تحميل رواية «سكن مشترك» PDF
بقلم نورهان علام
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ سكن مشترك بقلم نورهان علام.
رواية سكن مشترك الفصل الأول 1 - بقلم نورهان علام
فتح الباب وهو مش شايف من النعاس، لكنه اتعدل في وقفته لما شافها وهو بيقول:
“خير يا غالية… محتاجين حاجة؟”
قالها باستفسار وعيونه مش عليها، عيونه مش على أي حاجة كعادتها، عيونه تايهة ومرهقة، فضلت ساكتة بعد سؤاله، متوترة، بتفرك كفوف يديها في بعض، كرر سؤاله تاني بتعب:
“طب أنتِ محتاجة حاجة؟”
بلعت ريقها وهي بتقول بلا مقدمات:
“فارس… تعالى نتجوز، هنرتاح إحنا الاتنين، لو فكرت كدة أهلك هيسيبوك في حالك، هتسافر وهتسيبني هنا، مش هخليك ملزم لا بزوجة ولا بيت ولا حتى مصاريف”.
قالت كل اللي عندها دفعة واحدة، وهو!
كان متنح، شاكك في نفسه إنه أكيد سمع غلط، يمكن أصلا هو لسه نايم، أو حتى دي هلاوس.
“دا رقمي… هستناك تكلمني عشان أفهمك أكتر”.
أخذ الورقة من يديها بذهول وهي نزلت بسرعة لأهلهم تحت عشان محدش يحس بغيابها، كلهم مركزين مع غياب جسمها، لكن روحها اللي غابت من سنين محدش لاحظها.
================================
قبل سبع سنين
الزغاريد في شقتهم كانت واصلة لآخر الحارة، وصوت فرحتهم بنتيجة الثانوية مسمع كل البيوت:
“وحياة قلبي وأفراح، وهناه في مَساه وصباحه
دا مافيش فرحان في الدنيا قد الفرحان بنجاحه”
كانت غالية بتغني وتتنطط في النص وأخواتها البنات وأمها وأقرب ناس ليهم كمان موجودين، صديقة طفولة أمها وبناتها، كانوا ملفوفين حلقة حوليها بيصقفوا:
“مبروك يا غالية… عقبال فرحة التنسيق وبالمجموع الحلو دا تدخلي هندسة زي فارس”.
ضحكت بصوت عالي وهي بتحضنها وبتقول:
“يا كيمي أنا علمي علوم… أمسك لهم مشرط بدل القلم الرصاص أرسم بيه يعني؟”
الكل ضحك معاها، وطبعا الكل متقبل كريمة اللي في كل مناسبة أو قاعدة أو حتى وجودها الطبيعي في أي مكان مرتبط إنها لازم تذكر سيرة فارس ابنها من وهو في اللفة وعن فخرها وحبها له.
“هندسة إيه يا كريمة اللي البنت تدخلها ملهاش مستقبل، دي هتبقى دكتورة قد الدنيا، تشتغل في أي مستشفى وتفتح عيادة لها تكسب من وراها دهب”.
قربت منال بنت طنط كريمة تسحبني من وسط الاتنين اللي يفتحوا وصلة ردح صغيرة كدة على ابن مين الشاطر الأنجح:
“تعالي بس كدة لأحسن يكلوكي في النص”.
ضحكت والخمس بنات دخلوا أوضة غالية:
“أيوه بقى أول دكتورة اللي هتشرفنا في العيلة وعيلة العيلة”.
قالتها منال بحب وهي بتضم غالية، رغم فرق السن اللي بينهم حوالي ٨ سنين، لكن جمال غالية ونضجها عن سنها وكمان مرحها وبهجتها بتخلي أي حد يحبها، لكن قطع الحضن الجميل دا الكائن الصغير المستفز اللي ممرهت غالية في خلفة البنات، وهي أخت منال الصغيرة عندها ١٢ سنة بس وولية مطلقة ٧ مرات باين:
“مشرفة عائلتهم، لكن إحنا مافيش غير فاروس هو اللي مشرف عائلتنا”.
بصيت للصغيرة بيأس، أصل هيكون إيه ناتج التربية لما تكون الطفلة محشورة في كل حوارات الكبار من أكبر حاجة لأتفه حاجة، رغم إن منال الأكبر منها بعمر كامل مش كدة خالص، منال زعقت لها وبعدين جات أختي الوسطانية قمر وهي بتقول:
“طب إيه، إحنا لازم من دلوقتي نحضر هدوم الكلية والميكب عشان لما التنسيق يظهر هتتسحلي في التقديم والرغبات ومش هنفضى”.
وفعلا دفة الحوار اتغيرت وقعدوا ساعات يختاروا في استايلات والبنات بتجرب من بعضها، فرحتهم بغالية أصغر بنوتة فيهم يعتبر وهي بتحقق حلمها اللي تعبت عشان توصل له.
==================================
وبعد ظهور التنسيق وأيام والنتيجة بتاعته ظهرت، وكانت اللحظة اللي غيرت كل حاجة، لحظة كان الاختيار فيها هيرسم حياتها لسنين قدام، لكن للأسف قراراتنا مش دايماً بتبقى صح، ممكن نكون عاوزينها لكن مش مناسبة لينا، أو حتى من كتر ما إحنا متمسكين بيها محسبناش كويس عواقبها.
واتقبلت غالية في طب طنطا، لأن مجموعها مكنش كافي إنها تتقبل في أي كلية في القاهرة، والأيام عدت بسرعة وبين حرب وإصرار في البيت عرفت تقنعهم إنها هتقعد مع خالتها في إسكندرية طول فترة الدراسة، والمسافة بين الكلية وخالتها مش بعيدة زي المسافة بين القاهرة وطنطا.
كانت واقفة على رصيف المحطة، ومعاها شنطتها وورق كليتها وابتسامتها المقبلة على الحياة الجديدة، ووصلت لبيت خالتها، والترحيب الكبير ليها هناك حسسها بالغربة، الغربة اللي فعلاً كانت ابتدت وهي مش حاسة.
بمرور سنتين على اللحظة دي:
”يا حبيبي نتقابل إزاي؟
امتحاني كمان يومين والمادة دي فتحتها من أول الترم”.
“يا حبيبتي أنتِ شطورة وتعرفي تلميها في يوم، وبعدين لسه في فاينل تعوضي فيه.. أنتِ وحشتيني وكمان عندي حوارات محتاج أقعد معاكي شوية”.
نبرة صوته، ودلعه ليها، وإنه على طول شايفها شطورة، خلاها توافق، عاشها أجمل سنتين في حياتها، فلما يكون محتاجها أكيد أكيد هتروح له، وبالفعل قامت لبست وأخذت شنطة فيها كشكولين وخرجت لخالتها:
“أنا نازلة يا لولو”.
“نازلة فين يا غالية؟
دا وقت خروج وامتحانك كمان يومين، مش عاوزين مرقعة الترم اللي فات، قضيتيها خروج وأنتِ بتقولي أنا هعرف ألم يا لولو، أنتِ مش واثقة في شطارتي يا لولو؟ وبعدين نجحتي على درجة واحدة!”.
مالت على خدها تبوسها وهي بتداري الكتب وبتقول:
“والله نازلة أذاكر مع صحابتي وأهو نشجع بعض، وماتخافيش قبل الساعة ١٠ هبقى هنا”.
خرجت وهي متضايقة، مكنتش بتحب الكذب لكن اتعلمته، زي ما اتعلمت حاجات كتير مكنتش بتحبها، فعلاً وصلت الكافيه اللي بيقعدوا فيه، وقعدت جنبه وهو مسك يديها وبيقول:
“كنت عارف إنك هتيجي يا غالية، أنتِ الرهان الوحيد في حياتي اللي ضامن مكسبه”.
كان كلامه حقيقي وواضح، لكنها ترجمته بطريقة خلتها تدوب فيه أكتر وهي بتسأله بقلق:
“مالك يا حبيبي؟ حصل إيه؟”
“أبويا بدماغه الخربانة دي، مصمم إني مفتحش المشروع اللي بحلم بيه وبيقولي ركز في الكلية”.
مكنتش حابة طريقة كلامه على أهله خالص، دايماً مش بيقول أفضل كلام ومش بيختار كلماته، لكنها كانت بتلتمس له العذر في كونهم دايماً مش فاهمين ودائماً مش مدركين أحلامه وطموحه، حتى كليته قايل لها إنهم هم اللي اختاروها.
الكلام خدها وسندت على كتفه وهي بتشرب اللبن بالشكولاتة وهو بيصورهم وبعدين وراها الصور:
“حلوة أوي الصورة دي”.
“حلوة عشان أنتِ فيها يا حياتي”.
ابتسمت بفرحة مش طبيعية من كلامه الجميل واللطيف ونسيت خالص إن تليفونها في يده لغاية ما استوعبت وهو بيرفع حاجبه بتعجب وبيقول:
“إيه دا؟ إيه دا؟ إيه دا؟ إيه الجمال المستخبي دا يا غالية؟”
خطفت التليفون منه بحرج وهي بتشوف الصورة بتاعت إمبارح، كانت ببيجامة بكم عادية لكن كان كتفها باين، وطبعاً زي أي بنت بتذاكر بتجيب آخرها من المادة فتقوم تحط ميكب وترفع شعرها ويبقي ناقص ترقص للمادة عشان تتفهم:
“دا… دا كنت بذاكر إمبارح بس ومكنتش فاهمة أوي”.
ضحكت على توترها وهو بيمسك يديها وبيقول بهزار مسموم:
“كل دا للمادة؟
أومال هتعمليلي أنا إيه لما
نتجوز؟”
سحبت يديها فوراً وهي بتقول بتكشيرة:
“مبحبش الطريقة دي في الكلام، لو سمحت متكررهاش”.
“خلاص يا ستي آسف، كنت بس بهزر معاكي، من غير ما أشوف حاجة يا غالية متأكدة إنك جميلة، أحلى بنت في الدنيا كلها”.
حاولت تفك والكلام خد بعضه لغاية ما سألها:
“مش قصدي حاجة والله، بس أنتِ كنتِ حاطة حاجة على كتفك؟
بني كدة وشكلها غريب معرفتش دا إيه.. تاتو؟”
ملامحها اتغيرت وهي بتبص بعيد عنه شوية، مكنتش مركزة في إنه اتخطى حدوده تاني على قد ما سرحت في الحرق اللي سأل عنه، لكنها جاوبته بضيق وزعل وهي بتقول:
“دا حرق على كتفي وجزء بسيط جداً من ظهري، مش بيبان أصلاً لو فارده شعري… من أربع سنين وأنا في أولى ثانوي وقع زيت مغلي عليا لكن ماما لحقتني والباقي وقع على يديها هي”.
طبعاً كان بيواسيها وبيعرفها إنها جميلة زي ما هي، وإن الحرق اللي زعلانة منه دا مزودهاش غير جمال، وكلام كتير تحب أي بنت تسمعه من حبيبها، لكن كل دا اتغير، كل دا بمعنى أصح اتبخر.
==================================
بمرور سنتين:
كانت خارجة وواقفة قصاد المراية، خلاص خلصت سنة رابعة وأخذت الإجازة، وكانت مضطرة تنزل إجازة للقاهرة عشان إصرار أمها إنها تطمن عليها. خلصت الميكب اللي حاولت يكون خفيف قدر الإمكان، واستلفت فستان من بنت خالتها واسع عن لبسها اللي تغيرت طبيعته تماماً، وفعلاً نزلت وقابلته عشان هيوصلها للمحطة.
”الجميل لسه زعلان ولا إيه؟”
“اتحرك عشان ميعاد القطر ميفوتش”.
قالتها بنبرة حاولت تخليها طبيعية، مابتقدرش تزعل منه، لكن كل أفعاله بقت بتضغط عليها. كل جهدها بقى مركز عليه وعلى مراقبته وعلى إنها لازم تفضل جميلة في عيونه. في بنات تانية كاملة مكملة معندهمش علامات في جسمهم، لبسهم شيك والميكب بتاعهم على الشعرة. مكنتش مركزة إن عقدة جسمها اللي الكل وصلها له إنه مفيش حد هيقبل بيها بالحرق دا، الحرق اللي بقى علامة في نفسيتها قبل كتفها، وعيونه اللي بقت تروح على كل البنات حتى وهو معاها ومبرراته غير المقنعة لكنها بتعمل نفسها مقتنعة لغاية ما بقت بتقتنع فعلاً. وصلها المحطة فعلاً وبيودعها وهو ماسك إيديها وبيقول:
”والله يا حبيبتي كان صاحبي مستلف العربية مني عشان يخرج مع صاحبته ومكنتش أعرف إنها صاحبتك”.
