تفوه سراج محاولًا إثارة استفزازها وهو يقوم بتمزيق ذلك المغلف بما يحتويه قائلًا: من كام شهر قطعتي قدامي الشيك والتنازل، قولت شجاعة لكن كنت غلطان يا ثريا. إنتِ اللي بتسمحي لنفسك بالانهزام، بالانسحاب، لأنك عاوزة كده وترجعي تقولي الظروف هي اللي جبرتك. لأ، الحقيقة إنك جبانة يا ثريا، بتستسلمي بمزاجك، عايشة هلاوس كفيلة تدمر حياتك. متأكد غيث وهمك. أصاب سراج استفزازها، انتهت من التحمل.
ذهبت نحوه تقوم تدفعه بقوة بصدره، قاطعته بحدة تتحدث كأنها بألم ينزف من روحها، تشعر بانهيار:
لاه، إنت يا سراج متعرفش اللي مريت بيه في حياتي. إنت كنت مدلل، كل اللي بتحتاجه بتوفره لك. ابن عمران العوامري مش زي بنت الحناوي، العامل البسيط اللي كان عايشها يوم بيوم. أنا كان كل اللي بتمناه هو أعيش مطمئنة وراحة بال، مفيش حاجة تتفرض عليا وأوافق غصب. أعيش مع إنسان معدوم الأخلاق. غيث حاول يغتصبني مرات، وفي الآخر أنا سلمته نفسي بإرادتي. هددني أرجع معاه وأقبل بيه زي ما هو عاوز، سادي خاين، شوفته بتلذذ خيانته قدام عيني. اتحملت اللي مفيش ست تتحمله. خوفت غيري يتأذى بذنبي. ياريت كنت سبتني أموت يا سراج، يمكن كنت ارتحت.
اقترب سراج منها يشعر بألم ينزع روحه، هل تعتقد أنه أقل منها عذابًا؟ لا تعلم أنه حين يشعر بالاحتياج كان يذهب إلى قبر والدته، التي تشبه ثريا كثيرًا في الظروف. الاثنتين تجمعهما صفات الضعف والاستسلام وقبول الانهزام. حاول ضمها، لكن ثريا عادت للخلف، لكنه لم يبالِ، جذبها عنوة وكاد يضمها، لكن هي شعرت بعدم قدرتها على الوقوف على قدميها، جلست أرضًا راكعة تبكي. دنا سراج لمستواها وضمها قائلًا بصدق:
وأنا بحبك يا ثريا، ومستحيل أتخلى عنك غير في حالة واحدة، إنك تنطفي وتقولي لي "بكرهك". بصي في عيني وانطقيها يا ثريا. رفعت وجهها الغارق بالدموع ونظرت لعينيه، شفتيها ترتعش وتفوّهت بعناد عكس مشاعر قلبها: سبق وقلت لك..... لكن قبل أن تنطقها قاطعها سراج وضمها قويًا، يضم شفتيها بين شفتيه، يقبلها باحتجاج واجتياح. قبلة كان مذاقها مالحًا.
