٍ خفيفة، وقف يوسف بجواره:
_هوَّ بابا بيعمل إيه يا عمُّو؟
ابتسم أرسلان:
بيرجَّع شبابه يا حبيب عمَّك.
ضحك يوسف، ثم جذب يد ضي واتَّجه إلى والده:
_منوَّر يا باشا...هنلاقي مكان جنبك، ولَّا إحنا كبرنا على الرقص؟
رفع إلياس حاجبه:
_بتحطِّ راسك براس أبوك يا دكتور؟
ضحك يوسف:
_راس إيه بس، هوَّ أنا عجِّزت زيك؟ أنا لسه شاب وعايز أفرح.
قاطعتهم ضي وهي تضحك:
_هترد مامتك وتقول إنُّه أصغر منك... وأنا بصراحة معاها طنط ميرال.
لم ينتظر إلياس ثانية.
أمسك يد ميرال وغادر بها القاعة كلَّها.
إلياس..استنى! هقول ليزن.
لكنَّه لم يلتفت، وكأنَّه قرَّر أن يبعدها عن أي شيء قد يثير شكوكها.
ابتسم أرسلان وهو يتابع انسحابه:
_معلِّم من يومك يا ابن السيوفي.
ابتسم يزن وهو يهزُّ رأسه:
_لو ماعملش كده...يوسف وميرال كانوا هيفتحوا عليه تحقيق لحدِّ الصبح.
صمت أرسلان لحظة، ثم نظر نحو سارة التي كانت تتحدَّث مع إيمان وآسيا.
ضاقت عيناه:
_إيه اللي جاب الستِّ دي هنا دلوقتي؟
أجابه يزن بهدوء:
_آسيا هيَّ اللي عزمت نور...وسارة جات معاه.
ظلَّ أرسلان يراقب سارة التقت فيها نظراتهما...شعر أنَّ في عينيها شيئًا لم يعجبه.
تحدِّيًا...واستفزازًا...
وكأنَّها جاءت لهدفٍ لا يعرفه بعد.
عاد بنظره إلى يزن وقال بصوتٍ منخفض:
الستِّ دي مش مرتاح لها...نظراتها كلَّها تحدِّي.
أخذ يزن نفسًا طويلًا، ثم قال بهدوء:
وجودها ميهمِّنيش...اللي يهمِّني فعلًا هوَّ رد فعل ميرال، أنا كراجل...مش متقبِّل إنَّها تكون قريبة من إلياس بالشكلِ ده، حتى لو مفيش بينهم أي حاجة.
كانت تجلس بعيدًا عن الجمع، اتَّجه إليها نور وجلس بجوارها:
_قاعدة لوحدك ليه؟.
_مفيش مصدَّعة، نظرت لسارة وتساءلت:
_اللي هناك دي والدتك مش كدا؟.
شوفتها مرَّة يوم خطوبة ضي.
ذهب بعينيه تلقائيًا على ضي التي تقف بين ذراعي يوسف تستند برأسها على صدره.
نظرت آسيا للذي ينظر إليه، ثم عادت تنظر إليه:
_بيحبُّوا بعض جدًّا على فكرة، ولمَّا وافقت على الخطوبة كانت بتغيظه.
التفت إليها وهزَّ كتفه بالامبالاة:
_ربِّنا يسعدهم.
دقَّقت النظر إليه:
_إنتَ خطبت ضي علشان حبِّتها فعلًا؟.
_ممكن ما نتكلِّمش في الموضوع دا؟.
_تمام.
قالتها وذهبت بنظرها لرقص أختها وآسر.
_لو قولت لك نرقص هتوافق؟.
_تعبانة حقيقي ما ليش خلق، انتهت رقصة آسر وسدن، نهضت من مكانها مقتربةً منهما..
نظر إليها آسر ثم إلى نور فقال:
_مفيش مبروك يا أفريقيا..
مبروك يا متر، بالرفاء والبنين إن شاء الله.
ابتسمت سدن قائلة:
_هتفضلوا توم وجيري لحدِّ إمتى؟.
رمقته بنظرةٍ مستخفَّة، ثم تحرَّكت من أمامهما، تابعها وهي تتحرَّك متَّجهةً إلى وقوف ضي ورولا:
_آسر متزعلش منها، هيَّ طيبة والله بس معرفش بتضايق منك ليه!.
_مش زعلان، بالعكس بحبِّ أشاكسها.
_أيوة ما أنا واخدة بالي، أقولَّك سر؟.
رفع حاجبه ينظر لأفعالها الطفوليَّة:
_قولي يا فتنة.
ضحكت بصوتٍ مرتفع ثم اقتربت منه:
_راسمة صورتك في أتيليه ضي، وكاتبة عليك شمشون.
توسَّعت عيناه فبصق لفظًا يسبُّها، طالعته سدن مذهولة ممّّا قاله:
_إيه اللي بتقوله دا عيب!.
_وسَّعي يا ختي كدا، قال عيب، قالها وتحرَّك متَّجهًا إلى وقوفها، وصل إليهم، توقَّف بجوار رولا:
_عاملة إيه يا أمِّ يوسف؟.
احتضنت ذراعه:
_بيسأل على خالو، بيقولُّه جاي الحفلة متأخَّر ليه يا خالو؟.
_كنت بجيب فستان لأفريقيا.
التفتت تنظر إليه.
_عجبك الفستان يا أفريقيا، حلو صح، أهو يغطي ديفوهاتك.
لكزته رولا:
_إنتَ بتقول إيه يا بني؟!.
_ما ترديش عليه يا رولا، ليس على المتخلِّف حرج.
_بالظبط يا أفريقيا..يعني ممكن أعمل حاجات أستغفر الله العظيم ومحدش يقولِّي بتعمل إيه.
_هههه، ظريف يا خطيب أختي.
_تعلَّمته منك يا أخت خطيبتي.
_هروح عند بلال ويوسف، على الأقل مفيش متخلِّفين هناك...قالتها وتحرَّكت بفستانها الذي يبرز مفاتنها فهمس:
_متخلِّفة.
_مالك ومالها يا آسر..اقتربت سدن من وقوفهما:
_ماتيجي نخرج يا آسر بعد الحفلة.
_مش فاضي...قالها وغادر المكان.
كانت ضي تراقب نظراتهما وتراشق الكلمات بينه وبين آسيا، إلى أن وصلت سدن وتوقَّفت بجواره.
_معقول...همست بها غير مستوعبة ما أدركته من تلك النظرات.
التفتت تنظر إلى وقوف آسيا بجوار بلال ويوسف..ظلَّت تراقبها لبعض الوقت، وتذكَّرت كلمات بلال عن آسيا وآسر..
هزَّت رأسها:
_لا...أكيد، ممكن تكون مضَّايقة فعلًا.
مساء اليوم التالي..
جلست رولا بأحضان يزن..
_من زمان ما قعدناش مع بعض يا حبيبة أبوكي.
_يوسف أخد كلِّ وقتي يا بابا.
_بلال عامل معاكي إيه؟.
