الفصل 5 | من 41 فصل

رواية سراج الثريا الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامه

المشاهدات
79
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

اثناء وضعه لأحد الملفات الخاصة بتلك الخزانة دون انتباه منه، سقط الملف أرضًا ومعه ملفات أخرى. انحنى يجذبها كي يضعها مرة أخرى بالخزانة، لكن لفت انتباهه تلك الصورة التي سقطت من بين أحد الملفات. وضع الملفات بالخزانة وانحنى مرة أخرى ينفخ بتذمر، جذب تلك الصورة. سرعان ما شعر برعشة خاصة في يده، بل رعشة قوية بقلبه حين رأى تلك التي بالصورة. لوهلة شعر باختلال قبضة يداه على الصورة، لكن تمسك بها وذهب يجلس على أحد المقاعد.

جلس بالصورة بين يديه يتأملها بدمعة مشتاقة. رفع إحدى يديه أزال أثر تلك الدمعة التي سالت من إحدى عينيه. عادت يديه تتلمس ملامح صاحبة تلك الصورة يشعر بافتقاد. ما زال رغم سنوات الفراق يتذكرها، قلبه يئن من عشقها الكامن بقلبه. بسمة ألم شقت شفتيه يتذكر لقاءه الأول بها. قبل خمس وثلاثون عامًا مروا عليه. تذكر رفض عائلة العوامري لزواجه بابنة تلك "القابلة" (الداية)

الذي رآها صدفه أمام أحد منحدرات إحدى الترع النيلية. كانت تحمل بعض الأواني بعد أن قامت بجليها، لكن لسبب استعجاله ليعود بالماء كي يضعه جوار بطارية السيارة يهدأ من حرارتها، لم ينتبه واصطدم بفتاة وقعت الأواني منها. كانت هادئة لم تتفوه بشيء وانحنت تجمع الأواني في صمت، لم تستهجن عليه رغم تلوث الأواني. شعر بالأسف وأنه هو المخطئ. انحنى على غير عادته المغرورة ساعدها في جمع الأواني، إلى أن انتهت آخر قطعة. وقف وهي الأخرى وقفت، كأن الزمن هو الآخر توقف بين الاثنين. دقائق مرت، لحظات. انتبهت حين اقتربت

منها إحدى الفتيات تقول: "رحمة! إيه اللي حصل؟ المواعين بقت كلها طين، هترجعي للترعة مرة تانية تغسليها." أومأت لها بصمت. لا يعلم لماذا أراد سماع صوتها. هل هي خرساء لذلك لم تتفوه بلوم عليه؟

لكن حين اقترب من الماء سمع صوتها تتحدث مع تلك الفتاة التي عرضت مساعدتها. فهم جاءوا إلى الترعة سويًا، تبدوان صديقتين مقربتين. انصبت عيناه عليها وهو يملأ تلك الزجاجة بالمياه. رمقته هي الأخرى لوهلة، تبسمت كأنها كانت مثل حوريات الماء الذي يسمع عنهن بقصص حكاوي الموالد الشعبية الذي كان يهواها وهو صغيرًا. انتبه على وقفته حين أدارت ظهرها له. خرج من المنحدر وذهب نحو سيارته. وضع المياه بها. وقف قليلًا بتعمد منه، إلى أن خرجت

الفتاتان من الترعة. ذهب بسيارته خلفهن. لم يبالي أنه بقرية صعيدية وكلمة من إحداهن أنه يسير خلفهن بغرض قد تنتهي حياته. وصلت الأولى لمنزلها لم تهتم ولم تلاحظ سيره خلفهن. لكن رحمة لاحظت سيره خلفهن. شعور بداخلها لا يخشي منه. دخلت إلى منزلها. تبسم وشعر بانشراح عقله سريعًا. حفظ المنطقة.