ترك شفتيها حين احتاجا للتنفس، لحظة وعاد يقبلها مرة أخرى. ثم ضعفت ضمته لها، وارخت يدها وتركها راكعة، ونهض واقفًا ينظر لها بتحدٍ قائلًا: دي مش قبلة وداع يا ثريا. لم ينتظر وغادر، يصفق خلفه باب المكتب الخارجي، الذي ارتج وانغلق عليها. نظرت نحو ذلك الباب، لأول مرة تشعر أنها ذات قيمة. تبسمت بدموع غير مهزومة. *** بذلك الفندق شعرت ولاء بالتوجس واقشعرّت للحظات قبل أن تقول بتبرير ترمي الفشل على غيرها:
مهمة قتل سراج كانت لـ قابيل وكان المفروض... قاطعها بغضب ساحق: مهمة قابيل أو غيره، في النهاية المهمة فشلت وإنتِ المسؤولة قدامي. كمان اللي حصل في الفرح كان غلطك. أجابته بتسرع: اللي حصل مش من تخطيط قابيل، هو قالي إن مش هو اللي كان ورا الهجوم ده. هو بعت واحد يقتل سراج. ضحك باستهزاء: كمان متعرفيش مين اللي ورا الهجوم اللي حصل؟ ليه شبح اللي بيطاردنا؟
لازم تعرفي مين الشخص ده. لو مكنش حادثة هجوم الفرح، كنت قولت سراج هو اللي استولى على الآثار وبيلاعبنا عشان يكشفنا، لكن الهجوم اللي حصل غير الفكرة. ودلوقتي لازم نخلص من سراج. موت سراج هينيم الحكومة عن هنا ونرجع نشتغل براحتنا تاني. في أكتر من عملية هتم الفترة الجاية وعاوز تركيز وكمان هدوء، سواء من الجيش أو الشرطة. ازدردت ريقها بتوجس ثم سألت: قابيل من وقت رجوع سراج لهنا كان عاوز يقتله،
وأنا لما سألتك قولت لي: لأ. ليه دلوقتي عاوزه يتقتل؟ زفر نفسه بغضب ساحق قائلًا:
كان عندي أمل إنه يرجع لـ تالين، وقتها كان ممكن أعرف أسيطر عليه أو أعرف منه معلومات تفيدنا. لكن هو اختار حتة بنت حقيرة مش في مستواه، وفضلها عليها، غير إنه قهر قلبها. وبنتِ قهرتها غالية عندي. نفذي اللي قولته لك عليه. سراج يتقتل في أقرب وقت وكمان تعرفي مين الشبح الخفي اللي ورا المصايب الأخيرة. ودلوقتي يلا امشي، ولما أحتاجك أو أعوز أبلغك أي معلومة. بسرعة، عاودت وضعت ذاك النقاب والتفتت به.
بينما توجه الآخر إلى باب الغرفة، فتحه ونظر إلى الممر. كان خاويًا. دلف نحوها وأومأ برأسه أن تغادر. سرعان ما خرجت تسير بتسرع غير منتبهة لذلك الذي كان مثل الثعلب يباري فريسته منذ أن خرجت من دار زوجها إلى أن وصلت إلى هنا، حتى إلى أن غادرت. نظر إلى هاتفه وسرعان ما تبسم بانتصار:
أخيرًا عرفت مين الراس الكبيرة. "سيادة اللواء عادل عبد الغفار". إزاي فاتت عليا دي قبل كده. ده كان هيبقى نسيب عمران العوامري، وحما سيادة الضابط سراج باشا. ضحك بخبث واستهزاء، يمدح ذكاءه الذي بدأ يجني ثماره، فقد أصبح لديه دراية عن هوية من يقود ولاء، بل ويقوم بحمايتها. ولاء... قابيل... سراج... ماذا لو علم سراج أنه من عائلة متشعبة الإجرام؟
لا يعلم من كان الأول. لكن ولاء كان لها نظرة خبيثة استطاعت تطويعه هو وقابيل معها. استغلت نزوات الشر والشهوات وحب السلطة والسطوة لديهم. *** بعد مرور عدة أيام بالمشفى أنهى إسماعيل ذلك الكشف الطبي وذهب إلى مكتبه يقوم بتدوين أسباب وفاة ذلك الشخص. أثناء ذلك سمع صوت طرق على باب الغرفة. سمح بالدخول. رفع نظره عن ذلك ونظر نحو الباب. سرعان ما خفق قلبه، لكن تمثل بالبرود قائلًا: خير يا دكتورة، أي خدمة أقدر أقدمها لك؟
من نبرة صوته شعرت بالتوتر، وهي تنظر له بعشق واشتياق، لكن انحشر صوتها. تذمر إسماعيل ببرود قائلًا: من فضلك، أنا مش فاضي. وقتي... قاطعته بتسرع وحشرجة صوت: وحشتني يا إسماعيل. خفق قلبه، لكن أخفى مشاعره خلف تصنع البرود قائلًا وهو ينظر لها بحنق: بجد؟
واضح إنك فاضية وجاية تتسلي. وأنا زي ما إنت شايف ورايا تقارير لازم تتسلم، جثث بني آدمين لازم تكرم وتروح لمثواها عشان أصحابها ياخدوا العزاء، ويتفاجئوا بعد كده إن اللي دفنوه أغلى من اللي عايشين قريبين منه.
