القطعة الثالثة عشرة
======
_أنا مش صعبان عليّ اللي ماتوا أد ما صعبان عليّ اللي هيفضلوا عايشين وجسمهم متشوه كده !
هتف بها رامز بإشفاق عفوي بينما يتابع مع هانيا ووالدته أخبار أحداث انفجار محطة القطار الأخير في بيت الأخيرة التي غمزته بخفة لينتبه لوقع كلماته...
كلماته التي شحب لها وجه هانيا وهي ترفع ياقة بلوزتها الطويلة تتأكد من أنها تداري رقبتها !
_ربنا يرحمهم برحمته ...اقلب بقا القناة دي ...كفاية كده !
هتفت بها والدته وهي تعاود غمزه خفية ليغير القناة نحو أخرى تعرض مسلسلاً ترفيهياً ...
قبل أن يزدرد ريقه بتوتر وهو يمد كفه نحو راحة هانيا التي قبضتها جوارها بحركة دفاعية لم تتعمدها ...
بينما كفها الآخر متشنج حول ياقة بلوزتها كأنما تخشى أن تنكشف "عورة نقصها"!
عيناها تمتلئان بدموع حبيسة والمشاهد الحية التي رأتها لحداث الانفجار تعيد إليها ذكرى حادثها هي الخاص فينقبض قلبها برعب مسترجعة تلك اللحظات العصيبة ...
هذا الذي شعر هو به ليمد ذراعه قسراً فيحتضن كتفيها ضاماً إياها نحوه بينما يجلسان على الأريكة ليتصنع المرح بقوله :
_حلو قوي المسلسل ده ...قليل قوي لما بقيت بشوف حاجة محترمة في التليفزيون .
فالتقطت والدته منه طرف الخيط وقد أشفقت أمومتها على هانيا لتقول بانطلاق:
_ده أنا متابعاه على قناتين من كتر ما بحبه ...واحدة فيهم سابقة بكام حلقة ...لسه هيحلو أكتر ...
_انت اللي كل يوم تحلو أكتر يا جميل ...خسارة الحاج مشي وساب الحلويات دي كلها !
هتف بها رامز مشاكساً وهو يمد ذراعه الحر نحو وجنة أمه يداعبها لتضحك ضحكة قصيرة سبقت هتافها :
_طول عمرك بكاش وبتاع كلام ...أما أشوف هتجيبلي إيه في عيد الأم اللي قرب.
_بدعة ! عيد الأم بدعة يا حاجة ...رجس من عمل الشيطان !
هتف بها بخشوع مصطنع لتخبطه أمه على كتفه هاتفة باستنكار:
_هي الأعياد تيجي لحد عندي وتبقى بدعة ؟! واللا الإيمان ما بينورش وشك إلا لما تحب تقفلها في وشي أنا ؟! بس هاقول إيه ؟! نصاب من يومك !
هتفت بها وهي تلوح بكفيها في وجهه ليضحك ضحكة عالية وهو يميل نحوها ليقبل رأسها بقوله :
_عيوني ليكي يا ست الكل...عيد أم ده إيه بس ؟! انتِ يتعمللك كل يوم عيد !
قالها ليغرق وجهها بعدها بقبلاته العفوية لتضحك المرأة ضحكة صافية وهي تتفلت منه هاتفة وسط ضحكاتها :
_مش بقوللك نصاب ؟! سيبني يا ولد ...عيب كده !
ابتسمت هانيا بشحوب وهي تتابع مزاحهما المعتاد ملاحظة أنه لايزال يتشبث بها هي بذراعه بينما يشاكس أمه التي هتفت أخيراً:
_هاقوم أعمللكم فشار .
لكنها تحررت من ذراعه لتقف هي قائلة بسرعة :
_هاعمله أنا يا "طنط"...خلليكي مرتاحة !
قالتها لتهرول نحو المطبخ القريب وكأنما تريد فسحة من هروب تحتاجه في هذه اللحظة كي تستعيد تماسكها ...
جملة رامز العفوية تتردد في ذهنها فيبالغ عقلها في تقديرها ...
_صعبان عليّ اللي هيفضلوا عايشين وجسمهم متشوه كده ..
إلى هذا الحد يراها هي مثيرة للشفقة ؟!
إلى هذه الدرجة ينفر منها ؟!!
كل هذا وهي حريصة على إخفاء أثر حروقها عنه حتى في أشد لحظاتهما خصوصية ...
فكيف إذن لو رأى؟!!
ازداد تكاثف الدموع في عينيها وهي تستخرج القِدر المعدني من موضعه لتضعه على النار قبل أن تصب فوقه القليل من الزيت مع الذُرة بشرود ...
تعترف أنه منذ رجوعها إليه يبذل قصارى جهده كي يسعدها ...
لكن ماذا عساها تصنع بهذا الخوف الذي يسكنها ؟!
ماذا عساها تفعل بهذا الهاجس الذي لا يلبث يوسوس لها أن سعادتها هذه مجرد هدنة مؤقتة لحرب تنتظرها بهزيمة قاسية ؟!!
شهقت بعنف عندما تقافزت بعض حبوب الذرة في القدر بفعل الحرارة لتشعر به خلفها يمد ذراعه ليضع الغطاء على القدر هاتفاً بمشاكسة :
_بتعملي فشار من غير ما تغطي الحلة يا فاشلة ؟!
فالتفتت نحوه بابتسامة مصطنعة ليعلو الصوت من القدر حولهما بينما هو يغمض عينيه باستمتاع هاتفاً:
_من أعظم متع الطفولة كانت سماع صوت الفشار وهو "بيطأطأ" كده ...متعة لا تفوقها سوى فرقعة "البُمب" في رمضان !
اتسعت ابتسامتها عفوياً لتطرق برأسها لكنه رفع ذقنها نحوه ليسألها بجدية هذه المرات :
_مالك ؟! اوعي تكوني اتضايقتِ من تعليقي!
هزت رأسها نفياً كاذبة وهي تتحاشى نظراته ليقترب بوجهه من وجهها هامساً بمشاكسة :
_الكداب بيروح النار يا بسطويسي!
ضحكتها القصيرة تحولت فجأة لنحيب مرتفع وهي تدفن وجهها في صدره ليعقد هو حاجبيه قبل أن يضمها إليه بقوة هامساً بقلق:
_للدرجة دي؟! أنا آسف يا حبيبتي ...والله ما قصدت ...أنا غلطان إني خليتك تشوفي المناظر دي م الأول ...غبي...كان لازم أفهم إني هتفكرك بالحادثة !
قالها مؤنباً نفسه وهو يغمر وجهها بقبلات اعتذاره لتهز هي رأسها بينما يمسح دموعها هاتفاً بجزع:
_ما تبقيش حساسة قوي كده ...خلاص بقا ...كلمتين ماعملتش حسابهم .
أومأت برأسها بتفهم وأناملها تتوجه عفوياً لياقة بلوزتها في حركة أرجفت قلبه فلم يشعر بنفسه وهو يجذبها ليلصقها بالحائط القريب قبل أن يزيح تلك الياقة اللعينة ببعض العنف لتستقر قبلاته هناك فوق ما تظنه نقطة ضعفها !!
تأوهت بخفوت وهي تحاول دفعه مع همسها الراجي:
_ما تبصش يا رامز ...ما تبصش !
قالتها وهي تحاول تغطية عينيه بأناملها لكنه سيطر على كفيها بقبضتيه قبل أن يعود ليغرس غرامه فوق بشرتها هامساً بحرارة :
_انتِ أغبى دكتورة شفتها في حياتي ...لو بعد كل ده مش قادرة تحسي أد إيه بحبك ومش شايف في الدنيا غيرك !
فأغمضت عينيها بألم لتهمس من بين دموعها :
_غصب عني يا رامز ...غصب ...
انقطعت عبارتها بين شفتيه لتغيب في جنة عاطفته للحظات سبقت همسه الواثق لها :
_حتى لو كلامي خانني المفروض قلبك انتِ مايخوننيش ...هو عارف انتِ عندي إيه .
ترتجف شفتاها بابتسامة واهنة وهي تشعر بأنامله تتحسس موضع قلبها كأنما يبرهن على صدق كلماته فتغمض عينيها من جديد لتعاود إخفاء رأسها في صدره ...
_الفشار يا ولاد !
شهقتها العنيفة تتزامن مع رائحة الشياط وهتاف والدته من الخارج ليضحك رامز وهو يتحرك ليغلق الموقد قبل أن يرفع الغطاء لتصطدم عيناه بالمشهد ...
فالتفت نحو هانيا بنظرة مذنبة لم تخلُ من مرح ...
قبل أن يتنحنح ليهتف بصوت عالٍ:
_عملناهولك بطعم الفحم يا حاجة !! اطردينا على شقتنا بقا!
========
استيقظت هانيا من نومها على صوت منبهها الذي ضبطته قبلاً قبل أن ترمق جسده النائم جوارها بنظرة راضية حملت الكثير من الامتنان ...
منذ ذاك الموقف الأخير بينهما وهو يزيد من دلاله الرقيق لها محتوياً ألم ذكرياتها بتفهم شكرته له ...
لكنها لا تزال تشعر بهذه القبضة الباردة التي تعتصر قلبها ...
خوفاً ...قلقاً...وترقباً !!
خاصة مع ملاحظتها لانشغاله المبالغ فيه -مؤخراً- بهاتفه المحمول...
تعلم أنه يعشق الألعاب الاليكترونية لكن ...
هل يقتصر الأمر على هذا فحسب؟!
تنهدت بحرارة وهي تنفض الهاجس الأخير عنها لتغادر الفراش نحو الحمام القريب الذي أغلقته خلفها بالمفتاح ...
تنزع عنها ملابسها تتأهب للاغتسال وهي تعطي ظهرها للمرآة كعهدها خشية أن تصطدم عيناها برؤية تشوهات بشرتها ...
قبل أن تتردد قليلاً وهي تستدير نحوها ببطء ...
تغمض عينيها للوهلة الأولى بقوة وقشعريرة باردة تتملكها لكنها تتجرأ أخيراً لتفتحهما قبل أن تلفت انتباهها هذه "اللطخة الحمراء" على المرآة !
اقتربت بجسدها أكثر تحاول تمييزها لتبتسم بإدراك وهي تميز خطه ...
_بحبك!
اتسعت ابتسامتها وحمرة وجنتيها المنتشية تمنحها جمالاً خاصاً في عينيها ينسيها بشاعة منظر الحرق ...
عجباً له من رجل يجيد "هدهدة طفولتها"..."تدليل أنوثتها" ..و"ترويض عقلها"!