دا كان مبرره أو كذبته، لما طلبت منهم يوصلوها هي وأصحابها مكان عربيته عشان الأم كانت رافضة يروحوا هناك، أول ما طلعت وشغلوا شاشة العربية، سبحان الله لقت إن أكثر الأجهزة ارتباطاً هو موبايل صاحبتها!
قال إيه هي وصاحبه مرتبطين وبيخرجوا بالعربية بتاعته! عربيته اللي هي متأكدة إنه مش بيديها لإخواته غير بالعافية هيسيبها لصاحبه عادي؟!
================================
زغاريد أمها المعتادة وهي بتستقبلها، وكمان كريمة موجودة مع مامتها لكن محدش من البنات كان موجود. بعد السلامات غيرت ودخلت المطبخ تساعد أمها عشان الكل هيتغدى النهاردة عندهم؛ الكل دي معناها هي وإخواتها وكريمة صاحبة أمها وبناتها وكمان ابنها فارس. مكنتش غالية مهتمة، كانت واقفة بتخرط الملوخية وهي سرحانة ودبلانة لغاية ما كريمة قالت:
”تخنتي واحلوّيتي يا بنت يا غالية… مع إن مش باين عليكي التخن لكن فستانك كان ضيق عن العادي”.
“من القعدة والمذاكرة يا خالتي”.
بس!
دا كان ردها. في العادي غالية بكّاشة، بتهزر وتضحك ومافيش كلمة بتعدي من تحت لسانها عادي من غير ما تضحك أو تتغزل في اللي حواليها. غالية في عيونها جميلة، بتشوف الناس كلها جميلة، لكن غالية دلوقتي شايفة الكل جميل إلا هي.
الكل اتجمع على الغدا وهي مركزة في طبقها مش بتشارك في أي حديث، لكن لازم تبقى مركزة وسامعاهم عشان لو حد سألها عن حاجة ترد. مينفعش حد يلاحظ إنها سرحانة وبالها مشغول أو إنها زعلانة ومكسورة، هتدخل في دوامة أسئلة يتعبوا بيها أكتر.
”وهو فارس مش جاي يا كريمة؟”
كان سؤال مامتها اللي كملت كلامها وقالت إنه بقاله شهور مش بيجي يشوفها زي ما متعود، لكن كريمة زي أي ست مصرية أرهقها الكتمان فقالت:
”فارس ابني ربنا يهديه والله تعبني ومغلبني، البنت اللي بيحبها أهي اتجوزت وحامل باين وهو على حطة إيدك من بعد ما سابوا بعض، يحبها من وهو ١٨ سنة!
المعفنة دي، يوفي الله!
تسيب ابني وتروح لغيره، بنت مالهاش أصل ولا تستاهله أصلاً”.
رفعت غالية رأسها باستغراب، كانت عارفة إن فارس ابن كريمة بيحب واحدة وتقريباً هي تعرف البنت كمان لأنها من المنطقة هنا، لكن عدت سنين على آخر مرة سمعت فيها الكلام دا، وهي في ٣ ثانوي باين كانت سامعة إنه خلص ٣ كلية ورايح يتقدم لها، وبعدها على طول عرفت إن أهلها رفضوه وماركزتش مع الموضوع تاني. أصل أكيد هو نفسه فكّس للبنت.
”ابنك دا فقري، معقول بيحب واحدة من وهو ١٧ سنة وهو خلاص داخل على ٢٦ سنة خلاص!”
كانت هتشرق وهي بتبلع المياه. معقول في حد ممكن يحب حد لمدة ٨ سنين؟
بيحبه بلا كلل وممل كدا، من غير ما حتى يقدم له حاجة؟ اللي تعرفه إنهم ارتبطوا سنتين في أول كليته وبعدين هو سابها لأسباب مكنتش مهتمة تركز معاها زمان، وبعد سنة رجع اتقدم لها تاني اللي هي اترفضت في المرة دي.
اتجوزت وحامل كمان وهو لسه قلبه معاها، واحدة يعتبر سابته ورفضته… واحدة ماقدمتش له أي حاجة، ماغيرتش من نفسها في كل حاجة عشان تعجبه!
غصب عنها سرحت وقارنت، كانت بتحلم حبيبها يحبها كدا لكن حلمها ماتحققش.
خلصت الإجازة ورجعت الإسكندرية، وأول حاجة عملتها كانت اختبار له، اختبار مدى تمسكه بيها لو قالت له:
”خلينا نسيب بعض فترة، صدقني مش قادرة أكمل وجوايا كل الدوشة والشكوك دي”.
==================================
بمرور سنة
اسمي اتنده من مساعدة الدكتورة فقلت ودخلت:
“أهلاً أهلاً بالغالية اللي ماجتش جلساتها بقالها شهر ونص”.
ابتسمت لدكتورتها اللي تقريباً ضربوا مع بعض صحوبية وعلاقتهم بقت أكبر بكتير من مجرد ثيرابيست ومريضة:
“الامتحانات آخر سنة أهي وهخلص”.
“مفكرتيش تكملي سنة الامتياز برضو؟”
“قراري نهائي، أنا أول ما الترم دا يخلص هروح القاهرة، ماليش قُعاد في إسكندرية تاني”.
“ماشي يا ستي، مش هضغط عليكي دلوقتي بس هنتكلم تاني، بس مش في العيادة، خلينا دلوقتي نكمل مكان ما وقفنا آخر مرة وكمان تقوليلي عملتي إيه الشهر اللي فات”.
“أنا شوفته على فكرة، بس لأول مرة أبقى قرفانة منه، شيفاه ميستاهلش حتى أسئلة إني لسه عملت فيا كده، ليه كرهتني في نفسي وشكلي لدرجة دي؟
كنت باصة له مش بتحسر على اللي عمله فيا يا إسراء، كنت باصة له بحسرة على أربع سنين من عمري اللي ضيعتهم معاه”.
كان في تقدم كبير ولمحة فرحة في عيون إسراء إن دا حصل، إنها أخيراً من غير ما تحس بدأت تدي لنفسها قيمة وتدي للحظات عمرها والسنين اللي قضتها معاه قيمة من تاني، وشافت أخيراً إنه أصلاً
مكنش يستحقها.
إسراء كانت فاكرة أول الجلسات وهي بتبكي ونهارة عن ليه سابها ولسه سامعة كلامها وهو لو بيحبها مكنش هيعمل كده، وبعدين سنة كاملة بتحاول تصلح لها جملة:
“أنا لو كنت أستاهله مكنش هيسيبني”.
================================
بمرور سنة والعودة للوقت الحالي:
نزلت عشان أهلهم مايحسوش بغيابها، بعد ما نفذت أكتر حاجة مجنونة خطرت على بالها مع أبعد إنسان ممكن ييجي في دماغه في موقف زي دا، عرضت عليه إنهم يتجوزوا، ماتعرفش ليه، بس هي سمعت نصيحة إسراء: أي حاجة مجنونة عاوزة تعمليها اعمليها.
”نعم يا روح أمك!”
بلعت ريقي بخوف وأنا بقول:
“فين المهنية… إحنا دلوقتي في جلسة على فكرة”.
في لحظة قفلت الفيديو كول بتاع الجلسة واتصلت فيس تو فيس تشرشح لي:
“قال مهنية قال… أنتِ بجد عملتي كده؟”
“مش أنتِ اللي قلتي أي حاجة مجنونة روحي اعمليها؟”
“أنتِ بتستعبطي!
إحنا بنحاول نرجع شخصيتك المرحة اللي بتضحك وتتحرك من غير ما تحسبها، يعني الجنان في حالتك دلوقتي إنك تروحي تسهري مع أختك في بيتها، تنزلي تلعبي “اسكيت” على الكورنيش، تجربي مثلاً تخرجي من أوضتك وتقعدي مع أبوكي وأمك اللي لسانك مش بييجي على لسانهم غير بالصدف… لكن تروحي لواحد ماتعرفيهوش تقولي له نتجوز؟!”
“أنا عملت كده وخلاص، وصدقيني اللي عملته دا كان أسهل عليا من إني أعمل اللي أنتِ بتقوليه عليه دا، أنا خلاص مابقتش عاوزة حاجة من الدنيا غير إني أبقى في حالي… صدقيني مش حمل أسمع كلمة زي اللي بابا قالها من أسبوع… هعمل حاجة في نفسي يا إسراء والله”.
خلصت كلامها وانهارت من العياط في أرضية البلكونة، ومهما حاولت إسراء تهديها كانت النتيجة إنها قفلت المكالمة والتليفون وبتبكي بصمت ووجع، وهي بتفتكر من أسبوع وهي بتتكلم مع أمها:
“غالية… في عريس متقدم لك يا بنتي، وعاجب أبوكي وشكله ابن حلال، ما تجربي تقعدي معاه يا بنتي يمكن يعجبك”.
زفرت بعصبية، خلال السنة اللي رجعت فيها بعد ما خلصت الكلية وهي بتفر من أبوها وأمها اللي كل شهر ييجوا بقائمة عرسان:
“جواز مش هتجوز يا أمي، أنا هفضل قاعدة في بيت أبويا، بس لو تقيلة عليكم للدرجة دي قولي لي”.
أمها قلقت من عصبيتها، بنتها اللي سافرت وهي ١٨ سنة غير البنت صاحبة الـ ٢٤ سنة اللي قصدها، اختلفت، اتبدلت، ودبلت زي الوردة اللي ماتت قبل أوانها:
“طب اهدي يا حبيبتي، ولو في حد في قلبك قولي لي أنا أمك سترك وغطاكي، ووعد يا ستي لو هو حد مناسب أقف قصاد الدنيا كلها وأجوزهولك”.
مقدرتش تستحمل وحضنت أمها بكل تعب الدنيا والوجع اللي فيها وهي بتقول:
“أنا مش قادرة يا ماما، معنديش أي حاجة باقية أقعد بيها مع حد تاني، أنا تعبت واستنزفت لآخر نقطة فيا، مش عاوزة أتجوز، مش عاوزة راجل يقرب مني حتى ويبص ليا، ارحميني أنتِ وبابا من سيرة الجواز والخطوبة… اعتبريني اترهبنت يا ستي وقفلت باب الجواز”.
ماعرفش إيه حصل وإمتى بابا دخل وهو بيزعق ومتعصب ومش في حالته الطبيعية اللي بتسمعها:
“اترهبنتي!
رهبنة إيه اللي بنت بنوت مشافتش الدنيا تقول عليها؟ عرفيني ليه رافضة أي شخص مين ما كان هو؟
رافضة حتى من قبل ما تشوفيه وتعرفي اسمه!
عملتي إيه في نفسك في إسكندرية يا غالية… خنتي ثقتي فيكي يا غالية؟”
==================================
سمعت صوت باب البلكونة بيتفتح، قامت بسرعة وهي بتمسح دموعها وبتحاول تنسى اللي سمعته من أسبوع من أبوها، لكنها لقت أباها قدامها.
خبت عيونها عنه، هي حتى لو كلامه وجعها، لكن التمست له ألف عذر. هي لو في مكانه كانت هتفكر كدة؛ كل حاجة بالترتيب دا، برود أفعالها، كانت تدل إن رفضها للجواز مش لسبب عادي، مش لمجرد إنها مش عاوزة تتجوز دلوقتي أو حتى تعرف حد وبتحبه.
فهمت إن غضبه لحظتها كان من خوف وحيرة سنتين وبنته عايشة زي الأموات، لا بتضحك، لا بتفرح، لا بتقعد معاه، لا بترغي زي زمان وتصدعه.