فهمت تصريحه الواضح. شعرت بخزي. هي حقًا غاب عقلها في لحظة وامتثلت لرغبة والدها ونسيت قيمة حزنه ووجعه لفراق والده بهذه الطريقة الشنعاء. ما كان عليها الاستماع إلى والدها بهذا الشأن حقًا. تلك الوضيعة أمه تطاولت عليها، لكن كان لابد أن لا تعطي لحديثها أهمية بهذا الوقت العصيب. وكان عليها البقاء جوار زوجها تواسيه. لكن هي أخطأت، والدليل مجيئها إليه وتخليها عن الكبرياء، بعد أن تجاهل اتصالاتها الهاتفية ورسائلها التي كانت ترسلها
له بالأيام الماضية. تحاملت على نفسها واقتربت من مكان جلوسه وانحنت تمسك يده، تنظر إلى وجهه، وكادت تتحدث. لكن إسماعيل نهض واقفًا وسحب يده منها بقوة. وقبل أن يتحدث سمع طرقًا على باب الغرفة. لم يهتم بوجودها. دلف أحد العاملين نظر نحو إسماعيل قائلًا:
في جثة وصلت المشرحة والنيابة عاوزة تقرير سبب الوفاة بأقصى سرعة. نهض إسماعيل قائلًا: تمام، أنا جاي وراك. غادر العامل. نظر إسماعيل لـ قسمت قائلًا: نأجل كلامنا يا دكتورة زي ما إنت شايفه. عن إذنك... ابقي اقفلي الباب وراكِ وإنتِ خارجة. غادر إسماعيل، بينما فرت دمعة من عيني قسمت آسفة وندمًا، لكن لن تيأس ولن تستسلم. *** بتلك البقالة تبسم فتحي لـ ممدوح الذي أقبل عليه يلقي التحية. ردها عليه ثم سأله: جاي منين دلوقتي.
أجابه ممدوح: اتأخرت في المدرسة عشان تجهيزات امتحانات نص السنة قربت. ابتسم له فتحي قائلًا: آه فعلًا، دي رغد بتذاكر لأخوها بقالها يومين. كويس إنه هيخلص امتحانات قبل ما هي تمتحن. أومأ ممدوح قائلًا: بدل ما تعطل نفسها عن المذاكرة، ابعتوه لي وأنا أذاكر له وهي تركز في دراستها. وضع فتحي يده على كتف ممدوح قائلًا: كتر خيرك يا ولدي. شوف مواعيدك فاضي ميتى، وأنا لما أرجع الدار هقوله. أومأ ممدوح موافقًا.