حركة بسيطة كهذه تكفيها كي تنفض عنها هواجس شياطينها !!
لهذا تنهدت بالكثير من الارتياح قبل أن تتجه نحو حوض الاستحمام لتترك للماء الساخن بقية المهمة !!
طرقاته الخافتة على الباب تجفلها لتهتف بعفوية:
_مين؟!
_الفرعون العاشق!! عجباً لكم أيها المصريون تسألون أسئلة عجيبة...هو حد ساكن معاك غيري يا بسطويسي؟!
هتافه المرح يأتيها عابثاً من خلف الباب مع محاولته البائسة لفتحه التي سبقت قوله :
_قافلة على نفسك بالمفتاح ليه ؟! بايتة جنب جوزك واللا في محطة مصر؟!
ضحكتها القصيرة تصله مكانه وهي تجفف جسدها بالمنشفة تهيؤاً لارتداء ملابسها ...
لكن فكرة جريئة انتابتها وجعلتها تعاود النظر للمرآة ببعض التردد ...
قبل أن تلف المنشفة حول جسدها لتحضر أخرى وتلفها حول رقبتها مخفية أثر الحرق ...
عادت تنظر للمرآة بحياء مراهقة لكن "الكلمة الحمراء" ذات المفعول السحري على المرآة جعلتها تكتسب المزيد من الجرأة لتخرج وتفتح الباب هاتفة بغضب مصطنع تداري به خجلها:
_بتبوظ قلم "الروج" بتاعي عشان تكتب ع المراية ؟! ما تقولها وتخلص!
_الحق عليّ كنت عايزها تبقى أول كلمة تصحي عليها م النوم ...فتحس...
انقطعت عبارته وهو يلتفت نحوها من مكانه ثم ارتفع حاجباه بدهشة للحظات من هيئتها هذه !!!
قطع المسافة بينهما بقفزة واحدة قبل أن يحيط كتفيها بقبضتيه ليهتف بتأثر مصطنع:
_ياااااه يا عبد الصمد !! أخيراً عشت وشفت المنظر ده ...مراتي خارجة من الحمام ملفوفة بفوطة...
ضحكت بخجل لتدفن وجهها بين كفيها بينما هو يردف بنفس النبرة :
_خايف أسوق فيها وأطمع أشوفك في قميص نوم !
_فشر!
هتفت بها باستنكار وهي ترفع كفيها عن وجهها ليهز هو رأسه بينما يخبطها بخفة على رأسها :
_ده العشم برضه يا بسطويسي!
كتمت ضحكات خجلها وهي تدفعه لتعود لغرفتهما بينما تسمع صوته خلفها يعلو بمشاكسته :
_المفروض أقول "واثق الخطا يمشي ملكاً" بس في حالتك دي ما ينفعش يتقاللك غير "أسد يالا فيه إيه"!!
قهقهت ضاحكة وهي تخفي وجهها المحمر خجلاً لتسمع صوت باب الحمام يغلق خلفه قبل أن تهرول هي لمرآة غرفتها لتتطلع لنفسها ببعض الدهشة لا تكاد تصدق أنها تجرأت وخرجت هكذا أمامه !!
شيئ من "الخزي القديم" ينتابها و"صورة بعينها" تغزو مخيلتها لكنها صارت تملك من القوة ما جعلها تطردها عن ذهنها قبل أن تتنهد ببعض الضيق لتتوجه نحو خزانة ملابسها عائدة لارتداء منامة ساترة !
تلك التي خرجت بها من الغرفة لتتوجه نحو مائدة الفرة حيث رصت كتبها كالعادة مع حاسوبها المحمول الذي فتحته لتعاود مذاكرتها ...
_ربنا يعينك .
قالها مؤازراً بعد دقائق بينما يربت على كتفيها من الخلف وهو يتفهم اضطرارها للاستيقاظ في هذا الوقت من الليل ...
لترفع إليه عينيها وهي تربت على كفيه :
_ادخل انت كمل نوم .
لكنه تحرك ليستلقي على الأريكة المجاورة لها قبل أن يخرج هاتفه من سروال منامته قائلاً :
_لا أنا هافضل جنبك هنا ومش هاعمل صوت ...عارف إنك بتخافي تسهري لوحدك .
ابتسمت بامتنان رغم ظاهر عبارتها المعترضة :
_انت عندك شغل بدري الصبح ...لكن أنا فاضية .
_شششششش....انت صاحية تذاكري واللا تتخانقي؟! ركزي في حالك وسيبيني في حالي!
هتف بها وأنامله تتلاعب بهاتفه فلم تدرِ هل أنار وجهه بفعل إضاءة شاشته أم هو أثر قلبها هي على عينيها المغرمتين به ؟!!
لهذا رمقته بنظرة عاشقة أخيرة قبل أن تعود لتنشغل بمذاكرتها لكثير من الوقت بعدها ...
هذا الذي قطعته عبارته فجأة :
_عندي ليكِ مفاجأة حلوة بس كنت مأجلها للصبح ...أقولها دلوقت وخلاص؟!
فابتسمت بترقب وهي تدير وجهها نحوه بتساؤل ليهتف بابتسامة عريضة :
_أنا اترقيت !
أطلقت صيحة فرحة وهي تغادر مقعدها لتتوجه نحوه قبل أن تحتضنه بقوة هاتفة بسعادة :
_مبروك يا حبيبي ...تستاهل كل خير .
فربت على وجنتها قائلاً بحماس حقيقي:
_عقبال ما نفرح بالدكتوراة بتاعتك ...ساعتها بجد هتبقى الدنيا مش سايعاني .
ضحكت وهي تقبل جبينه باعتزاز ليسألها هو بتردد :
_مديري في الشغل عامل لي حفلة بكرة في بيته مخصوص بالمناسبة دي ...هتقدري تيجي معايا واللا مشغولة ؟!
_طبعاً هاجي!
قالتها وهي تسند رأسها على كتفه لتحرك كفها فوق صدره فمسد شعرها بأنامله هامساً بعد تثاؤب قصير :
_طب قومي كملي مذاكرة بقا عشان كده هتنيميني .
ابتسمت وهي تطبع على وجنته قبلة ناعمة قبل أن تعود لمذاكرتها التي تخللتها نظراتها الدافئة نحوه ...
هو الذي تثاقل جفناه أخيراً ليستسلم للنوم مكانه فتنهدت بحرارة وهي ترمقه بنظرة طويلة مغرمة ...
لقد تساءلت كثيراً عن معنى الحب الذي يروون عنه ...
لكنها الآن تراه بقلبها قبل عينيها ...
لو لم يكن ما يفعله هذا هو الحب ...فماذا يكون ؟!
======
تدندن بلحن لا تدري من حيث اجتاحها وهي تتطلع لصورتها في مرآة غرفة نومهما ...
ترتدي الثوب الذي اختارته لحضور الحفل المنتظر والذي انتقته بلون أخضر داكن أعجبها ...
لكنه فاجأها عندما دخل الغرفة لتوه حاملاً ما بدا لها كثوب مغطى معلق على شماعة !
التفتت نحوه هاتفة باستغراب:
_ده إيه يا رامز؟! أنا خلاص لبست !
_اقلعي!
قالها وهو يهز كتفيه بغمزة عابثة لتلكزه في كتفه قبل أن تهتف باستنكار:
_ضيع في وقتنا كمان ...أنا ما صدقت لقيت وقت فاضي عشان أحضر الحفلة دي !
لكنه فتح سحاب الغلاف المغطي للثوب معه ببطء ليستمتع بنظراتها المنبهرة وهي تتطلع نحوه قبل أن تهتف بانبهار:
_وااااااو ....إيه الجمال ده ؟!
فابتسم وهو يناولها إياه ليهمس أمام عينيها بنبرة دافئة :
_ماتعرفيش أد إيه بعشق اللون "الدهبي" ده عليكِ...أول ماشفته في المحل ما قدرتش أقاوم .
التمعت عيناها بعاطفة زادت بريقهما وهي تبتسم لتعاود تفحص الثوب هاتفة :
_يارب يطلع المقاس مضبوط ...الوقت مش هيستحمل عطلة .
لكنه رفع أحد حاجبيه ليقول بثقة :
_طبعاً مظبوط ...هو ممكن بس يطلع طويل شوية وهتحتاجي تلبسي كعب ...
ثم نظر في ساعته مردفاً بعجلة :
_ياللا بقا بسرعة ...هاستناكي تفاجئيني بيه في العربية !
قالها ليطبع قبلة سريعة على وجنتها قبل أن يغادر الغرفة مدركاً "عقدتها العتيقة" من تبديل ملابسها أمامه ...
بينما خلعت هي ثوبها "الذي اختارته" لترتدي ثوباً اشتهى -هو- رؤيتها فيه !!
تبتسم باعتزاز وهي تغلق سحابه لتجد مقاسه ملائماً تماماً ...
ليس المقاس فحسب بل تصميمه الذي يناسب جسدها وذوقها معاً في انسيابية ناعمة ...
ومع وشاح بلون يمزج الذهبي بالأسود بدا وجهها شديد الجاذبية حقاً ...
الجاذبية التي منحتها الكثير من الثقة وهي تتحرك لتلحق به في حذائها ذي الكعب العالي ...
صورة منعكسة لها في مرآة جانبية تخز قلبها بذكرى مشابهة لليلة كهذه ...
نفس لون الثوب ...نفس الحذاء ...ربما نفس الجمع المنتظر ...
لكن اليوم ...لا غادة ...
بل ...ولا هانيا القديمة كذلك !!
تشعر بقبضة باردة تعتصر قلبها وهي تتذكر ما سمعته -ليلتها- عن شبهة علاقة رامز بصديقتها لكنها تهز رأسها برفض وهي تهبط الدرج بشرود ...
لقد أصرت على حضور الحفل الليلة رغم انشغالها ليس فقط لأجل أن تسعده بفخرها به ...
بل لأنها تحتاج حقاً لهذه المواجهة كي ترضي كبرياءها ...
تريد أن تظهر من جديد معه كزوجين عاشقين ...يدها في يده ...
قدمها تجاور قدمه خطوة بخطوة ...
انتصارها الذي لا تدري كيف فرطت فيه يوماً !!
انقطعت أفكارها عندما وصلت للسيارة لتستقبلها عيناه بنظرة ألهبت أنوثتها ...
عيناه اللتان انحدرتا على طول جسدها بإعجاب قبل أن يطلق صفيراً قصيراً تناقض مع قوله المشاكس:
_والله ييجي منك يا بسطويسي...سيبلي انت نفسك بس وأنا هافك عقدك كلها ...
