في أغسطُس، أشد شهور السنة حرارةً، بأسيوط.
تحت أشعة الشمس القاسية بوقت الظهيرة، تسير حافية القدمين فوق تلك الجذور القاسية المتبقية بعد حصاد القمح، جذور أقسى من الأشواك. كانت تقتلع تلك الجذور بيديها. توقفت تشعر بإنهاك وهي تمسح ذاك العرق المتسرب فوق جبينها من أسفل تلك العُصبة التي فوق رأسها. للحظة، ثم عاودت السير واقتلاع تلك الجذور. شعور الألم بكامل جسدها مصاحب كل خطوة، تدمي قدميها من قسوة تلك الجذور. رغم ذلك، هي تحاول دائمًا نسيان ذاك الألم.
إلى أن وصلت إلى جسر للأرض فاصل بينها وبين الأرض المجاورة. جلست تلتقط أنفاسها، تستريح بعض الوقت. جذبت قدميها، قدم خلف أخرى، تنظر إلى تلك الدماء التي تسيل منهما، وكذلك تلك الخدوش القاسية بيديها. كأنما حين جلست تضاعف شعور الألم بجسدها، والوجع الأقوى بقدميها.
خلعت تلك العُصبة عن رأسها، قامت بربطها حول إحدى قدميها، والقدم الأخرى وضعت عليها ذاك الوشاح الأسود الذي كانت تستر به شعرها أسفل تلك العُصبة. تحررت خصلات شعرها الكستنائية اللون ذات الطول المتوسط خلف ظهرها. ربطت ذاك الوشاح على قدمها الأخرى. للحظة، شعرت بهدوء الألم، لكن لم تهنأ بذلك حين شعرت بلسعة كرباج فوق يديها، وسمعت إلى من ينهرها قائلاً بتعسف: "إنتِ مين اللي سمحلك تجعدي؟ كانك صاحبة ملك. إياك...
جومي فزي، كملي شغلك. إنتِ مفكرة نفسك صاحبة ملك؟ إنتِ هنا خدامة حصاد لقمة عيشك. جولتلك هتعيشي عمرك كله في شقا. أنا هفضل عايش في خيالك عشان أسود حياتك. جولتهالك قبل كده." "أنا قدرك الأسود." أنهى قوله بصفعة بالكرباج. ضربت يدها كأن جلدها انشق. انشق صوتها بصرخة ألم.
فجأة، استيقظت. ترفع جسدها عن الفراش. ترى الظلام حولها، ليس بالغرفة أي ضوء. شعرت برهبة. نهضت من الفراش وتوجهت إلى ذراع الإنارة وأشعلت ضوء الغرفة. نظرت حولها. هي بغرفة النوم وحدها. شعرت بالأسى على حالها، كأنها تعيش بلعنة التصقت بها لا تستطيع التحرر منها. نظرت إلى يديها كأنها حقًا تشعر بألم ذاك الكرباج. انحصرت العباءة المنزلية عن ساقيها، تعرى فخذيها. وقع بصرها على تلك العلامة الكبيرة والظاهرة بوضوح. شعرت باشمئزاز مصحوب بألم، كأنها احترقت للتو. بدأت تستذكر ذكريات ظنت أنها نسيانها سهلًا، بعد أن قررت البدء مرة أخرى. بقسوة، لن تعود إلى تلك الشابة الوديعة.
"ثريا حمدين الحناوي" التي تعلمت أن تنحني للحياة حتى كادت أن تقسم ظهرها بأوجاع كان صعب مداواتها إلا بعد أن... وئدت قلب تلك الشابة بالثرى، وأنبت قلب آخر بلا إحساس. أصبحت غير باقية على شيء بحياتها. تعلمت الدرس جيدًا. "إذا أُجبرت النعجة على العيش وسط الذئاب، إما أن تستذئب مثلهم، أو ستكون طُعمًا طريًا لهم. وهي لن تكون طُعمًا مرة أخرى، بل ستذئب أمام الجميع." *** سيناء. إحدى الثكنات العسكرية.
تمدد بجسده، وضع رأسه فوق معصميه. يفكر: هذه آخر ليلة له هنا، بين تلك الجبال الذي خاض بها معارك كثيرة. ربما لم يخرج منها مهزومًا، لكن ليس رابحًا بعد أن خسر بعضًا من زملائه وجنود كانوا تحت ولايته. رأى الموت قريبًا جدًا منه بعد أكثر من إصابة رصاص. تركت ندوبًا ليس فقط في جسده، بل على قلبه الذي أصبح أكثر قساوة.