فضلت واقفة وعيونها في الأرض مش عارفة تبص له، هي فعلاً خانت ثقته، يمكن مش بالطريقة اللي لمح لها وندم على كدة في نفس اللحظة، لكنها في النهاية فعلاً هانت ثقته هي وأهلها كلهم، لما ارتبطت وخرجت معاه وسمحت له يتعدى حدود كتير معاها، خانت ربها ودينها وأهلها لما لبست كل حاجة مايرضيش ربنا من ضيق لقصير وهي حاطة حتة قماشة ملهاش عازة على شعرها.
أبوها حضنها من غير مقدمات وهو بيقول:
“حقك عليا يا غاليتي، خوفي وغضبي اتحركوا قبل عقلي، وسوسة الشيطان غلبتني، حقك عليا يا بنتي، مكنتش أقصد والله، مجرد كلام في لحظة غضب…..
أنا واثق فيكي وفي تربيتي، وواثق إن بنتي حتى لو مجنونة هي ماعملتش حاجة تحني رأسي بيها ولا تغضب ربنا”.
عيطت!
انهارت مع كل كلمة هو قالها، حاسة إنها ماتستحقش حتى لو كانت بتتمناها.
أساساً إنها ماتستحقش الثقة والحب دا كان ضميرها اللي حاسس بالذنب وندمان على كل غلطة عملتها، ومزيج من العلامة اللي هو سابها في روحها إحساس مش بيفارقها إنها أقل من إنها تتحب، أقل من إنها تتشاف، أقل في الجمال من أي حد، أقل في كل حاجة.
إحساس بقالها سنين بتحاول تتعالج منه، لكن معها اتعالج؛ حتى لو اتشفت منه هيفضل أثر الندبة في روحها.
================================
مر أسبوع على عرضي على فارس، وبالفعل كلمني وكنا مضطرين نتقابل وهو مكنش موافق أبداً نتقابل لوحدنا في أي كافيه، عشان كدة اقترح إن منال أخته الكبيرة تبقى معانا لكن تبقى بعيد شوية عننا، وأكد عليا إنه ماقلش لها حاجة غير إنه هو اللي عاوز يخطبها.
ولأن الموضوع بالنسبة لها نجاة وافقت وحست إن فارس كمان فكر ووافق.
”ازيك يا فارس؟”
قالتها عشان تقطع الصمت، فهز رأسه وهو بيقول:
“تمام الحمد لله… أنتِ كويسة؟”
“أنا تمام..”
قبل ما تتكلم بدأ هو بابتسامة ترفع الحرج وقال:
“بصي… بما إن أمهاتنا مش بيتبلع في فولة، زي ما أنتِ عارفة إني عاوز أسافر وأسيب كل حاجة، أنا كمان عارف إن نفسيتك مش أحسن حاجة الفترة دي، ومتفهم إن أفكارك ممكن تكون متلغبطة واللي حصل كان اندفاع و…”
بصت له بضيق وهي تقاطع كلامه بتقول له:
“أفكاري تمام… مش مجنونة عشان أقول حاجة زي كدة من غير ما أحسبها… لو مش موافق ممكن تعتبر الموقف نفسه ماحصلش”.
سكت للحظة وهو بيصحح قصده باهتمام:
“مش قصدي أبداً والله، يا غالية أي بنت غالية وتستاهل اللي يحبها يشيلها على رأسه، يديها كل حقوقها… أنتِ مش تترافتضي، أنا اللي أترفض… أنا قفلت سكة الجواز عشان عارف إني مش هقدر أدي لأي واحدة حقوقها كاملة”.
”بص يا فارس، أنا ماعرضتش عليك حاجة زي كدة عشان عاوزة حقوق منك ولا حب، ولا هديك حقوق، أنت لما تتجوز أمك هتخف الضغط من عليك، هتسافر وتشتغل
براحتك وأنا هيخف الضغط من عليا برضو، مصلحة متبادلة. أنا عارفة إنك بتحب واحدة وعشان كدة رافض الجواز من غيرها، وباين عليك شاب بيتقي الله مش عاوز تظلم واحدة غيرها… بس أنت مش هتظلمني لأني مش مستنية منك حاجة… وعموماً اعتبر إني ما سمعتش حاجة”.
كانت هتقوم وتمشي، مسكت شنطتها وقبل ما تقوم نطق بسرعة:
“استني يا غالية، إحنا مش بنتفق على مرتب شغل ولا إيجار محل، دا جواز… مدركة يعني إيه جواز؟”
سابت شنطتها وهي بتحاول تفهمه:
“فارس صدقني كتر الكلام يتعبني، ممكن تقول آخر حاجة عندك، موافق ولا لا؟”
“طب فهميني منين تقولي لي جواز ومنين تقولي مش عاوزة مني حاجة؟”
“نتجوز عادي زي ما هما نفسهم، لكن حياتنا هتبقى كل واحد في حاله، أصلاً مش هنعيش مع بعض، أنت كدة كدة مسافر تشتغل بره وعقد شغلك ٤ سنين، يعني أنا في بلد وأنت في بلد، كل واحد عايش حياته، وأيام إجازتك عايشين في بيت واحد عادي لكننا اتنين متجوزين قصاد أهلنا، بس محدش ملزم يدي للتاني أي حق أو يعمل أي واجب… اعتبره سكن مشترك يا عم أيام الإجازة”.
مكنش مستوعب، حتى لو قلبه مع واحدة تاني، رغم إنه خلاص مابقيش فارق معاه الموضوع، بس ليه الكل فاهم إنه رافض الجواز عشانها؟ لكن رفضه نابع من إنه مبيحبش يظلم حد، مينفعش يبقى عايش مع واحدة لكنه مش موجود معها. هيديها كل اللي يقدر عليه ويعمل كل الواجبات، لكنه فاهم إن الست بتحس، بتحس باللي معاها، وفرق كبير بين اللي بيحبها واللي بيمشي دنيته وخلاص. لكن كلامها كان غريب مش منطقي، هو فعلاً لما سمع منها كدة فكر كتير؛ ممكن يبقى له فرصة يتجوز ويحب من تاني ويفرح ويحزن مع واحدة هيقدر يأمن على قلبه من تاني؟
”أنا مش مصدق اللي سمعته، يعني أنتِ مدركة أنتِ بتقولي إيه؟ دا ما اسمهوش جواز يا غالية… على رأيك دا سكن مشترك بجد”.
ماتعرفش ليه عيونها دمعت، حست إنها حتى أقل من إن حد يقبل إنها تبقى على اسمه بس، كانت هتمشي لكن قبل ما حتى تدي ردة فعل هو قال:
”أنتِ أغلى من كدة، مش عارف إيه أسبابك وإيه اللي يخليكي تفكري إن دا الحل الوحيد اللي ينجيكي، لكني موافق….
لكن مش موافق على سكن مشترك، موافق على جواز اتنين مهلوكين نفسياً، جايز يلاقي في بعض سكن بجد”.
قلبها وإيديها اترعشوا، جملته الأولى شلّت تفكيرها، ماتوقعتش تسمعها، ما صدقتش، وشككت لكن مش فيه، شككت إنه شاف فيها حاجة مش موجودة فيها. لكنها كانت معترضة على كلامه:
”أنا مش موافقة”.
ابتسم لها باستغراب وهو بيقول:
“مش موافقة على إيه بس؟”
“مش موافقة على اللي أنت بتقوله دا، كلام أفلام ما ياكلش عيش، أنا اللي أقدر عليه سكن مشترك، أعمل لك أكل معايا لو مش قادر تعمل لنفسك، لكن زوجة وواجبات والكلام دا مش موافقة عليه… يمكن أنا كنت غلط لما عرضت عليك حاجة زي كدة.. معلش ضيعت من وقتك”.
زفر بزهق وهو بيقول:
“مكنتش أعرف إنك بتستسلمي بالسرعة دي، الحوار لسه داير، اللي بقوله كلام منطقي أكتر من كلامك على فكرة، ممكن تهدي؟
عشان أنا موافق عادي وراضي جداً بالكلام، بس بنتفق زي أي اتنين بيتفقوا على أساسيات قبل الجواز”.
“برضه بتقول جواز، إحنا مش نتجوز.. إحنا…”
ضحك في نفسه على أفكارها المتلخبطة، ومش مدرك ليه رافضة حتى فكرة الفرصة إنهم يتجوزوا بجد، شكلها مرت بكتير في حياتها، وهو بجد شايف إنها ماتستحقش واحد مش عارف هيعرف يسعدها ويطمنها ويحبها ولا لا.
”أنا موافق على كل اللي أنتِ عاوزاه بس بشرط، جربي تفكري إن دا فعلاً جواز حقيقي، قبل ما تتعصبي بس أنا مش عاوز منك أي حاجة، بس يعني فكرة السكن المشترك دي مضحكة بصراحة، ماتخرجش من واحدة فكرت خمس ثواني قبل ما تنطق”.
حطت رأسها على الترابيزة، عنده حق، غباء لما تروح تقول لرجل نتجوز بس نتجوز في نفس اللحظة، لكنه كان لقطة بالنسبة لها؛ واحد مش عاوز يتجوز وعاوز يسافر، على رأيها ما خدتش خمس ثواني تفكير وهي بتقول الكلام دا.
”أنا عاوزة منك كلمة… محدش هيلزم التاني بأي حاجة هو مش عاوزاها، والجواز هينتهي بمجرد ما عقد شغلك يخلص”.
سكت لحظة وهو بيقولها:
“أنتِ بجد بتتكلمي عن طلاق قبل ما آجي أتقدم؟ متأكدة إن أفكارك مش ملخبطة؟”
“قولت لك أفكاري تمام، أنا يا عم بحسبها مصلحة لمدة أربع سنين، هعيش لوحدي واسمي متجوزة، مش بزمتك هنرتاح من زن أمهاتنا؟”
ضحك بخفوت، ضحك من قلبه بجد على كلامها اللي يخليه يتأكد إنها ما حسبتش أي حاجة، أمهاتهم مش هيرتاحوا منهم، بالعكس دول هيحطوا رأسهم في رأس بعض وهيعملوا تركيز مركز عليهم.
”أنت بتضحك ليه؟”
نبرتها كانت رخمة، وهو ابتسم وهو بيقول:
“ديل يا ستي، بعد أربع سنين نبقى نشوف حوار الطلاق دا، مع إني ما أحبش لقب “مُطلق” دي آخده وأنا ثلاثيني”.
“أما أنت دلوقتي ثلاثيني أصلاً!”
“رغم إني ما وصلتش الثلاثين بس وماله، هفضل شباب وبروح وباجي وبفرح… مش معنى إني ثلاثيني إنك تجبي لي صبارة فوق راسي”.
أول مرة يقول الكلام دا، على طول بيسمعه من أمه وأخواته وأهله، مع إنه مش شخص انطوائي ولا حد مبيعرفش يتعامل، هو بس على طول تعبان وعاوز يكبر دماغه، شوية الطاقة اللي في حيلته يدوبك على شغله.
زفرت بعدم اهتمام، وهو حس لوهلة إنه تخطى حدوده وبدأ يهزر وحب الكلام، عشان كدة احترم نفسه وهو بيقول:
“طب تمام، بكرة هيقول لك أبوكي إني اتقدمت، استغربي بقى وكده وماتوافقيش على طول عشان ما يحصلش حوار، وكدة كدة الكل هيزن عليكي عشان توافقي…”
“كل دا مش مهم، أنت هتسافر إمتى؟”
حست إنها فعلاً عاوزة تشحنه في طرد الشحن السريع، مش بتسأل عن الميعاد.
“كمان ٨ شهور، ست شهور عقبال ما عقد الشركة اللي أنا فيها يخلص، وشهرين أمشي العقد التاني وأجهز ورق السفر”.
“طب خلاص، اتكلم مع بابا كمان أربع خمس شهور”.
“ومين هيوافق تخطبي ٣ شهور وتتجوزي؟
هو العقل إننا ننجز دلوقتي عشان يبقى كل شيء طبيعي معاكي وقت تختاري كل اللي نفسك فيه”.