بنفس الوقت، أتت سيدة إلى البقالة تلقي السلام. رد عليها الاثنان. ابتسم لها فتحي بقبول وهي تقترب منه بعشم قائلة: ها يا حج فتحي، أم رغد قالت لي إنك هترد على طلبي. نظر فتحي نحو ممدوح الذي تجنبوه عنه قليلًا، ثم أجابها بهدوء: إنتِ عارفة إن رغد في الجامعة والفترة الجاية هتمتحن امتحانات نص السنة، وأنا مش عاوز أشغل عقلها بالموضوع ده دلوقتي لحد ما تخلص الامتحانات. تهكمت السيدة قائلة: والموضوع ده هيشغل عقلها ليه؟
الموضوع لسه هيجي مجرد خطوبة لحد ما تخلص السنة و... قاطعها فتحي قائلًا: مش هيجرى حاجة لو أجلنا الموضوع كام يوم. تذمرت السيدة قائلة: لو هي رافضة قول، بس هتلاقي أحسن من ولدي. ده بيشتغل في قطر والحمد لله ربنا رازقه من وسع. أجابها فتحي: ربنا يزود رزقه. ومش هيجرى حاجة لو أجلنا الموضوع، بس عشان تركز وعقلها مينشغلش. واللي فيه الخير ربنا يقدمه. زفرت السيدة نفسها بضجر وأومأت رأسها بحنق:
وماله، مش هتفرق كام يوم. عن إذنك هرجع داري، سايبة الصنايعية بيركبوا النجف في الشقة. أومأ له وهي تغادر، ثم تنهد بارتياح. عاود يقترب من ممدوح عن قصد قائلًا: الحمد لله الست ربنا هداها ومشيت. لم يكن ممدوح يركز جيدًا وظن أنها تود منه بضاعة، فسأله: هي كانت عاوزة إيه؟ عن قصد أجابه فتحي: جاية طالبة يد رغد لولدها. تحشرج صوت ممدوح سائلًا بتوجس وترقب: وإنت وافقت؟ أجابه فتحي بلؤم مترقبًا:
قولت لها تديني مدة لحد ما رغد تخلص امتحانات نص السنة. تحشرج صوت ممدوح بتسرع سائلًا: يعني هتوافق؟ ببسمة خاصة أجابه: مش مهم أنا أوافق، المهم صاحبة الشأن هي اللي تقرر. وأنا لسه مقلتلهاش، مستني تخلص امتحاناتها.
شعر ممدوح بغصة في قلبه. بينما تبسم فتحي بخفاء، وتأكد من حدسه. لكن لابد أن ينطق ممدوح. بعد قليل بمنزل ممدوح بغرفته تمدد فوق الفراش يشعر بغصة قوية في قلبه يفكر بعقله، يشعر بالخسارة والاستقلال من شأن نفسه، حتى وإن أصبح مدرسًا بمدرسة ذات مكانة، لكنه ما زال ببداية الطريق. والعريس الآخر له مميزات منها شقة خاصة به بمنزل والده. هو ليس لديه ذلك، يعيش بمنزل مع والدته دور واحد يعيشان به معًا. المقارنة خاسرة والقلب يعيش الأسى، يخشى سقوطه في المقارنة.
*** بدار ولاء كانت تستشيط غيظًا
وهي تجلس مع إيناس تنظر لها بعقلها تنعتها بالبلهاء بسبب غيرتها المفضوحة وعقدة النقص التي أصبحت تسيطر عليها. وضعت الخادمة صنية القهوة ثم غادرت. بنفس الوقت جاء قابيل. جلس معهن. في البداية شعر بشماتة في ولاء، فهي تقريبًا خلال بضع أيام فقدت جزء كبير من مكانتها وسط العائلة، وربما فقدتها كلها. هي من كانت ذات الشأن، وذات القيمة العالية، العقل الراجح، لها مشورة بكل شيء يخص العائلة. لكن بعد أن تولى سراج شؤون العائلة، لا يعطيها
قيمة مثلما كان يفعل عمران. كلمته واحدة دون رجوع لأحد. كذلك ما حدث بليلة مقتل عمران والعائلة فقدت الكثير من الأشخاص. عمران كان ضعيفًا عكس سراج، كلمته نافذة. بوقت قصير أيام معدودة استجمع العائلة قبل أن تتشتت. رغم شعوره بالغيرة والحقد من مكانة سراج الذي كان هو الأحق بها، لكن يخفف من ذلك أن سراج عكس عمران لا يعطي مكانة لتلك الصفيقة المتعالية الوضيعة.