اعتدلت تنظر إليه، أرادت أن تقصَّ له، ولكن تذكَّرت حديث ميرال لو علم بزعلها، هزَّت رأسها مبتسمة:
_بلال كويس جدًّا يا بابا، أنا للأسف اللي غلطت لمَّا شكِّيت فيه.
_رغم إنِّي وقفت معاكي، بس غلطك كبير يا بنت يزن، وماردتش أعاتبك علشان حالتك، وعجبني وقوف بلال رغم اللي عملتيه.
_خلاص يا بابا، عرفت غلطي.
استمعت إلى رنين هاتفها:
_أيوة يا يوسف.
_رولا محتاجك في طلب.
اعتدلت تستمع إليه:
_تمام..هودِّي يوسف لماما وأجي لك.
نهضت وهي تشير للمربية:
_روحي بيوسف على بيت بابا.
توقَّف يزن يسألها:
_ماله يوسف؟.
_معرفش، مالها ضي زعلانة منه، هروح أشوف فيه إيه.
سحبها لأحضانه:
_حبيبتي العاقلة، حبِّيت اهتمامك ببنت عمِّك وابن عمِّتك.
_همَّا مش بيسبوني يا بابا لمَّا ألقى زعلانة..
وضي بتوقف قصاد أخوها علشاني..
بعد إذن حضرتك هطلع أغيَّر، وأعدِّي على يوسف.
أومأ لها وقال:
_متقلقيش على يوسف هيلعب مع جدُّو.
طبعت قبلة على وجنتيه وتحرَّكت للداخل.
وصلت بعد فترة..
دلفت للداخل، شموع مزيَّنة بروائح فوَّاحة، طافت عيناها بالمكان، رفعت هاتفها واتَّصلت:
_يوسف إنتَ متأكد من العنوان؟.
أصل حاسَّة إنُّه غلط.
_طيب ادخلي واسألي، شوفيهم هيقولوا لك إيه.
_يابني بقولَّك دا شكله جوّ رومانسي، ومش شايفة ضي هنا خالص.
_ادخلي وهتلاقيها، متخافيش محدش هيخطفك.
_والله لو مقلب لأجيلك أخنـ.قك.
_بت قرفتيني، هوَّ أنا عيِّل علشان ألعب معاكي، هبلة صحيح.
قالها وأغلق الهاتف، نظرت للهاتف بذهول:
_أه يا بن... وأنا اللي بساعده، والله ما تستاهل، جتك نيلة، دلفت للداخل:
_لو سمحت، هوَّ فيه حد؟.
_فوق يا أفندم.
_فوق إيه يا أهبل! هوَّ أنا لسة سألت؟!.
_اطلعي فوق يا فندم وهتلاقي اللي بتسألي عنه.
_معرفش ليه حاسَّة بمقلب من ابن خالي، أصله غلس وبيكرهني، والله لأفضحه.
قامت برفع هاتفها:
_عمُّو إلياس، ابنك بعتني في مكان قليل الأدب، لو حصلي حاجة هفضحه، أنا بقولَّك أهو.
_إنتي فين يا حبيبتي؟.
_في ( ) وذكرت اسم المكان،
_خلاص أنا هتصرَّف.
قام إلياس بمهاتفة يوسف، ولكنَّه لم يرد، اتَّجه وهاتف مالك:
_روح العنوان اللي هبعتهولك دا، وإنتَ بنفسك وشوفلي إيه الحكاية، وهات رولا، حتى لو بتعمل إيه.
_ليه فيه حاجة؟.
_معرفش، قالها وحاول أن يربط ما قالته.
عند رولا..
دلفت للداخل:
_ضي..ضي إنتي هنا؟.
فجأة سحبها بلال لأحضانه، لتشهق صارخة، وضع كفَّه على فمها، يمنع صراخها:
_باااااس أنا.
ابتعدت تنظر إليه بدموع:
_يعني علشان تجبني تعمل كدا؟!.
_الله مش عايزة تطلَّقي وتبعدي، لازم نتكلِّم عن الطلاق، ونحط عقود ونمضيها علشان ما نرجعش في كلامنا.
لكمته بخفَّة...سحبها لأحضانه:
_زعلان يا روليتا ولازم تصالحيني.
_إنتَ اللي زعلان، بقالك شهر مخاصمني، ونايم بعيد عنِّي.
رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_وينفع اللي عملتيه؟.
وضعت رأسها على صدره:
_بلال أنا مش عايزة نتكلِّم في الماضي، قلبي موجوع منك، عايزة تدوايه، لأنَّك قسيت عليه أوي.
حاوط وجهها بين كفَّيه يسبح بعينيها:
_قدرتي تنطقيها للمرَّة التانية يا رولا، وتقولي طلَّقني، يعني سهل إنِّك تبعدي عنِّي؟.
هزَّت رأسها بالرفض وانسابت دموعها.
انحنى يقبِّل دموعها، رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، في تلك اللحظة، دفع مالك الباب دون استئذان..
هبَّت فزعة من أحضانه، توقَّف مالك متخصِّرًا:
_والله، بتلعبي معانا يا أستاذة.
_إيه دا يا عمُّو، ينفع تدخل بالطريقة دي!!.
اقترب منهما، ودَّ لو يصفعهما على وجوههما:
_أومال أدخل إزاي ومراتك بتقول هتخطف؟.
التفت يرمقها بغضب.
_ما هو يوسف مش قالي
أشار مالك إليهم:
_وعقابًا، مفيش سهرة يا عشَّاق، ياله على البيت.
_والله ما هيحصل، دا أنا قتيل هنا.
سحب رولا لأحضانه:
_مراتي زعلانة وعايز أصالحها.
لكزته بخجل.
رفع مالك حاجبه ينظر إليهم باستفزاز:
_بجد، الله يكون في عون إلياس.
قالها وغادر...تطلَّعت إليه رولا:
_ينفع كدا.
اقترب منها بجنون:
_دا أنا اللي هورِّيكي إزاي تبلَّغي الحكومة يا هبلة.
بعد أسبوع..
ولج الى منزل ايمان، وقعت عيناه على جلوسها بشرود أمام المسبح، توقف للحظات يراقبها، وصلت إليه سدن
_أنا جاهزة
_جاهزة لايه
_مش هنسهر كمان الليلة
_اسيا...
توسعت عيناها تنظر اليه بذهول
_أنا سدن مش اسيا
اقترب معتذرًا
_اسف.. اصل ردودك الأيام دي بتفكرني بيها
_لا ياحبيبي متفكرش غير في خطيبتك، اللي لحد دلوقتي، ماقولتلهاش انك بتحبها
قالتها ونظرت للارض
رفع ذقنها وداعب ذقنها
_انت ليه بتقولي كدا
_مش دي الحقيقة، انا عارفة انك خطبتني علشان خالو اللي طلب منك
_سدن انت جميلة، وبحب برائتك اوي
دنت منه حتى التصقت به
_يعني بتحبني صح؟!
