عِناق عاصف، عصف بكثير من الآلام. لمسات حنونة بشغف، همسات رقيقة يهمس بها بحرارة تجعل قلبها يتفتح مثل الزهرة بالربيع حين تستقي الندى. كأنها صبية ببداية صِباها وهي ترا زميلاتها يتهامسن ويتغنجن، وأنهن أصبحن فتيات يشعرن بالسعادة من نظرات الفِتيان لهن، ومغازلتهن بمرح. رغم أنها جميلة، لم يكن يهوى عقلها ذلك الغنج السافر من بعض الفتيات. لم تشعر بصِباها مثل باقي الفتيات، إنشغالها كان بدراستها، تود أن تنتهي وتعمل بالمحاماة...
لترحم أصابع يدها وكذالك اصابع والدتها من وخز تلك الإبر الاتي يقومن بلضم القطع الامعه بألاثواب شبيهة أثواب الغوازي. رغم أن وقتها كانت تمقت غنج الفتيات وتعتبره نقص تربية، لكن عقلها إختزل تلك المشاعر الأنثوية وأرادت الشعور بها مع رفيق حياتها. لكن أغرق تلك المشاعر سيل سطوة زوج قاتل وسادي خائن دمر مشاعرها الأنثوية. لكن... الآن سراج يُضيء عتمة الضباب، ينتشلها من سيل ذلك الطوفان، يُغدقها بقطرات نهر عذب.
ها هي بين يديه راغبة تواقة لتلك المشاعر والأحاسيس الخاصة، جعلها تعود بقلب صبية تعيش الحب لأول مرة. أجل، أول مرة... بمشاعر بريئة. قُبلات.. لمسات جريئة... همسات بغنج وإشتهاء مُحبب وعطاء طواعية...
وقُبلة إمتنان تنهي تلك العاصفة بضمة غرام. من سراج وهو يتمدد بظهره على الفراش، يجذبها لصدره، يزيح تلك الخصلات عن وجهها الذي أخفته بصدره. تبسم وهو يرفع ذقنها، ينظر لوجهها، تلاقت عيناهم بحوار صامت. فماذا سيقول أحدهم وهو أخذ البرهان من الآخر؟ غفت عقل ثريا وعيناها تنظر نحو سراج. كانت في البداية تضجر من أفعاله، لا بل كانت تكرهه، والدليل كان موافقتها على الزواج منه انتقاماً لسوء حظ من يقترب منها. هي بلا روح.
مثل الأرض الجدباء، وهو بأفعاله الخسيسة معها آنذاك كان يستحق امرأة مثلها. لكن مع الوقت ومع اقترابها منه، ماذا حدث؟ تبدلت مشاعرها بالتدريج معه، من البغض أصبحت تهواه. حتى العلاقة الحميمية معه لم تجبرها من البداية رغم تواقحه معها، لكن لم يضغط عليها حين استسلمت له كان برغبتها. تنفست بقوة حين تملك من العقل وحذرها وقلبها يُعارض: "فكري كويس، إنتِ استسلمتي له في البداية بدون مشاعر... -لأ، مشاعري كانت مش مفهومة."
-ثريا، سراج قدم براهين كتير وقالها صريحة إنه بيحبك. كفاية خوف وعيشي حياتك، سراج هو السند اللي كنتِ بتتمنيه." هكذا استراح قلبها وأراح عقلها الذي هدأ ونفض الخوف، وهي بحضن سراج التي تشبثت به وهي تضع يدها فوق عنقه بنعومة. تلمع عينيها بوميض خاص. تبسمت حين اقترب سراج من رأسها ووضع قبلة دافئة بين حاجبيها. ثم عاد يبتسم لها هو الآخر وضَمها لجسده، وشعر بعناق يديها لجسده...
دفء منبعه هو قلبه. لأول مرة يشعر به. حياة عسكرية اختارها بإرادته هربًا من وسط عائلة العوامري.
يشعر أن تلك العائلة ظلمت والدته. مازال يتذكر حنانها عليه ولمسة يدها فوق خصلات شعره وهي تهدئه بعد أن رأى والده ينهرها دون سبب. بعقل طفل ثار على والده ذلك اليوم، لكن جذبته والدته وضمته تخبره أنها هي حقاً المخطئة، وحتى إن لم تكن مخطئة فهذا ليس من شأنه ولابد أن يحترم والده. ذكرى كانت بعيدة لكن مازالت مترسخة في عقله. النسر الشارد بإرادته هرب، عاد لمهمة، لكن يبدو أن القدر يرسم دائماً المصير. أجل...