جلس بالمقابل لها يتذكر قبل أيام ليلة مقتل عمران. حين أخذته وخرجت إلى أحد الأماكن المظلمة بالحديقة وصفعته على وجهه وحدثته باستهجان: قولت لك اقتل سراج، إيه الغباء اللي إنت عملته ده؟ وضع يده على مكان الصفعة ينظر لها مثل الذئب الغاضب. بصعوبة سيطر على غضبه وهو يقبض على يديه كي لا ينهش وجهها في الحال، وتفوه بغضب: مش أنا اللي خططت للهجوم ده. نظرتها كانت غير مصدقة. بغضب تفوهت: ولما مش إنت يبقى مين؟ أجابها
ببساطة زادت من غضبها: معرفش مين. ممكن يكون الشبح اللي سرق الآثار من المخزن. أنا كنت مأجر مجرم يقتل سراج، لكن الهجوم مش من تخطيطي. فزعت قائلة بسؤال: ومين الشبح الخفي ده وإيه مصلحته في الهجوم اللي حصل؟ إنت لازم تعرف مين الشبح ده.
أومأ لها برأسه غاضبًا من تلك الصفعة، يحلف ذات يوم سيردها صفعات. كان هدفه مثل غيره يود معرفة من هو الشخص الذي يساندها ويعطيها معلومات تدير بها هؤلاء الرجال الأشقياء. وأصبح هو الآخر يعلم هوية ذلك الشخص، بعدما راقبها تلك الليلة وذهب خلفها كظلها. لمعت عيناه بدهاء وهو يتخيل بعدما يتخلص من سراج، سيأخذ ليس فقط مكانته وسط العائلة ويفوز بـ "ثريا"، ثم سيفضي لها ويرد صفعاتها بأن يأخذ مكانتها هي الأخرى لو وصل به الأمر بقتلها لن يتردد. وكذلك سيتخلص من بلهاء حياته "إيناس"، يضعها مشفى عقليًا يطيح بالباقي من عقلها.
في ذلك الأثناء صدح هاتف إيناس. نظرت له ثم نظرت حولها بترقب ثم نهضت قائلة: ده الجواهرجي كنت موصياه على طقم دهب. هطلع أرد عليه من الجنينة، الجو فيه هوا جامد والشبكة هنا بتقطع. بالفعل، وقع بصر قابيل على شاشة هاتف إيناس وقرأ هوية المتصل. خرجت إيناس وتركتهما معًا. تبادل الاثنان النظرات فيما بينهما. نظرات حارقة، مليئة بالبغض لكليهما. بينما إيناس خرجت إلى الحديقة، قامت بالرد وتبسمت حين أخبرها الجواهري قائلًا:
كل اللي أمرتي بيه أنا عملته. هستنى تشرفيني وتاخديه. ردت ببرود ونبرة تعال: تمام، بكرة آخر النهار هاجي أشوفه. بس لو طلع مش نفس اللي على ذوقي مش... قاطعه بتأكيد: لاء، متأكد هيعجبك أوي. -تمام.
بنفس الوقت، رأت حنان وهي تسير نحو الخارج. لاحظت بطنها المنتفخة قليلًا، التي بدأ يظهر عليها علامات الحمل. شعرت بغضب من ذلك وهي تضع يديها فوق بطنها تشعر بخواء، كأن أنوثتها انتهت. ثار عقلها. لكن سرعان ما ضحكت وهي تتذكر ثريا، التي علمت بوجود خلاف بينها وبين سراج وأنها تركت المنزل وسط توقع بطلاقهما قريبًا. هذه المرة ستخرج من العائلة خالية الوفاض. *** أمام والد حفظي
رغم عدم رغبة حنان، لكن والدتها أصرت عليها من باب المودة والذوق زيارة زوجة عمها المريضة. امتثلت غصبًا رغم معرفتها بطباع زوجة عمها التي دائمًا تقوم بتشجيع حفظي حتى وهي على علم أنه مُخطئ، لا تنصحه أبدًا بل تتغاضى، حتى عن قسوته مع أخواته البنات اللاتي شبه قاطعن والدتهن بسبب فظاظته معهن، لا تبالي بذلك، هو الأهم عندها. حتى أخيه الآخر لا تهتم به، وهو الآخر كأن استهواه ذلك وبعد عن هنا، اختار أن يعيش بعيدًا.