اومأ دون حديث
_طيب اثبت يامتر، على رأي اسيا
_ليه هي اللي قالت لك اني مش بحبك
_ا ينعم..
صعدت الدرج بخطواتٍ بطيئة، وكأنَّ كلَّ درجةٍ تثقلها ألفُ ذكرى معه، وصلت إلى غرفتها..أغلقت الباب خلفها برفق، ثم أسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها.
انسلَّت دمعة ساخنة فوق وجنتها..
همست لنفسها بصوتٍ مرتجف:
هتعملي إيه يا آسيا، هتسيبيه يلعب بمشاعر أختك..ولَّا هتوقفي الجوازة دي قبل ما تتم؟
ضحكت ضحكة مكسورة، ثم هزَّت رأسها بيأس:
_وهمنعها إزاي؟...وسدن بقت شايفة الدنيا كلَّها فيه...بتحبُّه بجنون.
أغمضت عينيها بقوة، تهمس:
_ربِّنا يسامحك يا ابن خالي...يا ريتك ما قرَّبت منِّي من الأساس.
سارت بخطواتٍ متعبة نحو الفراش، ثم ألقت بجسدها فوقه كما هي، حتى لم تجد في نفسها قوة لتبدِّل ملابسها،
أغمضت عينيها...
وهربت إلى النوم.
في وسط سكون حلمها...
شعرت بأنامله تمسح على وجنتها برقَّة، ثم اقترب بوجهه منها، وطبع قبلة دافئة فوق شفتيها.
وهمس بصوته الرجولي :
_حبيبتي...اصحي بقى، ده كلُّه نوم؟
فتحت عينيها ببطء..كان أمامها.
وجهه يبتسم لها بعشقه الذي تنطقه عيناه قبل شفتيه
احتضن وجهها ، وعيناه لا تريان في الدنيا سواها:
_صباح الخير يا حبيبة آسر.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة غابت عنها منذ فترة، أمسكت كفِّه بكلتا يديها، وقبَّلته برقَّة:
_صباح الخير...يا حبيبي.
انحنى إليها، فاختفت المسافات بينهما، وعانقت ذراعاها عنقه بكلِّ الشوق الذي دفنته..
ضمَّها بقوة، وأراح جبهته فوق جبهتها، بينما عيناه تخبرانها بكلِّ الكلمات التي لم تُقال..واحتضن شفتيها يبثُّ فيها كمِّ العشقِ الذي يشعر به، قبلاته وهمساته جعلت قلبها
يصرخ بالنبض..
وفي اللحظة التي شعرت فيها أنَّ قلبها عاد ينبض بالحياة...اختفى.
انتفضت آسيا من نومها فجأة.
شهقة حادَّة خرجت من صدرها، وجسدها كلَّه يرتعش بعنف، وعيناها تدورانِ في أنحاء الغرفة بجنون.
لا أحد...الغرفة كما هي...
رفعت يدها المرتجفة إلى شفتيها...
كأنَّها ما زالت تشعر بدفء تلك القبلة التي لم تحدث إلَّا في حلمها..
عندها فقط انهارت.
ضغطت بكفَّيها فوق فمها بكلِّ قوتها، تحاول أن تخنق صوت شهقاتها حتى لا يسمعها أحد..لكن الألم كان أقوى.
انفجرت دموعها بلا رحمة، تبكي بحرقة امرأة رأت في حلمٍ حياةً كاملة...ثم استيقظت لتجد الحقيقة تنتظرها ببرودها القاسي.
هو لم يعد لها...لم يعد حتى حبيبًا ضائعًا.
أصبح خطيب أختها...
وأصبحت هي مطالبة أن تبتسم، وتبارك، وتدفن قلبها حيًّا...وكأنَّها لم تحبُّه يومًا.
مساء اليوم التالي..
انتهت من وضع لمساتها الأخيرة أمام المرآة، كان الفستان الأسود يلتفُّ حول خصرها بانسيابية، يبرز أنوثتها الهادئة دون مبالغة..حدَّقت في انعكاسها طويلًا، كأنَّها تبحث عن امرأة أخرى غير التي تقف أمامها.
أغمضت عينيها بقوة، وسحبت نفسًا مرتجفًا:
_مش بتحبِّيه...إنتِ مش بتحبِّيه.
ردَّدت الجملة مرَّة...ثم أخرى...حتى فقدت معناها، بينما قلبها يصرخ بعكسها.
فتحت عينيها، رسمت ابتسامة باهتة لا تشبهها، ثم استدارت وغادرت الغرفة.
بالأسفل...
امتلأ المنزل بالأهل والأقارب، وتعالت موسيقى هادئة..
في منتصف القاعة، وقفت العروس بفستانها الأحمر، تشعُّ سعادة، وإلى جوارها رولا وضي يتبادلن الضحكات.
جالت عينا رولا تبحث عنها:
_فين آسيا يا سدن؟
أشارت سدن نحو الطابق العلوي:
_بتجهز...أصلها لسه راجعة من الشغل.
في تلك اللحظة..ظهرت على الدرج..
ما إن رفعت رأسها حتى توقَّفت خطواتها فجأة.
كان يقف..يتحدَّث مع بلال، يضحك بصوتٍ مرتفع، وكأنَّ قلبًا لم يتحطَّم بين يديه.
شعرت بشيءٍ يهبط فوق صدرها بثقلٍ مؤلم..لأوَّل مرَّة...تبغض رؤيته.
لأوَّل مرَّة تتمنى لو يختفي من المكان، لو يمحوه القدر من أمام عينيها، حتى لا تضطر إلى مقاومة ذلك الوجع الذي يعود كلَّما رأته.
ابتلعت غصَّتها، ورفعت رأسها بكبرياء، ثم أكملت نزولها بخطواتٍ ثابتة، تخفي ارتجاف روحها خلف هدوءٍ مصطنع.
مرَّت بجواره...
وصوته وهو يضحك اخترق أذنيها كالسهم.
أغمضت عينيها للحظة، وهمست داخلها بمرارةٍ مزَّقت قلبها:
_غبية...فضل وراكي لحدِّ ما خلَّاكي تصدَّقيه...وفي الآخر راح خطب أختك...قذر.
انتبهت لها رولا، فاتَّسعت ابتسامتها:
_أخيرًا البرنسيسة وصلت.
ابتسمت آسيا ابتسامة صغيرة بالكاد وصلت إلى شفتيها:
_آسفة...كان عندي شغل مهم.
وصل صوتها إليه..
التفت إليها دون إرادة.
وقعت عيناه عليها..تجمَّد للحظة..
انسابت نظراته عليها رغماً عنه.
الفستان الأسود احتضن قوامها برقَّة، وشعرها المنسدل زادها فتنة، أمَّا ملامحها...فكانت جميلة على نحوٍ أغضبه.
اشتدَّ فكَّه حتى برزت عروقه..
قبض على كفِّه بقوة، وكأنَّه يحاول كبح شيء يثور داخله.
كره ذلك الفستان...وكره كلَّ رجلٍ قد تقع عيناه عليها وهي بهذه الهيئة.