ثم مال نحوها ليهمس بمكر بينما يلصق سبابته بإبهامه في حركة ذات مغزى:
_طب قوللي بس فيه أمل ...واحد في المليون ...أعيش وأشوفك باللون ده في قميص نوم ؟!
ابتسمت بخجل وهي تشيح بوجهها ليلكزها في كتفها مردفاً بهتاف مرح:
_يافرج الله !! يبقى فيه !
_رامز ...فات ربع ساعة وباقي لك في ذمتي ساعتين إلا ربع ...انجز بقا عشان نلحق .
قالتها بنبرة عادت إليها عفويتها التي تقارب الفظاظة فتنهد بحرارة لضم كفيه في وضع الرجاء هاتفاً:
_طب عشان خاطري ...كرامة للفستان الحلو ده ...كمللي الليلة بعيد عن كرامات الأخ بسطويسي ...ماشي؟!
فضحكت برقة لم تتكلفها وهي تومئ برأسها موافقة قبل أن يتحرك بها هو إلى بيت مديره حيث يقام الحفل ...
نفس الطيف الشاحب من "الذكرى المشابهة" يجتاحه هو لكنه يبتسم ليمسك راحتها بيده بإصرار في حركة تركت أثرها في قلبيهما معاً ...
وفي حديقة بيت مديره حيث يقام الحفل وقفت يارا تستعرض ثوبها العاري أمام صديقتها قائلة بفخر:
_شفتي الفستان يهبل إزاي؟! ثلاث أرباع رجالة الحفلة عينهم هتطلع عليّ.
فضحكت صديقتها وهي تتأملها ببعض الحسد قائلة :
_معاك حق ...
ثم لكزتها في خاصرتها وهي ترى رامز يدخل مشبكاً أنامله بأنامل هانيا لتردف مغيظة إياها:
_وادي واحد م الربع الباقي اللي مش هياخد باله !
تنمرت ملامح يارا بحقد وهي ترى دخول رامز الذي حوّل أبصار الجميع نحوه ليلتفوا جميعاً حوله ...
بينما كان بصرها هي متعلقاً بهانيا التي بدت فاتنة حقاً رغم حجابها وثوبها المتحفظ ...
لهذا قالت مخاطبة صديقتها بغيرة واضحة :
_نفسي أعرف فيها إيه "المحروقة" دي عشان تطير عقله كده ؟!
_القلب وما يعشق!
هتفت بها صديقتها وهي تهز كتفيها لترد هي بحقد :
_يعشق؟! اللي زي رامز ده ما يعرفش يثبت على طريق واحد كتير ...هو بس تلاقي ضميره وجعه بعد اللي حصللها عشان كده رجعها ...لكن وحياتك شهر اتنين بالكتير وهيرجع يحن للذي مضى .
رفعت صديقتها حاجبيها بعدم اقتناع مما زاد غيظها لتردف بانفعال أكبر:
_طب والله كبرتيها في دماغي أطربقها على دماغهم النهارده زي ما عملت الحفلة اللي فاتت ...وإن كانت عدت يومها مش هتعدي المرة دي !
_هتعملي إيه يا مجنونة ؟!
_هتشوفي.
قالتها بعزم رسم الشر على ملامحها قبل أن تميل على أذنها لتعطيها تفاصيل خطتها ...
وفي مكانها كانت هانيا تشعر بالفخر وهي تقف جوار رامز الذي لم لم يترك كفها من يده ...
خاصة مع عبارات الإكبار التي منحه إياها مديره وهو يتحدث عنه أمام زملائه لتبتسم وهي تجد نفسها دون وعي تلتصق به أكثر ...
لهذا اتسعت ابتسامتها الواثقة التي احتلت شفتيها لدقائق طويلة بعدها وهي تتبادل الحديث بلباقة مع بعض زميلاته اللاتي تحلقن فجأة حولها لتضطر لسحب كفها من يده ...
لم تدرِ إلى متى طال انشغالها عنه لكنها تلفتت حولها فجأة لتجده قد اختفى!
بحثت بعينيها عنه في أرجاء الحديقة لكنها لم تعثر له على أثر ...
_لو بتدوري على رامز ...شفته رايح هناك .
قالتها صديقة يارا تنفذ مخططهما وهي تشير نحو بقعة ما منعزلة خافتة الأضواء نوعاً هناك في خلفية الحديقة لترمقها هانيا بنظرة متشككة ...
قبل أن تأخذ طريقها للمكان المنشود ...
_برضه ما فهمتش عايزة إيه مخليكي واخداني على جنب كده زي المشبوهين !
يقولها رامز بنفاد صبر لترد يارا بصوتها المغوي:
_عايزة أرجع اللي كان بيننا ...ومش هازهق مهما قلت لي لأ.
فابتسم ليرد ساخراً :
_وهو إيه اللي كان بيننا معلش يمكن مش واخد بالي ...
لكنها لمحت ظلاً ما يقترب فاستعدت لتقترب منه باسطة كفيها على صدره هاتفة بصوت تعمدت جعله مسموعاً ل"الظل المنشود":
_نسيت كل مشاعر زمان ؟!
فابتعد بجسده بسرعة ليهتف بها بغلظة مستنكرة:
_إياك تلمسيني ...انتِ مجنونة عشان تجيبيني هنا في حفلة مراتي حاضراها عشان تكرري كلامك السخيف كده ؟!
_يعني هو ده بس المانع؟! إنها هنا؟! تحب نكمل كلامنا وقت تاني؟!
تقولها بنفس النبرة المغوية وهي تختلس نظرة نحو مكان "الظل" ليرد هو بصرامة :
_لآخر مرة هاقوللك ابعدي عني ...اللي بيننا كان مجرد تسلية قبل الجواز وراح لحاله ...لو ستات الدنيا كلها قدام هانيا هاختارها هي وبس ...انتِ فاهمة ؟!
لكنها لم تسمح لعبارته الواثقة أن تهدم خطتها فرفعت صوتها أكثر بهتافها :
_قال يعني مخلص ليها قوي ؟! الشركة كلها عارفة اللي كان بينك وبين صاحبتها !
فاحمر وجهه غضباً مع رده :
_كفاية سفالة وافترا بقا ...انتِ عارفة إن غادة أشرف من ألف زيك ...وعارفة كمان الإشاعات دي مين اللي كان له مصلحة يطلعها !
شعورها أن خطتها لم تفلح جعلها تطيح بضرباتها العشوائية لعلها تحقق أي هدف:
_عاجبك فيها إيه "المحروقة" دي؟! الناس كلها بتتكلم إن الحادثة شوهت جسمها ...هتفضل عامل فيها الفارس النبيل لحد امتى ؟! رحت واللا جيت راجل زي بقية الرجالة عايز مزاجه وبس ...شهرين تلاتة وهتزهق منها ...وساعتها أراهنك هتيجي تترمي في حضني أنا !
_يارا!
الهتاف الصارم أجفلها لتلتفت نحو الظل الذي اقترب ...
والذي لم يكن ظل "هانيا" بل ...المدير نفسه !!
شحب وجهها برعب وكأنها كانت قد نسيت في غمرة انفعالاتها أنها في بيته هو ...
بينما تقدم الرجل بملامح متجهمة ليتوجه نحوهما فهتفت بمسكنة مصطنعة وهي تشير نحو رامز:
_كويس إن حضرتك جيت وشفت بنفسك...بيطاردني في كل حتة وعايزني ...
_كفاية كدب ...أنا سمعت كل حاجة ....
قالها الرجل بنبرة صارمة وهو يضع كفه على كتف رامز الذي وقف هادئاً بابتسامة واثقة بينما الأول يردف :
_بكرة الصبح استقالتك تبقى على مكتبي ...ما يشرفنيش واحدة زيك تفضل معانا ...
انهارت يارا باكية وهي تكرر رجاءات متتابعة للرجل الذي طردها حرفياً قبل أن يعرض عنها ليخاطب رامز بقوله :
_ارجع انت لمراتك قبل ما تحس بحاجة .
أومأ رامز برأسه وهو يتحرك مبتعداً عنهما وابتسامته الظافرة تملأ وجهه ...
لقد قلب سحرها عليها !!
منذ وجدها تستغل ابتعاد هانيا لتتقرب منه طالبة منه التحدث في مكان خفي وهو يدرك أنها تعد خطة ما للإفساد بينهما ...
لهذا طاوعها رغبة في أن يدير الأمر لصالحه مع هانيا ...لكن القدر ساعده بمنحة إضافية عندما نالت عقابها باستماع مديره للأمر كذلك ...
لهذا لم يكد يبتعد قليلاً حتى مال جانباً نحو إحدى الأشجار لتلتقي عيناه بعيني هانيا الزائغتين فيوقن تماماً من أنها استمعت للحديث ...
ملامحها الشاحبة تصرخ بألف سؤال ...لكنه جذبها من ذراعه نحوه قائلاً :
_كفاية كده ...الساعتين بتوعي قربوا يخلصوا!
عيناها الجميتان تمتلئان بالدموع لكنها تتشبث بكفيها في كفه قائلة بثبات رغم ارتجاف صوتها:
_هنكمل الحفلة لآخرها ...حقك تفرح بنجاحك وأفرح بيه معاك.
لكنه رمقها بنظرة مغرمة وهو يهمس أمام عينيها بدفء:
_فرحتي معاكِ انتِ خلاص حسيتها ومش عايز غيرها !
أشاحت بوجهها عنه وهي تخشى أن تفضحها دموعها أكثر أمام الحضور فأحاط كتفيها بذراعه ليتحرك معها مغادرين المكان ...
ولم يكادا يستقلان سيارته حتى فوجئ بها ترتمي على صدره لتحيط خصره بذراعيها هاتفة بين دموعها :
_"الكلبة" دي هي اللي سمعتها يوم الحفلة اللي فاتت وأنا في الحمام بتتكلم عن علاقتك بغادة ...هي اللي سممت أفكاري وقتها .
فارتفع حاجباه بدهشة للحظة وهو يتذكر ما تحكي عنه ثم ابتسم وهو يرفع وجهها ليمسح دموعها قائلاً برفق:
_انسي بقا اللي فات ...صفحة واتقفلت ...الحمدلله إن كيدها اترد لها هي .
_انت كنت عارف إني واقفة وسامعاك ؟! عشان كده قلت اللي قلته !
سألته بتشكك وسط دموعها ليصدر همهمة قصيرة سبقت قوله المشاكس:
_مممممم....انتِ عارفة إن كذب الزوج على الزوجة حلال؟!
