تحميل رواية «صك السلالة» PDF
بقلم نوري
الفصل 1 — رواية صك السلالة الفصل الأول 1 - بقلم نوري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ صك السلالة بقلم نوري.
رواية صك السلالة الفصل الأول 1 - بقلم نوري
_ صباح الخير يا عمو جميل
صباح النور يا زينة البنات
_ انا جبت اكل عشان نفطر سوا، هدخل اصحي ياسين عشان يروح المدرسة وهجيلك على طول
عقبال ما تيجي يكون الشاي بلبن جهز
_ في ثواني هكون عندك
يلا قوام
مشيت بسرعة في اتجاه بيتي .. جنتي، صحيح إنه صغير وبسيط، لكن كفاية إن ذكريات ماما وبابا محاوطاه، دخلت حطيت الفطار في المطبخ واتجهت لأوضة ياسين، لقيته في سابع نومة، قعدت جمبه اقيس درجة حرارته اللي كانت عالية امبارح، بقاله كام يوم تعبان وشكله واخد دور برد جامد، لولا إنه عنده امتحان النهاردة كنت خليته يرتاح، بصيت لملامحه اللي واخدها كلها من بابا وماما، وكأنهم حبوا يسيبولي نسخة منهم تفكرني بيهم، بالرغم من إني عمري ما نسيتهم طول السنين دي ولا هنساهم، قربت منه بوست راسه وابتديت اصحيه، فتح عيونه وأول ما شافني ابتسم، ادفع نص عمري قصاد إن الضحكة دي تدوم
صباح الخير يا لولّا
_ صباح النور يا عيون لولّا
سيبيني انام شوية كمان
_ كدة هتتأخر على الامتحان
مش قادر اقوم خالص
_ معلش يا عيوني، اوعدك لما تيجي من المدرسة هسيبك تنام براحتك
وعد؟
_ وعد، يلا بينا
قام من مكانه واتجهت انا للدولاب طلعت هدوم المدرسة وحطتها على السرير، جهزت شنطته وخرجت احضرله سندوتشات ياخدها معاه عقبال ما يصلي الصبح ويلبس
ليلى
_ انا هنا يا حبيبي
بصي التيشيرت مقطوع ازاي
خدته من ايده ابص فيه، كان مقطوع قطعة كبيرة شوية وباين، مش عارفة ازاي مخدتش بالي منه امبارح وانا بغسله
_ معلش يا حبيبي، البس عليه الچاكيت وهو مش هيبان
هو انا كل يوم هلبس الجاكيت، الجو حر وصحابي بيضحكوا عليا
قربت منه ونزلت لمستواه
_ حقك عليا، روح بيه بس النهاردة وهتيجي تلاقيني اشتريت ليك واحد جديد
بجد
_ بجد، يلا البس الكوتشي عشان عمو زمانه جاي
بص ناحيته شوية وبعدين راح يلبسه، هو كمان حالته مش احسن حاجة، اضايقت عشان ماشي وسط صحابه بالمنظر دة، لكن هحاول اجيبله كل اللي هو عايزه قريب إن شاء الله، سمعت صوت كلاكس عربية عمو لطفي، جارنا هنا في المنطقة وبيشتغل من زمان لدورات مدارس، كل ولاد جيراننا بيركبوا معاه وعارفينه ف ملقتش حد احسن منه استأمنه على ياسين
_ يلا يا حبيبي، اسمع .. سمي الله ومتتوترش أبداً من اي سؤال يقف قصادك
حاضر
_ ومتركزش مع حد ولا تشغل بالك بأي حاجة
حاضر
_ واوعى تغش أو تغشش حد يا ياسين، متغضبش ربنا يا حبيبي
حاضر يا لولّا، فاضل حاجة تانية
_ بوسة على الخد دة
ضحك وقرب مني يبوسني زي كل يوم، لبسته الشنطة وخرجت معاه لحد برا، ركبته و وصيت عمو ينزله قدام باب المدرسة ويطمن أنه دخل، شوفته بيسند راسه على الشباك بتعب والعربية بتتحرك، لازم اخده يكشف في اسرع وقت، شكله تعبان ومش طبيعي أبداً دخلت تاني وابتديت احضر الفطار ليا انا وعمو جميل، رصيت الاطباق على الصينية وغطيتها بقماشة بيضاء وخرجت بأتجاه دكانه
الله، ريحة الفول المدمس بتاعك بتجوعني من حلاوتها
_ بألف هنا على قلبك
اخد مني الصينية حطها على الترابيزة وقعدنا ناكل
ياسين ماله، شكله تعبان النهاردة
_ مش عارفة ليه مرهق اوي كدة وبيسخن
متقلقيش تلاقيه دور البرد بتاع اليومين دول
_ مش عارفة، هاخده النهاردة إن شاء الله اكشف عليه
صباح الخير يا عم جميل
بصينا لمصدر الصوت لقينا فارس
اذيك يا فارس يا ابني، حماتك بتحبك تعالى أفطر معانا
الف هنا انا سبقتكم، اذيك يا ليلى
_ الحمد لله يا فارس انت عامل اية
بخير طول ما انتي بخير
ابتسمتله وبصيت الناحية التانية، عمو جميل كان مصمم إنه يقعد معانا لكنه اعتذر اكتر من مرة
معلش والله يا دوب الحق اتوبيس الشغل، مش عايزين اي حاجة
تسلم يا حبيبي، خلي بالك من نفسك
حاضر
فضل واقف شوية وكأنه عايز يقول حاجة لكنه مشي
الواد عينه هتطلع عليكي، مغلبة قلبه معاكي ليه
_ مش مغلبة قلبه ولا حاجة، انا قولتله اكتر من مرة إنه اخويا
بس هو مش شايف كدة
_ دي حاجة ترجعله يا عمو
يا بنتي، ريحيني وريحي قلبي وخليني اطمن عليكي، الواد شاري وعايزك بالحلال، واللهم بارك مقتدر إنه يفتح بيت وهيريحك من الشغل وقرفه
_ يعني يرضيك اتجوز حد قلبي مش حاسه
لا، بس .. جربي، يمكن تحبيه بعد الجواز، فارس ابن حلال وهيصونك
_ عارفة، بس انا فعلاً مش شايفاه غير اخويا
يا ويلي منك ومن دماغك الناشفة
ضحكت
_ انت عايز اية بس
عايز اطمن عليكي واشوفك في بيت جوزك قبل ما اموت
_ بعيد الشر عنك متقولش كدة، اية يا عمو جميل، دة انت سندي في الدنيا دي بعد ربنا، من يوم ما بابا وماما اتوفوا وانت اللي معايا وفي ضهري، متقولش كدة تاني عشان خاطري
بس دي الحقيقة اللي مفيش منها مفر يا بنتي
_ عارفة، بس مش عايزة اسمعها، ارجوك
حاضر، حاضر يا مغلباني
_ انا همشي انا بقا
رايحة المحل؟
_ اة يا دوب، لو اتأخرت عن كدة هيتخصملي نص يوم وانا في عرض اي قرش
لو حد ضايقك تاني تعالي قوليلي
_ هتعمل اية
ولا حاجة طبعاً هو انا قادر، يلا اجري من هنا
_ وانا اللي قولت بقا عمو جميل هيدغدغ الدنيا عشاني
كان بودي والله بس لسة داهن ڤولتارين، هبقى ابعتلك الواد فارس
_ لا وعلى اية خلاص، سلام
مشيت بسرعة في اتجاهي للمحل اللي بشتغل فيه، طريق بمشيه كل يوم وانا بتحسر على شهادة البكالوريوس اللي خدتها ومرمية في الدولاب مش عارفة اشتغل بيها، مجنون مين اللي يشترط سنين خبرة على طلبة لسة متخرجة، لا ولو قبلوا بدون خبرة الفلوس اللي بيدوها متكفيش حتى المواصلات، فكرت في صحابي اللي كانوا معايا في الكلية، منهم اللي دخلت المجال ورضيت بفلوسه القليلة، ومنهم اللي اشتغلت في حاجة ملهاش علاقة باللي درسناه، ومنهم اللي قعدت في البيت مستنية نصيبها، كلنا كنا بنحلم .. وكلنا وقعنا في فخ الواقع