مصيره كان تلك التي تقبع بين يديه يضمها بتملك وعشق. لو برغبته لألصقها بجسده. ضحك باستعجاب. كان في البداية يظنها حقاً محتالة عنيدة قاسية... لكن هي عكس صفتين فقط. عنيدة.. وقاسية. بل هي مستسلمة.. وهشة. لكن حقاً محتالة، احتلت قلبه منذ اللقاء الأول له مع حورية الشمس برغبته سار من ذلك الطريق وقتها. أراد الاقتراب من حورية الشمس ظن أنها قاسية حارقة، لكن كان ذلك مجرد شعاع سميك سرعان ما تلاشى وظهرت حقيقة تلك الحورية.
المتعطشة للندى... شهر بأنفاسها فوق صدره العاري... تبسم سائلاً: "ليه التنهيدة دي كلها." رفعت رأسها فقط عن صدره بينما جسدها مازال ملتصق به، ونظرت لعيناه بصمت للحظات، وجذبت بعد خصلات شعرها خلف أذنها وأخفضت وجهها تنظر إلى حركة عروق عنقه ثم تفوهت بسؤال: "سراج، إنت ليه فسخت خطوبتك من تالين؟ رغم إن واضح إنها لسه بتحبك كمان بنت لواء فـ....
قاطعها بحركة سريعة، كان جسدها ممدد على الفراش وهو يعلوها بنظرة عين لملامحها المشدوهة بسبب فعلته. تنفست بتسرع وتبسمت قبل أن يضم شفتيها بين شفتيه بقبلات رقيقة. ثم ترك شفتيها ومازال ينظر لوجهها بشغف وجاوبها وأنامله تداعب عنقها بحركات ناعمة: "أنا كنت مقرر إني مش هتجوز أساساً. خطوبتي من تالين كانت زي ضغط من أبوي. إني لازم أتجوز، وتالين والدها أصله من الصعيد...
ضغطت على نفسي استجبت له، بس لما لقيت نفسي مش هقدر أتحمل وأكمل معاها.... توقف للحظة يتذكر فيما فكر وقتها وجعله يتخذ قرار إنهاء ذلك الارتباط قبل أن يتزوج ويصبح صورة من جفاء والده مع تالين. مع الفرق، والده عشق والدته كما أخبره رغم عدم تقديره لذلك العشق. هو لن يكون مثله ويعيش نفس البؤس مع زوجته، الأفضل عدم زواجه. وكان هذا قراره بالفعل... لكن ظهور حورية الشمس جعله يتخلى عن قراره وتزوج بها.
تجولت عيناها على ملامحها وهو يضع إبهامه فوق شفاها يلمسها برقة قائلاً: "شغلي في الجيش له خطورة ممكن في لحظة... قاطعته ثريا وضعت يدها على فمه واليد الأخرى عانقته بها... نظر نحو عينيها وتبسم قائلاً: "إنتِ فكرتي كنت هقول إيه؟ أنا كنت هقول مين اللي هتقبل جوزها يفضل بعيد عنها طول الوقت في عمليات عسكرية مع مجرمين وإرهابيين وممكن... قاطعته مرة أخرى بيدها على فمه واستطردت هي الحديث:
"ممكن يسيبها ليلة فرحهم ويروح عملية عسكرية ويرجع بعد الفجر هدومه كلها دم." رفع يده وأمسك يدها الذي على فمه وقبلها قبلات رقيقة ثم نظر لوجهها سائلاً باستفسار: "أكيد وقتها قلتي ياريت ما كنت رجعت." تبسمت وهي تومئ برأسها بنعم ولا في نفس الوقت. ضحك وهو يومئ برأسه مثلما فعلت قائلاً: "أفهم من كده إيه؟ رفعت يديها وضعتهما حول عنقه قائلة: "هقولك بصراحة، أنا مقدرتش أحدد مشاعري ناحيتك بالظبط...
إن كانت كره ولا غضب بسبب مطاردتك ليا. فاكرة أول مرة اتقابلنا في الشارع قدام دار أمي؟ أنا عرفتك لأني شفت لك صورة مع تالين وقت خطوبتك ليها، طبعاً كانوا بيفتخروا بالنسب العظيم اللي جابه سراج العوامري." "قصاد... توقفت للحظة تشعر بغصات قوية في قلبها، لكن ربما آن الأوان أن تنتهي تلك الغصات وقالت: "قصاد نسب 'غيث العوامري' وبنت الحناوي العامل اللي كان شغال عندهم."
"طبعاً المقارنة كانت محسومة لمين. هتصدقني وقتها مكنش فارق معايا ونفسي أنفصل عن العيلة دي وأنسى إني عشت وسطهم." توقفت تتنهد بقبول، وهي تبتسم حين وضع سراج إصبعه على أنفها قائلاً: "بس واضح إن قدرك تعيشي وسط عيلة العوامري." ابتسمت وأومأت رأسها قائلة بدلال: "غصب عني طبعاً." ضحك وهو يترك جسده فوق جسدها يمسد وجنتيها بأنامله قبل أن يقبل شفاها قائلاً: "غصب ورضا." أومأت رأسه وهي تستقبل قبلاته باشتياق يذهبان لغفوة غرام.