مرت أيام وعقله مشغول بها، أراد معرفة المزيد عنها. عاود لتلك القرية ومن بعض الجيران سأل عن هوية أصحاب ذاك المنزل. علم أنهن ثلاث نساء، أم وفتاتين، والأم لها شهرة كبيرة بالبلد، هي "الداية" هكذا تعيش مع ابنتيها تنفق عليهن من توليد النساء بعد وفاة زوجها قبل سنوات قليلة. لكن إحداهما بلسان لاذع وأخرى هادئة، كأنهما الثلج والغليان.

مرت أيام وعقله وقلبه ينجذب، يراقبها من بعيد يقع في عشقها. أصبح يعلم أنها وصديقتها يذهبان بالأواني لجليها بالترعة في وقت الظهيرة قصدًا منهن حتى لا تكون الترعة مزدحمة بالنساء. الابن الأكبر لعائلة العوامري والكبير القادم الذي كان من المفروض عليه الزواج بإحدى بنات العائلة، أو حتى إحدى بنات العائلات ذات الصيت العالي عشق ابنة "القابلة".

لا حسب ولا نسب كما قيل له حين أراد الزواج بها، قوبل ذلك بالرفض القاطع. لكن روح العاشق بداخله تحكمت وأصر عليها. وافق والده آنذاك غصبًا، باعتقاد أنها مجرد رغبة بمجرد أن تنطفئ ستخرج تلك الفتاة وقتها يختار له ما يشاء. لكن العشق بعد الزواج ازداد لأعوام وازداد بوفود أول طفل "سراج" كان وهج العشق بينما يزداد والحقد من تلك الهادئة يزداد أضعاف من بعض نساء العائلة، فهن أصحاب أصل عالٍ وصيت عنها وهي تزداد توهجًا عليهن بطفل خلف

آخر أصبحوا ثلاث صبية. وهناك حقد فتاة اقتربت من السابعة والعشرون بعرف وقتها أصبحت عانسًا. وهي ليست قبيحة الشكل لكن قبيحة القلب والطباع. كان يتوافد عليها العرسان ليس لشأنها بل لأنها سليلة عائلة العوامري. هذا هو المميز عندها. لكن لسبب خاص تزوجت ابن عمها "حليم" الذي ترمل بوفاة زوجته التي تركت له طفلين، صبي وفتاة كذلك كان شقيق زوج أختها الكبرى.

مؤامرة دبرت لها لم يعلم من الذي افتعلها.

شك بدأ يتسرب لعقله ناحيتها، تتحدث مع رجال حين تذهب لزيارة والدتها بالبلدة. ما أسهل زرع الشك بالعقل وتصديقه إذا كان المشكوك بها بلا نسب وكل ما تريده هو الستر فقط. لكن المؤامرات سهل تصديقها. صدق وبدأت الحياة بينهم تزداد سوءًا، معايير أنها بلا نسب يليق. ولو أرادت الرحيل سترحل دون أطفالها الثلاث. وكان الاختيار البقاء وتحمل ذل عاشق متخاذل يصدق وهو يرى الحقيقة أمامها. فجأة سقط قلبها بهوة المرض العضال. الوردة ذبلت من الجفاء، حتى ماتت بمرض الشك الذي أصاب عقل عاشق جعله غافلاً. ماتت وتركته لعقله وقلبه البائس الذي لم ينسى العشق.

ندم وندم ولكن فات الوقت. الشك أفسد بل قتل العشق.

سالت دموعه فوق تلك الصورة التي كانت صورة تجمعه معها بليلة عرسهما. كانت بهية الطلة اثنا عشر عامًا قضتها معه بين العشق وعذاب الشك انتهت وتركته لقلبه يتآكل من الندم. ليس لأنه ترك الشك يفسد حياتهم وهو كان الوحيد الشاهد على طهارتها، لكن الندم على أنه ترك قلبه يعشقها لآخر لحظة. بل إلى الآن هي تسكن قلبه يرى صورتها بابنه "آدم" رغم أنه القريب شبه الملامح منه، لكنه يشبه طباعها الودودة. جفف تلك الدموع بيديه ونهض يضع الصورة بداخل تلك الخزانة مرة أخرى يضبها كأنه يضب مأساته مع العشق.