وصلت قدامه في ميعادي بالثانية، اخدت نفس وحاولت اصفي بالي من اي حاجة مضايقاني ودخلت، استلمت الكاشير من زميلي وبدأت الشيفت، الشغل مش تقيل لكن عدد الساعات والقاعدة على الكرسي من غير راحة هي اللي بترهقني، جيه ميعاد خروج ياسين من الامتحان ف اتصل بيا من التليفون اللي جبتهوله، اطمنت عليه وقالي إنه هيستناني عند عمو جميل زي كل يوم عقبال ما ارجع، بضايق عشانه اوي، بيخاف يقعد لوحده وبيبقى جاي عايز ينام وعقبال ما برجع بلاقيه نايم على الكرسي ف بيصعب عليا، يارب .. يارب ارزقني بالحلال عشانه .. عشانه يارب
” المقابر ”
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ
*
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾
كان قاعد قدام قبرها، قبر حبيبة عمره ومراته، ساكت وباصص على اسمها وتاريخ وفاتها المحفورين على الرخامة، وكأنه بيتحقق منهم ومش مصدق عينيه، الأرض حواليه مفروشة بالورد الابيض اللي بتحبه، والمقرئ في إحدى الزوايا بيصدق القرآن اللي كان بيقرأه على روحها وبيخرج، وبيفضل هو قاعد على نفس الحالة اللي بتصيبه كل ما ييجي يزورها الصدمة .. الإنكار .. و السكوت
اتنهد بتعب ومسح عيونه اللي اتكونت فيها الدموع، قرب شوية وقعد على ركبه، مسح بكف ايده على الرخامة وابتدى يوزع باقي الورد اللي معاه حواليها
* جبتلك الورد اللي بتحبيه، وزعتهولك في كل حتة اهو عشان ريحته تبقى مالية المكان زي ما وصيتي
عيونه دمعت تاني والمرة دي مقدرش يتمالك نفسه
* مش قادر اصدق انك مشيتي، لحد دلوقتي مش مستوعب، فات سنة على اليوم دة، الكل اتأقلم وعاش حياته إلا انا، انا لسة واقف عند اللحظة اللي فارقتي فيها الدنيا وانتي في حضني، ليه، دة مكنش وعدك ليا، انتي وعدتيني انك مش هتفارقيني أبداً، ليه مشيتي بدري اوي كدة، طب انا اكمل ازاي من غيرك، مش قادر اكمل ومش قادر أخالف وصيتك بأني اعيش حياتي، انا تايه، تايه ومش عارف ولا عايز اعيش من غيرك، لكن اللي انا متأكد منه اني عمري ما هخالف الوعد اللي ادتهولك، لا عمري هحب ولا هتجوز بعدك ولا عايز حاجة من الدنيا دي
نزلت دموعه على خده وبكى، بكى بحرقة على فراقها اللي لسة بيدوق مرارته لحد دلوقتي، فضل على الحال دة لحد ما تليفونه رن، طلعه من جيبه ولما لقاه والده مسح دموعه وحاول يهدى عشان ميقلقش عليه
* الو
فينك يا سيف
* انا في مشوار كدة يا بابا
عند مها، مش كدة
* ايوا
تعيش وتفتكر يا حبيبي، قلقت عليك لما صحيت ملقتكش
* معلش حقك عليا، خرجت من بدري وانت نايم مرضتش اصحيك
ولا يهمك، هتقعد كتير
* لا همشي على طول هروح المستشفى
خلي بالك من نفسك، وابقى طمني عليك
* حاضر متقلقش، سلام
قفل معاه وفضل قاعد شوية، قرأ الفاتحة وقام من مكانه وهو بيودعها بعيونه، قفل الباب بالقفل وركب العربية ومشي .. مشي وهو سايب وراه حتة منه مدفونة معاها
عدت ساعات الشغل ببطئ لكنها خلصت أخيراً، قبضت كل اللي في الشيفت بتاعي وقفلت الدرج وسلمته لزميلتي اللي بعدي، مشيت وانا بمد في خطواتي عشان متأخرش على ياسين اكتر من كدة، يا ترى السخونية نزلت ولا ارتفعت تاني، عديت من قدام محل بيبيع هدوم المدارس و وقفت اشوف تيشرت جديد غير اللي اتقطع، لكن لقيت سعره عالي اوي، حسبت الفلوس اللي معايا ولقيت إني لو اشتريته مش هيكفي اجيب طلبات البيت الأساسية والعلاج بتاعه اللي خلص
_ يا ربي اعمل اية دة انا وعدته اجيبه النهاردة
ملقتش حل ف اضطريت اني أمشي، اشتريت وانا ماشية كل اللي محتاجينه وعديت على عمو جميل، لكن اتفاجأت إن ياسين مش هناك
_ عمو، ياسين فين
اهدي يا حبيبتي متقلقيش، نايم عند فارس فوق
_ طب ليه مقعدش معاك
كان قاعد بس فجأة لقيته تعب يا حبيبي وسخن، في رجوع فارس من الشغل لقاه كدة خده كشفله عند الدكتور ولما رجع استأذن يطلع بيه فوق عقبال ما تيجي
مستنتش اسمع باقي كلامه وجريت على بيت فارس
يا بنتي اهدي والله كويس
طلعت السلالم جري لحد ما وصلت لشقتهم وفضلت اخبط لحد ما مامته فتحتلي
اهلا يا حبيبتي اتفضلي، مالك بتنهجي كدة
_ ياسين هنا
اة نايم جوا
ليلى، مالك انتي كويسة
_ ياسين يا فارس .. هو كويس
ايوا متقلقيش، تعالي اتفضلي
دخلت وانا باخد نفسي بالعافية، قعدت على اقرب كنبة وحاولت اكون أهدى، طنط جابتلي كوباية ماية وقعدت جمبي
ليه القلق دة كله يا ليلى هو عند حد غريب
_ لا والله يا طنط مش قصدي، انا بس قلقت لما عمو جميل قالي أنه تعب وفارس وداه للدكتور
حاجة بسيطة الحمد لله، واخد ڤيروس منتشر اليومين دول بس إن شاء الله يتحسن بالعلاج
_ طب هو فين
جوا في اوضة فارس، انا غديته واخد العلاج ونام، سيبيه براحته لحد ما يصحى
_ معلش يا طنط خليني اخده احسن، عشان كمان ابقى متابعة حرارته أول بأول
حاضر يا بنتي، اللى انتي عايزاه، شيله يا فارس وانزل بيه معاها
_ بلاش يتعب نفسه انا هشيله
ولا تعب ولا حاجة هنزل معاكي
دخل الأوضة بتاعته وخرج وهو شايله على ايديه، يا حبيبي شكله مش حاسس بالدنيا من حواليه خالص، نزلت ونزل فارس ورايا واتجهنا للبيت، استنى تحت لحد ما اطلع براحتي وافتح الشقة
_ تعالى يا فارس
طلع وشاورتله على اوضة ياسين، دخل نيمه على السرير وغطاه وبعدها طلع بسرعة وقف على باب الشقة
شنطة العلاج هتلاقيها في شنطته، كل علبة مكتوب عليها كام مرة و هتلاقي الروشتة كمان عليها رقم الدكتور لو احتاجتيه، وإن شاء الله يخف وميحتاجش يروحله تاني
_ متشكرة اوي يا فارس مش عارفة اقولك اية، طب انت دفعت كام عند الدكتور
عيب يا ليلى، هو احنا مش أهل
_ أهل طبعاً بس..