“أختار إيه… هنعمل خطوبة طويلة عشان نتعرف على بعض مثلاً؟”
ضحك من انفعالها وهو بيقول:
“عاوزة تطبخي طبخة حلوة والكل يصدقها يبقى تظبطي البهارات والتوابل…
يعني خطوبة مدتها معقولة
قعدات عائلية معلش استحمليها
وكمان شقة، طبيعي جداً تختاري كل زاوية فيها على ذوقك، وبعدين كدة كدة أنتِ هتقعدي فيها أربع سنين بحالهم، اعتبريه استثمار”
رواية سكن مشترك الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان علام
اقنعني بكلامه، وفعلاً عملت اللي اتفقنا عليه، وحددوا ميعاد خطوبة فعلًا، وطبعًا دا بإصرار الأهل، أنا مكنش فارق معايا أوي، وهو أصلًا رافض خطوبة واختلاط وأغاني. اتفقنا أنا وهو إننا نعمل حاجة في بيتنا بسيطة بين أخواتنا وأصحابنا وبس، حتى هو محبش يعزم حد من أصحابه عشان الكل بنات في بنات. نزلت اشتريت فستان بسيط للخطوبة، ومنال مُصِرّة نعمل ماتشينج:
“بصي النبيتي دا حلو وهادي زي ما إنتِ عاوزه، وهو يشتري قميص نبيتي وبنطلون كلاسيك بيج.”
كان رأي منال اللي متحمسة أكتر مني شخصيًا للخطوبة وكل التفاصيل:
“فعلاً الفستان حلو.. بس…”
“مافيش بس! ادخلي قيسي.”
دخلت أقيس الفستان فعلًا، الفستان حلو جدًا، لكن مش حساه حلو عليّا، يمكن على حد غيري هتبان حلاوته، لكن منال وهي بتنبهر بشكل مبالغ فيه هي وقمر أختي اللي قالت بحماس:
“حلوة بطريقة متتصدقش، يا بخت فارس بيكي.”
“آه والله يا قمر… صبر ونال واحدة أجمل من القمر.”
كان رد منال على قمر. مكنتش مقتنعة بكلامهم، هم أخواتي طبيعي يشوفوني حلوة عشان بيحبوني، لكن من الإصرار أخدنا الفستان فعلًا، وكان المفروض في نفس اليوم نشتري الذهب.
وفعلًا روحت أنا وهو وبابا وأمهاتنا، وعشان الزحمة محدش من البنات جه معانا. كان واقف جنب بابا بيتكلموا وأنا واقفة بين كريمة وماما وهما بيقولوا:
“بصي الدبلة دي يا غالية، تقيلة وحلوة.”
“فين دي اللي تقيلة يا سعاد… هات يا ابني دبل أتقل من كدة… دي لو غسلت بيهم طبقين ولا حلة تتعوج في إيديها.”
ضحكت بصراحة، مين يصدق إن اللي بتتكلم دي أم العريس، واللي ردت عليها دلوقتي بالكلام دا أم العروسة:
“ماهي حلوة أهو يا كريمة، خليها تلم الدنيا مع الواد، لسه قدامه مصاريف شقة وتوضيب وعفش.”
“وتلم الدنيا ليه؟! دا الغالي كله رخيص قصاد غالية، وبعدين أخواتها وبناتي اللهم بارك جايبين دهب بشيء وشويات، هي أقل من حد يعني؟”
بصيت لكريمة اللي ردت على كلام ماما، مش مصدقة اللي بسمعه، فرحتها بيا وبفارس. زعلانة إن الموضوع مش حقيقة، ياريته كان خطب واحدة بيحبها فعلًا كانت تعيش أجمل أيامها وسط عيلته.
“وروني اخترتوا إيه؟”
كان سؤاله وهو جاي يقف جنبي بينقذني من رغيهم، فهمست له:
“أنا نسيت أسألك بجد، آسفة، أمي وأمك عاوزين حاجة تقيلة ومش راضين بالحاجات البسيطة اللي بختارها.”
بصلي باستغراب وهو بيقول:
“وتختاري حاجات بسيطة ليه؟!
أنا الحمد لله عامل حسابي بزيادة، شوفي إيه يعجبك وهاتيه، متشليش هم حاجة.”
“هم إيه يا فارس؟!
حرام تكلف نفسك كل الكلام دا، ضحك على الدقون، إحنا عارفين اللي فيها.”
ضحك لي وهو بيقول:
“آه لو يعرفوا الحوار اللي داير بينا دلوقتي… شكلنا حلو في عيونهم وإحنا بنتهامس كدة… على العموم، إحنا مش بنتجوز كل يوم، وللأسف لما ناخد ألقاب مُطلقين مش هتعرفي تعيشي الحاجات دي من تاني، فاستمتعي.”
هو الراجل دا بجد بيفكر إزاي؟!
اخترت دبلة ومحبس شكله حلو فعلًا، وفي نفس الوقت حبيت قد الإمكان ميكونوش غاليين، وبعد ما اخترت كانوا مُصرّين أشوف خاتم أو إسورة بخاتم، لكني عرفت أخلع منهم، وللأسف أصلًا اللي اخترته طلعوا بمبلغ كبير وهو وقف دفع بسلامة صدر مش طبيعية. وعدّى أربع شهور كان بيتعامل فيهم فعلًا أكنه خطيبي، بيجي يزورنا ويشتري هدايا ليا ولماما، رغم إن البيت كله قال له من لحظة الاتفاق إنه ميكلفش نفسه بأي حاجة من الكلام دا.
=====================================================================
كنت بجهز عشان هننزل نشوف الشقة، هي أصلًا في العمارة اللي عايشين فيها، لكن فوقيهم بدورين. الشقة اللي على بابها قولت له: تعال نتجوز. دخلنا، كانت مفروشة فرش بسيط جدًا جدًا لأنه كان بيقعد يذاكر ويشتغل فيها من سنين، رغم إنه طول عمره رافض يعيش فيها لأن المنطقة شعبية وكان عاوز يعيش بعيد، لكني أقنعته إن الموضوع مش مستاهل وإنه كدة كدة هيسافر. كان بيوريني الشقة هو وكريمة، ومنال بتزغرد بفرحة، وهو مال ناحيتي وهو بيسألني:
“المكان مريح بالنسبة لك؟”
بصيت بوجه لأول مرة من ساعة الخطوبة، استغراب وحيرة، الكل بيقول في موقف زي دا: الشقة عجباكي؟ التقسيمة، المساحة، الأوض، يسأل عن الديكور اللي عاوزه، لكنه سأل عن راحتي، سأل بطريقة جميلة كأنه عاوز يقول: لو مش مرتاحة هنغيرها. والغريب فعلًا إني ارتحت جدًا لما دخلت الشقة، حسيت إن الحيطان مألوفة وواسعة عليّا، سيبالِي مساحة أتنفس، بيوت العالم كله حساها بتطبق على قلبي عكس هنا، النفس خرج ودخل بشكل مريح. سكت شوية وأنا بنطق بصوت هادي وعيوني على الحيطان:
“الشقة حلوة.”
“أنا مقولتش حلوة.. أنا بسألك حسيتي براحة هنا؟”
هزيت راسي بأيوه، فابتسم وسابني أكمل الجولة في الشقة براحتي. وبعد أيام كان في البيت عندنا معزوم عادي عشان مش بيشوفني طبعًا غير في البيت.
“أنت كدة عقدك ينتهي كمان شهرين صح؟”
كنت قاعدة بحسبها، أصل الفرح كمان شهرين ونص، الفرح برضو اللي اخترنا مكان هادي وبسيط وصغير نعمله فيه، أنا كنت بحسب الأيام اللي هنضطر نعيش فيها سوا قبل ما يسافر… حوالي ٢٣ يوم، كتير.. كتير أوي، لكنه تقريبًا كان في كوكب تاني لما قال:
“إحنا عاوزين نكتب الكتاب الأيام دي، حبيت آخد رأيك عشان لو تمام أكلم أبوكي، أصلًا أبويا وأمي اللي عرضوا الفكرة وحبيتها.”
“حبيت إيه؟!
وإيه لا ميتة كتب الكتاب بدري؟!
مش ميتين في داديب بعض يعني، والضوابط مقيدانا، دا كدة أحسن، تخيل لو كاتبين كتاب هيعملوا فينا إيه!”
ضحك وهو بيرد عليّا وقال:
“أمك هتاخدني من إيدي وتقولي: انزلوا اخرجوا شوية واتهوا.”
“وأمك لما منال تيجي بعيالها هتقولي: تعالي قضي السهرة معانا.”
“سيبك منهم… أنا شايف إن دا صح وفي صالحنا، الكل مستغربنا، بنتعامل أكننا اتنين قرايب زمايل، مش اتنين هيتجوزوا بعد كام شهر.”
“عاوزني أتعامل إزاي يعني؟!
دا أنت نفسك كلمتني عن الضوابط وكلام ملوش علاقة باللي بينا.”
بصلي بغرابة زي كل بصاته لما بقول كدة، أكنه بيهاودني وبياخدني على قد عقلي، يمين شمال. مكنتش عاوزة كتب كتاب بدري عن الفرح، بس الفأس وقعت في الرأس، وفعلًا الكل عجبهم أوبشن إن ليه نستنى على الفرح شهرين ونص؟
حددنا ميعاد كتب الكتاب آخر الشهر… كتب كتاب وبس، مافيش فرح، أو يُعتبر إن دا الفرح، يعني مش هروح على بيت بابا بعده… ودا أكتر حاجة خوفتني.
===================================================
كنا بنلف على فستان كتب الكتاب، مشاعري كانت تايهة، كل ما أقيس فستان كنت بسرح، حلمت ألبس قبل كدة؟
تقريبًا ولا مرة زمان بصيت للي كنت مرتبطة بيه وحسيت إن آخرة الطريقة دي جواز وفستان أبيض وبيت يجمعنا، كلام بيتقال لكن عمري ما قلبي حس بيه، مكنش فيه نبضاته سريعة ونفس متقطع أكن الهوا بيخلص من المكان، زي لما كنت
بقيس الفساتين وعيوني تقع عليّا في المرايا.
معقول؟
كل حاجة حواليا أكنها حقيقة، تعاملات فارس، فرحة أهلنا، الحاجات اللي يختارها يوميًا أكني فعلًا بتجوز مش داخلة سكن مشترك، رهبة جميلة أوي حسيت بيها لما لبست آخر فستان، اللي عجبني فعلًا، وحسيته… أكنه معمول عشاني، حساني حلوة فيه، إحساس فيه مليون ذرة شك لكني حسيته، ودا إنجاز زي ما إسراء بتقول.
===============================
خلصنا فستان كتب الكتاب، بدأ الصنايعية يشتغلوا في السطح بتاع بيتهم عشان هنعمله عليه عشان هو واسع، كان فاضل يومين وكنت بشوفه يوميًا بحكم حاجات كتير تجمعنا، وما صدقت وقفنا لوحدنا والكل مشغول جنبنا وقولت:
“فارس، في حاجة مهمة عوزاك فيها.”
حط موبايله في جيبه مرّة غير ما حتى يقفل الشاشة وهو بيقول بانتباه واهتمام:
“في حاجة مش مريحاكِ؟ حاجة ضيقتك؟”
هو ليه كدة؟
ليه على طول مركز على راحتي، بيسأل عنها، واخدها أولوية في كل الاختيارات؟ هزيت راسي إن فعلًا في حاجة مش مريحاني فقال بسرعة:
“إيه هو طيب ونغيره أو نلغيه.”
بصيت في الأرض بحرج، بس دي حاجة مش مريحاني وخاوفني كمان، لكني قولتها بكل وضوح:
“حضن كتب الكتاب… مش هيبقى مريح بالنسبة ليا، اخلع منه بأي طريقة.”
ابتسم ونبرته كان فيها حنية وضحك وهو بيقول:
“بحسك بتطلبي المستحيل… دي حاجة الكل بيعملها، ألف علامة استفهام هتحصل لو الحضن دا محصلش، من عيوني معملوش، لكن هتلاقي أمك وأمي يسحبونا سحب، ممكن أخليه بسرعة، ألغيه وأعمل أي حركة قُرب تاني مضايقكيش، تخيلي كدة اتنين المفروض مبسوطين في خطوبتهم، متفقين جدًا واختاروا شقتهم على مزاجهم… فعلًا شكلنا من بعيد وإحنا سوا حلو أوي، يخلي أي حد يصدق إن دول مش بيحبوا بعض بس عاوزين بعض، هيبقى أغرب حاجة ممكن تتشاف إن يوم كتب كتابهم يتعاملوا عادي ناقص يسلموا على بعض ويقولوا مبروك… المفروض أي اتنين مخطوبين يتمنوا اللحظة اللي هيبقوا فيها في حلال بعض… صدقيني لو دا محصلش هييجي من وراه أسئلة كتير وحاجات إحنا في غنى عنها.”