لكن أكثر ما كرهه...
أنه لم يعد يملك أي حقٍّ في أن يغضب عليها.
بعد قليل، جلس آسر إلى جوار سدن استعدادًا لإلباسها الدبلة.
مدَّت إيمان علبة المجوهرات إلى آسيا.
_ساعديهم يا حبيبتي.
أومأت بصمت، وأخذت العلبة بين يديها, كانت أصابعها ترتجف رغم محاولتها إخفاء ذلك، ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها..
اقتربت منهما، وتوقَّفت إلى جواره.
فتحت العلبة، وأخذت تخرج قطعةً تلو الأخرى، تضعها في يد آسر دون أن ترفع عينيها إليه.
كلُّ قطعة كانت كأنَّها تنتزع شيئًا من قلبها.
حتى وصلت إلى دبلة الخطوبة...
ناولتها له، فرفعت سدن رأسها إليه بعناد:
_مش عايزة ألبسها...ليه مبتسمعش الكلام؟
ابتسم آسر محاولًا إرضاءها، بينما ابتعدت آسيا خطوةً للخلف، تمنحهما مساحةً لحديثهما...ومساحةً تهرب فيها من وجعها.
اقتربت منها رولا وهمست وهي تتابع آسر:
_ شوفتي يا بت، أخويا عريس زي العسل.
لم تُجب.
كانت عيناها معلَّقتين بوجه شقيقتها فقط، تقرأ في ملامحها كل ابتسامة.
وللحظة..شعرت بحزنٍ مرَّ سريعًا على وجه سدن، ولكن دنا آسر وهمس لها ببعض الكلمات ليبدِّد حزنها بكلمةٍ لم تسمعها.
ثم..ارتفع التصفيق.
وانطلقت الموسيقى معلنةً لحظة إلباس الدبلتين.
اختلطت الزغاريد بالسعادة، وتزاحم الجميع حول العروسين للتهنئة.
إلَّا هي...بقيت في مكانها.
تراقب ابتسامة أختها، وفجأةً..حاوطت سدن عنق آسر، توقَّف على حركتها، تنظر إليه بابتسامةٍ بريئة، تنتظر أن يقبِّلها، ابتعد قليلًا يهمس إليها:
_سدن الناس بتبصِّ علينا.
كانت آسيا تقف تراقبهم بصمتٍ موجع، دقَّقت النظر إلى أختها في محاولة قربها من آسر، علمت من قربها ماذا تريد..هنا شعرت أنَّ شيئًا بداخلها قد انتهى إلى الأبد.
مدَّ آسر يده إلى سدن:
_يلَّا...نرقص، ودي كمان علشان متزعليش.
تقدَّمت سدن منه على مضض بينما وقفت رولا بجوار آسيا تتأمَّلها طويلًا:
_فيه حاجة حصلت معاكي؟
التفتت إليها، ثم قالت بصوتٍ خافت:
_نور...عايز يتقدملي.
قطبت رولا حاجبيها:
_نور مين؟
أشارت آسيا بعينيها نحو ضي.
اتَّسعت عينا رولا بدهشة:
_أكيد مش هتوافقي..دا يوسف يولَّع فيكي وفيه، دا أكيد مجنون!!.
تنهَّدت آسيا:
_أنا أصلًا مفكَّرتش في الموضوع.
ظلَّت رولا تحدِّق فيها للحظات:
_يعني...ده اللي مضايقك؟
هزَّت آسيا رأسها في صمت، دون أن تزيد حرفًا.
وفي تلك اللحظة..دخل نور بصحبة والدته.
توجَّه مباشرةً نحو يزن، وهو يبتسم:
_ألف مبروك.
نظر يزن إلى سارة باستفهام..
ابتسمت بهدوء:
_آسيا عزمت نور...وهوَّ أصر إنِّي آجي معاه.
أومأ يزن دون تعليق، وأشار إليهما بالدخول.
صعدت الدرج بخطواتٍ بطيئة، وكأنَّ كلَّ درجةٍ تثقلها ألفُ ذكرى معه، وصلت إلى غرفتها..أغلقت الباب خلفها برفق، ثم أسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها.
في الجهة الأخرى...
نهض إلياس لاستقبال سارة حتى يسيطر على الوضع.
كانت ميرال تراقب المشهد بصمت.
توقَّفت عيناها عند المرأة التي يقف معها زوجها، ولاحظت ابتسامته الهادئة وهو يتحدَّث إليها..ثم انضمَّ إليهما أرسلان.
اشتعل الفضول داخلها..
مالت على يوسف وهمست:
_تعرف الستِّ اللي واقفة مع خالك وعمَّك دي؟
هزَّ يوسف رأسه بمكر:
_لا...بس شايف اللي واقفة مع بابا؟
رمقته بنظرةٍ حادَّة:
_يوسف...مين الستِّ دي؟
ابتسم وهو يهزُّ كتفيه:
_معرفش...بس شوفتها مرَّة عند بابا.
اتَّسعت عيناها:
_عندنا في البيت؟!.
أومأ برأسه.
وفي تلك اللحظة، وصلت ضي إليهما.
_يوسف...تيجي نخرج مع العرسان بعد الخطوبة؟
_تمام.
لكن ميرال لم تعد تسمع شيئًا.
كانت ترى فقط..سارة تقترب من إلياس، وابتسامتها الواثقة أشعلت نار الغيرة داخلها.
تحرَّكت نحوه بخطواتٍ سريعة..
توقَّفت بجواره، ثم تشبَّثت بذراعه مع تحرُّك سارة مع نور في اتجاه إيمان.
_مين الستِّ دي؟
نظر إليها إلياس، وصمت لثوانٍ، يبحث عن إجابة لا تفتح عليه أبواب الأسئلة.
لفَّ ذراعه حول خصرها، وقال بابتسامةٍ واسعة:
_سيبك من كلِّ ده...تعالي نرقص مع العرسان.
شهقت وهي تنظر إليه:
_إنتَ بتهزَّر...صح؟
لم يجبها..سحبها معه حتى وصلا إلى جوار آسر وسدن..
_خدوني جنبكم يا ولاد.
ضحك آسر..أحسن عمُّو يرقص.
ضحك إلياس وهو يلوِّح بيده:
_بس يلا..هوَّ أنا بعرف أرقص، أنا بس بفرَّح عمِّتك.
انفجرت ميرال ضاحكة، ودفنت وجهها في صدره.
كان يعلم جيِّدًا...أن أفضل طريقة لإخماد غيرتها، هي أن يجعلها محور اهتمامه كلِّه.
في الجهة المقابلة...
عقد أرسلان ذراعيه وهو يتابع المشهد بابتسامةٍ خفيفة، وقف يوسف بجواره:
_هوَّ بابا بيعمل إيه يا عمُّو؟
ابتسم أرسلان:
بيرجَّع شبابه يا حبيب عمَّك.