بس اية، بتبعدي عني ليه يا ليلى وتحطي حواجز، من ساعة ما قولتلك اني عايز اتقدملك وانتي بتبعدي عن اي حاجة تجمعنا سوا، حتى امي مبقتيش تطلعي تقعدي معاها زي الأول، وكأني فجأة بقيت حد غريب، حد لازم يبقى بينك وبينه مسافة
_ ليه بتفكر كدة
عشان دي الحقيقة، عموماً اطمني، انا مش هفتح معاكي الموضوع دة تاني، وفي اي وقت تحتاجيني هتلاقيني جمبك من غير ما اتردد، عن اذنك
خلص كلامه ومشي وفضلت واقفة مكاني، انا مكنتش اقصد احسسه بكدة، انا رفضت كتير بكل احترام لمشاعره عرض الجواز منه ومكنش متقبل دة، مش ذنبي اني مش قادرة اشوفه في الحتة دي، طول عمرنا متربيين سوا وبالنسبة ليا هو اخويا وبس، عمري ما شوفته في مكانة تانية، ومع ذلك فكرت اكتر من مرة، لكن مش قادرة اتقبل النقطة دي، مش عشان هو وحش، دة احسن واطيب واحد في الدنيا، لكن عشان مش عايزة اظلم نفسي ولا اظلمه معايا قفلت الباب ودخلت لياسين، قربت منه وحطيت أيدي على راسه، درجة حرارته كويسة ويارب تفضل كدة وميتعبش تاني، كنت لسة هدخل اغير هدومي افتكرت الشنط اللي سيبتها عند عمو جميل وانا بجري على ياسين، اخدت المفتاح وخرجت من الشقة لدكانه
اطمنتي عليه
_ الحمد لله
ماله فارس، كان خارج من عندك وشه مقلوب
اتنهدت بتعب وقولت
_ زي كل مرة يا عمو
متضايقيش نفسك، انا هتكلم معاه
_ ملوش لزوم، هو قالي مش هيفتح الموضوع تاني خلاص
طب وانتي مضايقة كدة ليه
_ مش عارفة، بس يمكن عشان علاقتنا كأخوات مبقتش زي الأول
عمركم ما كنتوا اخوات يا ليلى، انتي
بس اللي شايفة كدة
بصتله ومردتش، قعد جمبي واداني كوباية شاي
خلاص متزعليش، المهم إن الموضوع اتقفل وانتي مرتاحة، بكرا ربنا يعوضه خير، ويرزقك بأبن الحلال اللي يصونك وابقى مطمن عليكي وياه
_ واسيب ياسين؟ لا مستحيل يا عمو، مقدرش اسيبه لوحده
واحنا روحنا فين، كلنا هنا في الحارة أهله ومستحيل نسيبه، ابوكي الله يرحمه ليه جميل في كل بيت في الحارة ورجالة بشنبات كانت بتقف احتراماً ليه رغم إنه لا كان فتوة ولا له منصب، لكن جدعنته مع الصغير قبل الكبير واحترامه خلى الناس كلها تحبه وتحترمه غصب عنهم، ف تفتكري ممكن نسيبك أنتي أو اخوكي لوحدكم
_ عارفة يا عمو والله كتر خيركم، بس .. ياسين دة حتة مني، مقدرش ابعد عنه لحظة، هو اللي باقيلي من بعد وفاة ماما وبابا
الف رحمة ونور عليهم، كانو اطيب خلق الله والله، تعرفي، قصة حبهم كان عارفها الكل، والدتك الله يرحمها كانت لما تقعد مع ستات الحارة تفضل تمدح في ابوكي وتحكي وتتباهى باللي عمله عشان يتجوزها
_ كانت بتحبه اوي، بتحبه لدرجة إنها مستحملتش تعيش من غيره وماتت بعده بشهر
الله يرحمهم ويجعل مأواهم الجنة
_ امين، تسلم ايدك على الشاي
بالهنا والشفا يا حبيبتي
_ هدخل انا بقا عشان ابقى جمبه
لو احتاجتي حاجة قوليلي
_ حاضر، عن اذنك
اخدت الشنط ورجعت بيهم للبيت، حطيتهم في المطبخ ودخلت اغير هدومي، عديت على اوضة ياسين ابص عليه لقيته لسة نايم، دخلت المطبخ وابتديت أرص الحاجة اللي اشتريتها في مكانها، إيدي كانت بتتحرك بآلية، لكن عقلي كان عامل زي الساقية اللي مش راضية تقف، كلام عمو جميل عن ابن الحلال اللي يصونني كان بيرن في ودني، وفي نفس الوقت ملامح فارس وهو خارج وشه مقلوب وكلمته أنه مش هيفتح معايا الموضوع ده تاني كانت واجعاني، مش عشان عايزاه، بس عشان العشرة وصعب عليا أخسر الشخص الوحيد اللي كان بيسندني في غياب أهلي
طلعت كيس المكرونة وحطيته في العلبة بتاعته، وافتكرت فجأة شكل ياسين وهو بيقولي أن صحابه بيضحكوا عليه، فتحت البوك وابتديت أحسب الحسبة للمرة الألف
_ طب لو مجبتش منظفات النهاردة؟ لا مش هينفع، طب والجمعية اللي انا دخلاها هدفعها ازاي؟
لقيت نفسي قعدت على الكرسي الخشب الصغير اللي في المطبخ وسندت راسي بين إيدي، الدموع كانت محبوسة في عيوني ومش عايزة تنزل كأنها هي كمان خايفة تضعفني
_ يارب، أنت العالم بيا وبحالي، انا مش عايزة والله ليا حاجة، أنا بس عايزاه ميبقاش ناقصه حاجة، متبقاش عيشته صعبة كدة وهو لسة مشافش حاجة من الدنيا، مش عايزاه يحس إنه يتيم وأنا موجودة
قومت غسلت وشي وحاولت أستقوى، دخلت اوضته وفتحت شنطته اشوف ورقة امتحانه، لكن عيني وقعت على علبة العلاج اللي فارس جابها، مسكت الروشتة وقعدت أقرأ في كلام الدكتور اللي مش فاهماه، فارس قالي إنه ڤيروس منتشر، لكن قلقي مش راضي يصدقها، قلبي بيقولي إن النهجان وتعب جسمه ده وراه حاجة اكبر، بس مش في أيدي حاجة غير اني امشي على العلاج واراقب حالته
بصيت ناحيته لقيته في سابع نومة، وشه شاحب أوي وكأن الدنيا كلها جاية عليه وهو لسة عوده طري، فتحت الدولاب وطلعت التيشرت المقطوع، مسكته في إيدي وابتديت أحاول أصلحه بإبرة وخيط عشان اداري القطع اللي فيه
_ بكرة تفرج يا ياسين .. بكرة تفرج يا حبيبي