كلامه كالعادة مقنع، لكنه قالي إنه مش هيتقل ولا يطول، وكمان هيحاول أول ما يكتبوا الكتاب يبوس راسي وناخد سيلفي وإحنا قريبين بدل الحضن، وبعدها نروح بقى لأهلنا.
وجي اليوم اللي كنت بترعش فيه من أوله لآخره، توتر وحيرة، ودماغي مش بتوقف أسئلة وضغط، اخترتي صح؟
فارس فعلًا شخص كويس زي ما إنتِ فاكرة، ولا هتبان حقيقته غير اللي هي فكراها لما تبقى مراته؟ هيفضل على اتفاقهم وميستناش منها أي حاجة تقدمها؟ مكنتش معاهم، الكل هايص وفرحان وهي شاردة، كانت في الكوافير من الصبح بدري، متعرفش ليه قالوا لازم تروح رغم إنها متفقة مع فارس على إن مافيش نقطة ميكب تتحط، لكن أخواته وأخواتها مُصرّين يروحوها ويعملوا شعرهم رغم إن برضو كلنا محجبات، ومافيش واحدة من أخواته حتى المتحولة تتجرأ تبين خصلة من شعرها في وجوده أو غيابه.
خلصت شعري، ووسط الأغاني والهيصة اللي معمولة عشانه، روحت بعيد عنهم وأنا بتصل بيه، وقبل ما يقول السلام عليكم حتى أنا سألته:
“فارس، إنت لسه عند اتفاقنا… أنا مش هبقى مراتك، يعني هبقى شرعًا لكن…”
صوتي كان متوتر وخايف وقلقان، الدنيا كلها ساكنة والتردد والحيرة بينهشوا في قلبي، عكس صوته، الثابت الهادي، المطمّن اللي يطمن، صوته الواثق في نفسه وفي كل خطوة بيخطيها.
“لسه عند كلمتي يا غالية، مش هطلب منك حاجة لا دلوقتي ولا بعد أربع سنين يا ستي، كل حاجة هتبقى زي ما إنتِ عاوزه… وزي ما يريحك إنتِ.”
“طب وإنت… مافيش أي مقابل بديه ليك؟ عارفة إنك مش بتحبني ومش عاوز مني حاجة، وقلبك مشغول بيها… بس مش ممكن بعدين تقول أنا متجوز ومراتي موجودة وتبقى عاوز كل حاجة تبقى بجد وحقيقي… أنا مش هقدر على كدة… تعالى نراجع نفسنا لو فيه احتمالية واحدة إن رأيك يتغير، بلاش الموضوع من أصله.”
كان ساكت مستنيني أخلص كل اللي عندي، وفعلًا خلصت واتنهدت بتعب وخوف، لكنه قال بحزم وتأكيد وحنية:
“أولًا… اعتبري إن حياتنا هتبدأ من النهاردة، أنا مش عاوز أسمع سيرة شخص تالت بينا، أنا آه قلبي مش مليان بيكي زي ما قلبك خالي مني، لكن قصاد ربنا أنا قلبي فاضي، مافيش فيه حد، أي حاجة كانت موجودة الزمن خلاص عفى عليها وراحت لحال سبيلها، بالنسبة للمقابل أنا مش عاوز منك حاجة يا ستي غير إنك تبقي مرتاحة…”
“دا مش منطق، إنت عارف إن أي شخص بيقدم حاجة بيتستنى مقابل، إنت أصلًا كفاية مصاريف الجواز اللي على الأرض دي، صدقني هتطلب مقابل بعدين ودا حقك أصلًا كاتنين بينهم اتفاق، خدمة قصاد خدمة، لكن فيه حاجات أنا استحالة أقدمها لك يا فارس… إنت أصلًا مش حابب فكرة إنك تبقى مطلق فيما بعد لما عقدك ينتهي… وإحنا أكيد مش هنعيش مع بعض أكتر من ٢٥ يوم، طبيعي هتبقى عاوز تتجوز بجد، وبعد الطلاق فرصتك هتقل في كدة وإنت عارف… فكر تاني، صدقني لسه معانا وقت.”
“تعرفي إيه اللي مش منطق؟
بداية الحكاية دي وكمان بداية المكالمة، الاتفاق اللي بينا، جواز متحدد معاد انتهائه، كل دا اللي مش منطق، لكن قبولي بيكي بدون مقابل هو اللي بالنسبة لكِ مش منطق، ودي حقيقة، لكن المقابل بتاعي بسيط وسبق وضحته… الإنسان بيتغير، بتتغير نظراته للناس، وجايز لما نعرف بعض… جايز لما تجمعنا حاجات كتير تبقى فيه فرصة، مش عشان ندبات قديمة في قلوبنا يا غالية هنضيع عمر كامل مننا، مش بقولك اديني فرصة دلوقتي أو بكرة أو الشهر الجاي… بقولك بس لو جات عليكي لحظة خلال جوازنا حسيتي فيها إنك مش عاوزة تطلقي… امسكي في اللحظة دي… خديها فرصة إنك تدي لنفسك فرصة ترجع تحيا من تاني، حتى لو برضو اللحظة دي كنا بعاد عن بعض، يمكن بعدها البعيد يقرب.”
كلامه دايمًا بيقنعها، بيعرف يسكت الدوشة اللي جواها ولو للحظات، بيجاوب على كل التساؤلات قبل ما تسألها، بيطمن المخاوف المدفونة فيها، بيتكلم عن فرصة…
فرصة إيه اللي تقدر تديها لنفسها عشان تديها ليهم؟ النصيب جه متأخر أوي يا فارس، هما بقايا وجع دلوقتي، مكنتش مصدقة إن قلبه خالي، وكانت عاوزة تقوله: أنا قلبي مش مليان بحد، قلبي مليان بوجع وخوف وأذى وكره لكل شبر فيه.
============================================
خلصت كل التجهيزات، كنت في العربية مع بابا اللي صمم أقعد جنبه وماسك يدي بيبوسها.
“معقولة العروسة تعيط في يوم زي دا… امسحي دموعك يا غالية.”
بوست يده وأنا بعيط أكتر وبقوله:
“حقك عليا في كل حاجة عملتها يا بابا، أي مرة زعلتك فيها أو ضيقتك مني، آسفة مليون مرة عليها.”
“عمري ما زعلت منك يا غالية، إنتِ الغالية عندي، اسمك مخترنهوش من فراغ، اخترته عشان كل ما أناديكي أفتكر غلاوتك.”
البنات ركبوا وأنا مسحت دموعي وبوست يده مرة تانية وأنا بقوله:
“أنا بحبك أوي يا بابا، إنت حبيبي الوحيد وسندي وأماني.”
“عشان كدة هتسبيني وتروحي مع فارس.”
ضحكت له وأنا بقول بهزار:
“يا حج نصر، ما ترسى لك على بر، عاوزين أتجوز ولا لا؟”
بصلي لثواني وهو بيضحك بفرحة وبيشدني لحضنه وبيقول:
“بقالي كتير أوي يا غالية مسمعتش منك يا حج نصر دي.”
هي هزرت مع أبوها فعلًا، أبسط الحاجات اللي مبقتش قادرة تعملها، كانت مبسوطة إن جزء منها ولو بسيط بدأ يتحرر من القيود اللي حبست نفسها بيها ومبقتش قادرة تفكها.
================================================================================
وصلنا البيت وطلعنا على السطح، الحبايب متجمعين، وفرحة كريمة وهي بتجري عليّا تضمّني لها وبتبوس فيا، والزغاريط، الكل كان مبسوط بينا، وهو في مكانه بعد ما سلم على الكل، وبابا قعد على شمال المأذون وهو على يمينه، رعشة في يدي كلها، ضربات قلبي كانت للسما، مش فرحة، خوف وتوتر، ودماغي اتمسحت، مكنش كلام، كانت أصوات إنذار في عقلي، دوشة حتى مش فاهمة ترجمتها، وعيون عليّا وصوته مع صوت بابا، المأذون اللي قال كلماته الشهيرة…
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
وبعد حضن بابا على طول لقيته قدامي ومادد يده، فرفعت يدي اللي رعشتها واضحة، فضم كفوفي الصغيرة لكفوفه اللي حبتها جواه، ونظرات قلق واضحة كانت في عيونه وهو مركز على كل تفصيلة فيا لأول مرة وبيهمس لي:
“إنتِ بتترعشي يا غالية!
إيدك متلجة… إنتِ كويسة؟”
هزيت راسي كتير وأنا بقول:
“توتر وخوف بس… أنا كويسة.”
معرفش إزاي، محستش أصلًا كان ناوي يعملها، لكن في لحظة خدي كان على صدره وذراعه محاوط خصري وراسه محنية قربي وهو بيهمس وبيقولي:
“طب اهدي، متخافيش من حاجة… انسي التوتر كله دلوقتي وركزي بس مع فرحة حبايبك، هتفرحي لهم… مافيش حاجة تخوف ولا توتر، إنتِ كويسة.”
هو طبيعي إني للحظة أرفع يدي وأضمه؟
أكذب على نفسي لو قولت ضميته عشان دا رد فعل طبيعي، أكيد مش هيحضني ومش هبدله، أنا بس للحظة… لجزء من الثانية مخوفتش لما قالي متخافيش، لكني خرجت من حضنه وأنا بقوله:
“أنا تمام…”
ابتسم لي وهو بيبص لشفايفي وبيقول:
“ابتسمي… اضحكي، عيشي اليوم اللي كله اتجمع فيه عشانك ومتخليهوش يضيع منك… في أيام مش بتتكرر… وبندرك قيمتها بعد ما بتعدي.”
هزيت راسي له، وبعدين بدأت أجواء المباركات وأحضان الأمهات والأخوات، واليوم كان جميل، كان الكل فرحان بيا والكل متجمع بس عشان يحبني، وقضينا يوم جميل. الحبايب انسحبوا ومبقاش غير القريبين اللي أخدونا كل واحد لوحده وبيوصلونا على بعض، كلامهم كان جميل، عاوزين فرحتنا تكمل ببعض ولو في يوم قريب ولا بعيد زعلنا من بعض، الزعل دا ميخرجش برا باب شقتنا، صحيح أبويا هيجيب حقي وأمه أكيد لو حكى لها هتفهمه وتحاول تحل مشكلته، لكن عمرنا ما هنعرف نكون مسؤولين عن نفسنا ومشاكلنا وإدارة غضبنا وإننا ندي لبعض حقوقنا حتى لو متخانقين. كلامهم كان جميل، أتمنى لو كل الأهالي يعرفوه لأولادهم وبناتهم.
بس هو إحنا ظلمناهم بكذبنا؟
أو أنا اللي ظلمت الكل وظلمت نفسي للمرة التانية باختيار من غير تفكير كفاية؟
الكل مشي واتقفل علينا باب واحد، وهو يا دوبك خلع كرافتته وفتح زرارين قميص وطار على المطبخ وهو بينادي عليّا:
“يا غالية… أمك عاملة حبة ورق عنب مينفعش يفوتك.”
اتوترت أكتر وفضلت مكاني، وهو دقايق وصوته خرج من المطبخ تاني:
“يا بنتي تعالي، دا الأكل جاي من الجنة من حلاوته… بسخن لك الرقاق والبشاميل أهو.”
قومت من مكاني ودخلت له، لقيته واقف جنب الرخامة رغم إن فيه ترابيزة يقعد عليها لكنه واقف جنب الميكرويف بيسخن البشاميل، وحلة الورق عنب تحت إيده وقال:
“أنا هموت من الجوع من الصبح… أكيد إنتِ كمان مكلتيش.”