تنهد. بالغد سيتنازل عن مهامه هنا ويذهب إلى مكان آخر لا يعلمه. ما زال غموض حول ذاك المكان، لكن لا يعطي لذلك أهمية. هو تعود على العيش بأي مكان وتحت أي ظروف. نسي أنه... "سراج" أحد أضلع مثلث "عمران العوامري". بل الضلع الأكبر فيهم. *** بدار السعداوي. بغرفة نومها كانت تجلس فوق فراشها.
خطت آخر كلماتها بذاك الدفتر الذي بين يديها. وضعت القلم بتلك الصفحة، ثم أغلقت الدفتر وقامت بوضعه على طاولة بجوار فراشها. ثم تمددت على فراشها. نظرت نحو تلك اللمبة ذات الضوء المتوسط الإنارة. تنهدت تستذكر سابقًا. حين كانت تقرأ في كتب الحكايات عن فتى الأحلام. إما أميرًا أو فارسًا ذو صولجان ملكي معقوف. لكن حين التقت بفتى أحلامها. كان معاقًا، صولجانه القلم المستقيم.
تبسمت، لكن سرعان ما غص قلبها حين عادت للواقع. هنالك حرب باردة بين العائلتين. وتذكرت أنها... هي "حنان وجدي السعداوي". *** بإسطبل خاص بعمران العوامري. كعادته بالصيف، يظل ساهرًا بالفناء فوق ذاك العشب. يرى نجوم السماء. يسرد بقلمه "حكايات من الغرام". يرسم شخوصًا لأبطال ربما ليسوا موجودين إلا بالخيال فقط.
أميرة عشقها صعلوك، وأمير عشق تلك المُعفرة بالتراب. حكايات ينسج بينهم تألف، واختلاف. وغرام التضاد. لم يكن يظن أنه سيكون يومًا حكاية من ضمن الحكايات حين يقع... بـ"جب" غرام التضاد. الذي سقط فيه حين وقع بغرام تلك الأميرة التي التقى بها صدفة بين مدرجات الكتب. غرام تخطى أكثر من سبع سنوات. مدفون بـ"جب" بركان خامد، لو ثار لن يرحم أحدًا. بالنهاية هو... "آدم". الضلع الثاني لـ"عمران العوامري"... أو كما يقال عليه "المعاق". ***
بصباح اليوم التالي. القاهرة. بأحد قيادات القوات المسلحة. أدى التحية العسكرية لقائده الأعلى. تبسم له القائد قائلاً: "إقعد يا سراج." جلس سراج ينتظر إخبار القائد له عن مكان خدمته الجديد. لكن تفاجأ حين مد يده له بورقة قائلاً: "إقرأ دي يا سراج وقولي رأيك؟ أخذ الورقة منه ونظر له مذهولاً. حين أتم قراءة الورقة قائلاً: "ده طلب استقالة وإعفاء من الخدمة في القوات المسلحة. بس أنا... قاطعه القائد قائلاً:
"عارف إنك مقدمتش الاستقالة دي، بس زي ما إنت شايف فعلًا تم الموافقة على الاستقالة وإعفائك من الخدمة بالقوات المسلحة." انزعج سألًا: "مش فاهم يا أفندم. أنا بخدم في الجيش من سنين و.... قاطعه القائد مفسرًا: "إنت من أكفأ الجنود، وقلبك شجاع. وده اللي إحنا محتاجينه في مهمتك الجديدة يا سراج." استغرب سراج سائلًا: "مش فاهم يا أفندم." وقد كان الجواب صادمًا: "مهمتك في الجيش انتهت يا حضرة القائد." *** بأحد مستشفيات أسيوط العامة.