كنت بقولها لنفسي قبل ما اقولها ليه وانا جوايا امل إن حياتنا تظبط شوية، لكن برضو جوايا احساس بالخوف من المستقبل مبينتهيش
” شقة فارس ”
دخل أوضته وقفل الباب وراه ببطء وكأنه بيقفل على الوجع اللي جواه، رمى مفاتيحه على الكومودينو و قعد على طرف السرير، سند كوعه على ركبته وهو بيبص لحيطة الأوضة اللي متزينة بصور قديمة ليهم وهما صغيرين في الحارة وكل اللي في باله سؤال واحد، ليه؟ ليه كل ما بيحاول يقرب خطوة ترجع هي عشرة؟ ليه مش قادرة تشوفه غير مجرد اخ وبس، حط دماغه بين ايديه بتعب وقال
انا عمري ما شوفتك أخت، ولا عايز أكون ليكي أخ
غمض عينيه وافتكر ملامحها وهي واقفة قدام باب الشقة، كانت مهزوزة وخايفة على ياسين، وفي نفس الوقت كانت بتبني سور بينه وبينها بكل كلمة شكر رسمية بتقولها، قام وقف وراح ناحية الشباك، فتحه وبص على بيتها اللي قصاده، نفسه تطلع البلكونة يشوف طلتها اللي عينه مبتشبعش منها، وتبصله وتبتسم زي ما كانت بتعمل وهما صغيرين، افتكر لما كان بيمشي معاها لحد الدرس، ولما كان بيشتريلها الحاجة اللي بتحبها من مصروفه، ويتخانق مع ولاد الحارة اللي يضايقوها وهي ماشية، طول عمره بيحاوطها، بيحميها من الهوا الطاير، ومستني اللحظة اللي تقوله فيها انها موافقة تكون معاه، هو مش ناقصه حاجة، شغال وبيكسب كويس والكل في الحارة بيحلف بأدبه، بس قدامها هي .. بيحس إنه صغير، إنه مش كفاية يملى عينها ويخليها تتعلق في دراعه وترمي حمولها عليه وتطمن بوجوده زي زمان
مش ذنبك يا ليلى إنك مش شيفاني .. ذنبي أنا إني مش عارف أشوف غيرك
مسح على وشه بإيده بقوة وكأنه بيحاول يمسح فكرة إنها ممكن في يوم تكون لغيره، جعته الفكرة، نغزت قلبه نغزة خلت نفسه يضيق، رمى جسمه على السرير تانى وهو بيبص للسقف بيفكر في كلامه الأخير ليها
مش هفتح معاكي الموضوع ده تاني
مكنش بيقوله وهو مقرر يبعد بجد، لكن قاله عشان يحفظ اللي باقي من كرامته قدامها، كان عارف إنه لو فتح الموضوع تاني وهي رفضته مش هيقدر حتى يبص في وشها
بكرة تعرفي إن مفيش حد هيخاف عليكي وعلى ياسين قدي .. حتى لو فضلتي شيفاني أخ، هفضل أنا شايفك الدنيا وما فيها
” ڤيلا سيف عز الدين ”
ركن عربيته قدام الفيلا ونزل وهو حاسس بتقل في جسمه وخطواته، الجو كان هادي زيادة عن اللزوم، هدوء بيخنقه أكتر ما بيريحه، فتح الباب ودخل ببطئ، قلع الجاكيت ورماه على اقرب كرسي وعينه جت تلقائيًا على أوضة والده، اتجه ليها وفتح الباب براحة، لقى الممرضة قاعدة في ركن الأوضة بتقرأ في كتاب تحت ضوء أباجورة خافت، اول ما شافته قامت وقربت منه وهي بتتكلم بصوت واطي
حمد الله على السلامة يا دكتور، عز بيه لسة نايم من نص ساعة، أكل كويس النهاردة وأخد كل أدويته في ميعادها، والضغط كان مظبوط طول اليوم
هز راسه بهدوء وهو بيبص لوالده اللي نايم على السرير، ملامحه كانت باينة فيها التجاعيد والوهن، وكأن العجز مش بس صاب رجله، ده صاب روحه كمان، حس بغصة في حلقه وهو بيفتكر كلامه المتكرر عن الحفيد، قد إيه الطلب ده بقا حمل تقيل على قلبه، حمل بيحسسه إنه مقصر في حق آخر خيط باقي ليه في الدنيا، وفي نفس الوقت بيحسسه إنه بيتحكم عليه بالاعدام، إعدام ذكرى مراته، خرج من الاوضة وقفل الباب، طلع السلالم
لاوضته الخاصة ودخل وقفل الباب وراه، فضل واقف في الضلمة لثواني وبعدها اتجه ناحية التسريحة، مد إيده وفتح الدرج وطلع منه برواز صغير محطوط فيه صورتها بضحكتها اللي كانت بتنور البيت، بملامحها الرقيقة اللي كانت بتمتص غضبه في ثواني، قعد على طرف السرير وهو لسة ماسك الصورة، مشى صباعه على وشها ببطئ وقال
* فاتت سنة يا مها .. سنة كاملة وأنا لسة مستنيكي تصحيني من الكابوس ده، البيت بقى واسع أوي عليا والضلمة بقت صاحبتي الوحيدة
اتنهد بوجع وغمض عيونه وهو بيفتكر آخر يوم ليهم سوا، والوعد اللي قطعه ليها وهي في حضنه اثر كلامها
اوعى تنساني يا سيف .. اوعى حد يملى مكاني
نزلت دموعه وباس راسها وقال
* مستحيل حد يملى مكانك، مستحيل اتجوز ولا احب غيرك، وبعدين متقوليش كدة، هتقومي بأذن الله وهتبقي زي الفل
خدني في حضنك يا سيف، متسيبنيش
ضمها لحضنه بكل قوته وهو بيرتجف ومرعوب من اللحظات الجاية
فتح عينيه ونزلت دمعة منهم وهو بيبص لصورتها
* انا لسة عند وعدي .. والله لسة عنده، بس بابا تعبان يا مها، بابا عايزني أبيع اللي باقي منك عشان خاطر اسم السلالة، عايزني أجيب طفل من واحدة غيرك
مسك الاسكارف بتااعها اللي مش بيفارق سريره وشم ريحة عطرها اللي لسة متعلقة فيه، مش بس رافض الجواز، هو خايف .. خايف إنه لو فتح بابه لحد تاني ملامحها تبدأ تبهت من ذاكرته، قام من مكانه وحط الصورة مكانها وقفل الدرج بحرص وكأنه بيقفل على قلبه هو، رجع اخد الاسكارف في حضنه ونام على السرير بهدومه وهو باصص للسقف لحد ما النوم غلبه وهو لسة بينطق اسمها في سره
* مها..