أخدت صباعين من الحلة ووقفت برضو متنحة له، الوضع أكيد غريب، وأكيد أغرب من أي اتنين في أول ليلة في بيتهم، فضلت باصة له لغاية ما قالي:
“خطوتين لورا سيكا معلش.”
رجعت فعلًا لورا وهو فتح باب الميكرويف عشان كان جنب ذراعي، وحط ليا قطعتين في طبق وجابلي شوكة، وبعدين راح على التلاجة وهو بيقولي:
“قالوا إنك بتحبي العصير الفريش، تشربي إيه؟”
فضلت عيوني متعلقة عليه وأنا مستغرباه وقولت:
“إحنا مش هنتكلم؟”
ضيق حواجبه وهو بيطلع فراولة وبيصب لنا وقال:
“غالية… كلي يا ماما عشان متقعيش من طولك، وبعدين كل ما تشوفي خلقتي عاوزة تتكلمي وتتّفقي على حاجة جديدة… استمتعي بالأكل اللي مش هتاكليه غير مرة في حياتك… كلي، ووعد هنتكلم وهعمل كل اللي يريحك.”
هزيت راسي، وفعلاً بدأنا ناكل وإحنا واقفين، واللي ميعرفوش إني بحب جدًا الأكل في المطبخ وأنا واقفة، وبحب الرغي الكتير وأنا باكل. أكلنا، وبعدين خرجنا نقعد في الصالة لقيته بيقولي:
“اهدي بس عشان أنا سامع ضربات قلبك من هنا، الموضوع مش مستاهل التوتر والخوف دا كله، عندك أوضتك أهي بتاعتك، أنا مليش فيها غير شوية هدوم وبس، هنام في الأوضة التانية، بس بكرة أمهاتنا صمموا ييجوا بدري…”
قطعت كلامه بتوتر وخوف وهي بتقول:
“لا.. مينفعش… أنا إزاي مفكرتش في الحوار دا!”
رفع حاجبه باستعجاب وهو فاهم قصدها، وأكيد أكيد معترض عليه وهو بيقول بأعصابه المشدودة:
“صلي على النبي في قلبك بس كدة، أنا قولت لهم يأجلوها لبعد بكرة وهما أصروا، فقولت يجوا على العصر نتغدى كلنا وبس… نتغدى وبس يا غالية، تمام؟”
“نتغدى بس إزاي، الكل أكيد مستني الـ…”
“دا قرف وتعدّي على الخصوصية وحاجة مالهاش أصل شرعي، لو واحد أصلًا مستني حاجة زي كدة كدليل براءة يبقى مكنش راجل أصلًا عشان يقبل على نفسه يتجوز واحدة عنده ذرة شك فيها… قومي نامي يا ستي، فكرتك أعقل وأكبر من عادات ناس جاهلة.”
بصيت له باندهاش لأول مرة، عمرها ما سمعت راجل في حياتها بيتكلم كدة، وقبل ما يدخل الأوضة وقف على الباب وهو بيقول:
“طب معلش ادخلي إنتِ طلعي لي أي حاجة، عشان أكيد رصّيتي هدومي في الدولاب.”
فعلًا قامت وطلعت له هدوم، فقال وهو بياخدها:
“بكرة بس قبل العصر كدة دخلي الحاجة اللي في الأوضة التانية عندك هنا عشان محدش يلاحظ حاجة… ومتفتحيش باب الأوضة دي لحد، لا أمك ولا أمي، قبل أول ليلة ليكي هنا كان ممكن يشوفها، بس دلوقتي دي بقت بتاعتك وخصوصيتك إنتِ… لو أصرّوا معاكي اديني إشارة وأنا مش هخلي حد يعتب الباب حتى.”
هزيت راسي بصمت وموافقة على كلامه، فابتسم وقال:
“أنا داخل الأوضة التانية ونقفل عليّا، ادخلي خدي شاور وغيري هدومك براحتك ونامي مرتاحة، متشيليش هم حاجة… اتفقنا؟”
فضلنا واقفين باصين لبعض، كان فاهم إني عاوزة أسأل على حاجة، وتقريبًا هو توقعها لأني كل ما بشوفه بسأل عليها، فقال هو قبل ما أسأل المرة دي:
“عارف إنك بتدوري على أسرع شركة شحن عشان تسفريني، بس خلاص العقد قدامه أيام وينتهي، وأنا هستعجل في
ورق السفر والإقامة هناك… هحاول مقعدش أكتر من ٢٥ يوم.”
ابتسمت له وأنا بقوله:
“ربنا يوفقك… بس إنت أكيد لحد دلوقتي مقولتش لحد من أهلك.”
اتنهد بتعب وكأنه فعلًا شايل الهم دا، لكنه محبش يتكلم واكتفى إنه ضحك بخفة وقال:
“والله أنا ساعة أول مرة قولت لأمي على السفر قالت لي: لما تتجوز ابقى خد مراتك وسافر… غالبًا كانت يائسة إني أتجوز… على العموم هم دلوقتي مش هيقيدوا قراراتي أوي لأن خلاص بقى ليا حياة خاصة… ومتفتكريش في حاجة، ارتاحي بس من اليوم الطويل، بكرة وربك هيدبرها.
رواية سكن مشترك الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان علام
خبطات على الباب بسيطة، إيقاعها هادي، مكنتش نايمة نوم عميق، لسه مش مرتاحة للمكان، لا المكان فعلًا مريح لكن محتاجة أتعود، وكمان التوتر والتفكير مش سايبني في حالي. قومت وحطيت طرحة بسيطة عليّا من غير ما ألفها وفتحت الباب لقيته واقف بيقول:
“الفجر أذّن… أنا نازل أصلي، قولت أصحيكي عشان مسمعتش منبهك للصلاة، فقولت يمكن نسيتي تضبطيه… لو محتاجة حاجة من تحت كلميني.”
قالها ونزل من الشقة بسرعة، كنت نعسانة ومش واخدة كفايتي من النوم، آخر سنة بقيت مهتمة بالصلاة أكتر من الأول بكتير، وبحاول أصلي قضاء من السنين اللي كنت عامية فيها ونسيت الحقوق اللي عليّا، لكن بكل صراحة مكنش عندي نية أقوم أصلي الفجر، اعتمدت إني هصليه الصبح لأني عارفة إني هنام بالعافية، بس بما إني صحيت روحت اتوضيت، وبعد الإقامة صليت، وبعد شوية قومت أشرب لقيته خبط خبطتين على باب الشقة، فروحت فتحت له وبقوله:
“إنت مش معاك مفتاح؟”
ابتسم وهو داخل وبيقول بهزار:
“يا ستي خبطتين أمان، يمكن حد خالع راسه ولا حاجة.”
قفلت الباب وراه بصمت، متوقعتش بصراحة، راحت ناحية الأوضة وهي بتقول:
“أنا داخلة أنام، اديني حس قبل الضهر كدة عشان أبدأ في الغدا.”
رفع حاجبه باستغراب وهو بيقولي:
“غدا إيه… ما عشا امبارح كتير، حرام يترمي، يتسخن وناكله، مش أول مرة أمي وأمك يحطوا لنا أكل بايت يعني… دول كانوا بيشربوني فراولة حمضانة عشان خسارة يدلقوا الشفشق.”
“برضو مينفعش، يعني مش دي الأصول إني أكل أهلك أكل بايت هما اللي عاملينه!”
“أهلي إيه يا غالية، دا إنتِ بتقولي لأمي يا كيمي وهي اللي مربياكي، يعني الحاجات دي مش بينا أكيد.”
“برضو مينفعش يا فارس، أمي ممكن تخلعني من رجلها لو معملتش كدة.”
زفر وهو مش راضي عن الموضوع وقال:
“طب نطلب أكل جاهز، ليه تتعبي نفسك؟”
بصيت له باستغراب، هو بيعمل كل دا عشان خايف أتعب يعني ولا إيه؟ أنا توقعت إنه زيه زيي شايف الحوار مش مستاهل، بس نعمل إيه بقى، مضطرين، واللي مضطرة عليه أكتر هي أخته الصغيرة، قربت تتم عشرين سنة دلوقتي ولسه تنحة زي ما هي.
“ولا تعب ولا حاجة، أنا بس هنام شوية وإنت قبل الضهر لو صحيت صحيني.”
قولت كلامي ودخلت الأوضة وقفلت طبعًا على نفسي، قلعت طرحتي والإسدال علقته مكانه، وبصيت للهدوم اللي في الدولاب بضيق، كنت بختار قطعة قطعة من الثانوي، كنت مهووسة بلبس البيت، البيجامات والكاشات وكل ما هو رقيق وأنثوي، بس دلوقتي مش طايقاهم، مش حاباهم، حاسة بقرف ناحيتهم، عشان كدة روحت اشتريت أربع بيجامات بكم وواسعة سيكا عشان أقعد بيهم المدة اللي قبل ما فارس يسافر.
================================
خبطات على الباب من تاني، قومت مخضوضة لكن استوعبت أنا فين لما سمعت صوته:
“غالية، الساعة ١١ ونص.”
“صحيت صحيت.”
نطقتها وأنا بقوم من مكاني، ودقايق وسرحت شعري، وبعدين رميت طرحة عليه وخرجت لبره لقيته في المطبخ فاتح التلاجة، فبقوله:
“بتعمل إيه؟”
“بقالي نص ساعة بحاول أختار هعمل فطار إيه، الأوبشنز كتير بصراحة.”
“فاتح باب التلاجة بقالك نص ساعة؟!”
قولتها بصدمة، دي كارثة، دا أمي كانت بتاكلنا لو وقفنا نشرب وسبنا الباب مفتوح الكام ثانية دول. خليته يوسع وطلعت بيض وجبنة ومربى، وبعدين فتحت الفريزر طلعت اللبن، وبدأت أعمل الفطار اللي ماخدش وقت، بس عملت كوباية شاي واحدة بلبن وحطيت له الأكل على صينية لوحده، لكنه سألني:
“إنتِ مش هتاكلي ولا مش عاوزة تاكلي معايا؟”
سكت لثواني بتردد، تقيل على قلبي إني أقول كدة، لكني نطقت وأنا بقول:
“قولت أرفع عنك الحرج، يمكن مش حابب تاكل معايا، الوضع في الأول والآخر معلوم، أكيد مش هنمثل قصاد الناس وقصاد نفسنا.”
بصلي باستغراب، وراح هو صب كوباية شاي بلبن ليا وحطها على الصينية وهو بيخرج بيها وبيقول:
“يهودية يعني عشان معوزش آكل معاكي؟ تاكلي لوحدك ليه يا بنتي، ما ناكل سوا، أصلًا مبحبش آكل لوحدي.”
خرجت وراه وأنا مش فاهمة، لكن مافيش وقت أفكر، فطرت بسرعة وقولت أجهز الأكل، إحنا كتير وتقريبًا معملتش أكل كامل لوحدي، كان ممكن نانا تعمل حاجة خفيفة جنبي أو قمر لما تبقى موجودة بتساعدني. طلعت الفراخ تسيح، وبدأت أجهز خلطة القلي والصلصة بتتسبك عشان الطبيخ، كنت أنا اللي رصيت كل حاجة مع البنات عشان كدة بتحرك بكل سلاسة. مر شوية وقت حلوين كنت قربت فعلًا أنسى إنه بره، لكن صوته ظهر من ورايا وهو واقف على باب المطبخ وقال:
“اللهم بارك… شكلك طلعتي ست بيت شاطرة كمان… الضهر على أذان خلاص، فضّي إيدك عشان تصليه وأنا نازل… محتاجة حاجة أجيبها؟”
“لا.”
قولتها وأنا ببص له، فخرج بره ونزل على طول، وأنا كنت اتوترت شوية لوجوده لكنه انسحب بهدوء، فسبت اللي في إيدي فعلًا وروحت صليت بسرعة، وبعد ما خلصت ضميت نفسي ونمت على سجادة الصلاة، تعبانة، بجد تعبانة وحاسة إني مرهقة، كل حاجة بعملها بتستهلك مني طاقة كبيرة، طاقة أصلًا مش عندي، عاوزة أنكفئ على نفسي وأقفل باب عليّا وأسكت، كل ما أنطق حرف براجع نفسي، هتقولي إيه وليه؟ ومين مهتم أصلًا ولا يستحمل يسمع؟ ومين ملزوم بكدة أصلًا؟ عشان كدة أغلب كلامي سكوت، أحيانًا السكوت بيبقى صوته عالي أوي جوانا لدرجة الصداع، لكنه قصاد عيون الناس سكوت، مش مدركين إن السكوت دا مكلف على روحنا أكتر من الكلام.