بمنزل ولاء. مازال عقلها لا يستوعب ما سمعته عبر الهاتف. تهمس لنفسها وهي تصك أسنانها، تكاد تفر من مكانها بسبب عدم التصديق. جلست على أحد المقاعد، يكاد عقلها يذهب. حتى أن عينيها توحشت بوجهها وهي تهمس: "مستحيل." وعقلها يعطي تبريراً: "ليه مستحيل؟ مش يمكن غيث قبل ما يموت خده تحت جناحه... وتعود للنفي: "مكتش بينهم عمار، بالذات بعد ما ثريا رجعت من المستشفى على هنا... وتعود للتأكيد: "يمكن كان تمويه عشان... والسؤال: "عشان إيه؟
مستحيل." بذاك المنزل المتطرف. صدى صفعة قوية، صفعة حقد وخسارة. من غيث لذلك الذي هاتفه قبل وقت قليل وأمره باقتحام دار رحيمة. بسبب قوة تلك الصفعة ارتج جسد الآخر للخلف، يترقب بقية رد فعل غيث العاصف بقوة قائلاً: "إزاي دخلتوا لدار خالة سراج ولقيتوها فاضية؟ إنتم كنتوا نايمين ولا إيه؟ وإزاي خرجوا ومشوفتهمش؟ هو ده التفسير الوحيد؟ كمان مش قلت شفت سراج وهو بيركب الطيارة." أجابه الآخر برعب:
"إحنا مراقبين الدار ومحدش خرج منها وأنا بنفسي مشيت ورا سراج من أول ما طلع من الدار بعربيته ودخل المطار. مرجعتش غير لما شفته ركب الطيارة." بغضب إعصار نظر له باستخفاف قائلاً: "لازم نط من الطيارة بالبراشوت؟ ورحيمة وثريا اتبعثروا ولا لبسوا طاقية الإخفاء." توتر الآخر قائلاً: "لأ يا باشا، لما دخلنا دار خالة سراج شفنا في باب تاني بيفتح على شارع حارة ضيقة متر في مترين تقريباً والشارع ده آخره مفتوح."
صُدم غيث ولم يستطع الوقوف فجلس على أحد المقاعد، يفكر قليلاً... واهتدى عقله لشك. أيكون سراج علم بأنه مازال حياً؟ نفى عقله ذلك ثم أكد. "ممكن ثريا تكون قالت له، هي شافتني ليلة الفرح." عاد عقله للنفي: "حتى لو قالت له مستحيل يصدقها." بين التأكيد والنفي زفر غيث نفسه بغضب هادر... وعقله بطوفان. نظر نحو الآخر قائلاً: "غور من وشي وده آخر إنذار ليك، المخزن يتأمن كويس."
هرع الآخر هرباً، فهو خُلق له عمر آخر. بينما ظل غيث يفكر ويربط رؤيته لـ سراج وهو يدخل بيت والدة ثريا تلك الليلة. أطاح بمخططه لتلك الليلة فقد كاد ينجح اختطاف ثريا من بيت والدتها. كان على يقين أنها مرعوبة بهذا الوقت. لكن مجيء سراج جعله يتراجع. فكر. أتكون ثريا هي من هاتفته وأخبرته؟ شك ويقين يملآن عقله. والنهاية أن القرار قد صدر بظهور الشبح الخفي ليسترد ما سُلب منه وأول ذلك هو تلك الخائنة العاهرة... ثريا. بإسطبل الخيل.
قبل وقت قليل. تبسمت رحيمة لـ آدم وحنان اللذان يقفان جانب تلك السيارة في استقبالها. اقتربا منها حين ترجلت من السيارة مبتسمة. أمسكت حنان يدها. تبسمت رحيمة وهي تضمها بمحبة. حتى ضمت آدم هو الآخر الذي قال لها: "لو مش كتفي لسه بيوجعني كنت شيلتك، اسندي عليا." تبسمت له بحنان قائلة: "لأ يا حبيبي، وجع رجلي خف الحمد لله بقيت بقدر أدوس عليها، بس بلاش نوقف كتير... كمان الجو هنا بارد جوي... خلينا ندخل لجوه الاستراحة."
شعرت بسعادة حين سمعت صوت إسماعيل من خلفها قائلاً: "آدم مش هيقدر يشيلك بس أنا موجود يا رحومة." تبسمت له وهو يقترب منها وعانقها ثم حملها ودخلوا إلى الداخل حتى وصلوا إلى بهو تلك الاستراحة. وضعها إسماعيل على أحد المقاعد. اعتدلت تلتقط نفسها بهدوء، ونظرت نحو حنان مبتسمة تقول بسعادة: "والله وحشاني جوي يا حنان أخبارك إيه والواد اللي جوه ده أخباره إيه...