بعد انتهاء دوامها بالمشفى. كانت تسير تنظر إلى هاتفها تقرأ إحدى الرسائل. قبل أن تشعر بيد تقبض على ساعد يدها تسحبها إلى داخل أحد الغرف. لوهلة انخضت وشعرت برهبة ثم برودة قوية. سرعان ما شعرت بانقباض قلبها، كأن نبض قلبها توقف للحظة. قبل أن تعود وتستنشق الهواء بتقطع. تنظر له بسحق إلى أن استطاعت التقاط نفسها طبيعيًا لحد ما. تحدثت بغضب: "إيه الهمجية دي؟ إزاي يا دكتور تسحبني بالشكل الوقح ده؟
مش ملاحظ إننا في مستشفى وسهل أي حد يشوفنا أو يسمعنا؟ يقولوا علينا إيه." تبسم وهو يكاد يضع يده على شفاها، لكن قامت بصفع يده بقوة وابتعدت بغضب وكادت تتوجه نحو باب الخروج. لكن أمسك يدها قائلاً: "حبيبة." "أنا جايبك في آمن مكان محدش هيشوفنا ولا هيسمعنا." تضايقت سائلة بازدراء، ثم جالت عينيها بالمكان: "والله طمنتني. وإيه المكان البارد ده؟ أجابها ببسمة: "المكان هنا محدش بيسمع ولا بيشوف ولا بيتكلم."
استهزأت مرة أخرى وهي تمسد عضديها بسبب البرودة، سائلة: "هو إيه المكان ده، وماله ساقع كده ليه؟ أجابها ببساطة وبسمة سخيفة بالنسبة لها: "إحنا في المشرحة." -المشرحة." قالتها برعب وقد تجمدت جميع أوصالها للحظات قبل أن تصرخ فيه وترفع يديها تقوم بدفعه وتهرب سريعًا من الغرفة وهي تسب بذاك الغبي. بينما هو ضحك على هروبها قائلاً: "خايفة كده ليه؟ هنا كل واحد في حاله. ده أحلى مكان نتكلم فيه برومانسية. هدوء وسكينة." سبته بغيظ قائلة:
"سكينة تقطعك حتت، يا سخيف. بعد كده مش عايزة أشوف وشك ولا أعرفك ولا أسمع صوتك تاني." سارت تحلف لن تلتفت خلفها، ليس فقط رعبًا، بل لو رأت ذاك السمج أقل ما قد تفعله ستقتله. بينما هو مازال يضحك باستهوان قائلاً: "هي مالها خافت كده ليه... ده تاني أحلى مكان بلاقي راحتي فيه." بعد لحظات، دلف أحد الأشخاص العاملين سائلاً: "دكتور إسماعيل، أي خدمة؟ نظر له قائلاً:
"لأ مش عايز منك أي خدمة، بس اهتم شوية بنضافة المكان. مش عشان أموات تطنش. الاهتمام مش بيطلب. يلا سلام وخلي بالك، أنا عادد الجثث... سلام يا برعي." خرج إسماعيل، بينما قال الموظف: "إسمي مرعي يا دكتور." لم يبالِ إسماعيل. بينما تفوه مرعي: "هو كان بيعمل هنا إيه؟ طبعًا إسم عيلته مقوي قلبه." "إسماعيل... الضلع الثالث لـ عمران العوامري." *** بالظهيرة. تعامدت الشمس وأصبحت الحرارة قاسية للغاية. بالحقل.
مدت بصرها على مدى قطعة الأرض الصغيرة. ما زال هنالك جزء لابد من تنقيته من الحشائش. لكن...
شعرت بالإرهاق بعد أن قامت بنزع جزء من تلك الحشائش الضارة من بين شتلات الأرز. كذلك شعور بالجوع يتوغل منها، فمنذ الصباح لم تتناول سوى الماء. حسمت قرارها لتعود إلى المنزل لتناول الطعام. أخذت وقت مستقطع تسترد عافيتها. كذلك تنكسر درجة الحرارة عصرًا تعود لاستكمال الجزء الباقي. خرجت من الحقل نحو جدول مياه صغير على رأس الأرض. قامت بغسل يديها وساقيها من ذاك الطين. كذلك نزعت تلك اللثمة عن وجهها وغسلته. شعرت ببعض الانتعاش. ذهبت نحو منزل والدتها. لكن على رأس الشارع، لمحَت إحدى النساء تدخل إلى المنزل. حالتها المزاجية والبدنية لن تتحمل سخافة أحد. تنهدت بحيرة، ثم عدلت طريقها إلى مكان آخر أفضل من المناهدة والمجادلة بأمر منتهٍ بالنسبة لها.