ضحك يوسف، ثم جذب يد ضي واتَّجه إلى والده:
_منوَّر يا باشا...هنلاقي مكان جنبك، ولَّا إحنا كبرنا على الرقص؟
رفع إلياس حاجبه:
_بتحطِّ راسك براس أبوك يا دكتور؟
ضحك يوسف:
_راس إيه بس، هوَّ أنا عجِّزت زيك؟ أنا لسه شاب وعايز أفرح.
قاطعتهم ضي وهي تضحك:
_هترد مامتك وتقول إنُّه أصغر منك... وأنا بصراحة معاها طنط ميرال.
لم ينتظر إلياس ثانية.
أمسك يد ميرال وغادر بها القاعة كلَّها.
إلياس..استنى! هقول ليزن.
لكنَّه لم يلتفت، وكأنَّه قرَّر أن يبعدها عن أي شيء قد يثير شكوكها.
ابتسم أرسلان وهو يتابع انسحابه:
_معلِّم من يومك يا ابن السيوفي.
ابتسم يزن وهو يهزُّ رأسه:
_لو ماعملش كده...يوسف وميرال كانوا هيفتحوا عليه تحقيق لحدِّ الصبح.
صمت أرسلان لحظة، ثم نظر نحو سارة التي كانت تتحدَّث مع إيمان وآسيا.
ضاقت عيناه:
_إيه اللي جاب الستِّ دي هنا دلوقتي؟
أجابه يزن بهدوء:
_آسيا هيَّ اللي عزمت نور...وسارة جات معاه.
ظلَّ أرسلان يراقب سارة التقت فيها نظراتهما...شعر أنَّ في عينيها شيئًا لم يعجبه.
تحدِّيًا...واستفزازًا...
وكأنَّها جاءت لهدفٍ لا يعرفه بعد.
عاد بنظره إلى يزن وقال بصوتٍ منخفض:
الستِّ دي مش مرتاح لها...نظراتها كلَّها تحدِّي.
أخذ يزن نفسًا طويلًا، ثم قال بهدوء:
وجودها ميهمِّنيش...اللي يهمِّني فعلًا هوَّ رد فعل ميرال، أنا كراجل...مش متقبِّل إنَّها تكون قريبة من إلياس بالشكلِ ده، حتى لو مفيش بينهم أي حاجة.
كانت تجلس بعيدًا عن الجمع، اتَّجه إليها نور وجلس بجوارها:
_قاعدة لوحدك ليه؟.
_مفيش مصدَّعة، نظرت لسارة وتساءلت:
_اللي هناك دي والدتك مش كدا؟.
شوفتها مرَّة يوم خطوبة ضي.
ذهب بعينيه تلقائيًا على ضي التي تقف بين ذراعي يوسف تستند برأسها على صدره.
نظرت آسيا للذي ينظر إليه، ثم عادت تنظر إليه:
_بيحبُّوا بعض جدًّا على فكرة، ولمَّا وافقت على الخطوبة كانت بتغيظه.
التفت إليها وهزَّ كتفه بالامبالاة:
_ربِّنا يسعدهم.
دقَّقت النظر إليه:
_إنتَ خطبت ضي علشان حبِّتها فعلًا؟.
_ممكن ما نتكلِّمش في الموضوع دا؟.
_تمام.
قالتها وذهبت بنظرها لرقص أختها وآسر.
_لو قولت لك نرقص هتوافق؟.
_تعبانة حقيقي ما ليش خلق، انتهت رقصة آسر وسدن، نهضت من مكانها مقتربةً منهما..
نظر إليها آسر ثم إلى نور فقال:
_مفيش مبروك يا أفريقيا..
مبروك يا متر، بالرفاء والبنين إن شاء الله.
ابتسمت سدن قائلة:
_هتفضلوا توم وجيري لحدِّ إمتى؟.
رمقته بنظرةٍ مستخفَّة، ثم تحرَّكت من أمامهما، تابعها وهي تتحرَّك متَّجهةً إلى وقوف ضي ورولا:
_آسر متزعلش منها، هيَّ طيبة والله بس معرفش بتضايق منك ليه!.
_مش زعلان، بالعكس بحبِّ أشاكسها.
_أيوة ما أنا واخدة بالي، أقولَّك سر؟.
رفع حاجبه ينظر لأفعالها الطفوليَّة:
_قولي يا فتنة.
ضحكت بصوتٍ مرتفع ثم اقتربت منه:
_راسمة صورتك في أتيليه ضي، وكاتبة عليك شمشون.
توسَّعت عيناه فبصق لفظًا يسبُّها، طالعته سدن مذهولة ممّّا قاله:
_إيه اللي بتقوله دا عيب!.
_وسَّعي يا ختي كدا، قال عيب، قالها وتحرَّك متَّجهًا إلى وقوفها، وصل إليهم، توقَّف بجوار رولا:
_عاملة إيه يا أمِّ يوسف؟.
احتضنت ذراعه:
_بيسأل على خالو، بيقولُّه جاي الحفلة متأخَّر ليه يا خالو؟.
_كنت بجيب فستان لأفريقيا.
التفتت تنظر إليه.
_عجبك الفستان يا أفريقيا، حلو صح، أهو يغطي ديفوهاتك.
لكزته رولا:
_إنتَ بتقول إيه يا بني؟!.
_ما ترديش عليه يا رولا، ليس على المتخلِّف حرج.
_بالظبط يا أفريقيا..يعني ممكن أعمل حاجات أستغفر الله العظيم ومحدش يقولِّي بتعمل إيه.
_هههه، ظريف يا خطيب أختي.
_تعلَّمته منك يا أخت خطيبتي.
_هروح عند بلال ويوسف، على الأقل مفيش متخلِّفين هناك...قالتها وتحرَّكت بفستانها الذي يبرز مفاتنها فهمس:
_متخلِّفة.
_مالك ومالها يا آسر..اقتربت سدن من وقوفهما:
_ماتيجي نخرج يا آسر بعد الحفلة.
_مش فاضي...قالها وغادر المكان.
كانت ضي تراقب نظراتهما وتراشق الكلمات بينه وبين آسيا، إلى أن وصلت سدن وتوقَّفت بجواره.
_معقول...همست بها غير مستوعبة ما أدركته من تلك النظرات.
التفتت تنظر إلى وقوف آسيا بجوار بلال ويوسف..ظلَّت تراقبها لبعض الوقت، وتذكَّرت كلمات بلال عن آسيا وآسر..
هزَّت رأسها:
_لا...أكيد، ممكن تكون مضَّايقة فعلًا.
مساء اليوم التالي..
جلست رولا بأحضان يزن..
_من زمان ما قعدناش مع بعض يا حبيبة أبوكي.
_يوسف أخد كلِّ وقتي يا بابا.
_بلال عامل معاكي إيه؟.
اعتدلت تنظر إليه، أرادت أن تقصَّ له، ولكن تذكَّرت حديث ميرال لو علم بزعلها، هزَّت رأسها مبتسمة:
_بلال كويس جدًّا يا بابا، أنا للأسف اللي غلطت لمَّا شكِّيت فيه.