بس تكلفة الصمت بالنسبة ليا أهون من ضريبة الكلام اللي محدش مهتم ولا حابب يسمعه.
خبط على الباب، فقومت من مكاني وأنا برفع صوتي عشان يوصل له:
“ادخل.”
وفعلًا فتح بمفتاحه وأنا شيلت المصلية ودخلت المطبخ من غير كلام، وبعد مدة دخل وهو بيقول:
“أي مساعدة؟
أمي كانت بتخليني أغسل المواعين على فكرة.”
“أنا خلصت خلاص، هعلق على الرز قبل العصر، والفراخ هتتقلي لما يجوا عشان تبقى سخنة.”
“واو… طلعتي شاطرة بجد مش كلام يعني.”
كنت صح لما فهمت إنه من شوية لما قال ست بيت شاطرة كان بيقولها تريقة، ودلوقتي بيتكلم مجاملة، عشان كدة اكتفيت بهزة راس ملهاش معنى ودخلت الأوضة وأنا بحاول أشتت تفكيري، أكيد لازم ألبس عباية استقبال.
فعلًا خرجت واحدة كانت كريمة هديّاها ليا من قبل ما فارس يخطبني، كنت حابة أفرحها بصراحة، جهزتها وجهزت معاها شبشب شكله شيك، وبرفان ريحته حلوة، كل حاجة لازم تبقى مضبوطة وعلى الأصول، وفعلاً فضلت في الأوضة لغاية قبل العصر، وقبل ما هو يخبط فتحت أنا الباب، فابتسم وإيده متعلقة في الهوا:
“كنت لسه هفكرك بالرز.”
“أنا مركزة متقلقش.”
أكيد يعني مركزة، بعدت عنه ودخلت المطبخ، واديت وقت لتحمير الشعرية وحطيت الرز وضبطت الملح، وبلف لقيته واقف على باب المطبخ برضو فاتخضيت، لكني مسكت
أعصابي وأنا بسأله:
“عاوز حاجة؟”
ابتسم وبان عليه الضيق وهو بيقول:
“مش عاوز أضايقك والله، ولا بتعدى حدودي، بس أهلنا جايين، وكلهم بنات… قصدي يعني مافيش راجل غيري أنا وأبوكي، الطرحة قصادهم هتبقى حاجة غريبة… فهماني؟”
معرفش إزاي جه على باله التفصيلة دي، لكني افتكرت لما قال إن الطبخة عشان تبقى مقنعة لازم تظبط البهارات، فهزيت راسي وقولت:
“تمام، مش هلبسها لما يجوا.”
كان محرج وهيتعتذر، لكني خرجت عشان أجهز، خلاص العصر على أذان.
================================
نزل أتمشى، كان فاضل دقايق على أذان العصر، دماغي مشغولة بيها، ابتسم وأنا بتفكر المكالمة اللي كانت قبل كتب الكتاب، مين يصدق إني وأنا بهديها هديت؟ كنت متوتر يمكن أكتر منها، ألف سؤال كان في دماغي:
فارس، إنت متأكد من اللي إنت هتعمله دا؟
البنت دي مش هيكون ليها حق عليك؟
مش من حقها تبذل مجهود عشانها وتفرحها وتهتم بيها؟
بس دي من أولها ناوية تسيبك، وافقت ليه وإنت شبعت خلاص من اللي سابوك في نص الطريق؟ قبل المكالمة دي يومها كنت فعلًا بفكر في… البنت اللي ربنا يصلح لها حالها، قد إيه ندمان، مش لأني سبتها في الأول وبعدين رفضتني، ندمان إني أصلًا دخلت علاقة زي دي، مبقتش مستغرب زي زمان وأقول ليه محصلش نصيب، ليه رفضتني، أصل ما بُنيَ على باطل فهو باطل، علاقة بدأت من ورا أهلها، لعب عيال وتنطيط أول سنتين كلية، لما فوقت لنفسي كنت والله شاريها، بس قولت لها: يا بنت الحلال اللي بنعمله دا حرام، استنيني سنتين وأجي أخطب، لكنها فكرتني بخلع منها!
مع إن شخصيتي مش كدة أبدًا، أنا قد كلمتي، بعد مكالمة غالية ولما قولت لها مش عاوز سيرة طرف تالت بينا دا كان حقيقي، أنا أصلًا مسحت سيرة الشخص دا من سنين، وفعليًا مبقتش هاماني ولا مالي قلبي، لكن فكرة إن قلبك مبقاش بالكرتون… أنا اتوجعت وانكسرت أول لما سابتني، بس كنت بقول: من ترك شيئًا لله عوضه بخير منه، دُعيت لسنة كاملة إن ربنا يعوضني بيها هي في الحلال، ولما رحت اتقدمت لها رفضتني… كانت بتردها ليا!
كسرتني أكتر، من ساعتها محستش إني ممكن أأمن لوحدة وأحبها، وكمان لو عيشت قافل على قلبي خايف أظلم واحدة تانية ملهاش ذنب.
لحد ما ظهرت هي…
وخبطت على بابي ورمت اللي قالته زي المجانين ونزلت، قلبي ما دقش، منبهرتش بيها، لكني فكرت: إنت تعبت كتير والوحدة وحشة، وباين عليها تعبت أكتر، والكلام اللي بسمعه عنها خلاني عاوز أعرف إزاي حد بالبهجة اللي بيحكوا فيها يبقى بالمنظر اللي أنا شايفه، عيونها باين عليها وجع وانكسار أنا عارفه وعشته.
صليت ودعيت: يا رب عوضني وعوضها، أنا مدخلتش الجوازة دي عشان عقد طلاق بعد أربع سنين، أنا دخلت الجوازة دي بأمل إنها تكون مركز الصيانة اللي يعالجنا، أحيانًا شفاء العلاقات السامة مش علاقة حب، بل علاقة مريحة، عشان كدة حريص إني أريحها، لأن نفسيًا بالنسبة ليا رجولتي وراحتي في إن اللي معايا متخفش ومتزعلش ومتشلش هم حتى لو مبحبهاش.
فيمكن لو كوّنا أنا وهي علاقة مريحة نتعافى، يمكن متقدر لنا حاجة حلوة.
عديت على أمي وأنا طالع، نزلت مرتين من الصبح مدخلتش لها، دماغي فعلًا طول اليوم كانت مسحولة في غالية، سمعت كتير جدًا من شيوخ ومحاضرين ودكاترة عن إن الانطباع الأول في الليلة الأولى بيدوم، كنت ببذل أقصى جهدي عشان أخليها مرتاحة متخفش، حتى لو متوترة ميبقاش توتر بخوف، الخوف وحش أوي وشكلها خايفة على طول، من حقها تاخد نفس، استراحة. فتحت الباب وأول ما دخلت أمي زغرطت، وحبيبة جت تحضني وهي بتقول بدلع:
“بقى كدة يا فاروس، شوفتك وإنت نازل تصلي الضهر، وقبل العصر نزلت مدخلتش لينا، لقت مراتك خدتك مننا.”
آه دلوعة أخوها اللي هتشتغل حماة بدل أمي الغالية، متعلقة بيا بشكل مش طبيعي وكانت بترخم على غالية كتير أوي في الخطوبة، وكنت مستغرب إنها ولا مرة اشتكت.
“حبيبة قلبي الشطورة اللي هتبطل ترخم على غالية صح ولا إيه؟”
“على حسب، لو هي رحمت عليا هرخم عليها.”
“يا بت وهي غالية بتهش وتنش دلوقتي، أومال لو كانت زي زمان كنتِ تعملي إيه في البت؟”
قالتها أمي وهي بتهزر، فردت حبيبة عليها باندفاع:
“كنت هوريها شغل أخت الجوز على أصوله.”
كلمة أمي ضيقتني، على رأي منال حنين أنا بزيادة، بس مبحبش بنت تزعل، والله العظيم نفسي أقول للرجالة كلهم: يا جماعة دول أرق من الأكشن اللي بيعملوه دا، قرأت كتير في الأدب والتاريخ وفقه تعامل النبي مع زوجاته، وإزاي كان مع خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وإزاي كان مع عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وأمهات المؤمنين، قرأت كتب كاملة في وصيته بالنساء، عشان كدة أي بنت في حياتي من أول أمي وأختي الصغيرة ومراتي اللي بتضحك على نفسها دي، لازم أعملهم زي ما يستحقوا وزي ما النبي عامل نساءه.
لمحت أهلها من على أول الشارع فاتصلت بيها:
“ألو…”
“إحنا خمسة وطالعين كلنا، أمك وأخواتك على أول الشارع وأمي وأخواتي جهزوا، أبويا هيعدي على أبوكي في المحل جايين.”
“طب تمام.”
فعلًا دقايق وطلعنا، فخبطت زي ما بعمل، فاتسخبت حبيبة من لسانها وقالت:
“ما إنت معاك مفتاح، بتخبط ليه؟”
“يا بت وإنتِ مالك، افرضي مراتي بتلبس يا ستي ولا لسه مجهزتش.”
“هنشوف اللي ميتشافش يعني، افتح يا عم رجلي وجعتني لسه الجبس مفكوك من أسبوع.”
رخمت عليها وأنا بهزر وبقول:
“آه هتشوفي اللي ميتشافش يا ستي.”
قبل ما أفتح لقيتها قدامي، فتحت هي والكل دخل، وحبيبة دخلت وهي بتقول:
“يا ماما بصي بيرخم عليا إزاي، بيدافع عن حد غيري قصادي أنا.”
كانوا بيتكلموا ويسلموا عليها، بيضحكوا على حبيبة وأنا عيوني مترفعتش من عليها، شكلها عسل أوي بالعباية البيج في دهبي، ورافعة شعرها ديل حصان، ما شاء الله باين عليه طويل، حسيتها طولت، وأنا أصلًا شايفها منّا في الأرض، الكام سنتي الزيادة دول من إيه؟ بصيت على رجلها وفعلاً طلعت لابسة حاجة عالية، فضحكت وأنا بقعد جنب أمي وهي قاعدة جنب أمها ضماها وبتطمن عليها.
“قومي يا بنت من حضنها وتعالي اقعدي جنبي شوية، شبعتي من أمك؟”
قالتها أمي، أنا فضحكت عليها وهي بتقوم وتبتسم وجات تقعد جنب حبيبة، وأمي وحبيبة مرضيوش، فقعدت بيني أنا وأمي.
“أيوه كدة بقيتي بتاعتي، وسعاد مش هتاخدك مني تاني.”
متوقعتش أبقى مبسوط كدة، مش طاير من الفرحة، لكني مرتاح ومبسوط، قعدت سنين في الشقة دي ومحستهاش حلوة وفيها روح زي دلوقتي، يمكن عشان أصلًا أول مرة العدد دا يبقى موجود فيها. الباب خبط وقومت فتحت لأبويا ولعم نصر اللي حضني بحب أكني ابنه، وبعدين راح على غالية اللي ضمته بقوة والكل مستغرب، لكني فاهم، إحساس إن الدنيا كلها سابتك ومش عاوزاك، وحتى أهلك
بتحس ناحيتهم كدة لكن ملكش غيرهم، معندهاش غير حضن أبوها تشد عليه كدة، أصل أكيد مش هيسيبها، فاهم تفكيرها وصعبان عليا جدًا.
قامت تقلي الفراخ والبنات معاها بيساعدوها، وأنا مراقب تصرفاتها، وأقل حركة منها وهي بتشد طرف العباية من عند رقبتها أكنها بتغطي حاجة، مكنش باين أصلًا أي حاجة، لكن الحركة باين كدة إنها اعتيادية منها، أي توتر، أي تجمع، أي احتمالية إن حاجة تقلبها كانت بتعمل كدة، حتى الطرحة كانت بتشدها على المنطقة دي بالذات.