بمكتب ثريا. اشتدت قبضة يدي ثريا واحتد عقلها. شعرت بغضب وأجل وقلب مثل الثلج يعطي جسدها برودة تشبه برودة الموتى. وذكرى "غيث" البغيضة التي تكاد تجعلها تنهض وتقتل ذاك الوغد الذي يظنها عاهرة. كادت تتحدث بغضب ساحق...

لكن توقفت حين سمعت صوت خالتها التي دخلت إلى المكتب عبر باب فاصل بين غرفة المكتب وردهة المنزل. تفاجأت حين رأت انحناء سراج بجوار ثريا الجالسة. نظرت لوجه ثريا، ملامحها واضحة بعينيها تلك الدمعة المتحجرة بين أهدابها. ثريا ليست ابنتها لكنها الأقرب لقلبها. رغم أنهن مثل القط والفأر دائمًا ما يتنازعان لأتفه الأسباب، لكن كانت هي السبب ببقاء ثريا حية إلى الآن. لولاها لكانت ثريا سكنت الثرى قبل مقتل زوجها. اقتربت بشرر. هي ليس صعب عليها معرفة هاوية ذاك الذي استقام واقفًا يشعر بتعالٍ. إنه "سراج العوامري" ولا داعي للسؤال لماذا هو هنا، بل السؤال لماذا كان منحنيًا هكذا.

والجواب واضح على ملامح وحركة يد ثريا، كذلك تلك الأوراق المقطوعة فوق مكتبها. ابتلعت ريقها وبقصد منها قالت: "ثريا، بجالي ساعة قاعدة مع نجية جوا أنا وجوز خالتك. كنت عاوزة أقولك إن في كيماوي نزل الجمعية الزراعية. خدي حجة حيازة الأرض وروحي اصرفي حصتها قبل ما يخلص من الجمعية." كان حديث سعدية أعطى لـ ثريا حافزًا وعادت إلى طبيعتها التي أصبحت قاسية. ونهضت تحاول كبت ألمها المضني قائلة بعجرفة:

"أنا خلاص خلصت وكنت هقفل المكتب، بس واضح سراج كان مستني ضيوفه. هو من ريحة المرحوم غيث، بس للأسف خانه الوقت والدار ما فيهاش راجل مش هينفع نستقبله دلوقتي."

نظر لها سراج بسحق، هي تقوم بطرده بشكل مباشر. كذلك وقوفها بجوار تلك السيدة كأنها تعلن أنها لن تخضع وتتنازل عن تلك الأرض بسهولة. لكن لفت نظره أول مرة يراها بعباءة مهندمة ليست ملتصقة على جسدها. احتقنت عيناه بشرر وذهب نحو باب الخروج. لكن توقف حين شعر بخطوات ثريا خلفه واستدار ينظر لها بغضب ونظر نحو سعدية ثم عاد بنظره لها وأخفض صوته قائلاً بوعيد: "إنتِ اللي قولتيها يا ثريا." "الأرض زي العرض."

"وأنا جيت لك بالتفاهم، لكن بعد كده انتهى التفاهم والأرض هترجع للعوامريه قريب جدًا." أومأت ثريا برأسها بلا مبالاة ولا رد فعل غير أنها تود أن يخرج من الغرفة. وهذا ما فعله وهي بمجرد ذلك أغلقت باب المكتب. نظر خلفه شعر بغضب ود عقله أن يكسر ذاك الباب فوق رأسها قليلة الذوق. بينما هي أغلقت الباب ونظرت نحو سعدية التي سرعان ما رسمت بسمة مؤازرة رغم رجفة قلبها. وجود سراج هنا نذير غضب قادم.

بعد وقت بغرفة ثريا، جلست على تلك الأريكة الموضوعة أسفل ذاك الشباك.