ابتسمت وهي تخبطه على صدره ليردف بنبرة تمثيلية :
_أبداً يا حياتي...ما كنتش أعرف إنك واقفة ...بس أنا قلت اللي بقوله لكل واحدة بتحاول تستدرجني للرذيلة...
ثم غمزها مردفاً:
_وانتِ عارفة إني بموت فيها ...بس معاك انت بس !
ضحكت وسط دموعها التي مسحها هو بأنامله ليردف أخيراً بجدية بينما يغرس نظرات عشقه في عينيها :
_أنا كنت شاكك إنك واقفة وسامعة ...كانت مخاطرة مش محسوبة لإني ماكنتش أعرف ممكن تتمادى لحد فين ...بس كنت عايزك تسمعي بودانك ... صدقيني الكلام ده قلته لها حتى وانت مش موجودة ...أنا بحبك يا هانيا ...عمري ما عرفت معنى الكلمة دي إلا معاكِ...وكل يوم بتأكد إني مش هاعرفها تاني مع واحدة غيرك ...
أغمضت عينيها بقوة وأناملها تتحسس رقبتها فوق حجابها فمال بوجهه يقبل مكانها هامساً:
_انتِ أجمل واحدة في عنيا ...مش بقولها مجاملة ولا حتى حب ...بس كل ما افتكر ليلة الحادثة وأنا بجري زي المجنون بدعي بس إنك تكوني لسه عايشة بحس إن مجرد وجودك دلوقت جنبي نعمة تستاهل أعيش العمر كله أحمد ربنا عليها .
لم يكد يتم كلمته حتى فوجئ بشفتيها تقطعان حديثه بحرارة شغوف في فعل لم تبادر به من قبل أبداً ...
أناملها تتلمسه بهذه الطريقة وكأنه أثمن كنوزها ...أولها وآخرها...
وصوت أناتها الخفيضة يدوي في أذنيه كرعد ...
وتتلقفه روحه العطشى كمطر!!
فارتد للخلف مجفلاً للحظة قبل أن يأخذ نفساً عميقاً ليشغل السيارة قائلاً بسرعة :
_ثانية واحدة وهافقد السيطرة ويتقبض علينا بفعل فاضح في الطريق العام ...
ثم خبطها بخفة على مؤخرة رأسها ليردف بغيظ:
_لحظات التجلي لي بتحْبَك لك في أماكن غريبة ...عارفة لو رجعنا البيت قلبتِ بسطويسي ...هاقلب لك "فرج" في"الكرنك"!
قهقهت ضاحكة وهي تعود لتسند ظهرها على كرسيها فتنهد بحرارة قبل أن يغمزها هامساً :
_ليلتنا فل إن شاء الله.
=====
تركيا ...
اسطنبول ...
تجلس غادة على العشب في المزرعة في جانب خفي تمدد قدميها أمامها بينما تحتضن أحد الأرانب الذي تمسد فراءه بشرود ...
تتنهد بضيق لا تعرف سببه ...أو بالأدق ...تعرفه إنما تتجاهله !!
الأجواء حولها كلها مضجرة ...
علاء صار يخشى عليها صحبته في البازار ويؤجل عودتها للعمل معه بزعم أنها لا تزال تحتاج الراحة ...
وخبر والد إسلام الذي قتِل بفضيحة عقب هروبه من جريمة مشينة لايزال يؤرق علاء وإيناس اللذين يشعران بالأسى لمصابه ول-غيابه- قبله !
أجل ...سفر إسلام وغياب سيف بعدها دونما مبرر يجعلهما يشعران بالوحدة التي تحاول هي تخفيفها بجهد مضاعف...
كل هذا مشاع ويعرفه الجميع ...
لكن الذي يخصها هي وحدها ولا يعرفه أحد أنها حقاً ...تفتقده !
لا تدري هل هو الفراغ الذي يجعلها تستعيد مواقفهما معاً من البداية فتسترجعها كشريط مستمر دون توقف متلذذة بمعانيه...
أم هو إلحاح هانيا التي لا تتوقف عن الحديث معها عن الأمر وكأنما صارت غاية حياتها أن تجمعهما معاً ...
لا ...لا ...
ستكون أكثر صدقاً مع نفسها لتعترف ...
أنه تمكن من سد فراغٍ بروحها طالما تعطش لرجل مثله...
رجل لا يعنيه جمالها بقدر ما تجذبه روحها ...
رجل يحميها حتى من نفسه...
يحترمها ككيان قبل أن يشتهيها كأنثى ...!!
انقطعت أفكارها عندما قفز الأرنب من على ساقيها فجأة ليعدو فابتسمت وهي تنهض لتعدو خلفه لولا أن استوقفها صوت إيناس الذي صدح فجأة :
_شفتي مين جه أخيراً النهارده !
تلتفت نحوها عفوياً لتجده أمامها ...
يبتسم بهذه الطريقة الخجول وقد بدا لها شكله غريباً إذ حلق رأسه كاملاً ...
فابتسمت بدورها وهي تعدل وضع حجابها على شعرها بينما إيناس تهتف بسعادة وهي تقلب بصرها بينهما :
_عاجبك كده ؟! راح يعمل عمرة من غير ما يقوللنا ...وأنا أقول اختفى فجأة كده فين !
_هم كام يوم اللي عرفت آخدهم أجازة يا أنّا...والله الموضوع اتيسر كده فجأة وبسرعة .
قالها معتذراً للمرأة التي دعت له بالقبول قبل أن تسأله باهتمام قلق:
_إسلام عامل إيه ؟! كل ما أكلمه بيهزر بطريقته اللي انت عارفها وما بيرضاش يبين حاجة ...طمنني عليه يا سيف!
فأطرق برأسه قائلاً بأسف:
_ربنا يكون في عونه ...الموضوع مش سهل أبداً خصوصاً بعد اللي حصل لأخوه كمان ...بس أنا وصيت رامز يبقى معاه وشرحت له الموضوع ...وفي أول فرصة أقدر آخد أجازة طويلة هانزل له !
شعرت غادة بضيق خفي للعبارة الأخيرة جعلها تطرق برأسها بينما إيناس تهتف بلهفة:
_وأنا هاجي معاك ...قلبي مش مطاوعني أسيبه في اللي هو فيه لوحده ...
تحشرج صوتها في عبارتها الأخيرة فاضحاً رغبتها في البكاء فربت سيف على كتفها قائلاً :
_انت كمان وحشتيه قوي ...أوعدك نسافر له قريب .
كفكفت دمعها لتبتسم بشحوب وعيناها تتفحصانه بحنان أمومي قائلة بعتاب رقيق:
_وانت خاسس كده ليه ؟! ما بتاكلش!
فضحك ضحكة قصيرة ناسبت رده :
_دايماً شايفاني خاسس ومحتاج تغذية يا "أنّا"!
_طب والله خاسس ووشك مخطوف ...اقعد هنا مع غادة على بال ما أحضر الأكل...
هتفت بها بحماس أنساها حزنها السابق ليبتسم هو موافقاً بينما تحدثت غادة لأول مرة منذ بدأ الحوار بقولها دون أن تنظر إليه :
_خلليكي انتِ معاه يا "أنّا"...أنا اللي هاحضر الأكل.
نبرتها الضائقة كانت مفضوحة لكليهما لكن إيناس هتفت بسرعة :
_هو جاي ياكل من إيدي أنا ...أنا اللي عارفة الأكل اللي بيحبه !
قالتها لتغادرهما بسرعة دون أن تمنحها فرصة الاعتراض فتجهمت ملامح غادة بالمزيد من الضيق وهي تطرق برأسها ...
إنه لم يوجه إليها كلمة واحدة منذ دخل !!
ولا حتى تحية !!
والآن تتركهما إيناس بهذه الطريقة التي تبدو وكأنها فرضتها عليه ...
لا...لن تبقى!
ستعود لغرفتها أو ستذهب لتساعد إيناس في المطبخ!
_إزيك يا غادة ؟!
سؤاله المفاجئ يطيح بكل ما كانت تفكر به خاصة وهو يحمل لها لهفة اشتياق لم تخطئها أذناها ...
ترفع عينيها إليه ببطء لتصطدم بابتسامته الخجول التي تمتزج بحمرة أنفه وأذنيه المميزة ...
فلا تملك إلا أن تمنحه ابتسامة مماثلة !!
يقترب منها مأخوذاً بجمالها الذي يبدو هكذا في ضوء الشمس ك"شمس أخرى"!!
عيناها تلتمعان بتلك الشقاوة اللطيفة التي تناقض تحفظ كلماتها وهي ترد :
_الحمدلله...إزيك انت؟! حمداً لله ع السلامة !
فتتسع ابتسامته وعيناه تتوهجان بحنان دافق امتزج بامتنان حروفه :
_كانت نصيحة كويسة منك...أنا رحت عملت عمرة لآنجي...حقيقي الموضوع ده فرق معايا كتير .
زمت شفتيها بمزيج شعورها المتناقض في هذه اللحظة ...
جزء منها يشعر بالسعادة لهذا الارتياح الذي يغشى ملامحَ طالما اكتسحها الذنب ...
لكنها لا تملك هذا الجزء الآخر الذي يشعر بغيرة خفية غير منطقية !!
غيرة ؟!
لقد تطرفت مشاعرها حقاً هذه المرة !!
لهذا قاومت شعورها بكل ما أوتيت من قوة لترتجف ابتسامتها وهي تشيح بوجهها قائلة :
_الحمدلله ... افتكرت تدعيلي بقا هناك ؟!
_كتير ...جداً.
عبارته حملت من الدفء الصادق ما جعل قلبها يرتج مكانه وكأنما أسمعها حديث غزل!!
لهذا تسربت الحمرة لوجنتيها أكثر وصوتها يرتجف رغماً عنها بسؤالها :
_دعيتلي بإيه ؟!
صمته يطول بعد سؤالها فتضطر لترفع عينيها إليه فيجتاحها "الحزن الأخرس" في حدقتيه من جديد ...
والذي تلون الآن بعاطفة كاسحة :
_دعيتلك تفرحي ...تفرحي قوي لحد ما تنسي كل حزن عشتيه !
امتلأت عيناها بالدموع فجأة وعبارته ترده لآخر رؤيا رأتها لأحمد عقب إفاقتها من الحادث ...
الدموع التي وجدتها تسيل دون وعي على وجنتيها فمسحتها بأنامل مرتجفة ليهتف هو بها بجزع:
_أنا آسف ...ما قصدتش أفكرك ...أنا بس...
لكنها تقاطعه بقولها الشارد :
_لا أبداً...أنا بس افتكرت آخر حلم حلمته بأحمد الله يرحمه ...كان بيقوللي برضه افرحي .