أوعي يكون شقي وتاعبك، أنا عارفة آدم كان أهدى واحد في ولادي، عمره ما عمل مشكلة مع حد." ابتسمت حنان وهي تضع يدها على بطنها قائلة: "والله تاعبني أوي يا خالتي." تبسمت رحيمة قائلة بتنهيدة: "الأمومة مش بالساهل." للوهلة تدمعت عينيها. لاحظ آدم وإسماعيل ذلك وجلس كل منهم على مسند مقعدها يربت على كتفها يضمها وقبلا رأسها وتحدث قائلاً: "وإنتِ أحلى وأغلى أم في الدنيا." رفعت وجهها له بدمعة مبتسمة قائلة بمرح:
"زمان عشت مع جوزي عشر سنين مفيش رمضان جه علينا غير وكنت ببقي حبلة فيه. ربنا كان له حكمة، كان شايل ليا خير أكتر، ولاد رحمة أختي، سراج ساعة ما اتصلت عليه وجلت له إني وقعت على رجلي، مغابش وجت ولجيته داخل عليا ومعاه ثريا بنت حلال كانت تحت رجليا وتقولي أعملك وأعملك. ربنا بيداوني القلوب باللي تستحقه وأكتر...
بس أنا شورت على سراج وقولت له خد مراتك وروحوا اتفسحوا يومين سوا بعيد عن هنا. قالي هنسيبك لوحدك. من هنا لهنا قولت له هروح أقعد مع آدم في الاستراحة بتاعة الإسطبل. مش هطيق أقعد مع ولاء اللي يتخسف بها الأرض زي فرعون في مكان واحد. كفاية اتحملتها لحد ما اطمنت إن ولادي وصلوا لمرحلة كبروا وبقوا يعرفوا الصح من الغلط والحمد لله ربنا هداهم والتلاتة أجدع من بعض. بس الواد إسماعيل عقله طاقق شوية بس يتحب. ربنا يهدي له الحال مع مراته هي بت حلال بس أبوها عنده شوية غباء. بس أكيد مش هيفرح لو بنته خابت."
أومأ لها إسماعيل موافقاً. نهضت واقفة تقول: "أنا ماليش في السهر خدني يا إسماعيل للاوضة اللي هنام فيها... يلا تصبحوا على خير." رد عليها آدم وحنان بينما اصطحبها إسماعيل إلى إحدى الغرف. ابتسمت له بحنان وهي تجلس اعتدلت على الفراش ومددت ساقيها بمساعدة إسماعيل. جذبته قائلة: "تعالى نام على رجلي حاسة بيك." وافقها إسماعيل وبالفعل تسطح على الفراش واضعاً رأسه على ساقها وهي تربت على رأسه بحنان. شعرت بتنهيدته قائلة:
"بص يا ولدي أنا مش مع اللي عمله أبو قسمت. أنا شفت الموقف اللي حصل ولاء غلها وحقدها كافين أوي. من زمان وأنا فاهماها قولتها لرحمة في يوم العيلة دي كانت عاوزة واحدة شرانية زيي مش في طيبتها." ضحك إسماعيل وقبل يدها قائلاً: "أحلى شرانية، ياريت كل الأشرار زيك." تبسمت له وأكدت ذلك بمرح:
"زمان ولاء مكنتش بطيقني ولا أنا بطيقها لله في لله. المهم حبت تعمل حركة جدعنة وإنها هي الحنونة العطوفة اللي هتربي ولاد أخوها الأيتام. فكرت إنها تطردني. قمت جبتها هي وعمران وجولت له إنت لو حرمتني من ولاد أختي أنا هحرمك من دخول الجامع بيت ربنا. همشي وراك زي المخبرين وكل جامع تدخل فيه هفضحك وأقول عاوز يحرمني من ولاد أختي مش كفاية جاب لهم مرات أب. بس الشهادة لله فهيمة كانت زي رحمة مغلوبة على أمرها هدخل وراك الجامع. قام
خاف، أو مش خاف قال ياخدني على هوايا ووافق يسبني أبجي معاكم بس بشرط أجعد معاكم في الدار وافقت هو عمره ما صرف عليا مليم. ربنا يرحم جوزي عشت في خيره وربيتكم وعيشتوا في خير أبوكم. كل أب يا ولدي عنده ضناه غالي. صحيح أبوقسمت عنده تحكمات زايدة بس في النهاية خاف على بنته متبقاش قاسي. كمان متبقاش خرع وعرفها غلطها وسامحها، عشان ده يرتاح."