” شقة ليلى”
خيوط الشمس كانت بدأت تتسحب براحة وتدخل من شباك الأوضة، لكن ليلى مكنش زارها النوم ليلتها، كانت قاعدة جمب ياسين، عينها منزلتش من عليه لحظة وكل شوية تمد إيدها تتطمن على حرارته، هديت شوية عن بليل لكن همدان جسمه هو اللي كان واكل قلبها، قربت منه وباست راسه وهي بتهمس بصوت حنين
_ ياسين .. حبيبي .. يلا عشان تفوق كدة وتشرب اللبن
فتح عينه ببطء، مكنش فيها اللمعة الشقية اللي متعودة عليها كل يوم، ولا نط من السرير وباسها وهو بيصبح عليها، فضل باصص للسقف شوية وبعدين لف وشه الناحية التانية وهو بيسحب الغطا عليه بتعب
مش عايز يا ليلى، سيبيني أنام
قلبها انقبض، نومه الكتير وسكوته ده مش مريحها أبداً، قعدت جمبه وخدته في حضنها وقالت
_ طب بصلي وقولي حاسس بوجع فين؟ زورك لسة بيوجعك؟
هز راسه ب لأ من غير ما ينطق ولا كلمة، وكأنه مش قادر حتى يطلع الحروف من بقه، ملامحه كانت باهتة وتحت عينه فيه هالات سودة بدأت تظهر رغم إنه نايم ساعات كتير وحست ببرودة غريبة في أطرافه رغم إن جسمه لسة دافي، إحساس الخوف بدأ يتسرب لقلبها، الموضوع مش مجرد فيروس ولا دور برد، حاسة إنه اكبر من كدة، في لحظة ما كانت لسة بتملس على شعره بحيرة سمعت خبط هادي على الباب، لبست طرحتها وخرجت تفتح لقت جميل واقف وماسك في إيده كيس فيه عيش سخن
صباح الخير يا بنتي، قولت أجيب الفطار وأطمن على ياسين، لقيت ميعاد شغلك جيه وانتي لسة مخرجتيش، قلقت قولت يمكن جرى حاجة
اتنهدت وهي بتفتحله الباب يدخل
_ صباح النور يا عمو اتفضل، مش هقدر أنزل المحل النهاردة، مش هقدر أسيبه وهو بالمنظر ده
دخل قعد على الكنبة اللي في الصالة وقال
لسة تعبان برضو؟ مش فارس وداه للدكتور وأخد الدوا؟
_ أخده والحرارة نزلت درجة، بس هو مش فايق، قاعد ساكت وهمدان بطريقة غريبة، ياسين مبيفصلش كلام، دلوقتي مش عايز يفتح بقه بكلمة، أنا قلبي مش مستريح للدكتور ده، بفكر أخده وأروح لدكتور تاني كبير يفهم هو فيه إيه بالظبط
بص لملامحها المرهقة وحاول يهديها
يا بنتي استهدي بالله، الدوا لسة مكملش ٢٤ ساعة في جسمه، والعيال الصغيرة مناعتها ضعيفة والبرد بيكسرهم، اصبري عليه النهاردة كمان يمكن مفعول العلاج يبدأ يبان ويقوم يجنننا زي عادته
بصت ناحية أوضته شافته وهو نايم في سكون مريب، قررت جواها إنها لو غابت الشمس وهو لسة تعبان كدة مش هتستنى لبكرة، رجعت تبص لجميل وقالت بصوت مخنوق
_ يارب يا عمو يكون كلامك صح ويطلع شوية برد .. يارب
” ڤيلا سيف عز الدين ـ غرفة سيف ”
كان لسة نايم بقميصه وبنطلونه، المنبه مبطلش رن وتليفونه كمان بيزن جمبه على الكومودينو، قام قعد على طرف السرير وسند راسه بين إيده، صاحي مقريف وطعم الحزن لسة مر في حلقه، ليلة امبارح كانت عاملة زي سحابة سودة فوق راسه مش راضية تتحرك، اتنهد بتعب وقام يجهز عشان يروح المستشفى، حاول يرسم ملامحه الجادة القوية اللي بيداري وراها حزنه وكسرته، خرج من أوضته ونزل السلالم لقى والده قاعد بكرسيه المتحرك على راس السفرة زي كل يوم وقدامه الفطار، أول ما شافه وشه نور بابتسامة هادية وصافية وقال
صباح الخير يا سيف
ابتسم ابتسامة باهتة لكن كانت كفاية عشان ميقلقش والده
* صباح النور يا بابا
قعد على الكرسي وبدأوا يفطروا في هدوء، عز كان بيبصله بتمعن وكأنه بيقرأ اللي ورا ملامحه وبعدين سأله بصوت حنين
إيه أخبار شغلك النهاردة؟ عندك عمليات تقيلة ولا يومك هادي
شرب رشفة من قهوته ورد وهو باصص في الطبق
* عندي عمليتين الصبح وبعدها همر على الحالات اللي في الرعاية
بص في ساعة إيده وحس إن الوقت بيتسرق منه، مسح بوفطة السفرة على بقه وقام وقف وهو بيقول
* أنا يادوب ألحق أتحرك عشان متأخرش على ميعاد العمليات، خلي بالك من نفسك، ولو فيه أي حاجة مهما كانت بسيطة كلمني فوراً
بص للممرضة اللي واقفة بعيد شوية وأكد عليها
* دوا الضغط في ميعاده يا رؤى، وممنوع أي مجهود، فاهمة؟
ردت الممرضة باحترام
حاضر يا دكتور، متقلقش
اتجه ناحية الباب، وقبل ما يخرج سمع صوت والده وهو بيدعيله من قلبه
روح يا ابني ربنا يريح قلبك وبالك ويفتحها في وشك ويرزقه بالذرية الصالحة اللي تملى عليك دنيتك وتعوضك عن كل وجع
وقف مكانه لثواني، غمض عينيه وطلع نفس طويل وهو بيلف وبيبتسم ابتسامة فيها يأس مخلوط بحب، هز راسه يمين وشمال بالراحة بمعنى مفيش فايدة، مردش بكلمة و لبس نضارته الشمسية وخرج ركب عربيته وهو بيفكر إن الذرية دي هي آخر حاجة ممكن يفكر فيها في عالم هو شايف إنه انتهى خلاص بموت مها
” شقة فارس ”