وضعت رأسها فوق يديها على حد الشباك تنظر إلى ذاك القمر أحدب ذو الجانب المظلم. ذاك الجانب هو حياتها. تترغرغ الدموع بعينيها وذكريات مريرة عاشتها ترا انعكاسها بذاك الجزء الأسود من ذاك الأحدب الذي يتوسط النجوم الصغيرة. قديمًا كانت طفلة كانت تحدث القمر ظنًا منها أنه يسمعها ويبتسم لها بوجهه المستدير. لكن هي تمنت لو كانت إحدى تلك الثريات المنيرة حوله. لكن فاقت من عقل طفولتها على حقيقة أن القمر ليس سوى نجم معتم معظم الليالي ينطفئ نوره. وهي لن تصل أبدًا إلى إحدى تلك الثريات اللامعة هي مقيدة بمصير معتم من طين الأرض، وعليها القبول بذلك. وذكرى ليلة شتوية طويلة تنزف، وجملة سمعتها وهي بين سكرات الهذيان.

"لو النزيف ما وقفش هنضطر نستأصل الرحم." وجملة أخرى من ذاك الوغد سراج. "مش أنا اللي أضعف قدام مفاتن امرأة." ضحكت بسخرية واستهزاء من نفسها. عن أي مفاتن يتحدث، بل عن أي امرأة حتى ذلك تشبيه لها فقط. هي فقدت كل شيء كان قبل ليلة زفافها. دموع تنزف من ضنين قلبها. هي انهزمت منذ البداية. رفعت الراية البيضاء لقدرها البائس. لم يعد لديها أي شيء تخسره. جففت دموعها بيديها وبداخلها تصميم مرير.

ليفعل ما يشاء ويقول ما يشاء لن أرفع له راية الاستسلام يكفيني الانهزامات السابقة. بينما سراج منذ أن عاد ولم يجد أحدًا بانتظاره تنهد بارتياح. لا يود رؤية أي أحد الآن. يشعر بصعق في عقله من تلك المحتالة. يشير عليه عقله العودة لمنزلها واقتلاع لسانها، بل اقتلاع رأسها اليابس. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ ما سر تمسكها بتلك الأرض؟

شعر بغضب مستعر. ذهب إلى حمام غرفته خلع ثيابه وقف عارياً تحت المياه الباردة لوقت يحاول تهدئة غضبه. ظل وقتًا لا بأس به، ثم شعر بهدوء نسبي. جذب منشفة ولفها حول خصره وخرج إلى الغرفة.

ذهب نحو ذاك الشباك الزجاجي نظر نظرة خاطفة نحو ذاك القمر لم يهتم. جذب تلك الستارة شبه أظلمت الغرفة. بنفس الوقت سمع صوت هاتفه ذهب نحوه كانت رسالة. لم يهتم لقرائتها وأغلق صوت الهاتف ووضعه بمقبض الشاحن. خلع تلك المنشفة وألقاها على أحد مقاعد الغرفة. ذهب وتمدد فوق الفراش عقد ساعديه أسفل رأسه. ما زال شعور الغضب مسيطرًا عليه.

من تلك المحتالة وردها الفج عليه. بنفس الوقت عاود وميض الهاتف يضيء. زفر نفسًا طويلًا بضيق. وبعقله غضب وسخط من اثنتين. إحداهن مدللة وأخرى محتالة. لا يريد التفرقة فمن الأسوأ فيهن. سرعان ما نفضهن عن رأسه وسقط غافيًا. باليوم التالي. صباحاً. شعور بالملل بل بعدم الرغبة في فعل أي شيء. لكن لو استسلمت لن تنهض مرة أخرى.

أكملت ارتداء ثوب ملائم لها، حملت حقيبتها وخرجت من المنزل تسير نحو موقف السيارات الخاص بالبلدة. لكن أثناء سيرها رغم انتباهها توقفت فجأة بجوار تلك السيارة الفخمة ولسوء حظها كانت وقفتها بجوار باب السيارة وفجأة انفتح زجاج شباك السيارة. سئمت ملامحها وشعرت بضيق وعاودت السير تحايد السيارة وأكملت طريقها. بينما قبل لحظات.