أومأ إسماعيل موافقاً يبتسم حين شعر بيدها فوق قلبه، ونهض عن ساقها وتمدد جوارها قائلاً: "الإستراحة مفيهاش غير أوضين نوم، آدم ومراته في أوضة ومش هيهون عليك أنام في الصالة." تبسمت له بحنان قائلة: "لأ مش هيهون عليا، بس لو اتشقيت ورفست برجليك زي زمان هنيمك عالأرض." ابتسم وهو يغمض عيناه بإرهاق قائلاً: "لأ اطمني أنا هلكان طول اليوم مهصدق أحط دماغي ومش هتحرك من مكاني."
تنهدت براحة وهي تتعدل نائمة على الفراش تشعر باكتمال أمومتها وانسانيتها التي لم تفقدها بمرارة ما مرت به يومًا من فقدان كان دواءً مر ليشفي قلبها بعد ذلك بأبناء أختها. بعد مرور أسبوع. بالمركز الرياضي. كان جسار يعكف على تمرين بعض الأشبال بخصوصية كي يرفع من كفاءتهم وقدرتهم البدنية كي يجهزوا لإحدى البطولات المحلية. منشغل معهم، لكن تبسم لوهلة حين تذمر أحد الأشبال قائلاً: "كابتن إيمان عندها رحمة شوية، إمتى ترجع للتمرين."
خفق قلبه ببسمة قائلاً: "واضح إنه فرهود يا كابتن والكارتيه رياضة عنيفة محتاجة أبطال قلبهم قوي وشجاع." واقفته تلك التي دخلت إلى حلبة التمرين قائلة: "فعلاً اللي بيقوله كابتن جسار مظبوط، الرياضة محتاجة شجعان. وبدل ما تتذمر من التمرين، بطل مشاغبة في الشوارع مع أصحابك وتستقوي عليهم وتيجي التمرين تفرهد." شعر بالخزي فتنحى جانباً يقول:
"أنا مش بستقوي على صحابي، أنا سمعت كابتن جسار مرة أتكلم مع حضرتك إنه كان في ماتش 'قتال شوارع' وهما اللي استفزوني أضربهم." زفرت إيمان نفسها وهي تنظر نحو جسار بلوم وعنفت ذلك الطفل قائلة:
"أولاً التصنُت عيب، كمان 'قتال الشوارع' ده أسوأ شيء إنك تستقوي بقوتك، وكمان وقتها شفت الكابتن جسار كان متشلفط ومكسر كمان يعني شيء زي ما بتستقوي في غيرك بيستقوي عليك ومش كل مرة هتبقى كسبان ودلوقتي بطل رغي وعقاباً لك هتلف التراك حوالين النادي لمدة عشر دقايق جري وهقف في الشباك أتابعك."
تذمر الفتى وغصباً من نظرة عينيها عليه نفذ ما قالته. بالفعل ذهب ينفذ ذلك. توجهت نحو ذلك الشباك ووقفت خلفه، تنظر للفتى، بينما أعطى جسار للبقية استراحة لمدة دقائق وذهب نحو ذلك الشباك وقف جوار إيمان التي زفرت نفسها قائلة بلوم: "شايف تأثيرك على الأشبال." ابتسم قائلاً: "والله ما كان قتال شوارع، ده كان مهمة قتال عصابات. تعرفي إني مبسوط وكان قلبي حاسس إنك هتجي للنادي النهارده."
تركت النظر لذلك الفتى ونظرت نحو جسار للحظات ثم استحت وعادت تنظر إلى الخارج، وأجابته: "أنا مكنتش هاجي على فكرة، بس صدفة قابلت مدير النادي وأنا راجعة من الجامعة وقالي إنك من كنت سافرت من أسبوع لمدة يوم ورجعت بسبب إن في بطولة وفي أشبال من النادي هيدخلوها. قولت يمكن كنت مسافر لحاجة مهمة، وإنك ممكن تكون محتاج لمساعدة إني أدرب الأشبال." ابتسم بغرور قائلاً:
"فعلاً كنت سافرت ليوم تقريباً، بس مش محتاج مساعدة في تدريب الأشبال، أنا عندي كفاءة عالية." نظرت له بسخط وحنق. ضحك قائلاً بافتخار: "أنا معايا بطولات عالمية مركز أول كمان، ممكن أسألك سؤال." زفرت بحنق أجابته باختصار: "لأ." ضحك بإصرار سائلاً بمدح: "أنا شايف إن مستواكي عالي في التدريب، ليه مفكرتيش تدخلي بطولات عالمية، بالذات إنك من عيلة ميسورة يعني المصاريف مش هتبقى عقبة لذلك." أجابته:
"أنا واخده الكارتيه هواية مش احتراف، كمان أنا بحب التدريب أكتر ومش في دماغي أدخل بطولات رغم إني بجيب فيديوهات لأكبر مدربين الكارتيه وبنفذ الحركات بكل سهولة. تعرف أنا كان مجموعي يدخلني جامعة أعلى من كلية التربية بس أنا بحب التدريس، وعارفة ممكن تضحك عليا وتقولي هتبقي مدرسة ألعاب، بس لأ هبقى مدرسة في الجامعة."