بعد لحظات. بمنزل بسيط للغاية. استقبلتها تلك المرأة تبتسم ترحابًا: "ثريا بت حلال تعالي، أنا كنت لسه بفكر فيكِ." تبسمت لها قائلة: "خير يا خالتي سعدية." تبسمت لها بحنان قائلة بمودة: "خير، تعالي. أنا كنت جعانة محدش في الدار يفتح نفسي عالأكل. تعالي. أنا طابخة وأكلة زين. إعدلي الطبلية على ما أجيب الأكل من المطبخ." فعلت ثريا مثلما قالت وظلت واقفة إلى... وضعت نعمات إناء الطعام أمامها قائلة: "يلا إقعدي ناكل سوا."
جلست ثريا بالمقابل لها. تبسمت سعدية قائلة: "تعرفي يا بت يا ثريا أنا وإنتِ فينا شبه كبير من بعض." حملقت ثريا بإناء الطعام. لوت شفتيها بامتعاض قائلة: "عشان كده مبنرتاحش مع بعض يا خالتي. بس إيه الأكل اللي في الصحن ده." ضحكت سعدية بتوافق، ثم نظرت إلى الصحن قائلة ببساطة: "دي بتسا." -بـ إيه... قصدك بيتزا." أجابتها بتوافق: "أيوه، شوفت الولية على التلفزيون بتعملها جولت أجرب وأعرف طعمها إيه."
رغم امتعاضها من المنظر، لكن مدت يدها وقطعت قطعة صغيرة. وضعتها بفمها. حاولت مضغها تستسيغ طعمها. لكن لم تستطع. كذلك لم تبصقها. ابتلعتها بصعوبة وامتعاض قائلة: "دي ماسخة وملهاش طعم، أو طعمها زي الأكل الحامض (الفاسد) . أقولك أنا ماليش في أكل التلفزيونات ده. عندك حتة جبنة قديمة وعود خس سريس." تبسمت لها قائلة: "لأ. عندي جبنة قديمة وجوز خالتك كان جايب جرجير معاه وهجيبلك طماطم كمان." بعد لحظات، وضعت أمامها ذاك الطعام.
نظرت له بشهوة قائلة: -واه أهو ده الأكل مش هتجوليلى "بيتسا"." "إنتِ غلط. تسمعي قنوات الطبيخ. ركزي مع المسلسلات زي أمي." تبسمت وجلست جوارها تتناول الطعام. ثم رمقتها بحنان سائلة: "الا ليه مروحتيش تتغدّي في دار أمك يا ثريا." ابتلعت ثريا إحدى اللقيمات وقالت بتفسير: "أنا كنت رايحة أتغدى في دارنا بس شوفت الولية "أم مرسي" داخلة دارنا. جولت أكيد جايبة عريس عِرة وأنا مش ناقصة وجع راس. جولت أجي أتغدى عندكِ." تبسمت
لها بغصة قلب قائلة بسؤال: "ولحد ميتي هترفضى الجواز؟ بالك لو إنتِ اللي كنتِ موتِ، كان زمان جوزك اتجوز من سبوعها وخلف اتنين كمان." ضحكت قائلة: "اتنين؟ ليه كانت حبلى من قبل ما تتجوزه؟ وإنتِ بتتمني لي الموت يا خالتي." انتفضت بجزع وربتت على فخذ ثريا قائلة: "لأ، ربنا يطول بعمرك يا بت ويفرح جلبك." نظرت ثريا إلى يد سعدية التي تربت بها على فخذها. شعرت بألم كأنها للتو احترقت. تنهدت بحسرة وتهكمت قائلة:
"هعمل إيه بالعمر الطويل يا خالتي؟ بختي وعرفته... طول عمري بيني وبين السعادة صخرة سد." نظرت لها برأفة قائلة بتمني: "يا عالم يا بتي، يمكن ربنا لساه شايل ليكِ الخير." أومأت برأسها قائلة برضا: "الحمدلله." شعرت سعدية ببؤس وعاودت تحريض ثريا قائلة: "الحمد لله. بس يا بتي العمر بيجري. لازم تفكري بـ.... قاطعتها ثريا بدمعة تترغرغ بعينيها كأنها حبيسة تأبى النزول من بين أهدابها قائلة بلوعة قلب فقد مذاق الحياة:
"عمر إيه اللي هدور عليه يا خالتي؟ كمان مين اللي هيقبل يعيش مع ست جسم عالفاضي؟ حتى ده كمان يمكن ميعجبوش. أنا ها عايشة كده بكرامتي. جربت بختي وإنتهي كده." هطلت دمعة عين سعدية ألمًا على رد ثريا اليأس. تنهدت بحسرة قائلة: "كان جوازة الشوم. جولت لـ "نجيه" أختي بلاه "غيث" ده معندوش نخوة. بس خالك "مصطفى" هو اللي كبره في دماغها." تنهدت ثريا بألم قائلة: "بلاش ترمي اللوم على أمي يا خالتي، ده كان قدري المكتوب. وعلى رأي المثل:"
"المكتوب مفيش منه مهرب." *** مساءًا. مركز شباب البلدة. كانت أصوات أنثوية حماسية. تنطق بكلمات خاصة برياضة "الكاراتيه". تقوم بتدريب بعض الأطفال من الجنسين. إلى توقفت تلهث وهي تنظر لهم بمرح قائلة بحماس: "عاش يا وحوش، كده خلصنا نص تمرين النهارده. يلا قدامك عشر دقايق راحة ونرجع نكمل النص التاني. عندنا بطولات القطاعات قريب، عايزكم وحوش." تبسم لها الأطفال. بينما أتى مدير مركز الشباب وتبسم لها قائلاً:
"مساء الخير يا كابتن إيمان." تبسمت له قائلة: "مساء الخير حضرتك. غريبة إنك لسه موجود لحد دلوقتي في النادي الساعة قربت على سبعة. أنا قدامي ساعة كده هخلص بقية التمرين وأطمن هقفل باب النادي." تبسم قائلاً:
"إنتِ عارفة أوامر الحكومة وإدارة النادي دي مسؤوليتي. كمان كنت جاي أقولك إن الحكومة عينت موظف جديد وهيجي بكرة هنا يستلم شغله مدرب كاراتيه. بالتأكيد ده متمرس وهيُزود كفاءة مركز الشباب. وكمان هيخفف عنيكِ التعب في تدريب الأشبال، عشان تنتبهي لدراستك. الدراسة قربت. دي آخر سنة ليكِ. إنتِ كنتِ بتشتغلي هنا تطوع منكِ."
نظرت له باحتقان. تعلم أنه هو من طلب ذاك المدرب ليس لزيادة كفاءة مستوى أشبال مركز الشباب، كما أنه يقصد أن يخفف من ممارستها لتلك الرياضة العنيفة امتثالًا لأمر من والدها. "عمران العوامري". فهي الضلع النسائي الوحيد له وسط ثلاث شباب نصف أشقاء لها. تنهدت تقول بإيحاء مباشر:
"أكيد طبعًا المدرب الجديد هيكون متمرس. أهو أستفاد أنا كمان من خبرته وتزيد كفاءتي وأركز في سنة التخرج عشان من طموحاتي يكون ليا اسم كبير بين مدربين الكاراتيه في مصر. متنساش إني بطلة جمهورية والعالمية مش بعيدة عني." *** ليلًا. بمنزل "قاسم العوامري". بإحدى الغرف.
شعرت بالإنهاك من كثرة الرقص. تمايلت بغنج وألقت بجسدها على ساق ذلك الجالس. تلمع عيناه بإستمتاع وبسمة كفيلة ببث الروح بقلبها وهي تتدلل عليه بغنج. يضمها لصدره بقبول، يُقبل وجنتيها من ثم لثم شفاها المصبوغة بلون أحمر قاني يشبه لون الدم. وهو مثل الذئب يستهويه لون الدم. بشوق تقبلت قبلاته الممزوجة ببعض من القوة والشهوة فقط بلا مشاعر من ناحيته. بارع في جعلها تمتثل لطوفان كاذب من المشاعر. بل بارع في جعلها راغبة. ***
بعد منتصف الليل. فجأة دون سابق إنذار. تبدل الطقس الحار إلى ثائر. هدأ قليلًا من الحرارة لكن مصحوب ذلك بعاصفة ممطرة بل غزيرة المطر. ترعدت السماء بسرج قوي مثل عاصفة شتاء وهطلت أمطار غزيرة. بمنزل ثريا. استيقظت بفزع حين انفتح شباك غرفتها الذي لم يكن محكم إغلاقه. على غفلة. نهضت من فوق الفراش توجهت نحو الشباك. وقفت تنظر نحو السماء التي تسرج برعد، كذلك هطول الأمطار. تطايرت خصلات شعرها بسبب تلك الرياح التي ما زالت