و"الغيرة" هذه المرة تحظى بنصيبها معه هو وعبارتها توصد الطريق في وجه أمله "الوليد" بها ...
بل ...من يدري ربما ...تفتحه ؟!!
لهذا ترددت كلماته وعيناه تطوقان ملامحها بعاطفته ليغير الموضوع بقوله :
_كان معاكِ حق ...أنا غرقت في إحساسي بالذنب ونسيت واجبي ناحيتها ...امبارح زرت قريبتها الوحيدة اللي كانت ساكنة معاها هنا ...تقريباً من يوم الوفاة ما كنتش شفتها ...بس عاهدت نفسي أراعيها وأشوف طلباتها ولو مرة كل شهر ...يمكن ده يكون جزء من رد الدين اللي عليا ليها .
شفتاها تكافآنه بابتسامة رضا قبل أن تتلفت حولها لتجد الأرنب المشاكس يدور حولها قبل أن يعاود الركض بعيداٌ ...
لكنه هو يركض خلفه ليلاحقه قبل أن يمسكه عائداً إليها به فتتحول ابتسامتها لضحكة عفوية وهي تتلقفه منه لتمسد ظهره بأناملها قائلة بمرح تغلبت به على مشاعر الشجن السابقة :
_شيبوب بيغير لما بيلاقيني بكلم أي حد ...حتى "أنّا"!
فضحك بدوره وهو يرى الأرنب الأبيض يهز رأسه مستمتعاً بمداعبة أناملها وكأنما يصدّق على كلامها ليوجه الحديث للأرنب "شيبوب" وهو يحني رأسه نحوه :
_امال لو كنت "عنتر" كنت عملت إيه ؟!
ضحكتها العالية المميزة تعاود عزفها على أوتار قلبه لكنه يعاود حديثه مع "الأرنب" بسؤاله :
_طب تسمح لي أقدم لها الهدية اللي جايبهالها واللا هتعضني؟!
_هدية إيه ؟!
تسأله غادة بترقب ليشير هو نحو الخارج قائلاً بابتسامته الخجول :
_سايبها في العربية ...ثواني أجيبها .
التمعت عيناها بفضول وهي تتابعه يغادر وذهنها منشغل بهذا التغيير الذي تشعر به معه ...
ليس فقط في كسر دائرة تحفظه نحوها بل فيه هو نفسه !!
كأنما تحررت روحه -نوعاً- من قيود الذنب وبدأت طريقها في التحليق!!
ترى أي هدية سيختارها لها ؟!!
اتسعت عيناها بترقب وهي تراقب عودته بهذا الصندوق الكبير الذي وضعه أمامها على الأرض قبل أن يرفع رأسه نحوها قائلاً بابتسامته الخجول:
_كلامنا سوا عن روايات رفعت اسماعيل رجعني لأيام حلوة ...بعتّ اشتريت السلسلة كلها بالأعداد الأصلية أون لاين ...وجبت منها نسختين واحدة ليا وواحدة ليكي ...قلت منها تسليكي مادام ماعدتيش بتروحي البازار ومنها تفكرك بأيام جميلة مش هتتكرر.
فأشرقت ملامحها أكثر وهي تجلس على ركبتيها أمام الصندوق لتضع "شيبوب" جانباً قبل أن تفتحه بلهفة مع هتافها المنطلق :
_مش ممكن ...في وقتهم بجد والله ...ما تتصورش فرحتي بيهم ...كل غلاف من دول حكاية أيام عشتها وأنا بقراها ...رفعت وعزت وماجي ولوسيفر و...شوف دي كمان ..فاكرها ..الأم مارشا؟!!
ضحكاتها تعلو من جديد وهي تعدد أسماء أبطال هذه السلسلة الرائعة للعراب "ما وراء الطبيعة" فيضحك بدوره وهو يجلس على ركبتيه أمام الصندوق بدوره ليرفع واحداً من الكتيبات أمامها هاتفاً بعفوية :
_العدد ده ما نيمنيش لما قراته ...كنت حاسس إن "الجاثوم" هيخنقني لو نمت !
_أنا كمان ...كنت حاسة إني بسمع أصوات غريبة بعد ما قريته ...واللا العدد بتاع (......)...
استمر حديث الذكريات بينهما بعدها لدقائق عن قراءاتهما هذه تتخلله ضحكاتهما التي أثلجت صدر إيناس وهي تتقدم منهما أخيراً لتهتف بحنان :
_بتعملوا إيه ؟!
_شفتي سيف جابلي إيه يا "أنّا"؟!
السعادة التي كانت تتقافز بين كلماتها كانت كافية ليملأ الرضا نظراته ...
الرضا الذي جعل إيناس تنقل بصرها بينهما لتقول ببعض المكر:
_طول عمره لماح وبيعرف مدخل اللي قدامه .
لم تنتبه غادة لعبارتها وهي تحاول إبعاد شيبوب الذي كان يدس رأسه بين الكتيبات وكأنه يريد إفسادها غيرة حقاً ...
بينما احمر وجه سيف خجلاً كالعادة ليرمق إيناس بنظرة عاتبة جعلتها تضحك ضحكة طويلة سبقت قولها :
_ممكن تكمل جميلك وتطلع الكرتونة الحلوة دي أوضة غادة...بس بسرعة عشان حضرت الأكل.
نهض سيف ليقف مكانه ويحمل الصندوق تتبعه غادة التي لكزتها إيناس في كتفها خفية بحركة موحية لترد غادة بابتسامة خجول معاتبة ...
بينما تحرك سيف نحو الداخل وقلبه يرتجف بنبض غريب ...
هو يعرف أن غادة الآن تشغل غرفة الراحل هاني التي طالما دخلها من قبل دون محاذير ...
والآن يعود لدخولها بشعور متناقض هو مزيج من الحزن مع ذكرى الفقيد ...
واللهفة لرؤية كيف صارت بعد ما سكنتها هي !!
لكن طبيعته الخجول المتحفظة جعلته يسألها بنفس حمرة الوجه التي صارت تستلذها كثيراً ...
_هينفع أدخل ؟!
ارتباكه اللذيذ يصيب منها ...يجعلها تشعر حقاً أنها تقف أمام نموذج مختلف من الرجال ...
رجل يعرف كيف يغرس فيها الأمان قبل الحب ...
الاحترام قبل العاطفة ...
وما أحوجها لهذا !!
لكن ما بالها تشعر به هذه المرة مختلفاً ؟!
تشعر وكأنه قد تحرر -نوعاً- من قيوده ؟!!
يخطو نحوها بحبو حذر ...بعدما ملت وقوفه الساكن !!
الخاطر الأخير يجعلها تشير للغرفة ببعض الترقب قائلة :
_اتفضل طبعاً ...معلش تعبتك .
يدلف إلى الداخل ليضع ما بيده على المكتب المقابل للفراش فتلحقه هي شاكرة لتشير حولها قائلة :
_الأوضة زي ما هي من أيام هاني الله يرحمه ..أكيد وحشتك..."أنّا" دايماً تقول إن قعدتكم كانت على طول هنا .
_فعلاً ...الله يرحمه .
قالها بأسى حقيقي جعلها تشعر بالإشفاق نحوه لهذا غيرت الموضوع بقولها :
_هدية هايلة يا سيف ...من زمان ما جاليش هدية حلوة كده...شكراً بجد .
امتنانها الصادق الممتزج بدلالها الفطري لامس قلبه بدفء غامر ليجد نفسه دون وعي يقترب منها خطوة قائلاً :
_أنا اللي لازم أشكرك .
_عشان؟!
تهمس بها بتساؤل رقيق ووجهها يرتفع نحوه ...
العينان تتبادلان الحديث بما صمتت عنه الشفاه ...
لم تكن المرة الأولى التي تشعر هي به معه بهذه الشفافية ...
كأنما تقرأ مشاعره على صفحة بيضاء دون زيف أو مواراة ...
لكنها كانت المرة الأولى التي يطارد هو فيها سرابه في عينيها ...
ينقّب فيها عن كنز عاطفة تخفيها هي له ...
يريد دليلاً يتمناه لكن يخشاه ...
إسلام أفسح له الطريق ...لكن هل زلّت كل العقبات حقاً ؟!!
_انت بتعمل إيه هنا ؟!
صوت العم علاء على باب الغرفة يجعلهما ينتفضان مكانهما لتبتسم غادة بخجل بينما علاء يضع كفه على صدره في حركة تمثيلية مردفاً :
_سيف ؟! وغادة ؟! وفي بيتي؟! ياللسماء !! العار !! الدم!!
ضحكات غادة الخجول تعلو لتغطي على حرج الموقف فتتجه نحوه قائلة بمرح مشاكس:
_ريح نفسك يا عمو ...مش هتلبسني لأي حد معدي عشان تخلص مني ...أنا قاعدة هنا على قلبكم !
_يعني مفيش أمل الولد ده يلبسها؟!
يقولها بمسكنة مصطنعة وهو يشير نحو سيف الذي منعه خجله عن مشاركتهما المزاح فاكتفى بابتسامة واسعة بينما غادة تردف بنفس الأسف التمثيلي :
_لا للأسف ...أنا والبيتزا بتاعتي هنفضل كابسين على نفسكم هنا !
قالتها وهي تخبط بقبضتها على راحتها المفرودة في ذاك الوضع الشهير لتتعالى ضحكاتهم جميعاً مع إيناس التي دخلت لتهتف بحنان ماكر:
_سيف جابلها شوية كتب عشان تتشغل بيهم عن البيتزا اللي مش عاجباك.
فابتسم علاء متهكماً وهو يشير لرأس سيف الحليق بقوله :
_هم شوية الشعر اللي كانوا مداريين ع الأفكار النيرة دي ...من ساعة ما جابها ع الزيرو كده وعندي أمل في اللي جاي ...
ثم تقدم نحو سيف ليربت على كتفه مردفاً بجدية هذه المرة :
_حمداً لله ع السلامة ياابني ...وحشتني قوي ...تقبل الله .
هنا تقدم سيف ليعانقه بحنان صادق ثم قبّل كتفه ليرد برصانته الدافئة :
_منا ومنكم يا عمو ...حضرتك كمان وحشتني قوي .
_مادام وحشتك بقا ما ترفضش فكرتي ...واحد صاحبي من "إغدير" عازمنا نقضي عيد النيروز هناك ...ما تيجي معانا براسك دي ...فرصة قبل ما شعرك يطلع ويغطي أفكارك الحلوة تاني!
قالها علاء بنبرته التي عاد إليها مرحه ليضحك سيف مع رده المرحّب ...