نظر لها بإعجاب شديد، فلو أخرى مكانها كانت فضلت الدلال بسيط عائلتها، لكن تلك شبيه أخيها "مقاتلة". كيف يخبّرها أنه مغرم بها في هذه اللحظة. بينما هي الأخرى هناك نظرات عيون بينهم كيف يخبّرها أنها جاءت اليوم لاشتياقها له. أغلق جسار الشباك ثم نظر لـ إيمان وتنحنح: "العشر دقايق خلصوا وزمانه راجع يكمل تدريبه. إيمان في موضوع مهم عاوز أتكلم فيه معاكِ بس مش هينفع هنا. لو ممكن نتقابل في أي مكان إنتِ تختاريه."
خفق قلبها بحيرة وأومأت برأسها موافقة، تسمرت عيناهما للحظات يتطلعان لبعض بشعور خاص. سرعان ما تبسم الاثنان حين نظر نحو مدخل صالة التدريب حين رأيا ذلك الفتى يدخل لاهثاً وجهه أحمر كذلك شبه خارت قواه. اقترب منه زملاؤه لكن نظرة تحذير من إيمان جعلتهم ينفضون خوفاً أن يعاقبوا مثله، كذلك نظرة جسار لهم. ثم عاد ينظران لبعض ليندفعا بالضحك وهما متوافقان لأول مرة. في وقت عودته من المدرسة كالعادة قبل أن يذهب إلى منزله يمر على...
بتلك البقالة الخاصة بالعم فتحي. اقترب وقبل أن يلقي السلام رأى رغد تقول بصوت عالٍ نسبياً: "انزل من على السلم وأنا اللي هطلع أرض البضاعة عالرفوف وإنت ناولني العلب. إنت مفيش منك مصلحة عاوز تجري تلعب مع أصحابك ومش مهم ترص البضاعة غلط وتقع فوق دماغنا وتبوظ." بتذمر استسلم ذلك الفتى ونزل من على السلم قائلاً: "أهو نزلت إما أشوف هترصيها إزاي." نظرت له قائلة:
"هتشوف وياريت تتعلم وشيل اللعب من دماغك، إنت مبقتش صغير والمفروض تريح أبوي." سخط منها الفتى وبدأ في مناولتها بعض العلب كانت تصفها بطريقة صحيحة. تبسم ممدوح قائلاً: "فين عم فتحي ومش عاوزين مساعدة أنا فاضي." خفق قلب رغد ونظرت نحوه. كذلك الفتى تبسم لـ ممدوح واستغل ذلك قائلاً: "أنا كنت موعد أصحابي هنروح نشوف زميل لينا عيان. تعالى ناول رغد العلب وأنا هروح لأصحابي قبل ما يوصلوا لهنا ورغد تطردهم زي العادة."
لم ينتظر وفر هارباً. علت رغد صوتها قائلة: "استنى عندك... لم يسمع منها وذهب مسرعاً. ضحك ممدوح بينما تذمرت رغد. لكن عاود ممدوح سؤاله: "فين عم فتحي؟ أجابته: "أبوي راح يشتري بضاعة وأنا قولت أساعده وأرص البضاعة دي عالرفوف، بس زي ما انت شايف أخوي هرب، وهضطر أنزل... قاطعها ممدوح وهو يدفع ذلك الباب الصغير ودخل إلى داخل البقالة قائلاً: "خليني أساعدك."
خفق قلبها بشدة واومأت له ببسمة موافقة. بالفعل بدأ في مساعدتها في وضع العلب على الرفوف، حتى انتهيا. نزلت رغد من فوق السلم. بتلقائية من ممدوح مد يده لها، بحياء منها مدت يدها له بمجرد أن أصبحت على الأرض جذبت يدها من يده. وقفت أمامه لحظات صمت ولو كان همس القلوب يُسمع لأخبر كل منهم مدى تقديره لأهمية الآخر. بنفس الوقت قطع ذلك الصمت تلك السيدة التي دلفت تسأل: "الحج فتحي فين؟
يا مشاء الله مين ده كمان اللي واقفه معاه جوه الدكان." توترت رغد، بينما تلك السيدة بحقد وبصوت أعلى تود جذب المارة: "الحج فتحي فين وسايب الدكان زي التكية للي يدخل يوقف مع السنيورة ويبصوا لعنين بعض و... قاطعها فتحي من خلفها: "أنا أهو موجود، والدكان مش تكية، وبنتي مش واقفة مع حد غريب، ده الأستاذ ممدوح خطيبها." شعرت السيدة بغضب أقوى قائلة باستنهاج: "ده اللي بنتك رفضت ابني عشانه." "يلا يبقى ياخدها ويقعد في خزانة الفراخ."