_رغم إنِّي وقفت معاكي، بس غلطك كبير يا بنت يزن، وماردتش أعاتبك علشان حالتك، وعجبني وقوف بلال رغم اللي عملتيه.
_خلاص يا بابا، عرفت غلطي.
استمعت إلى رنين هاتفها:
_أيوة يا يوسف.
_رولا محتاجك في طلب.
اعتدلت تستمع إليه:
_تمام..هودِّي يوسف لماما وأجي لك.
نهضت وهي تشير للمربية:
_روحي بيوسف على بيت بابا.
توقَّف يزن يسألها:
_ماله يوسف؟.
_معرفش، مالها ضي زعلانة منه، هروح أشوف فيه إيه.
سحبها لأحضانه:
_حبيبتي العاقلة، حبِّيت اهتمامك ببنت عمِّك وابن عمِّتك.
_همَّا مش بيسبوني يا بابا لمَّا ألقى زعلانة..
وضي بتوقف قصاد أخوها علشاني..
بعد إذن حضرتك هطلع أغيَّر، وأعدِّي على يوسف.
أومأ لها وقال:
_متقلقيش على يوسف هيلعب مع جدُّو.
طبعت قبلة على وجنتيه وتحرَّكت للداخل.
وصلت بعد فترة..
دلفت للداخل، شموع مزيَّنة بروائح فوَّاحة، طافت عيناها بالمكان، رفعت هاتفها واتَّصلت:
_يوسف إنتَ متأكد من العنوان؟.
أصل حاسَّة إنُّه غلط.
_طيب ادخلي واسألي، شوفيهم هيقولوا لك إيه.
_يابني بقولَّك دا شكله جوّ رومانسي، ومش شايفة ضي هنا خالص.
_ادخلي وهتلاقيها، متخافيش محدش هيخطفك.
_والله لو مقلب لأجيلك أخنـ.قك.
_بت قرفتيني، هوَّ أنا عيِّل علشان ألعب معاكي، هبلة صحيح.
قالها وأغلق الهاتف، نظرت للهاتف بذهول:
_أه يا بن... وأنا اللي بساعده، والله ما تستاهل، جتك نيلة، دلفت للداخل:
_لو سمحت، هوَّ فيه حد؟.
_فوق يا أفندم.
_فوق إيه يا أهبل! هوَّ أنا لسة سألت؟!.
_اطلعي فوق يا فندم وهتلاقي اللي بتسألي عنه.
_معرفش ليه حاسَّة بمقلب من ابن خالي، أصله غلس وبيكرهني، والله لأفضحه.
قامت برفع هاتفها:
_عمُّو إلياس، ابنك بعتني في مكان قليل الأدب، لو حصلي حاجة هفضحه، أنا بقولَّك أهو.
_إنتي فين يا حبيبتي؟.
_في ( ) وذكرت اسم المكان،
_خلاص أنا هتصرَّف.
قام إلياس بمهاتفة يوسف، ولكنَّه لم يرد، اتَّجه وهاتف مالك:
_روح العنوان اللي هبعتهولك دا، وإنتَ بنفسك وشوفلي إيه الحكاية، وهات رولا، حتى لو بتعمل إيه.
_ليه فيه حاجة؟.
_معرفش، قالها وحاول أن يربط ما قالته.
عند رولا..
دلفت للداخل:
_ضي..ضي إنتي هنا؟.
فجأة سحبها بلال لأحضانه، لتشهق صارخة، وضع كفَّه على فمها، يمنع صراخها:
_باااااس أنا.
ابتعدت تنظر إليه بدموع:
_يعني علشان تجبني تعمل كدا؟!.
_الله مش عايزة تطلَّقي وتبعدي، لازم نتكلِّم عن الطلاق، ونحط عقود ونمضيها علشان ما نرجعش في كلامنا.
لكمته بخفَّة...سحبها لأحضانه:
_زعلان يا روليتا ولازم تصالحيني.
_إنتَ اللي زعلان، بقالك شهر مخاصمني، ونايم بعيد عنِّي.
رفع ذقنها ينظر لعينيها:
_وينفع اللي عملتيه؟.
وضعت رأسها على صدره:
_بلال أنا مش عايزة نتكلِّم في الماضي، قلبي موجوع منك، عايزة تدوايه، لأنَّك قسيت عليه أوي.
حاوط وجهها بين كفَّيه يسبح بعينيها:
_قدرتي تنطقيها للمرَّة التانية يا رولا، وتقولي طلَّقني، يعني سهل إنِّك تبعدي عنِّي؟.
هزَّت رأسها بالرفض وانسابت دموعها.
انحنى يقبِّل دموعها، رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، في تلك اللحظة، دفع مالك الباب دون استئذان..
هبَّت فزعة من أحضانه، توقَّف مالك متخصِّرًا:
_والله، بتلعبي معانا يا أستاذة.
_إيه دا يا عمُّو، ينفع تدخل بالطريقة دي!!.
اقترب منهما، ودَّ لو يصفعهما على وجوههما:
_أومال أدخل إزاي ومراتك بتقول هتخطف؟.
التفت يرمقها بغضب.
_ما هو يوسف مش قالي
أشار مالك إليهم:
_وعقابًا، مفيش سهرة يا عشَّاق، ياله على البيت.
_والله ما هيحصل، دا أنا قتيل هنا.
سحب رولا لأحضانه:
_مراتي زعلانة وعايز أصالحها.
لكزته بخجل.
رفع مالك حاجبه ينظر إليهم باستفزاز:
_بجد، الله يكون في عون إلياس.
قالها وغادر...تطلَّعت إليه رولا:
_ينفع كدا.
اقترب منها بجنون:
_دا أنا اللي هورِّيكي إزاي تبلَّغي الحكومة يا هبلة.
بعد أسبوع..
ولج الى منزل ايمان، وقعت عيناه على جلوسها بشرود أمام المسبح، توقف للحظات يراقبها، وصلت إليه سدن
_أنا جاهزة
_جاهزة لايه
_مش هنسهر كمان الليلة
_اسيا...
توسعت عيناها تنظر اليه بذهول
_أنا سدن مش اسيا
اقترب معتذرًا
_اسف.. اصل ردودك الأيام دي بتفكرني بيها
_لا ياحبيبي متفكرش غير في خطيبتك، اللي لحد دلوقتي، ماقولتلهاش انك بتحبها
قالتها ونظرت للارض
رفع ذقنها وداعب ذقنها
_انت ليه بتقولي كدا
_مش دي الحقيقة، انا عارفة انك خطبتني علشان خالو اللي طلب منك
_سدن انت جميلة، وبحب برائتك اوي
دنت منه حتى التصقت به
_يعني بتحبني صح؟!