كان قابيل يسير بسيارته تعمد الاقتراب من مكان منزل والدة ثريا. لعل الحظ يحن عليه ويرىها حتى لو من بعيد يشبع نظره بنظرة خاطفة منها. وها هو الحظ استجاب له. كانت تسير تعمد رغم اتساع الطريق، لكن ضيق عليها بسيارته، جعلها رغمًا عنها تتوقف للحظات. فتح زجاج السيارة ونظر لها وقبل أن يتحدث تجاهلته وحايدت السيارة وابتعدت عنه تشمئز منه كما كانت في السابق. بينما هو تتبعها عبر مرآة السيارة الجانبية، يضع يده فوق صدره باشتياق وأمل في نيل قبلة بل قبلات من ثغرها واحتواء لها بين يديه ورغبة حالمة.

بذاك الأثناء كان سراج يمتطي إحدى الخيول يسير بها بالبلدة دون سبب. أو ربما علم السبب هو رؤية ثريا تقف للحظات أمام تلك السيارة الفخمة ثم سارت من جوارها. لم يعلم هاوية صاحب تلك السيارة. لكن شعر بغضب، وأطلق الفرس يسير بسرعة جنونية وأصبح برأسه هدف واحد سيضع حد لتلك المحتالة. بالمركز الثقافي. بنفس المكان كان قرار آدم الأخير.

"إكده مفيش غير حل واحد يا حنان، أنا هتكلم مع سراج وأبوي الليلة ومتأكد إن محدش هيقدر يوقف قدام قراري، حتى إنتِ مش هستني تضيعي مني. مفيش شيء يمنعني عنك غير إنك تقولي مش ريداك." سالت دموع خوفها قائلة: "آدم إنت عارف مشاعري كويس ناحيتك، كل الحكاية إني خايفة الثأر يرجع من تاني." مد يده يشعر بغصة في قلبه. قبض بأصابع يده بقوة كان يود تجفيف تلك الدموع لكن منعته الأخلاق. بأسف نظر لها قائلاً:

"لازم نجازف يا حنان لو استسلمنا هنندم ونعيش مجروحين القلب. هسألك سؤال... "هتقدري تتحملي تعيشي مع حافظي." رفعت وجهها ونظرت له بحياء وأجابته: "أنا مش هقدر أتحمل أعيش مع أي راجل غيرك يا آدم." ابتسم بانشراح صدر قائلاً: "يبقى كده آن أوان إننا نجازف ونتحمل النتائج." بأحد المقاهي.

كان إسماعيل يتعمد مغازلة قسمت التي رغم قبولها لتلك المغازلات لكن تدعي الضجر منها كي يكف عن ذلك حتى يتحدثا بجدية. تود معرفة نهاية لتلك العلاقة، أو بداية طبيعية حقًا تعيش بالمدينة. لكن بالنهاية مجتمع صعيدي صعب حتى في تمدنه. انتهزت مجيء النادل الذي أخذ تلك الأكواب وغادر وصمت إسماعيل لدقائق. نظرت له ثم فاجأته بقولها: "إنت إمتي هتتقدم ليا رسمي يا إسماعيل." تفاجئ بذلك، وادعى البلاهة قائلاً: "مش فاهم قصدك إيه؟

كعادتها العصبية تتحكم بعقلها، نهضت واقفة تقول: "انت فاهم قصدي كويس، بس عشان شايفني بوافق أقابلك في كافيهات فكرت إنها رخيصة."

لم تنتظر جوابه عليها وجذبت حقيبة يدها من فوق المنضدة وغادرت سريعًا دون أن تلتفت لندائه عليها. بينما هو شعر بحيرة وعاود الجلوس، ينظر أمامه إلى النيل. سؤالها المفاجئ لم يكن في حسبانه على الأقل الآن. لا يعرف أي طريق يختار. وأمامه طريق للهجرة يرى فيه النجاح كطبيب تشريح، أفضل من البقاء هنا ووأد طموحه كطبيب شرعي فقط يعطي أسباب الوفاة. هناك قد ينجح أكثر ويكتشف أسباب للحياة. قبل العصر بقليل. بمنزل العوامري.