ساخنة بعض الشيء قائلة: "سبحان الله! "الطقس طول اليوم حار نار، ودلوقتي كمان شبه حار، والسما بتسرج وترعد وكمان بتمطر سيول مش مطر." وقفت قليلًا، تنظر إلى ثورة الطبيعة القاسية. هذا مثل قدرها الثائر دائمًا عكس ما تبغي. فجرًا. نظرت نحو باب غرفتها الذي انفتح وطلت من خلفه والدتها. لم تستغرب حين وجدتها مستيقظة بهذا الوقت. تبسمت لها بحنان تشعر بغصة قلب قائلة: "صباح الخير، إنتِ منمتيش ولا إيه." أجابتها ببسمة ودودة:
"حد يعرف ينام وهو بيسمع الأصوات المفزعة دي. الجو في لحظة قلب. مطر ورعد والسما بتسرج في شهر أغسطس. سبحان الله." تبسمت والدتها قائلة: "سبحان الله بيبدل حال لـ حال في ثانية. ربنا يبدل حالك. الضهر روحتي اتغديتي عند خالتك." فهمت ثريا تلميح والدتها وقطعت الطريق قبل حديثها التي تعلمه قائلة:
"خالتي فتّانة بسرعة قالتلك. أنا استغربتها روحت اتغديت عندها، ورجعت الأرض أكمل تنقية الدنيبة من الرز. بقولك إيه يا أمي، زمان السطح عايم ميه من الشتا. أنا هطلع أزيح المايه لا السطح ينشع في عشش الفراخ." غادرت مسرعة، أو بالأصح هربت، لا تود جدال بشأن أمر منتهٍ لديها. *** بمحطة قطار أسيوط.
مع الغسق الأول. إقترب شروق الشمس التي ستبدد ظلام عاصفة ليلة أمس. لكن ما زال هطول الأمطار بغزارة. هنا يتوقف القطار لوقت كي يبدل مساره قبل أن يستكمل الطريق مرة أخرى. جذب تلك الحقيبة الصغيرة ورفقها على أحد كتفيه وترجل من القطار. قابلته الأمطار الغزيرة بالترحاب بالعائد إلى منشأه القديم. لم يحاول الانزواء والاحتماء من تلك الأمطار أسفل تلك المظلات...
كبقية السائرين. ظل يسير تتدفق الأمطار على صفحة وجهه إلى أن أشار إلى إحدى سيارات الأجرة الذي توقف له. صعد إليه وأملى السائق عنوان تلك القرية. بعد وقت وصل إلى مشارف تلك البلدة. توقف سائق السيارة قائلاً: "معلش مش هعرف أدخل بالتاكسي للبلد. الطريق ترابي وإنت شايف المطر والتاكسي سهل يتغرس في الطين." أومأ له متفهمًا يقول: "تمام... قول لي عاوز أجرة كام." أجابه السائق بالمبلغ الذي أخرج ضعفه من جيبه وأعطاه له. قبل
أن يعترض السائق قال له: "طريقك أخضر."
تبسم له السائق بامتنان وغادر بعد أن ترجل من السيارة. الذي عادت تستقبله أمطار أشد غزارة. رغم أن الطقس رطبًا يميل إلى الحرارة، لكن طبيعة المكان تطفو عليه. تقدم سيرًا نحو البلدة التي مر عقد من الزمن لم تطأ قدميه أرضها. تبدلت كثيرًا. كان هنا طريق ترابي يفصل بين مجريان للمياه وخلفهما كانت أراضي زراعية. اختفى أحد المجريان وتلك الأرض التي كانت خلفه أصبحت منازل. كل شيء يتغير والتمدن أصبح آفة بكل مكان.
بعد قليل أثناء سيره أسفل زخات المطر. مر من أمام مقابر البلدة. خفق قلبه بأسى وتذكر، أو بالأصح رغم مرور سنوات البعاد، لكن يتذكر مكان قبر والدته هنا بين المقابر. بعد لحظات عاد يسير مرة أخرى. لكن... فجأة مثلما كانت السماء تسرج وتمطر بغزارة، هدأت لزخات كثيفة تشبه قطرات ندى صباح شتوي غائم. كأن السماء كانت طفلًا يبكي والشمس كانت والدته حين بدأت تشرق هدأ بكاؤه... أو ربما سماء.
"أسيوط" كانت ترحب بـ"النسر العائد" الذي يغدو سراجًا بين سمائها وثراها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!