اومأ دون حديث
_طيب اثبت يامتر، على رأي اسيا
_ليه هي اللي قالت لك اني مش بحبك
_ا ينعم.. حتى قالت خليه يثبت لك
ضحك وهو يضمها تحت ذراعيه
_دي مجنونة حد يسمع كلامها
توقفت أمامه
_لا... مش مجنونة، هي كلامها صح، اثبت انك بتحبني
رفع حاجبه يتطلع اليها بجهل
_يعني لو سهرنا برة، يبقى كدا بحبك
_تؤ.... قالتها واقتربت منه، وبلحظة رفعت نفسها تطبع قبلة على شفتيه
تجمد للحظة، وكأن جسده شل بالكامل، ولم يقدر على صدها ومنعها
كانت تدور بعيناها بالمكان، فوقعت عيناها على ذلك المشهد... التصاق سدن به، وقبلتها له، ظلت تراقبهم بصمت موجع، على أن يعترض، ولكن هناك من شق صدرها حين تمادت سدن حين وجدت صمته، لتلف ذراعيه حول عنقه تنظر لعيناه
وانتظرت منه فعل شيئًا، ولكنه لم يفعل شيئا سوى أنه قال
_اسيا اللي قالت لك، لو عايزة تثبتي خليه يعمل كدا
تلاعبت بزر قميصه وتحدثت برقة
_مش بالظبط، بس الحاجات دي بتحصل بين المخطوبين عادي
التفت ينظر الى أسيا، التي سحبت بصرها سريعًا عنهما، ثم التفت الى سدن، وانزل ذراعيها
_لما نكتب كتابنا يبقى اعمل اللي انت عايزاه
_ايه اللي بتقوله دا
_اللي المفروض تعمليه، واياكي تتمادي بعد كدا
صمتت تنظر اليها لثواني، ثم انسحبت متجهة للاعلى، بينما تحرك الاخر الى أسيا
توقف خلفها وقال
_ابعدي عن سدن يااسيا، بلاش تخلي منها صورة منك، لاني مش هقبل دا
لم ترد عليه ظلت تنظر لحمام السباحة دون رد عليه
اقترب حتى توقف أمامها
_أسيا انسي أي كلام قولته، انا خطبت اختك دلوقتي، بلاش تكرهيها في، خليها ببرائتها، وانت اعملي اللي انت عايزاه، بس بعيد عني وعنها
كلمات كالطلقات النارية، ظلت تستمع اليه وقلبها ينزف بصمت، تحدث نفسها
_هل هذا الشخص الذي كان يتغنى بحبها
انحنى ينظر اليها
_أسيا... ابعدي عن حياتنا لو سمحتي
رفعت عيناها إليه دون رد، كانت نظرات تحكي ماعجزت عن جميع اللغات عن انها لم تراه سوى ذئبًا بشريًا، استباح قلبها
ارتجف قلبه لنظراتها وهدوئها الغير، معتاد
اومأت برأسها دون أن تنطق بحرف، ثم اعتدلت بصعوبة تحاول ألا تنهار أمامه وتحركت تسحب اقدامها بصعوبة، تشعر بأنها تحمل جبالًا من الألم، تهمس لنفسها
_لعنة الله عليك قلبي الذي دمرني
بمنزل إلياس
بعد جلوسه مع أرسلان ومالك:
_كلِّ واحد عارف هيعمل إيه.
_تمام...عرفت إنِّ دارين دي رجعت مصر؟.
نهض من مكانه:
_سبها دي خلِّيها تلعب، إسحاق بيعدّ أنفاسها أصلًا، خلِّينا نخلص من البلوة اللي ابتلتنا بيها بنت راجح.
_طيب يا إلياس افرض ما عملش حاجة بعد زيارتك؟.
_لا هيعمل، وهيغلط، المهمِّ مالك تجيب البتِّ اللي اسمها كندا دي بأي طريقة بدون غلط.
وإنتَ يا أرسلان، طبعًا عارف هتعمل إيه.
_متقلقش، اقترب إلياس ينظر إليه:
_مش عايز كارما تتئذي يا أرسلان، عيونك جوَّا قبل برَّة.
_يا عم متقلقش، بتكلِّم طفل!.
أومأ وخرج يشير إلى الخادمة بالتقدُّم إليه:
_خلِّي مدام رولا تجي لي.
_تحت أمرك يا باشا.
خرجت ميرال من الداخل:
_إنتَ خارج؟.
_محتاجة حاجة؟.
_ماما فريدة كلِّمتني، بتقول عمُّو مصطفى تعبان.
ضرب على رأسه متذكِّرًا موعد طبيب والده.
أشار إلى السيارة:
_طيب اركبي هعدِّي أشوفه قبل مشواري.
_أوكيه.
بمكتب معتز...
رفع هاتفه وتحدَّث:
_النهاردة الموضوع دا ينتهي.
_خلاص يا؟باشا هروح لها.
_الجلسة بكرة، عارف لو البتِّ دي فلتت من إيدك هعمل فيك إيه؟.
_أنا ما بتحرَّكش من قدَّام البيت، بس فيه حاجة عايزك تعرفها.
_قول.
_آسر...جه من ساعتين، قعد فوق أكتر من نصِّ ساعة ومشي.
_راح لها؟.
_معرفش لسة، منتظر فرصة وأكلِّم البتِّ الشغَّالة.
_طيب...أغلق الهاتف، وأنفاسه تخترق سكون الغرفة:
_مش بعد دا كلًُّه هتقدروا عليَّ، لازم أفكَّر في حاجة للظروف.
_معتز باشا العميل منتظر حضرتك.
قالتها السكرتيرة التي دلفت إليه.
نهض بدخول نور، توقَّف ينظر إلى معتز:
_معقول يا خالو، أسبوع علشان أوصل لحضرتك؟!.
اقترب منه مبتسمًا:
_حبيبي، حمد الله على السلامة، مين قالَّك على عنواني الجديد؟.
_أختك.
_سارة...ليه مش كانت منعاك؟.
_لا..أنا سمعتها بتتكلِّم مع بابا، عارف إنَّها هترفض، جيت أطمِّن عليك.
_طيب استناني دقايق وراجع.
أومأ له وجلس بالمكتب ينتظره، مضت دقائق، فنهض يعبث بأوراقه، فتح الدرج ببحث بعشوائية عن ورقة يشغل نفسه بالرسم بها، ولكن وقعت بيده صورة لعائلة الشافعي، بداخل ورقة كبيرة.
توقَّف يقرأ ما دوِّن في تلك الورقة بذهول، دلف معتز..
فسقطت الورقة من يده:
_إلياس الشافعي، وأرسلان الشافعي!.
صمت الآخر بعيونٍ متَّسعة، نظر إلى الورقة التي سقطت منه..
انحنى يرفعها سريعًا:
_مش صح اللي شوفته دا.
_يعني يزن الشافعي بيكون..
قولت لك اخرس، مش صح دول أعداء اللي مكتوب دا مش صح.
_يعني ماما ليها أخوات؟!.
_إنتَ ما بتفهمش مش صح، دا تزوير.
تراجع للخلف يهزُّ رأسه:
_دلوقتي عرفت ليه جدِّتي رفضت نتواصل معاك..إنتَ إزاي تخبِّي علينا حاجة زي كدا؟.