دلف سراج بالفرس ترجل من عليه، وسار بالممر. لفت نظره تلك السيارة التي تقف أمام منزل والده. دلف إلى داخل المنزل، ذهب نحو غرفة السفرة مباشرةً ألقى عليهم السلام، جلس على أحد المقاعد لحظة، جلس جوار قابيل، الذي رحب به. أنه رغم وجوده هنا منذ أيام لكن هذا اللقاء الأول أو المباشر لهما. رغم عدم شعور تألف متبادل بينهم منذ صغرهم، لكن على مضض كل منهما تقبل الآخر. لكن بفضول من سراج تساءل:

"هي العربية اللي واقفة قدام الدار بره دي بتاع مين." كان الجواب من إيناس بسؤال: "أنهي عربية." أجابها بلونها. نظرت نحو قابيل بعشق وتبسم وأجابته: "دي عربية قابيل." تحكمت الظنون برأس سراج. يبدو أن فهم ثريا، يبدو أنها تلقي شباكها على آخر من عائلة العوامري. ولن تجد أفضل من ذاك الخبيث التافه قابيل. لكن لن يعطيها الفرصة لذلك. بعد وقت انتهوا من تناول الطعام، نهض الجميع.

ذهبوا إلى غرفة المعيشة، لكن وقفت ولاء تقول بأمر لـ "فهيمة" الزوجة الثانية لـ عمران. "هاتي لنا الشاي في المندرة يا فهيمة." امتثلت فهيمة لأمرها بينما نظرت إيمان نحوها وشعرت بضيق من ضعف والدتها وامتثالها لـ ولاء. وقالت: "الدار فيها شغالين كتير، اطلبي من واحدة منهم تعمل الشاي." اعترضت فهيمة قائلة بتبرير تعلم أنه كاذب: "عمتك بتحب تشرب الشاي من إيدي، هروح أعمله."

نفخت إيمان بضجر وشعرت بأسف من امتثال والدتها لـ ولاء تعيش بكنف طاعتها دون سبب لذلك، بل تشعر أنه خنوع من والدتها التي لا تمتلك أي حق للاعتراض. وهي لم تعد تلك الطفلة التي كانت تصمت على ذلك الخنوع. أصبحت صبية وشابة وتعترض وتود من والدتها ذلك حفاظًا على مكانتها كزوجة لـ عمران العوامري، لا تابعة لـ ولاء.

التي نظرت لها بتحدي نظرة تخبرها أنها هي من تتحكم بهذا المنزل، ليست ضيفة. بادلتها إيمان بنفس نظرة التحدي أنها لن تمتثل لها وتخضع مثل والدتها. فهي تحمل دماء العوامري مثلها. ويبدوا أن هذا الدم الثائر إرث. أسفل تلك الشجرة. خلع قميصه الأبيض أصبح عاري الجذع، تمدد بظهره على الأرض داعبت الشمس القاسية عيناه. أغمضها للحظات ثم عاود فتحها ينظر بابتسامة وهو يسمع صوت ذاك النسر الذي يحلق حول نفس الشجرة.

فتح عيناه كانت الشمس قاسية أغمضها لوهلة وهو ينظر إلى ذاك النسر بالسماء. فكر، ثم جذب هاتفه وقام باتصال مختصر. "عاوز اتنين ستات شُداد حالاً." أغلق الهاتف وهو ينظر إلى ذاك النسر الذي هبط أرضًا للحظات قبل أن يحلق مرة أخرى وبمنقاره كان يتلوى ثعبان صغير. تبسم ولمعت عيناه ونهض واقفًا ينظر أمامه إلى مضمار الخيل. تنهد يتردد برأسه جملة ثريا. "الأرض زي العرض." سحب نفس عميق وقال: "أما أشوف أنهي الأغلى عندها الأرض ولا العرض."