كان واقف قدام مراية الدولاب في أوضته بيقفل زراير قميصه الكروهات بـإيد بتتحرك بسرعة وعقل مشغول، ملامحه كانت لسة شايلة أثر قلة النوم بتاعة بليل وعينيه فيها إرهاق باين، شد حزامه وأخد محفظته ومفاتيحه من على الكومودينو وخرج للصالة وهو بيعدل ياقة القميص، اول ما طلع لقى والدته واقفة عند السفرة وبترص أطباق الفطار
اللي لسة الدخان طالع منها، بصتله بحنان وهي بتمسح إيدها في المريلة وقالت
تعالى يا فارس، اقعد افطر قبل ما تنزل عشان تسند طولك في الشغل
وقف ومقربش من السفرة، مسك تليفونه وبص في الساعة وقال بنبرة مستعجلة
تسلم إيدك يا أمي، بس مش هلحق خالص والله، يادوب أنزل ألحق الاتوبيس
بصتله بنظرة فاحصة، نظرة أم حافظة ابنها وعارفة دخلته وخرجته
طب خلك سندوتش في إيدك حتى وأنت نازل
هبقى أشتري أي حاجة وأنا ماشي، انا هعدي بس على ليلى في طريقي أشوف ياسين عامل إيه الصبح والحرارة نزلت ولا لأ وأطمن إن الدوا جاب نتيجة
حطت طبق العيش على الترابيزة ببطء وبصتله بنظرة طويلة فيها عتاب ووجع عليه وقالت
أنت رايح تعدي عشان تشوف ياسين وتطمن عليه ولا عشان تشوفها هي يا فارس؟
ايده اتسمرت على مقبض الباب والصمت حل في الصالة، لف وشه ببطء وبصلها و عينيه كانت مليانة كلام شفايفه مقدرتش تنطقه، قربت منه كام خطوة وقالت بقلة حيلة وهي بتطبطب على كتفه
يا ابني كفاية لحد كدة، كفاية حرقة دم وقلب على الفاضي، ليلى بنت حلال وأنا بحبها زي بنتي، بس هي مش شيفاك غير أخ، وقالتهالك وقالتها لعمك جميل مية مرة، انت ليه موقف حياتك وعمرك على حد مش هيديك اللي بتتمناه؟ الحارة مليانة بنات يتمنوا منك إشارة، وأنا نفسي أفرح بيك وأشوفك مستقر
غمض عينيه بقوة، الكلمات كانت بتخبط في صميم جرحه المفتوح من بليل، أخد نفس طويل وفتح عينيه وبصلها وقال
أمي، ارجوكي متفتحيش الموضوع دة تااني هو اتقفل خلاص وبابه اتردم، وأنا قولتلها بليل إني مش هفكر فيه ولا هفتح بوقي بكلمة تانية تخص الجواز، كرامتي مش رخيصة للدرجة دي
كمل وهو بيفتح الباب
بس العشرة والواجب اللي بيننا وجدعنة أبوها الله يرحمه معايا ومع الكل تخليني مقدرش أنزل من البيت من غير ما أطمن على الولد الصغير اللي ملوش ذنب دة، دة فرض عليا يا أمي مش منّة
مستناش يسمع ردها، خرج وقفل الباب وراه براحة وساب وراه صدى خطواته التقيلة على السلم، فضلت واقفة مكانها في الصالة تبص على الباب المقفول بقلة حيلة حقيقية وحاسة بوجع ابنها اللي بيكابر ويداري ورا قناع الشهامة والجدعنة، اتنهدت تنهيدة طويلة وموجوعة من قلبها وقالت وهي بترجع للسفرة تشيل الاكل
ربنا يريح قلبك يا ابني ويهديك ويرزقك باللي تريح بالك
” مستشفى الطفل الاستثماري ”
وصلت المستشفى وبمجرد ما رجلي عدت البوابة حسيت بالهدوء والنظام الصارم اللي بيلف المكان، ريحة المعقمات المألوفة دخلت صدري وكأنها الإشارة اللي بتفصلني عن حياتي برا، غيرت هدومي ولبست البالطو الأبيض وبدأت جولتي اليومية على غرف المرضى في الرعاية المركزة والقسم الداخلي، كنت بمر من سرير لسرير بقرأ التقارير الطبية المعلقة بتركيز وعيني بتراجع مؤشرات الأجهزة، وتعليماتي بتتوزع على الممرضين والممرضات بنبرة جادة وحاسمة مفيش فيها مجال للغلط
* الحالة اللي في غرفة ٣٠٢ ضغطها يتقاس كل ساعتين، واأي هبوط بلغيني بيه فوراً، وجرعة السيولة بتاعة حالة 305 تتأجل لحد ما أشوف تحليل السيولة الجديد
حاضر يا دكتور
خلصت المرور وبصيت في ساعتي لقيت لسة فاضل حوالي ساعة على ميعاد أول عملية ليا، نزلت لمكتبي وقفلت الباب ورايا ببطء عشان أعزل نفسي عن أي دوشة، رميت جسمي على الكرسي الجلد المريح وسندت راسي لورا وغمضت عيني وانا بحاول أسرق شوية هدوء وعقلي لسة بيردد دعوة بابا الصبح، مفاتش عشر دقائق والباب خبط ودخل مراد، صاحبي الوحيد ودكتور التخدير اللي معايا في أغلب العمليات، دخل بابتسامته المعتادة وهو ماسك في إيده كوبايتين قهوة، حط واحدة قدامي وقعد على الكرسي اللي قصاد المكتب
عارف إنك صاحي مقريف النهاردة، قولت أجيب القهوة ونيجي نفوق سوا قبل المعركة بتاعة العمليات
اخدت منه الكوباية وابتسمتله نص ابتسامة
* تسلم يا مراد، جيت في وقتك فعلاً، الواحد محتاج يفصل
شربنا من القهوة والسكوت ساد للحظات، لحد ما لقيته حط كوبايته على المكتب وعدل قعدته وبصلي بنظرة أنا حافظها كويس، نظرة التمهيد لموضوع أنا مابطيقوش، أتنحنح وقال بصوت هادي
سيف.. بمناسبة الفصلان بقى، كنت عايز أكلمك في موضوع كدة، مش هتيجي اللحظة اللي تفوق فيها لنفسك يا صاحبي؟ سنة كاملة راحت من عمرك وأنت قافل على نفسك، مش ناوي تفتح قلبك تاني وتفكر في الجواز؟