امتثلت لقول والدتها: "زيارة المريض صدقة". ذهبن، فتحت لهن الخادمة باب المنزل واستقبلتهن ودخلن إلى غرفة الضيوف. تعمدت والدة حفظي تركهن لوقت. شعرت حنان بالضيق والضجر وكادت تنهض وهي تقول بغضب: شايفه يا ماما أه، سمعت كلامك وجينا نزور مرات عمي وهي سيبانا هنا ومش معبرنا. قومي يلا نمشي وبعد كده... قاطعتها زوجة عمها التي دلفت ببطء تشعر بكره ناحية حنان وتتفوه بنزق: بعد كده إيه يا جباحتك، بدل ما تحسي بالخزي من اللي عملتيه.
نظرت حنان لها بغضب قائلة: عملت إيه يا مرات عمي؟ نظرت بلوم لـ حنان وهي تشعر بحقد حين وقع بصرها على بطنها المنتفخة قليلًا، وقالت باستهجان: عمك مات بسببك بعد ما اتحسر وهو شايف حفظي في غيبوبة، وياريت كده بس... لأ كمان شلفطتي وش ابن عمك، عشان خاطر حبيب القلب اللي... قاطعتها حنان بغضب:
فعلاً آدم حبيب قلبي وهدافع عنه. وحفظي ولدك ده إنتِ السبب في فشله وإنه من غير أخلاق ويبطل يطارد ست متجوزة. تعرفي حتى لو مكنتش بحب آدم عمري ما كنت هقبل أتجوز من حفظي، كان عندي الموت أرحم من إني أتزوج إنسان معدوم الأخلاق. توقفت حنان عن بقية استهجانها بعدما سمعت صوت تصفيق. نظرت نحوه وهو يظهر أنيابه يصقها بغيظ قائلًا: برافو يا بنت عمي، قويتي وبقيتي... قاطعته بحدة وغضب:
طول عمري قوية. سكوتي عن تحرشك بيا قبل كده مكنش خوف منك قد ما كان خوف على مشاعر عمي وإني أجيب خلاف بينه وبين أبوي. فوق لنفسك يا حفظي قبل فوات الأوان. وبحذرك لو قربت من آدم أو اتصاب بخدش، مش هفكر المرة دي أشوه وشك، هقتلك بدم بارد وإنسى إننا ولاد عم.
قالت هذا ولم تنتظر، ذهبت نحو باب الغرفة كي تغادر. لكن حفظي لوهلة كاد يقطع طريقها. نظرت له بغضب وقامت بالتقاط إحدى التحف الكريستالية ودفعتها نحوه مما سبب له هلعًا وعاد للخلف. فانزاح من أمامها. عدت من جواره دون مبالاة. بينما اندهشت والدة حفظي من قول وفعل حنان. حنان تلك التي كانت خاضعة حين كانت بكنف والدها تبدلت بأخرى شرسة. لكن زاد الغل في قلب حفظي، يتوعد بهزيمتها عن قريب وستدفع ثمن ذلك مضاعفًا. *** بدار عمران العوامري
بغرفة إيمان كانت تنكب على أحد الكتب الخاصة بالدراسة. شعرت بإرهاق وملل من ذلك. لأكثر من يوم تستمر على مطالعة الكتب فقط حتى شبه لا تخرج من غرفتها. أزاحت الكتاب جانبًا تزفر نفسها بقوة. عاود شعور الحزن لقلبها وهي تتذكر كلمات عمران الأخيرة وقسوة الفراق التي تشعر بها وتحاول إخفائها من أجل والدتها كي لا تزيد من حزنها. دوامة حزن ودموع تسيل. أخرجها من ذلك صوت هاتفها.