قبل أن تسأله غادة بفضول:
_إيه عيد النيروز ده بيعملوا فيه إيه ؟!
لكن إيناس تجذبها من ذراعها لتهتف بهم بحزم :
_كملوا كلام ع الأكل ...لو برد مش هارجع أسخنه !
======
_داليا!
هتف بها مروان بدهشة وهو يفتح باب شقته ليجدها أمامه فابتسمت لتهتف بملامح مشرقة عبر شقاوتها المعهودة :
_كبسة ! عندك حد ؟!
ضحك ضحكة عالية وهو يفسح لها الطريق قائلاً بمرح:
_اتفضل يا سيادة المفتش ...شوف بنفسك !
ضحكت بدورها وهي تدلف إلى الداخل لتتفحص المكان حولها فأغلق الباب خلفها ليحتضن خصرها بكفيه هامساً بعاطفته الدافئة :
_ممكن أعرف سبب الزيارة المفاجئة دي !
فتعلقت بذراعيها في عنقه لتهمس بشقاوتها التي امتزجت بعاطفتها :
_كنت بقلب امبارح في رسايل "العاشق المجهول" لقيت النهاردة تاريخ أول رسالة بعتهالي ...قلت آجي أحتفل معاه بالمناسبة الحلوة دي ...
ثم استطالت على أطراف أصابعها لتطبع قبلة ناعمة على وجنته مردفة :
_كل سنة وانت معايا .
انتفض قلبه بقوة عاطفته وهو يضمها نحوه أكثر هامساً بين شفتيها :
_انت مش معايا ...انتِ جوايا .
تأوهت بخفوت لتمرغ وجهها في صدره هامسة بهيام :
_نفسي أعرف بتجيب الكلام الحلو ده منين ...
ثم عادت ترفع وجهها نحوه مردفة :
_أقوللك سر ؟!
همهمته الخافتة حلقت فوق شفتيها بنعومة لتستطرد برقة عذبة :
_أنا كنت خايفة أحب عشان ما أزهقش...كنت خايفة أسلم قلبي لواحد بس ما يبقاش كفاية لكل المشاعر اللي عايزة أعيشها...لكل الأحلام اللي نفسي أحققها ...كنت بشوف الارتباط خنقة وملل ...بس ...انت ...
قطعت عبارتها عاجزة عن إيجاد رد مناسب ...
فاحتضن وجنتيها براحتيه ليهمس بترقب :
_أنا إيه ؟!
_انت خطفتني ...مابحسش أبداً إني زهقانة وأنا معاك...بالعكس ...بعيش معاك حاجات عمري ما اتمنيتها ولو في أحلامي.
_تؤ...لسه فايتك كتييير .
يقولها ببعض العبث لتضحك ضحكة عالية مزجت خجلها بشقاوتها الطفولية في مزيج غريب لا يليق بسواها ...
ثم تفلتت من بين ذراعيه لتتجه نحو مائدة السفرة التي وضع عليها حاسوبه المحمول قبل أن تشير للوحة ذات المربعات المتداخلة هاتفة بمرح:
_أهه اللوحة التي فضحتك.
فضحك وهو يتجه نحو اللوحة ليقبلها بخفة هاتفاً :
_أحلى فضيحة !
عادت تضحك بمرح وهي تقفز لتجلس متربعة فوق المائدة قبل أن تدير الحاسوب نحوها لتهتف بهيام :
_اسكت انت بقا وخلليني أقابل حبيبي ده ...
ثم شهقت لتردف باستنكار:
_انت عامل باسوورد ؟!
فضحك وهو يقفز ليجلس جوارها على طرف المائدة قبل أن يزيح حجابها عن شعرها بحركة خاطفة ليقرص أذنها هاتفاً بمكر:
_وريني هتقابلي حبيبك ده بقا إزاي من غيري !
_مروان ...مارو ...بليييييز ...عايزة أشوف الكواليس ...عشان خاطري ...
هتفت بها برجاء طفولي وهي ترفع راحتيها الملتصقتين أمام وجهه بذاك الوضع الشهير ...
ليضحك ضحكة عالية ثم أدار الحاسوب نحوه ليفتحه فيبرز لها محادثاتهما القديمة بذاك "الحساب الاليكتروني" الآخر ...
قبل أن يحتضن كتفيها بذراعه ليضمها نحوه ...
تنهدت بهيام وهي تستعرض كلماته التي تحفظها تقريباً لكن أن تراها الآن ...في بيته ...
وهي بين ذراعيه ...لهو مذاق آخر له لذة مضاعفة !
لذة تعاظمت كثيراً وهي تسمعه جوارها يقرؤها لها بصوته واحدة واحدة كلحن فريد يميزه هو وحده فيرقص له قلبها طرباً ...
لهذا أسندت رأسها على صدره تتنعم بهذا الدفء الخالص الذي تمتزج فيه كلماته بقربه ...
قبل أن تشعر بأنامله تتخلل منابت شعرها مع همسه الدافئ :
_عندي "فولدر" كمان لازم تشوفيه .
فتحت عينيها بترقب تنتظر لتتسعا بعدها بانبهار وهي تجد مجموعة من الصور القديمة لها ...بل لهما معاً ...في طفولتها !!
ضحكت باستمتاع وهي تراقب أولاها لما بدا كحفل "عيد ميلاد قديم" مميز بطقوس هذه الفترة ...
زجاجات الكوكاكولا الصغيرة بشعارها الأبيض ..."التورتات" منزلية الصنع...الكاسيت القديم بحجمه وشكله المميز في خلفية الصورة ...والمروحة إياها ذات القاعدة العريضة والثلاث ريشات ...
التصفيفة واحدة للفتيات بغُرّة جبين عريضة وضفيرتين ...
بينما الفتيان يضحكون بتلك الطريقة التي تنبئ عن مستقبل "سفاحين"!!
_دي هانيا ورانيا ...وده يامن ...دي أنا ...يا خبر!!! كنت وحشة كده ليه ؟! وده ...انت ؟!
ضحكت ضحكة عالية وهي تشير للفتى الذي وقف مرتبكاً بنظارته وشعره الأشعث ليضحك بدوره وهو يشير للصورة هاتفاً :
_كان عندي شعر أهه ...بس هي عوامل التعرية اللي وصلتني لكده !
_كده اطمنت على مستقبل ولادنا !
هتفت بها بمرح ليضمها إليه أكثر قبل أن يداعب وجنتها بأنامله هامساً :
_حلوة قوي "ولادنا" دي وهي طالعة منك عفوية كده .
فابتسمت بوجنتين محمرتين زادتا عذوبة ملامحها لتسأله بفضول:
_عايز ولاد كتير؟!
_جداً.
هتف بها دون تفكير ليرد مفسراً :
_أنا اتربيت ابن وحيد وكانت تجربة سيئة جداً...عايز ولاد كتير على أد ما تقدري .
_بتحب الولاد واللا البنات ؟!
_لو بنات شبهك ...بلاش!
شهقت باستنكار ليضحك ضحكة عالية قبل أن يعاود قرص أذنها هامساً بعتاب حنون :
_داليا واحدة كفاية ...استنزفت كل طاقتي ...واحدة تانية شبهك وهاسرح ورا المجاذيب في الشوارع .
علا صوت ضحكاتهما المشتركة للحظات قبل أن تعود لتستعرض معه بقية الصور والتي انتهت بعدة صور "مرسومة" لا حقيقية...
كلها لفتاة تبكي على الدرج وتحتضن ثوباً أبيض!
_دي ...أنا؟!
تمتمت بها بتأثر وهي تستعرض الصور التي حملت نفس الفكرة في كل رسم وإن اختلفت الخطوط ...
ليرد هو ببعض الشرود وقد عادت أنامله تعبث في شعرها :
_كل مرة كنت بفكر فيها أبعد عنك ...صورة زي دي كانت بترجعني ...صورة بنوتة كبرت قدامي يوم بيوم ...مهما كبرت جواها طفلة بتعيط مش هتلاقي أحن من حضني عليها .
_مروان!
همست بها بتأثر وهي تستدير لترفع ذراعيها فتتعلق بعنقه...
تغرق وجهه بقبلاتها التي امتزجت بدموع انفعالها مع همسها :
_كل مرة بحس فيها أد إيه بتحبني بلاقي دماغي مشلول ...بحس بالذنب لكل الوجع اللي سببتهولك .
لكنه أبعد وجهها الذي احتضنه براحتيه ليمسح دموعها بإبهاميه هامساً:
_كل الوجع ده ما يساويش حاجة وانتِ دلوقت معايا ...مش مجرد بنوتة صغيرة بتغلط وبسامحها ...لا...واحدة جديدة بحترم دماغها وتفكيرها .
فابتسمت وهي تغمض عينيها لتتنهد بحرارة بينما تسند رأسها على صدره هامسة بمشاكسة طفولية :
_هااااح...طب كفاية كده ...الحب هيولع في الدرة ...
ثم انتفضت بعفوية لتشير للحاسوب متسائلة :
_فيه حاجة تانية لسه ماشفتهاش!
لكنه غمزها بمكر هاتفاً:
_يووووه...ياما في الجراب يا حاوي ...بس مش دلوقت!
التمعت عيناها بانبهار طفولي لتضحك ضحكة عالية وهي تخبط بكفيها على ساقيها المتشابكتين هاتفة :
_الله عليك يا مروان يا جااامد....هو ده الشغل!!
انتهت عبارتها بتصفيقة خفيفة جعلته يطلق قهقهة عالية قطعها صوت رنين هاتفه الذي جعله يقول بمرح:
_أراهنك إن ده يامن ...قرون الاستشعار بتاعة غلاسته لازم تقطع اللحظات الحلوة !
فابتسمت وهي تفك تشابك ساقيها لتقفز من فوق المائدة على الأرض بينما وقف هو ليتناول هو هاتفه يطالع الرقم قائلاً:
_ظلمته ! دي الدكتورة سهام .
اتسعت ابتسامتها نوعاً وهي تقترب منه لتسمعه يفتح الاتصال بتحية تقليدية ثم استمع قليلاً للمرأة التي كانت تعتذر عن عدم قدرتها على حضور عقد القران ...
قبل أن يرد بهدوء:
_لا يا دكتورة مش زعلان أبداً ...عذركم معاكم...أنا عارف إن تعب دكتور ياسر ملخبط الدنيا عندكم ...والموضوع أصلاً جه بسرعة ....تتعوض في الفرح باذن الله ...