حسيت بضيق مفاجئ كبس على نفسي، حطيت كوباية القهوة من إيدي بعنف شوية وبصيتله بعتاب ونفاذ صبر
* حتى أنت يا مراد؟ ارحمني أبوس إيدك، مش هتبقى أنت وأبويا عليا في نفس اليوم،هو مفيش سيرة في الدنيا دي غير الجواز؟
قرب كرسيه شوية واتكلم بنبرة كلها خوف حقيقي عليا
يا سيف أنا مش عليك، أنا معاك وفي ضهرك، احنا بنقول كدة عشان خايفين عليك، العمر بيجري بيك يا صاحبي ودي سنة الحياة، مينفعش تفضل لوحدك كدة العمر كله شايل جبل لوحدك، محتاج ونيس، محتاج بيت وأولاد
في اللحظة دي، حسيت بحزن تقيل أوي نزل على ملامحي، حزن حاولت بكل طاقتي إني أداريه ورا نظرة جمود بس عيني خانتني، بصيت في الأرض وأنا بفرك إيدي بوجع وقولت بصوت واطي ومخنوق
* انا مش عايز اتجوز يا مراد، مش عايز واحدة تانية تدخل حياتي بعد مها، انا لحد النهاردة ولحد اللحظة دي، مش قادر أتخطى فقدانها، مش قادر أستوعب إنها مشيت ومبقتش موجودة، إزاي طالبين مني أظلم نفسي وأظلم واحدة معايا وأنا قلبي وعقلي لسة مدفونين هناك معاها؟
بصلي بشفقة وسكت، حس إنه داس على الجرح زيادة، وأنا عشان أهرب من نظرة الشفقة دي ومن الخنقة لقيت ضهري ليه وبصيت من ازاز المكتب وببص السما
* يارب
” شقة ليلى”
عقلي كان لسة عمال يودي ويجيب فيها تعب ياسين، بقيسله الحرارة كل شوية من رعبي عليه وبحاول اخليه يفوق لكنه مش قادر، سيبته شوية ودخلت المطبخ اشوف ورايا اية، وفي عز ما انا مندمجة سمعت خبط هادي على الباب، خرجت وفتحته واتفاجأت بفارس
صباح الخير يا ليلى، قولت قبل ما أتحرك على الشغل أعدي أطمن على ياسين، عامل إيه؟ الحرارة نزلت؟
ـ صباح النور يا فارس، هو لسة تعبان والله، نايم جوا ومش قادر يقوم من على السرير
عقد حواجبه باستغراب وقال وهو بيبص ناحية الصالة جوا
لسة تعبان؟ غريبة، أنا افتكرته خف شوية الصبح بعد ما أخد خافض الحرارة والمضاد بليل، الدكتور قال دة دور بسيط وهيروح مع أول جرعة
هزيت راسي بيأس ودموعي كانت هتخوني وتنزل من عيني
ـ لأ يا فارس، الولد همدان خالص ومش طبيعي، السخونية قلت حاجة بسيطة بس جسمه مكسر ورافض ياكل أو يتكلم، أنا مش مستريحة ومقررة بالليل اخده أروح بيه لدكتور تاني
خلاص، أنا بعد الشغل هجيلك عشان أروح معاكي ونوديه لأحسن دكتور
حسيت بحرج شديد، فارس لسة متبهدل معايا من امبارح، وغير
كدة كلامه بليل إنه مش هيفتح الموضوع تاني مخليني مش عايزة أشيل منه جمايل تخليني مكسوفة منه، قولت بسرعة وبأدب وأنا بحاول أبتسم عشان أطمنه
ـ لأ يا فارس، بالله عليك ملوش لزوم خالص تعطل نفسك وتستأذن من شغلك، أنا هعرف أتصرف وأخده لوحدي
ملامحه اتغيرت والابتسامة البسيطة اللي كانت على وشه اختفت تماماً، بص في عيني نظرة طويلة مليانة عتاب وقال
تعب إيه يا ليلى .. إحنا أخوات، والأخ مبيتخلاش عن أخته في وقت زي دة
كلمة اخوات لما طلعت منه حسيتها خبطت في قلبي ونغزتني، شوفت في عينه الوجع وهو بيلزم نفسه بالدور دة وبالكلمة دي عشان بس يفضل جمبي ويحميني، مكنتش قادرة أقول حاجة تريح قلبه ولا قادرة أقبل حبه ف نزلت عيني الأرض وسكت، الصمت كان أبلغ من أي كلام ممكن يبعدنا أو يقربنا، وفضلنا واقفين على الباب من غير ما حد فينا ينطق بحرف زيادة
” ڤيلا سيف عز الدين ـ غرفة عز الدين ”
كان قاعد في ركن الأوضة الواسعة، الكرسي المتحرك متثبت قدام الشباك الكبير اللي بيطل على جنينة الفيلا، عز الدين .. الراجل اللي الكل بيعمله لاسمه ألف حساب قاعد النهاردة مكسور، عاجز عن الحركة وعن إقناع ابنه الوحيد إنه يعيش حياته، مد إيده التقيلة اللي بتترعش خفيف ورفع سماعة التليفون الأرضي المحطوط على المكتب الصغير جمبه، بدأ يضرب الأرقام بحفظ وضغطات بطيئة، استنى لثواني لحد ما الخط فتح وجاله الصوت اللي بيريح قلبه دايماً، اخد نفس طويل وقال بنبرة هادية بس شايلة هموم الدنيا
اهلاً يا علية .. عاملة إيه وصحتك عاملة إيه النهاردة؟
اخويا حبيبي، وحشتني اوي، عامل اية طمني عليك
استمع لردها الودود وبان على وشه شبح ابتسامة باهتة، لكن سرعان ما اختفت والكسرة رجعت تملك ملامحه تاني
والله يا علية أنا مش بخير، الحمل زاد عليا أوي ومبقتش عارف أتصرف إزاي ولا أروح لمين، الموضوع يخص سيف، مفيش غيره هو اللي واكل قلبي وعقلي
طب احكيلي يا حبيبي سمعتك
سكت شوية، وكأنه بيجمع طاقته عشان يحكي الوجع اللي جواه وكمل بصوت مخنوق
النهارده الصبح كنا بنفطر سوا، وفتحت معاه السيرة إياها، سيرة الخِلفة والذرية، وإنه لازم البيت دة يتفتح وتدخل فيه الروح من تاني، دعيتله من قلبي يرزقه بالذرية الصالحة اللي تشيل اسمه، تفتكري عمل إيه؟