جذبت منديلًا ورقيًا وجففت دموعها ونظرت إلى شاشة الهاتف. خفق قلبها حين قرأت اسم جسار. جلت صوتها من اختناق البكاء. وقامت بالرد. بعد السلام بينهم تفوه بسؤال: بقالك كم يوم مش بتيجي لمركز الشباب، لعله خير. أجابته: عندي امتحانات خلاص الفترة الجاية ولازم أركز. دي آخر سنة ليا وعاوزة أتخرج بتقدير عالٍ زي السنين اللي فاتت، زي ما وعدت أبوي.
شعر باختناق صوتها بالدموع حين جاءت سيرة والدها. شعر بغصة. وحاول تشجيعها والتخفيف عنها قائلًا: إن شاء الله هتتخرجي بتقدير عالٍ. بس عاوز أعرف بعد ما تتخرجي ناوية تشتغلي معيدة في الجامعة. فكرت قليلًا. لأول مرة يطرق على رأسها ذلك. لم تخطط لشيء بعد أن تتخرج، سوى أنها ستتفرغ لممارسة رياضة الكاراتيه مع أشبال مركز الشباب. أجابته: مش عارفة، أنا مخططتش إني أكون معيدة في الجامعة. توقفت للحظة ثم قالت:
ممكن أقدم في أكاديمية الشرطة النسائية وأخد منحة وبعدها أبقى ضابطة شرطة. ضحك بمرح قائلًا: هتبقي زميلة يعني. أهو الشرطة والجيش في خدمة الشعب. تبسمت وزال غمها. دار بينهم حديث متشعب خفف عنها. ومشاعر جديدة وبداية تنجرف لها المشاعر في طريق الاتفاق بعد الخناق. *** ليلًا
بالمكتب الخاص بـ ثريا كانت تجلس وكالعادة الباب الخارجي مفتوح. ابتسمت حين دخل عليها أحد الزبائن. جلست معه تستفهم عن قضيته إلى أن انتهت الجلسة وغادر. وظلت هي بالمكتب تعكف على دراسة تلك القضية غير منتبهة لبعض الوقت. لكن رفعت رأسها حين سمعت صوت شيء قُذف بالمكتب من الخارج. نظرت نحوه، رأت مغلفًا صغيرًا، أثار فضولها بسبب الصوت الحاد الذي أصدره ذلك المغلف. كذلك شعرت بخضة. نهضت من خلف المكتب وذهبت نحو ذلك المغلف. انحنت
تلتقطه. رجف قلبها حين تحسست المغلف، وارتعشت يدها وهي تقوم بفتحه للتأكد من محتواه. كما توقعت، الصوت الحاد كان بسبب تلك الرصاصة التي كانت بالمغلف. بيد مرتعشة جذبت تلك الورقة المرفقة. فتحتها، سرعان ما فقدت الشعور بيديها ووقعت منها الورقة والمغلف أرضًا تشعر بانعدام للحظات قبل أن يصدح هاتفها وتعود للوعي. تنظر نحو هاتفها الموضوع فوق المكتب. بأرجل مرتعشة سارت نحو المكتب جذبت الهاتف تنظر لشاشته. زاد الرعب في قلبها. ذلك الرقم
الذي يرسل لها منه رسائل قذرة بها بعض الألفاظ الدنيئة والوقحة، كذلك بعض التهديد. ارتجف جسدها هلعًا. بصعوبة سارت نحو باب المكتب الخارجي وقامت بإغلاقه. ولم تستطع الوقوف، انهارت جالسة خلفه تضع يدها على صدرها تحاول تهدئة أنفاسها المتلاحقة. لسوء الحظ وبسبب دخول الهواء إلى المكتب سابقًا، انجرفت تلك الورقة التي كانت بالمغلف وأصبحت أمام يدها الأخرى. لمع الضوء عليها يبرز