ثم صمت قليلاً يستمع ليردف وهو ينظر لداليا :
_ولا داليا كمان زعلانة ...هي معايا هنا أهه ...باركيلها بنفسك !
_هنا فين ؟!
صوت سهام المتحفز وصل داليا التي انعقد حاجباها بارتباك بينما مروان يرد :
_هنا عندي في البيت .
_لوحدها؟!
صيحتها المستنكرة كانت أكثر وضوحاً هذه المرة فاحمر وجه داليا بمزيج من ضيق وذنب ...لكن مروان رد باقتضاب :
_آه لوحدها ...تحبي حضرتك تباركيلها بنفسك ؟!
توتر الجو فجأة وداليا تتناول منه الهاتف لتجد كلمات المرأة المهنئة متحفظة باردة كما توقعت لكنها ردت بتماسك مصطنع قبل أن تنهي الاتصال لتعطيه الهاتف قائلة بوجوم :
_أنا هامشي .
قالتها وهي تعدل وضع حجابها على رأسها لتتحرك بسرعة نحو الباب لكنه لحق بها ليمسك ذراعها هاتفاً :
_استني رايحة فين ؟!
لكنها نفضت ذراعه عنها هاتفة بعصبية :
_خارجة عشان ما ابقاش قليلة الحيا وقاعدة معاك هنا لوحدنا .
مط شفتيه باستياء ليحاول تهدئتها بقوله :
_الست ماقالتش حاجة...هي بس ...
_وانت كنت عايزها كمان تقول ؟!
هتفت بها بنفس النبرة العصبية وهي تفتح الباب فزفر زفرة قصيرة ليربت على وجنتها قائلاً برفق:
_عشان خاطري اهدي واسمعيني ...ما تبوظيش اليوم الحلو ده عشان حاجات ما تستاهلش ...
ثم مد يده يتناول مفاتيح سيارته ليعطيها لها مردفاً:
_استنيني في العربية هاغير هدومي ونخرج نكمل بقية اليوم سوا .
انتزعتها منه بحركة عصبية دون رد لتهبط الدرج بخطوات راكضة فضحت غضبها قبل أن تستقر في سيارته وهي تشعر بمزيج من الضيق والخزي...
لماذا يجب أن تكون أفعالها دوماً مشبوهة ؟!
لماذا يصرون أن يضعوا تصرفاتها العفوية في إطار من "الخطأ"؟!
لعنة الماضي هذه لن تغادرها أبداً ؟!!
انقطعت أفكارها عندما شعرت به يستقل السيارة جوارها قبل أن يكتنف راحتها بين كفيه ليقول لها برفقه الصبور :
_أنا عارف بتفكري في إيه ...ممكن تبصيلي وتسمعيني ؟!
امتلأت عيناها اللتان رفعتهما نحوه بالدموع فجأة ليتنهد هو قائلاً بنفس النبرة :
_أنا اللي غلطان المرة دي ...اتكلمت بعفوية زي ما انتِ اتصرفتِ بعفوية ونسيت إن الموقف ممكن يتفهم غلط ...وأنا حتى لو حافظت عليكِ الناس دايماً ليها الظاهر ...عشان كده هنتفق إنك ما تجيليش البيت لوحدك تاني ...مش عدم ثقة في نفسي ولا فيكِ ...بس عشان محدش يبصلك بس بصة تضايقك زي دلوقت ...
ثم رفع كفها لشفتيه بقبلة ناعمة مردفاً بحنان :
_خلاص بقا فكيها كده ...
ارتجفت شفتاها بشبه ابتسامة وهي تشيح بوجهها ...
لا تعرف كيف يجيد تغيير تردد قنواتها بهذا الإتقان ...
ربما لو كان حدث نفس الموقف قديماً لما هاودتها طبيعتها المتمردة في طاعة ...
لكن معه هو ...تفعلها...ليس فقط طوعاً وحباً ...
بل رغبة في كمال تستحقه معشوقته !!
_ينفع تزعلي كده في "مولد سيدي العاشق المجهول" ؟!
سؤاله المشاكس يستجلب ضحكة خرجت منها رغماً عنها لتعيد التفاتها نحوه بقول عادت له نبرة مزاحه :
_شي لله يا سيدنا .
فضحك أخيراً بارتياح وهو يترك كفها ليشغل السيارة هاتفاً بمرح:
_أيوة كده الروح الفرفوشة عادت ...عندنا بروجرام هايل ل"ست البنات" النهارده ...شوفي عايزة تروحي فين وأنا معاكِ.
لكنها تأبطت ذراعه بشقاوتها المعهودة هاتفة :
_لا ياعم ...أنا بقيت مؤدبة وبسمع الكلام وبس ...شوف عايز توديني فين !
_ياسيدي ع الأخلاق العالية ...ما بتفائلش بالمقدمة الحلوة دي غالباً بتقلب بقفش !
هتف بها بتوجس مصطنع لتتعالى ضحكاتهما معاً بعدها قبل أن يقول لها بجدية هذه المرة :
_إيه رأيك ؟! عايز أكلم يامن نقدم معاد الفرح!
_فرح ؟! بدري كده ؟!
هتفت بها باستنكار ليلتفت نحوها قائلاً بعتاب دافئ:
_بدري؟! انتِ عارفة بقالي كام سنة مستنيكي؟!
حمرة وجنتيها الشهية تعاود احتلال ملامحها لتصمت للحظات قبل أن تهز كتفيها بابتسامة ناسبت قولها المشاكس:
_خلاص ...صعبت عليّ...موافقة وأمري لله ...هتشيلوني الحمل بدري ...ياصغيرة ع الهم يا لوزة !
جلجلت ضحكته الصافية بعدها قبل أن يقبل رأسها بعمق ليهتف بوعد امتزج بنبرته العابثة :
_مين دي اللي تشيل الهم وأنا عايش ؟!
ثم انحنى برأسه يقبل رأسها مردفاً :
_بكرة أشبعك دلع يخليكي تندمي على كل يوم عشتيه من غيري!
=======
استيقظت رانيا من نومها تتفقده جوارها لكنها لم تجده فنهضت لتغادر الفراش ...
نشوى ذهبت إلى المصنع كعادتها وريما في مدرستها بينما لا يزالان يتمتعان هما بإجازة "شهر عسل" اقترحته شقيقته ووافقتها هي عليه ...
لكن لأسبوع واحد فقط كما قررت هي!!
علاقتها الجديدة به مبهرة ...
وكأنه ليس الرجل الذي عشقته عمرها كله !!
فارق كبير بين أن تكون مجرد "ظل" وأن تكون "الشمس" ذاتها!!
هكذا تشعر الآن وهي تتعمد أن تأخذ هي بناصية قراراتهما لتريه أي محاربة قوية صارت!!
وصلت المطبخ لتجده هناك واقفاً يعطيها ظهره بينما يصب لها مشروبها الصباحي المفضل من "الكاكاو"...
فتحركت بخفة نحوه لتتعلق بعنقه من الخلف قبل أن ترفع ساقيها لتحلقهما حول خصره في حركة طفولية طالما عشقها منها !!
ضحكته الراضية تملأ أذنيها وهو يستدير بوجهه نحوها قائلاً بحنان:
_صباح الخير .
طبعت قبلة ناعمة على عنقه قبل أن تسند رأسها على كتفه هامسة :
_صباح الحب .
_نمتِ كويس؟!
_ياااااه...ده أنا ماعرفتش أنام إلا لما رجعت في حضنك .
تهمس بها بنفس النبرة الهائمة لتستقر بقدميها على الأرض من جديد قبل أن يديرها هو بين ذراعيه ليحتضن خصرها بكفيه هامساً :
_كل ما أفتكر سواد الأيام اللي فاتت ...الدوامة اللي غرقت فيها من غير ما أحس ...أخاف لا يكون كل ده حلم حلو هاصحى منه على حقيقة مُرّة...انتِ بجد ...معايا؟!
شفتاها تطوفان فوق بشرته بتبتل عاشق وكأنما تمنحه الدليل قبل أن تفيض عيناها ببوح شفتيها:
_عمري ما كنت أنا إلا وأنا معاك...لما بنبعد بتغرب حتى عن نفسي .
ابتسامته الراضية تكلل شفتيه قبل أن يقبل جبينها باعتزاز ليشير لما كان يصنعه بقوله :
_فاكرة فطار "السينيوريتا" بتاع زمان ؟! كاكاو ...سابليه مربى ...حلاوة بالقشطة...
_وزيتون مخلل عشان نفسي ما تجزعش.
العبارة الأخيرة قالاها سوياً بذات الوقت ليضحكا معاً قبل أن تقبل كتفه المقابل لها بعمق هامسة :
_كل يوم معاك كنز من تفاصيل حب كبر معانا ...وهنحكيه لولادنا .
فابتسم وهو يتحرك ليرص الأطباق على المائدة القريبة التي شاركته فيها ليبدآ معاً في تناول الإفطار ...
وما كاد ينتهيان حتى بادرته بسؤالها وهي ترتشف رشفة من مشروبها :
_كنت عايزة أسألك عن حاجة غريبة لاحظتها .
همهمته المترقبة كانت رده لتتردد قليلاً قبل أن تسأله بترقب:
_نشوى وناصر ؟
اتسعت عيناه بارتباك للحظة قبل أن تلتوي شفتاه بابتسامة مراوغة :
_واضح إنك اتغيرتِ ! فضول الستات ده عمره ما كان طبعك .
قالها بنبرة شابها بعض الحرج الذي زاد لهفتها للمعرفة فهتفت وهي تمد كفها الحر لتحتضن كفه :
_ده مش فضول ستات ...بس أنا خلاص خرجت م القوقعة اللي كنت دافنة نفسي فيها ...نشوى قربت مني قوي اليومين اللي فاتوا ...شفت فيها أبعاد كتير ماكنتش ملاحظاها قبل كده ...مقابلتها مع ناصر ده ماكانتش عادية ...كلامه معاها حسيته غريب ...وبعدين إزاي صاحبك وما حضرش فرحنا ؟!...أنا مش فاكرة إني شفته قبل كده !
فتنهد بحرارة ليضع كوبه جانباً قبل أن يشبك أصابعه ليقول بشرود :
_الحكاية بصراحة محرجة عشان كده مابحبش أفتكرها ...ناصر كان صاحبي من كام سنة...اتعرفت عليه أول ما اتخرجت في رحلة مع ناس قرايبنا...وبعدها علاقتنا اتحسنت كتير ...كان بيجيلنا هنا وماما الله يرحمها كانت بتحبه قوي ...بس ...
ثم صمت لحظات بتردد يتخير كلماته ليردف بحرج أكبر:
_مش هي لوحدها اللي حبته !