اية؟
بصلي بنظرة كلها يأس، وهز راسه يمين وشمال ومشي من غير ما ينطق بحرف، الولد لسة قافل على نفسه يا علية، سنة كاملة فاتت على موت مها وهو لسة مش عايز يتخطى
نزل عينه للأرض وهو بيبص لرجله العاجزة وكمل بنبرة فيها رجاء واستعطاف
انا مش طالب منه يحب يا علية، أنا فاهم إن الحب مبيجيش غصب، أنا بس عايزه يتجوز، يجيب الحفيد اللي بتمناه والنسل دة مينقطعش، وبعدها يعمل اللي هو عايزه. أنا راجل قعيد ومباقيش من عمري قد اللي فات، ونفسي عيني تقر برؤية حفيد من ريحته قبل ما أقابل وجه كريم .. عشان كدة بكلمك
أخد نفس وشد على سماعة التليفون أكتر
سيف بيحبك يا علية، أنتي مش مجرد عمته، أنتي في غياب أمه الله يرحمها كنتي الأم الحقيقية ليه، وبيعمل لخاطرك وكلامك ألف حساب وبيسمع منك اللي ميرضاش يسمعه مني، أنا طالب منك تكلميه تحاولي تقنعيه وتلينى دماغه الناشفة دي، تفتحيله بيبان الأمل اللي قفلها بـ ميت قفل
سيب الحوار دة عليا، أنا هعرف إزاي أدخل له وأجيبه لحد عندك موافق
هز راسه براحة وسند ضهره لورا على الكرسي وقال
ربنا يخليكي ليا يا علية وميحرمنيش من حنيتك انا مستني خطوتك معاه، وطمنيني أول بأول، مع السلامة يا حبيبتي
قفل السماعة وحطها مكانها بالراحة، بص للشمس اللي بقت في وسط السما، ولأول مرة من فترة يحس إن فيه طاقة نور صغيرة دخلت الأوضة
” شقة ليلى ”
الليل كان دخل والحارة بدأت تهدى وصوت دوشة النهار ينسحب واحدة واحدة، كنت واقفة في الصالة لابسة عبايتي السودة وطرحتي وإيدي كانت بترعش وأنا بلم علب الدوا بتاعة ياسين من على الترابيزة وبحطها في الشنطة، دخلت الأوضة وبصيت عليه، كان نايم بهدومه اللي لبستهالها بالعافية، نفسه عالي ومسموع، نهجان ورا نهجان كأنه بيجري وهو ثابت في مكانه، سمعت خبطتين على الباب، روحت فتحت لقيت فارس واقف
ـ فارس
معلش اتأخرت عليكي، أنا جهزت كل حاجة وكلمت واحد صاحبي معاه عربية واقف لنا على أول الحارة برا، عن اذنك هدخل اخد ياسين
مستناش مني رد، دخل الاوضة وشاله بين إيديه، اخدت الشنطة وقفلت باب الشقة ورايا ونزلنا السلم في صمت، طول الطريق في العربية عيني مكنتش بتنزل من على وش ياسين اللي ساند على حجر فارس، وصلنا العيادة والدنيا كانت زحمة أوي، قعدنا على الكراسي الخشب وياسين في حضني حاسة بسخونية جسمه اللي رجعت تزيد وكل دقيقة بتعدي كانت بتسحب من عمري سنة، لحد ما الممرضة ندهت اسمنا، قومت بسرعة وفارس سندني وفتحلنا الباب ودخلنا، على الكرسي وفارس قعد قدامي. الدكتور بص لياسين بنظرة فاحصة، وبعدين التفت ليا وقال
اتفضلي، قوليلي بيشتكي من إيه بالظبط؟
أخدت نفس وبدأت أحكي
ـ هو يا دكتور جاله دور سخونية جامد من يومين بس مش دي الأزمة، الأزمة إنه همدان تماماً، مبينطقش، مبيتحركش من السرير عكس عادته خالص، ولما بيصحى بيبقى مش فايق، عينه دبلانة وعنده نهجان غريب في صدره كأنه مش قادر يلقط النفس، وبحس أطرافه سقعانة رغم إن جسمه دافي، ودكتور امبارح قالي إنه فيروس وكتبله على الأدوية دي
مديت إيدي وطلعت علب الدوا والروشتة القديمة وحطيتها قدامه، مسك العلب قراها بتمعن وهو بيهز راسه وبعدين طلب مني أحطه على سرير الكشف، وقفت جمبه وأنا بفك زراير قميصه الصغير، طلع السماعة وحطها على صدره وفضل ينقلها من مكان لمكان والسكوت اللي في الأوضة بقى مرعب، فجأة شوفت عينه اضيقت وبص لوش ياسين بنظرة غريبة، نظرة شك وخوف مكتوم وكأنه لمح حاجة هو عارفها كويس، قلبى انقبض ورجلي مبقتش شيلاني، شال السماعة وطبطب على راسه ورجع قعد على مكتبه ومسك القلم وبدأ يكتب في الروشتة بسرعة وهو بيحاول يداري ملامحه وقال بنبرة هادية زيادة عن اللزوم
بصي الادوية دي هنوقفها خالص ملهاش لزوم دلوقتي، أنا كتبتلك على دوا جديد هتمشي عليه بانتظام، بس محتاج منك تعملي لي رسم قلب في أسرع وقت وتجيبيهولي
كلمة رسم قلب نزلت عليا زي الصاعقة، ف سألته بصوت مرعوب
ـ رسم قلب؟ ليه يا دكتور؟ هو ماله؟ صدره فيه حاجة ولا إيه؟
رفع عينه وبصلي وقال بنبرة هادية ومقنعة
يا ستي مفيش حاجة تقلق خالص والله، دة مجرد إجراء روتيني عشان نطمن على عضلة القلب بعد السخونية الجامدة دي، وعشان الدوا الجديد اللي كتبتهوله نكون متطمنين وأحنا بنجيبه، اعمليه وتعاليلي بكرة على طول
كان بيتكلم بثقة، بس
نظرة الشك الأولى اللي شوفتها في عينه كانت لسة محفورة في عقلي، الكدبة مأثرتش فيا، وقلبي كان بيقولي إن فيه مصيبة مستنيانا ورا الكلمة دي