دفعه بقوَّة على الجدار:
_عارف لو جدِّتك عرفت حاجة ولَّا مامتك هعمل فيك إيه؟.
الناس دول السبب في كلِّ اللي عشناه، وجدِّتك دي جبانة، ولو هيَّ تنازلت عن حقَّها أنا مش هتنازل، إيَّاك ثم إيَّاك تتكلِّم مع حد في الموضوع دا.
_إنتَ بتقول إيه؟!.
لفَّ كفَّيه حول عنقه وتحدَّث بتحذير يبخُّ فيه سمُّه:
_إيَّاك تتغابى، أنا خلاص قرَّبت أجيب حقِّنا، لو وقفت في طريقي مش هطبطب عليك، تلاتين سنة من وقت ما عرفت إنُّهم السبب وأنا بعدِّ أنفاسي علشان العيلة دي.
_إنتَ عايز تموِّ تهم صح؟!.
ضربه بخفَّة على وجنته:
_مدام كشفت ورقي، هحتاجك يا حفيد الشافعي..
_إنتَ أكيد مجنون، مجنون.
ضغط على عنـ قه بغضب:
_هتعمل اللي أقولَّك عليه، ولَّا ياترى خالك هيعمل إيه في حبيبة القلب اللي هتموت عليها.
_قصدك مين؟.
_مرات الدكتور يلا، ولَّا مفكَّرني أهبل ومش عارف إنتَ بتخطَّط لإيه.
_خالو لو سمحت.
أشار إليه بالخروج:
_امشي دلوقتي، بعدين نتكلِّم.
ظلَّ ينظر أليه بصمت، فصرخ به:
_قولت امشي من هنا.
خرج يتحرَّك بخطواتٍ متعثِّرة، يشعر بأنَّ الهواء لا يكفيه للتنفُّس، رفع هاتفه سريعًا:
_ماما...إلياس وأرسلان الشافعي يكونوا ولاد عمِّك؟.
هبَّت من مكانها:
_نور، إنتَ فين؟.
_ردِّي عليَّ، دول بيكونوا ولاد عمِّك، يعني يزن بيكون عمُّو؟.
_حبيبي مين قالَّك كدا؟.
_معتز...معتز يا ماما، وعايز يقتل يزن الشافعي، بيخطَّط لقتله، معرفش هيعمل إيه بس كاتب فوق صورته النهاردة نهايتك.
أغلقت الهاتف تدور حول نفسها:
_معقول يا معتز، معقول مش كفاك اللي عملته، عايز تقتل كمان!!.
أمسكت هاتفها سريعًا، وقامت بمهاتفة يزن.
لكنَّه لم يرد، اتَّجهت تبحث عن اسم إلياس.
عند إلياس، خرج مع الطبيب يتحدَّث عن حالة والده، ارتفع رنين هاتفه الذي تركه بغرفة والده، اقتربت ميرال تنظر لاسم المتَّصل:
_سارة...مين دي؟!.
رفعت الهاتف، تضعه على أذنها دون حديث:
_إلياس..إنتَ فين، لازم أشوفك، ضروري.
في تلك اللحظة دلف إلياس ينظر لفريدة:
_الممرِّضة هتكون ملازمة بابا يا ماما.
اتَّجهت ميرال بأنظارها إليه، ثم أغلقت الهاتف وجسدها ينتفض بالألم وعقلها يصوِّر لها أشياء سوداء.
_تليفونك كان بيرن يا أبو يوسف، وفتحت بالغلط وقفلت معرفش مين.
اقترب يسحب الهاتف، ثم خرج وهو يتحدَّث بالهاتف:
_أيوة.
_أيوة إيه...بقولَّك عايزة أقابلك، تقفل السكَّة في وشِّي!.
اتَّجه بنظره لميرال، ولكنَّها تصنَّعت الانشغال بمصطفى، تذكَّر حديثها أنَّها فتحته بالخطأ، تحرَّك مبتعدًا:
_فيه حاجة؟.
_قصَّت له ما صار.
_أنا جاي حالًا.
قالها ونوى المغادرة، نادت ميرال:
_رايح فين؟.
_مشوار يا ميرال وراجع.
قالها واستدار سريعًا للخارج، توقَّفت تراقبه للحظات، ثم تحرَّكت خلفه، اتَّجهت إلى سيارة فريدة وقادتها تتحرَّك خلف سيَّارة حراسته.
عند رولا..
_عايزة إيه؟؟
_عايزة أشوفك ضروري؟!
_ليه بقى إن شاء الله؟.
_موضوع مهم يخصّ بلال.
توقَّفت عن السير، وانتفض قلبها:
_ماله بلال؟؟
_لمَّا تيجي هقولِّك.
_بتِّ إنتي، ابعدي عنِّي وعن جوزي.
نزلت دموع الأخرى بعدما لكزها الآخر بظهرها بقوَّة:
_لو عايزة أبعد عنُّه لازم تيجي دلوقتي، ومتتأخريش، ولو مجتيش ما ترجعيش تندمي وتقولي علينا خاينين...براحتك. قالتها وأغلقت الهاتف سريعًا.
نظرت رولا للهاتف الذي أُغلق، وإلى الخادمة.
_مدام رولا...أرسلان باشا منتظرك في مكتبه.
نظرت إليها كالتائهة، ثم أومأت إليها وتحرَّكت خلفها، ولكنَّها توقَّفت فجأة، على إرسال رسالة لهاتفها:
_رولا متجيش، مهما أتِّصل بيكي، أنا اضطرِّيت أقولِّك كدا، فيه واحد عايز ينتقم منكم معرفش ليه، أنا بكتب لك من الحمَّام، تليفون الممرِّضة، بلَّغي إلياس باشا وبس، توقَّفت رولا تنظر للهاتف للحظات،ثم أرسلت إليها صورة معتز:
_دا؟.
_أيوة...وهوَّ اللي ضربني.
_تمام...كتبتها واستدارت إلى سيَّارتها مع رنين هاتفها باسم يوسف، ولكنَّها ألقت الهاتف بالسيارة وقادتها وخرجت من الكمبوند.
سحبت الهاتف:
_آسيا إنتِ فين؟.
_نازلة الشغل في حاجة؟.
_أيوة الحيوان بيهدِّد كارما، وأنا هروح لها.
تجمَّدت بمكانها:
_أكيد اتجننتي!.
_لا...أنا عقلت، لازم آخد حقِّي.
صرخت بها:
_رولا متتهوريش، كان خارجًا متَّجهًا إلى سيارته، مع ركض آسيا إلى سيَّارتها:
_قولِّي إنتَ فين وأنا جاية.
_آسيا...دا تاري أنا، سمعتيني.
استقلَّت سيَّارتها، وفجأةً توقَّف آسر أمام السيارة ينظر إليها:
_في إيه...بتصوَّتي ليه؟.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ولم تعد تعلم ماذا تفعل، هل ستخبره، أم لا...تعلم تهوُّره.
اتَّجه وفتح باب سيَّارتها:
_ما بترديش ليه؟.
نظرت إليه ثم قالت..