نظر لها ممدوح وكاد يتحدث لكن إشارة يد فتحي له جعلته يصمت ورد فتحي: "وماله لما ياخدها ويقعدوا في خزانة الفراخ المهم يصونها ويقدر قيمتها مش يسترخص ويقلل من قيمتها ويعيشها في عذاب وفي الآخر يرميها ويقول شغل سنة وراح." غضبت السيدة وغادرت بينما نظر ممدوح لـ فتحي بذهول ضحك فتحي قائلاً: "الست نجية طلبت إيد رغد مني وأنا وافقت ويشرفني نسبك يا ممدوح، بس ليا شرط." خفق قلب ممدوح بتسارع وظن أنه سيطلب منه شئ فوق طاقته سائلاً:
"إيه هو شرطك إنت عارف إمكانياتي." أجابه: "الشرط إنك تبطل تبقى متخاذل." على تلك المياه العذبة بـ شلالات الفيوم. كان سراج وثريا يسيران بالأعلى، كادت قدم ثريا أن تنزلق لكن بسبب تشبثها بيد سراج جذبها نحوه وضحك. تذمرت وهي تنظر له قائلة: "الصخرة بسبب المية بقت ناعمة وبتزحلق." ضحك وهو يضمها يكملان سير إلى أن وصلا للناحية الأخرى جلسا على صخرة، ضمها سراج تبسمت له وهي تضع رأسها على كتفه. تنهد سراج قائلاً:
"للأسف الوقت بيمر بسرعة وهنرجع المسا لدار العوامري، أكيد هلاقي مشاكل قد كده، أنا حكاية كبير العيلة دي مش مبلوعة عندي وكلمت آدم وقولت له إنت بتفهم في الشؤون دي أكتر مني، رفض وقالي إنت الكبير." ابتسمت ثريا وهي تضم يد سراج بين راحتي يدها قائلة: "آدم عنده حق، وإنت قد الشؤون دي بغض النظر إن طبع العسكرية متوغل فيك وأوقات مش بتفكر وتتسرع في القرار." نظر لها سائلاً: "قصدك إيه؟ أجابته وعينيها تلمع ببسمة:
"أفتكر كويس بداية تعارفنا لما نزلت تهددني في قلب الأرض، وبعدها النسوان اللي خطفوني، أسلوب تسرع، كان سهل ترسم عليا الحب يمكن كنت قبلت ولينت معاك." ضحك وهو يضمها قائلاً: "لكل شيء تفسير يا ثريا ولما يجي وقته هتعرفي أنا ليه عملت كده. دلوقتي لازم نرجع لدارنا." بمكان صحراوي قريب من الجبل. ترجلت ولاء من سيارتها وذهبت نحو تلك السيارة الأخرى التي تقف قريباً، فتحت باب السيارة ودخلت. جلست جوار عادل الذي سألها:
"ها إيه آخر الأخبار عندك وصلتي لمكان البضاعة وعرفتي مين هو الشبح الخفي؟ أجابته:
"للأسف لأ. الموبايل اللي اتبعت منه الرسالة زي ما قولت لك قبل كده ده لـ أخو مرات غيث اللي هي مرات سراج دلوقتي. وبقالى أسبوع مراقبة ممدوح ومفيش أي شيء غريب ده من المدرسة اللي بيشتغل فيها للدار، وأوقات القهوة اللي كان بيشتغل فيها قبل كده. أنا فكرت إن ممكن غيث يكون جنده قبل ما يتقتل، بس اتراجعت مستحيل. ده كان بيكره غيث وشوفت غيث هدده في الوحدة الصحية. ده ملعوب أكيد." تنهد بنرفزة وترجل من السيارة وهي خلفه قائلاً
باستفسار مستهجن: "تمام هو ملعوب بس مين اللي وراه لازم تعرفي بأسرع وقت، لأن خلاص زهقت من أعذارك واضح إنك كبرتي ولازم يبقى فيه كبير غيرك. وزي ما خدتي إنتِ مكان ابن عمك بعد قتله، سهل أجيب غيرك." ارتاعت بارتباك قائلة: "أكيد هعرف مين الشبح الخفي، هي مسألة وقت. كمان سهل أحبط ملعوب الشبح وقتها ممكن يكشف نفسه؟ أجابها بسؤال: "وده إزاي بقى؟ أجابته بترقب: "نقتل ممدوح." نظر لها بغضب قائلاً:
"زي زمان ما قتلتي أبوه لمجرد شك. وفى الآخر طلع الجاسوس شخص تاني. قدامك أسبوع ولو موصلتيش للشبح الخفي ده أنا اللي هتصرف وأشوف غيرك يبقى مكانك هنا." بذلك البيت. نظر غيث إلى تلك الصور عبر الهاتف تكشف بوضوح ولاء هي وعادل وهما بالسيارة معاً كذلك حين ترجلا سوياً ضحك بصخب قائلاً: "والله وعرفت إن حاميها هو حراميها يا سيادة اللواء. أكيد زمان هديتي الخاصة وصلتك."