"مع إن عندي شبه يقين هتختار إيه، بس متعرفش هي بتلعب مع مين؟ أنهى قوله وعاد بنظره نحو النسر الذي انخفض على الأرض يلتهم الثعبان بعد أن قضى على مقاومته. وأصبح وجبة دسمة له. كانت كعادتها قبل انكسار حرارة الشمس تتجول بتلك الأرض تنزع الحشائش. تفاجئت باثنين من النساء تبدوان ضخام كذالك تبدوان ذوات عنفوان. في البداية ظنت أنهما ربما نساء يعملن بالحقل كأجيرات، وربما أخطأوا بالأرض. وهن تقتربان منها تعاملت معهما بلا تحذير

إلى أن اقتربت منهن قائلة: "أنتم مش من البلد إهنه، أكيد تايهين عاوزين أرض مين؟ ردت إحداهن بغلظة: "عاوزينك يا حلوة." ما زالت لا تفرض السوء. تساءلت مرة أخرى قائلة بود: "أنتم الأحلى بس دي أرضي... و.... كانت الصمت منها حين شعرت برذاذ فوق وجهها قبل أن تكمل حديثها. كانت تسقط بين أيديهن غائبة عن الوعي وبلحظة ظهرت سيارة من العدم. وضعنها بها. بإسطبل الخيل. أمام غرفة العلف الخلفية البعيدة قليلًا عن مضمار وغرف الخيول

تحدث سراج بصرامة وأمر: "إياك تقرب منها أو تلمسها، أنت بس هتخوفها فاهم." أومأ له ذلك الضخم قائلاً: "أنا خدامك يا سراج باشا، هعمل اللي تقول عليه." حذره مرة أخرى بعينيه قائلاً: "تستنى لما أنادي عليك تدخل." أومأ له ممتثلاً. بينما سار سراج إلى تلك الغرفة على شبه يقين باختيار ثريا. لكن لا مانع من تجربة لعلها ترهبه منه. بعد وقت ليس بقليل.

بدأت تفتح عينيها تشعر بألم طفيف برأسها. رفعت يدها تضعها حول رأسها، ثم نظرت حولها. سأل عقلها أين هي آخر ما تتذكره هو أنها كانت بالحقل وحديثها مع هاتان المرأتان. ماذا حدث لها بعد حديثها معهن لا تتذكر شيئًا.

حاولت النهوض واقفة، وكادت تسير، لكن كادت تتعثر بعد أن اكتشفت أن ساقيها مربوطتان بأصفاد حديدية موصولة بسياج حديدي بأحد الحوائط. تيقنت أن تلك السيدتان كانت هي مهمتهن. لا تنكر شعورها ببعض من الخوف، لكن ماذا تردن منها تلك السيدتان. سرعان ما خفق قلبها، فكان لها مواجهة سابقة مع نساء من نفس النوعية المجرمة. لن تخسر أكثر مما خسرت سابقًا. بإرادة منها وتحدي.

حاولت فك تلك الأصفاد الحديدية عن إحدى قدميها لكن حلقات تلك الأصفاد ضيقة وقوية. يأست أن تحرر، زفرت نفسها بانهزام، ثم سرعان ما عاودت المحاولة مرة أخرى. لكن بنفس اللحظة سمعت صوت صهيل خيل. دب إلى قلبها شك بهوية من يحتجزها بهذا المكان. الواضح أنه غرفة تخزين الأعلاف بـ إسطبل خيل. سرعان ما تيقنت من صدق حدسها حين رفعت رأسها ونظرت نحو باب المكان ورأت من يدخل. يسير إليها بخطوات واثقة ومتعالية. أطلقت ضحكة

استهزاء وقالت بثقة واهية: "كيف ما توقعت، إن إنت اللي خطفتني." تهكم وهو يدنو بجسده جوارها ينظر لها ببغض قائلاً: "عشان تعرفي إن محدش يقدر يتحداني، قدامك فرصة." "قولتي الأرض زي العرض، هتمضي عالمبايعة دلوقتي." رمقته بسخط وتهكمت باستهزاء قائلة: "مش عارفة إيه سر الأرض بتاعتي، دي تعتبر سخله صغيرة جنب الفدادين بتاعت العوامري." رمقه بكبر وقال باستقواء:

"قولتيها سخله صغيرة في وسط أرضي، والأرض في الأساس ملك العوامريه. كمان مش أنا اللي يتحداني بنت زيك عاوزة تعمل لنفسها قيمة وسعر في البلد. آخر فرصة ورق المبايعة أهو تمضي عليه تحافظي على عرضك." نظرت له بتحدي قالت بكبر: "ولو رفضت... لم تكمل بقية جوابها، حين نهض واقفًا بغضب ونظر لها بتأكيد: "أنا مش بخيرك يا ثريا، مفيش قدامك غير أمر واحد يتنفذ، تمضي عالمبايعة لأن اللي هيحصل بعد كده مش هبقى أنا المسؤول عنه."