تلك الكلمة المكتوبة بالدم: "سراج" سالت دمعة عينيها المغشية التي نظرت نحو المغلف الذي ما زال بداخله الرصاصة. زاد الهلع وانتفض جسدها حين صدح رنين الهاتف مرة أخرى. لكن لم تستطع النهوض من مكانها وظلت جاثية أرضًا يخفق قلبها وتتسارع دموع عينيها. أصبحت على يقين "غيث" ما زال حيًا، وأصبح قريب للغاية. لكن لم تخف على نفسها، خافت على سراج فالتهديد له. لكن ازداد الهلع بقلبها حين شعرت بمحاولة لفتح باب المكتب التي تجلس خلفه. ***
قبل لحظات بمكان قريب من منزل والدة ثريا صعد ذلك الشخص إلى تلك السيارة التي كانت تنتظر. أزاح عن وجهه تلك اللثمة يلهث، يلتقط أنفاسه ثم نظر بظفر إلى ذلك الجالس قائلًا: تم يا باشا، رميت الظرف في قلب المكتب... ومحدش شافني. تبسم له بعين ثعلب تلمع يمد يده بمغلف آخر قائلًا: عفارم عليك، خد ده اتعابك، ودلوقتي انزل من العربية ولما أحتاجك هتصل عليك.
لمعت عين ذلك الشخص وأخذ المغلف فتحه ونظر بداخله ثم سرعان ما لمعت عينيه بطمع قائلًا بترغيب: وأنا تحت أمرك يا باشا، أي وقت اتصل عليا. أومأ له فغادر السيارة، بينما لمعت أنياب ذلك الجالس بالسيارة وحسم أمره، يتقدم بالسيارة خطوات نحو هدفه الذي أصابه بالذعر. *** بدار العوامري، بغرفة نوم سراج القديمة
مرت أيام امتثل لرغبة ثريا، يعطيها وقتًا كي تتغلب على ذلك الشعور بالضعف والانهزام. عليها هي استرداد ثقتها ومحاربة ضعفها ومواجهة هزائمها كي تنتصر. لكن الشوق يتغلب على قلبه، ينظر إلى الوسائد جواره، كم شاركته من ليالٍ بهذه الغرفة. هنا كان أول قبلة، أول لقاء حميمي تم بينهما، وما تبعه من مشاعر كانت غير معلومة. اشتياق لقبلات ومشاعر حميمية كان يظنها مجرد مشاعر ورغبات يستطيع كبتها. اكتشف
مذاقها المختلط، واستطعمها بقبول بل باشتياق. الليلة بل الليالي الماضية، فراشه خاوي جواره. حتى الشقة لم يستسغ البقاء بها. أشواق وتوق وحنين تجعله يغمض عينيه كأنه عاد مثل الصبيان يقع بالغرام لأول مرة. فتح عينيه ينظر إلى تلك الوسادة الخالية جواره. لا هي موجودة ولا ملامحها مرسومة مثلما كان يسمع. لكن ذكرى خلف أخرى معها هنا تمر. ابتسامات تئن بالقلب. بين وداعه منها وعصيان أين هي الليلة؟
ليتها موجودة تشعل قلبه بالعصيان المحبب له. فاق من ذلك على صوت رنين هاتفه. نظر نحوه وجذبه. نظر الشاشة. سرعان ما اعتدل في الفراش وقام بالرد لينهي الاتصال قائلًا: جاي حالًا، مسافة السكة. نهض من فوق الفراش سريعًا بدل ثيابه بأخرى وخرج من الدار. صعد إلى سيارته، لكن فتح أحد الأدراج تأكد من وجود سلاح بالسيارة قبل أن يقود السيارة. يستشعر أنه لا يسير «بطريق خاوي».
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!