"كده مبقاش فيه داعي إن الشبح يفضل متخفي، لازم يظهر ويزرع الرعب. ويسترد كل اللي كان من حقه." توقف ثم تنهد بقوة وهمس بغضب ساحق: "ثريا." ليلاً. بالفناء أمام دار العوامري ترجل سراج من سيارته، وذهب نحو ثريا أمسك يدها تبسمت له وهو يجذب يدها يتجهان إلى الداخل. لحظات.
ودخلا إلى داخل الدار مازال يضم يد ثريا التي تشبثت بقبضة يده الدافئة. نظر نحوها بتلقائية وتبسم لها، بادلته البسمة ببسمة تأكيد أنها لن تضعف مرة أخرى تتخلى عن مكانتها كزوجة "سراج العوامري" كبير العائلة. بذلك الوقت كانت ولاء تتحدث بتجبر وعجرفة وتعالي مع عدلات التي بمجرد أن رأت ثريا وسراج يدخلان تركتها ولم تبالي وذهبت نحو ثريا ترحب بعودتها بحفاوة تخبرها بمكانتها التي تستحقها.
بينما ولاء شعرت بغضب شديد ونظرت نحوهم بقنوط تشعر بإعصار يضرب رأسها وقلبها غِل وحقد. غضب عاصف لو أطلقت أنفاسها فقط ربما تعتصر ثريا تسحقها مثل ورقة شجرة جافة. كذلك سراج ذلك المتمرد. تعلم بيقين أنه يبغضها منذ صغره حاولت جذبه إليها بطرق كثيرة لكن فشلت. كان كاسمه سراجاً يحلق بعصيان كالنسر الثائر يجوب بالسماء، يهبط للأرض فقط لاصطياد فريسته. لكن هي ليست فريسة بل صائدة مخضرمة. نظرت لهما باستخفاف واقتربت منهما بغضب قائلة:
"أخيراً رجعتوا من شهر العسل، بس مش شايف إن ده مكنش وقته إن يبقى أخويا لسه ممرش على موته أربعين يوم وانت واخد مراتك اللي سابتك ومحترمتش موت أخويا ورايح تفسحها وتصالحها. مش عارفة فين نخوتك وحزنك على أبوك. ولا هلومك ليه ما ثريا زي الخية بتلعب بعقولكم في الأول كان غيث ودلوقتي إنت... قاطعتها ثريا ببرود وهي تتمسك بيد سراج قائلة:
"احترمي نفسك وانتِ بتتحدتي معايا، سبق وقلت لكِ مكاني هنا أعلى منكِ. تلتزمي حدودك بعد كده تتحدتي معايا على إني مرات" "سراج العوامري" "كبير عيلة العوامري. أنا منستش اللي عملتيه فيا إنتِ وأختك قبل كده." ارتبكت ولاء وقالت ببجاحة: "واضح إنك نسيتي أنا مين بس العيب مش عليكي العيب على سراج اللي واقف يسمع وساكت، سايب حرمة تتحكم فيه. لو كان غيث.... قاطعها سراج بنهي:
"عمتي كفاية، من هنا ورايح حديدي أنا اللي هيمشي على الكبير قبل الصغير في عيلة العوامري." تهكمت ضاحكة باستخفاف: "وه... لساك بتعرف تتحدث بالصعيدي أنا جولت نسيت لغوتنا." أجابها بإغاظة: "لأ منستهاش يا عمتي ومن هنا ورايح زيك زي بقية حريم العوامريه آخرك بيت جوزك هو اللي تتحكمي بيه هنا في حريم ولاد" "عمران العوامري وده بيتهم وهما اللي يتحكموا فيه، وأولهم ثريا مراتي."
غضب ساحق لو تركت لعقلها التنفيذ لقتلت سراج في الحال بيديها دون رأفة. ندمت أنها لم تنفذ قتله منذ أن عاد لهنا. بينما ثريا نظرت نحو سراج وتبسمت وهي تضم يده ليدها بلمعة عين. بادلها نفس البسمة يضغط على يدها بقوة وذلك كان... «برهان الغرام»
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!