اليوم مر هادي، ومشيوا بعد كام ساعة، كنت مدرك إنها تعبت بجد وأكيد محتاجة تاخد دش وتتنفس، فعشان كدة عرفتها إني عندي مشوار في السريع بعد ما أصلي العشا، وروحت فعلًا جبت اللاب بتاعي من الصيانة، بطاريته فصلت قبل كتب الكتاب وديته ونسيت أعدي آخده، غبت حوالي ساعة لكني رجعت، خبطت كذا مرة لكن مكنش فيه رد، فتحت الباب وأنا بشوفها فين، مكنتش موجودة، قربت من أوضتها بقلق وأنا بخبط، لكنها فتحت بسرعة، وقبل ما أتنفس بارتياح النفس وقف في قلبي حرفيًا وأنا شايفها ماسكة ظفيرة في إيدها، وشعرها يا دوبك لامس تحت ودانها، بلعت ريقي بذهول وأنا بقول بتشكيك في عيني:
“شعرك… إنتِ قصيتي شعرك يا غالية؟”
هزت راسها، عيونها أصلًا كانت حمرا، أكنها قضاها مناحة ولسه واقفة متنحة مش مستوعبة إنها فعلًا عملت كدة، كنت عاوز أقولها: عملتي كدة ليه؟ مافيش زعل في الدنيا يستاهل، لكني متكتف، لساني معقود، عارف إنها شخصيًا مليش حق فيها، بس فين حقها على نفسها؟
“عاوز حاجة أعملها؟”
سألتني بنبرة هادية ثابتة ولا تكن فيه نار بتاكل جواها، غمضت عيوني لثواني من قوتها وثباتها وانتقامها من نفسها، ليه يا غالية؟
“كنت بطمن عليكِ بس.”
هزت راسها، ومن غير كلام دخلت وقفلت الباب بهدوء، وأنا دخلت أخد دش ومخّي بيفكر، شعر البنت غالي أوي عليها، كان فيه كتاب في علم النفس قريته، الدكتور كان كاتب إن إحنا بنشوف شعر البنت جزء من تكوينها الفيزيائي، اللي هو له طول وحجم وكثافة ولون، لكنه في الأصل جزء من تكوينها النفسي، البنت مُجبلة على حب الزينة، وأجمل أنواع الزينة بالنسبة لها هو شعرها، لكن علاقة البنت مع شعرها مش مقيدة في التزين والتجمل، علاقة البنت بشعرها مراية لعلاقتها بنفسها، يعني حب شعرها علامة كبيرة على حبها لنفسها، وكذلك تقبله وتقبل وجوده متعلق جدًا بتقبلها لنفسها، عشان كدة تلاقي بنات وستات كتير وقت زعلهم وتعبهم النفسي الشديد يتخلصوا من جزء من شعرهم، فيه بنات بتقص أطراف، فيه بنات تانية بتقص خصل عشوائي عشان كل ما تلمسها تفتكر وجعها، وفيه بنات تانية بتقص نصه أو أكتر، والأكثر وجع إن فيه حالات ممكن تحلقه تمامًا، ودا ممكن يكون من أكبر العلامات على رفض الذات.
خلصت الدش وأنا مش مركز، ولحظة إدراك إني ماخدتش هدوم من عندها، آسف يا غالية بس مافيش حل تاني، فتحت الباب سيكا بسيطة عشان صوتي يوصل لها:
“يا غالية… يا غالية.”
كررتها كتير بصوت أعلى كفيل أتأكد إن البيت كله سمعني، وأخيرًا فتحت الباب وهي بتقول بعصبية:
“إيه؟”
“معلش… نسيت آخد هدوم وفوطة ليا، ممكن تجيبيلي؟”
صوتها اختفى لفترة، وبعدين حسيت بحركة قصاد الباب وخطوات بتبعد وصوتها عالي وهي بتقول:
“سبتهم قصاد الباب.”
قالتها وقفلت الباب عليها على طول، صوت الرزعة بتاعة الباب عمل صدى في أبواب الشقة كلها. أخدت الهدوم من قدام باب الحمام، ودقايق ودخلت أوضتي وفصلان بجد، كنت مفكر إني تعبان وهلكان نفسيًا ومحتاج سكن وراحة واستقرار، والبنت متدمرة بالطريقة دي… والله والواحد يتكسف على دمه لما يشوف حالتها كدة، زعلان عليها زعل مش طبيعي، وياريت لو عندي مساحة أساعدها.
======================================================
مر حوالي عشرين يومًا على جوازنا، كمية الأسئلة اللي غرقت فيها من الكل عشان شعرها، لكني كنت أنا اللي برد، كنت بعرف أسكتهم إني بحب الشعر القصير وخليتها تقصه. طبعًا كنت في عيونهم الشرير لأن كلهم مجمعين إن غالية حلوة أوي بشعرها الطويل، وأنا معاهم والله، بس مسمحش لحد يضغط عليها بسؤال مش قادرة ترد عليه.
كنت بحضر ورق سفري، وحرفيًا بجهز الشنطة قبل الطيارة وهي بتساعدني.
“فارس… أنت بتجهز كل حاجة ولسه معرفتش أهلك.. دا غلط، أنت لازم تمهد لهم.”
“خبط لزق كدة هتبقى أحسن من إنهم يعطلوني يا غالية، المهم بكرة هيوصل ظرف الفيزا بتاعتك عشان لما أبعت مصروفك مبعتوش عن طريق أهلي.”
بصت لي برفض وهي بتقول:
“أنا قولت لك إنك ملزوم بمصاريف، كفاية عليك كل دا، أنا كدة كدة هنزل شغل الشهر الجاي.”
مش صدمة واحدة لا، دول صدمتين أخدتهم منها.
“كنسلي موضوع المصروف دا كدة… إيه حوار الشغل بتاع الشهر الجاي دا؟ كنتِ هسافري من غير ما تقوليلي؟”
سكتت للحظة وبعدين قالت باعتراض:
“كنت هعرفك لما أجي أنزل أكيد عشان أهلك أكيد هيسألوا، فتبقى عارف ترد.”
“لا بجد، كنتِ هتعرفيني بس عشان لما أهلي يسألوني أكون عارف؟!”
استغربت واتوترت وهي بتقول:
“أيوة، أكيد يعني مش هقولك عشان آخد رأيك وأشغلك، وأنت مشغول أصلًا في سفرك ووراك هم ما يتلم.”
اتنهدت وأنا بمسح على وشي، أقول إيه ولا إيه، لكني حاولت أبتسم بجد. كنت عاوز أسألها: ليه؟
ليه أقرب حاجة عندك إنك مش عاوزة تكوني تقيلة، مش عاوزة تشغليني، مش عاوزة تتعبيني، مش بتقولي حاجة ولا بتعترضي عشان ملكيش حق، مع إني والله شايف إن لها كل حقوق الدنيا. لكن الكلام دا دلوقتي مش هيجيب غير نتائج عكسية، عشان كدة قولت لها بهدوء:
“بصي يا غالية، أنا مش مشغول للدرجة، فممكن تقوليلي أي حاجة تخصك عادي وهبقى مركز. أنتِ مراتي، وحتى يا ستي لو قدامهم بس، لكنك مسؤولة مني. إزاي مبعتش لكِ مصاريف؟ عيب في حقي إنك تصرفي على نفسك. بصي للصورة النهائية، أنتِ في بيتي تحت اسمي، مبقاش راجل لو خليتك تدفعي جنيه أصلًا… دا رقم واحد.
رقم اتنين بقى هو الشغل، عاوزة تنزلي شغل ليه، وفين، ومواعيده، وكل تفاصيله، وإيه طبيعته، وهتختلطي بمين طول اليوم… كل الحاجات دي مهم أعرفها، ونتكلم ونتناقش أصلًا هل الشغل مهم، أنتِ عاوزة تنزلي شغل ليه؟ لو عشان المصاريف فدا مرفوض تمامًا.”
كانت معترضة، على كل حرف قولته كنت حاسسها هتقفش عنده وتقولي: لا وإزاي والكلام بتاعها دا، لكنها طلعت صابرة. الاندفاع قل شوية لكنه موجود، حتى إني حاليًا مستني قنبلة عصبية موقوتة أو حتى اعتراض بغضب واستنكار لكلامي.
“يعني إيه مرفوض؟ ليه أصلًا ترفض حاجة تخصني؟
أنا أول المشوار دا قولت لك هتكون لك حياتك وتكون ليا حياتي، محدش يتدخل في قرارات التاني. هو أنا ينفع أقولك متسافرش مثلًا؟ ينفع أتحكم في شغلك؟”
ضحكت لها وأنا بقول بابتسامة ساخرة:
“دا أنتِ اتجوزتيني عشان هسافر أصلًا، بس لو قولتي: يا فارس دلوقتي حالًا متسافرش، مش هسافر.
الإنسان عنده حاجات أهم يشتغل عليها ويديها مجهوده ووقته وطاقته، أهم من مشاريع الشركات.”
كنت بلمح، تلميح صغير والله، لكنها أخدته بحدة وقامت من الأرض قدامي وهي بتقول:
“والله أنت حر تسيب حد يتحكم ويختار حياتك، معندكش شخصية، معندكش رأي، أنت حر، لكن أنا محدش يختار لي حاجة يا فارس. الأول كنت هقولك على كل اللي عاوز تعرفه، لكن دلوقتي كفاية عليك أوي تعرف إني بس هشتغل، وملكش أي حق تتناقش وتقرر.”
خرجت زفير وأنا شادد أعصاب إيدي. مافيش عصبية، اهدى يا فارس كدة واهدَى نفسك، أنت عملت خطوة غبية ودي نتايجها. لكن مقدرتش مردش عليها، فقومت من مكاني ووقفت قصادها وأنا بقول:
“استهدي بالله، أنا مش زي ما بتقولي يا غالية، أنا بس راجل دماغي مش بتفكر في الشغل وبس، عاوز أعيش وأتبسط وأدي للست اللي معايا اهتمام، وأي حاجة من حقها أعملها لها بطيب خاطر. بخصوص حوار الشغل بتاعي، بالنسبة لي يطير لو لقيتك محتاجاني ومش هتعرفي تعيشي لوحدك… متفكريش إني لما أمشي هترتاحي، آه ترتاحي مني، هتبقي على راحتك، لكن صدقيني في حاجات تانية مش هتبقى مريحة بالنسبة لكِ.
الوحدة صعبة، مش عاوزك تجبري نفسك لسنين طويلة إنك تكوني لوحدك… ليه تعملي في نفسك كدة وأنتِ حواليكي ناس مهتمة بأمرك؟ لو عاوزة تنزلي تشتغلي عشان هتزهقي لوحدك، شايفة إن دا تسلية وحابة تضيعي وقت، أنا مش همنعك لو المكان كويس وقريب والناس فيه محترمة، والمجال نفسه مش متعب ومهلك، محدش هيتضايقك ومحدش هيتعرض لكِ، أنا موافق، بس أشوف المكان وأعرف الناس، والقرار لينا سوا. أنتِ مش قولتي يا ستي سكن مشترك؟
وكل سكن له قوانينه.”
سكتت خالص، أنفاسها بقت متقطعة، وعيونها محبوسة من ساعة ما قولت:
“ليه تجبري نفسك لسنين على الوحدة؟”
في كلام كتير خرج مني مكنتش عاوز أقوله، لكني انفعلت الأول منها، لكني بعد أول كلمتين بقيت منفعل عليها هي شخصيًا وعلى اللي بتعمله في نفسها. اتنفست بقوة وهي كالعادة بتسحب طرف بيجامتها عند منطقة الرقبة، وشدت عليه زي اللي بيخبي ألمه ويرجعه عشان لما يتكلم ميقعش منه في الكلام، وقالت:
“ماشي يا فارس، وجهة نظرك كويسة، لكني مش قبلاها في كل حاجة، هنقعد نتكلم على الشغل بليل عشان أنا دلوقتي تعبانة.”
هزيت راسي بتمام، وقبل ما تديني ضهرها وتروح للأوضة، باب الشقة خبط، وكان صوت أمي اللي خلانا إحنا الاتنين نبص لشنطة السفر برعب!