عاد يدنو جوارها مرة أخرى للحظة تمعن النظر في وجهها. لأول مرة تسلطت عيناه بعينيها. عينيها التي تفاجئ بلونها الذي يشبه العشب الأخضر قبل أن يجف. لون عينيها مخالف لسمار ملامحها البسيطة لكن تحمل الرقة في نفس الوقت. نفض ذلك الشعور قبل أن يتوغل من عقله، وتذكر أنها محتالة. سرعان ما قال بوعيد مباشر: "إنتِ اللي قولتي من البداية." "الأرض زي العرض." "يبقى اخترتي بنفسك." نظرت له بتحدي واستبياع زائف:

"هتعمل إيه يعني، هتغتصبني عشان رفضت أمضي عالمبايعة." هز رأسه بتوافق على قولها ونظر لها بانبساط ملامحه قائلاً: "فعلًا... هو ده اللي هيحصل." من نبرة صوته الحادة والمتوعدة أيقنت أنه لا يهدد. سئمت ملامحها وشعرت برجفة بجسدها، وقالت بمحاولة لعلها توقظ به نخوة وقالت: "مش عارفة إزاي كنت ظابط في الجيش وصون العرض على رأس مهماتك."

انتفض واقفًا بغضب. تلك الحمقاء أيقظت مارد يحاول كبته ونزعت آخر فتيل كان يحاول التحكم قبل أن ينفجر. رمقها بقسوة قائلاً: "منين جالك إن أنا اللي هغتصبك، أنا عندي اللي ينفذ لي من غير ما ألوث نفسي بلمس... توقف عن الحديث لكن نظراته كانت تتحدث باشمئزاز. ثم استطرد الحديث مناديًا بجمود: "عصوان."

ارتعب قلبها بهلع حين دخل إلى المكان رجل ضخم البنيان، يبدو مقزز. نظرة عينيه التي تنضح بشهوة نحوها لا تنبئ سوى بأنها بين براثن أسوأ الرجال. نظر لها بإستمتاع من ملامح وجهها المشدوه، وانحنى وألقى أمامها ورقة المبايعة. برجفة يد مدت يدها وجذبت تلك الورقة. للحظة شعر بز هو وانتصار ظنًا أنها ستوقع على المبايعة كما يريد. مد يده لها. بقلم. نظرت نحو القلم باستهزاء وفاجأته بتمزيق تلك الورقة إلى قطع وألقتها أرضًا.

صوت تمزيق تلك الورقة كان كصرير إعصار هائج بأذنيه. نظر لها بغضب وتحولت عيناه إلى حجرية واعتدل واقفًا بجمود غاضب ونظر نحو "عصوان".

وأومأ له برأسه أن يقترب منها وهو بدأ بالسير مغادرًا نحو باب المكان وخرج إلى ذلك المضمار الخاص بترويض الخيول. استنشق بقوة يملأ رئتيه بنسمة الهواء، ينتظر أن تصرخ وتستجيب لرغبته. لكن فات حوالي عشر دقائق ولم يسمع أي صراخ. ظن أن يكون ذلك الوغد عصوان قد عاد لطبيعته الإجرامية وخالف أمره، لو فعل ذلك سيقتله هو أمره بإرهابها فقط. بسرعة عاود إلى المكان ودلف مباشرةً. توقف للحظة ينظر بهلع لتلك الراقدة التي تنزف دمًا.

نظر نحو عصوان يزفر أنفاسه. كـ "إعصار غاضب".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...