اتسعت عيناها بإدراك وهي تفهم ما يرمي إليه ليستطرد هو بأسف:
_انتِ عارفة طبيعة نشوى ...حامية زي السيف حتى في مشاعرها ...مافكرتش قبل ما تروح له وتعترف له بنفسها إنها بتحبه وعايزة ترتبط بيه !
شهقت رانيا بدهشة للحظة قبل أن تبتسم لتهز رأسها بقولها :
_لا ...لا...مش غريبة على نشوى فعلاً ...بس ...هو ...كان رد فعله إيه ؟! ماتقولش إنه خان صداقتكم !
اكتسح الضيق ملامحه أكثر وهو يجيب:
_بالعكس ...رد فعل ناصر علاه في نظري لأنه رفض مشاعرها وقتها باحترام ...قاللها إنه مش مستعد للارتباط وإنه بيعتبرها زي أخته ...وده سبب إنه بعِد عني بعدها وعلاقتنا اتقطعت بالتدريج لحد ما القضية رجعت تجمع بيننا تاني ...
_ونشوى عملت إيه وقتها؟!
_بمنتهى التهور وافقت على أول عريس جالها بعدها عشان تعند مع نفسها ...ورغم إن هو بنفسه سأل على طليقها ده قبل الجواز وقاللي إنه مش مرتاح له بس ده بالذات اللي خلاها تتمسك بالجوازة أكتر وتعند معانا كلنا .
هزت رانيا رأسها بأسف وهي تستعيد صورة نشوى في لقائها الأخير معه ...
كم بدت مضطربة واهنة -على عكس طبيعتها المسيطرة- وكأنما تتذوق خساراتها كلها من جديد بمرآه ...
تراها لا تزال تحبه ؟!
وهو؟!
هي شعرت أن نظراته نحوها تحمل أكثر مما يفترَض...
ألا يمكن أن تحمل الأيام القادمة لهما بعض الأمل؟!!
ترجمت خاطرها الأخير لتساؤل مسموع لكن أشرف ابتسم ابتسامة باهتة وهو يرفع عينيه نحوها بالجواب الصادم:
_ناصر ...متجوز!
=======
جلست على مكتبها في المصنع تراقب فنجان قهوتها بشرود ...
_سادة...ماعدتش بشربها زيادة زي زمان ...
عبارته -التي ذكرها في مقابلته الأخيرة لها هنا- تطفو من العدم فوق سطح أفكارها فينقبض قلبها بلوعة حارقة ...
كأن الأيام لم تمر ...
لا يزال هو هو ...الفارس الوسيم ببذلته الرسمية الذي خطف قلبها منذ أول يوم رأته فيه ...
الحزم القاسي في ملامحه الذي عشقته وهي تتصوره يذوب تحت قدميها ...
لم تدرك وقتها أن عمرها هو ما سينصهر في جحيم أضرمته يداه...
وستكون أكثر صدقاً مع نفسها لتعترف ...ويداها معه !!
عيناها تدمعان وهي تتذكر لقاءهما الأخير هنا ...
نظراته العاتبة المتعجرفة إليها وكأنها طفلة ضيعت نفسها ولم تستمع لنصيحة الكبار ...
جلسته المسيطرة التي طالما مستها هيبتها والآن تزيد شعورها بهوان نفسها ...
كلماته عن "الفئران التي هي أول من يغادر السفينة الغارقة"!!
محق هو !!
طليقها لم يكن أكثر من مجرد فأر غادر سفينتهما المثقوبة ليسلمها وابنتها للغرق بعده ...
لكن ...هيهات !!
لن تسمح لنفسها بأن تهوي في هذا البئر من جديد ...
هي اكتفت بنصيبها من الرجال في عالمها ...
و"الحلم القديم" لن يرقّع ثوب الحاضر الممزق!!
عيناها تدمعان بشرود وهي تتذكر ذاك اليوم الذي ذهبت فيه بقدميها إليه تبوح له بمشاعرها ...
الثوب "الأصفر" الذي اشترته خصيصاً لذاك اللقاء ...
والذي لم ترتدِه أبداً بعدها !!
تركته مكوماً كشرائط ممزقة في قاع دولابها القديم ذكرى سوداء منسية !!
منسيّة ؟!
تراها حقاً منسية ؟!
يقولون إن المرأة لا تنسى أول رجل أحبته...
ولا أول رجل خذلها ...
وهو كان "كليهما" معاً ...فكيف تزعم له نسياناً ؟!
تمد إصبعها تتلمس فنجان قهوتها الذي برد فتلتوي شفتاها بابتسامة تشبه برودتها ...
قبل أن تتنهد بحرارة لتتناول حقيبتها وتتأهب للمغادرة ...
هي -رغم كل شيئ- لم تخرج خالية الوفاض من هذه الحياة ...
لديها شقيقها وابنتها ...
ابنتها التي قررت أن تعوض هي غياب أبيها عنها وتمنحها السعادة التي حُرمت هي منها ...
هو دورها الذي اختاره لها القدر ...وارتضته هي صبراً !!
لهذا تناولت هاتفها لتتصل بالمطعم المنشود الذي حجزت قاعته لتقيم حفلاً لريما وصديقاتها الأطفال ...
قبل أن تتحرك لتغادر المصنع نحو مدرسة الصغيرة حيث صحبتها هي و بعض رفيقاتها إلى هناك ...
وقفت في الزاوية تصور الحفل اللطيف بكاميرا هاتفها بينما عيناها تلتمعان بسعادة حقيقية وهي ترى رقص الفتيات مع عمال المطعم الذين ارتدوا وجوه الدمى الضخمة ...
بينما الموسيقا الصاخبة تنبعث حولهم لتزيد من ضحكاتهم البريئة !!
ضحكات كانت تجد صداها في روحها التي استبدلت أنوثتها بنبض أمومتها ...
وليست بنادمة على هذا البدل !!
الموسيقا تتوقف لتجلس ريما مع رفيقاتها يتناولن الطعام بينما وقفت هي في نفس الزاوية تراقبهن من بعيد بحنان ...
شيئ ما يدفعها لتلتفت شاعرة أن هناك من يراقبها ...
وقد صدق حدسها عندما وجدته عبر زجاج واجهة المطعم واقفاً يراقب المنظر من بعيد بعينين لم تتبين حقيقة نظراتهما تحت نظارته الشمسية ...
لكن وقفته المهيمنة لم تفقد أثر جاذبيتها عليها وهي تراه يضع كفيه في جيبي سرواله بهذه الأناقة المميزة التي خطفت قلبها يوماً ...
_ناصر!
شفتاها تتمتمان باسمه بدهشة دون وعي تتعجب من وقفته الغريبة هذه ...
ربما لو لم تكن تعلم أنه يحب زوجته كثيراً كما سمعت من شقيقها لشكّت أنه يريد...
يريد ماذا ؟!
هو زهدها وهي عزباء عاشقة ترجو وصاله ...
فهل سيرغبها الآن وهي مطلقة تحمل عبء طفلة على كتفها ؟!!
ابتسامة مريرة يمر طيفها عبر شفتيها قبل أن تشيح بوجهها للحظات تطمئن فيها على ابنتها ...
وما كادت تعيد الالتفات نحو المكان الذي كان فيه حتى كان قد اختفى تماماً ...
======
_سها!
هتف بها منادياً وهو يدلف إلى شقته بعدما أغلق الباب خلفه ...
قلبه يخفق بجزع وهو يتبين أنها المرة الأولى التي لا يجدها تستقبله عقب عودته إلى البيت ...
"مؤشرات النهاية" هذه تخنق روحه بتلك القبضة المعتصرة التي لا يجيد الفكاك منها ...
وشعوره هذا يزيد من غضبة عجزه ...
يحبها؟!
هو لم يحب امرأة سواها !!
وكيف لا وقد هبطت عليه من عليائها كنجمة سقطت في حجره !!
جمالها الأرستقراطي المميز والواشي بأصولها التركية ...
روحها الرقيقة الملائكية بتلك الشعرة التي تجيد التراقص بين الطاعة والدعم ...بين الضعف والقوة ...
وأخيراً ...عشقها العظيم له والذي تزيده الأيام قوة ...
كل هذا يجعله يدرك أي محظوظ كان عندما وضعها القدر في طريقه ...
حتى مع "عيبها" الذي تراه هي مصيبتها ...
لكنه لا يشاركها الرأي ...
هي "كاملة" بعينيه ولو انتقصها العالم أجمع !!
_ناصر.
غمغمت بها وهي تظهر أخيراً من خلف الستار الجانبي لتهرع إليه فيضمها إليه بقوة قبل أن يبعدها ليتفحص ملامحها قائلاً بعتاب تخلل ملامحه القاسية :
_برضه كنت بتعيطي؟!
ابتسامتها ترتعش على شفتين برقة الورد لتدمع عيناها من جديد مع قولها المطمئن :
_احنا اتفقنا على إيه ؟! فترة صعبة وهنعديها ...هو ده امتحاننا الحقيقي .
عقد حاجبيه بقوة وهو يزفر بقوة ليشيح عنها بوجهه ...
فارتجف صوتها أكثر وهي تسأله :
_قابلتها زي ما اتفقنا؟!
أفلتها من بين ذراعيه ليتجه نحو النافذة التي فتحها ليطل منها طالباً بعض الهواء ...قبل أن يقول بضيق:
_رحت بس ما قدرتش أكلمها ...
ثم هز رأسه ليردف بانفعال ساخط :
_إيه الغباء اللي عايزانا نعمله ده ؟! إزاي عايزاني أتجوز ؟! وبتختاريها لي كمان ؟! مين قاللك إني عايز عيال ؟! قدر ربنا وراضي بيه ...هنتعب نفسنا وندخل الدايرة دي ليه ؟!
فتحركت لتقترب منه قبل أن تبسط كفها على ظهره لترد بتماسك يدرك أنه مصطنع :
_انت كده كده هتعملها ...يبقى بمزاجي أحسن ما يبقى من ورا ظهري!
_تاني هترجعي للكلام بالطريقة دي ؟! برضه مصرة إني ممكن أحب واحدة تانية ؟!
يهتف بها مستنكراً وهو يلتفت نحوها لترد عبر دموعها التي عادت تسيل على وجنتيها بينما تهز رأسها نفياً قائلة :
_أنا عارفة إنك مش هتحب واحدة تانية غيري ...بس كمان عارفة إنك مش هينفع تكتفي بيّ ...وعشان أقصر عليك الطريق ...أنا سمعت كلامك مع والدك الحاج في آخر زيارة ليه هنا .
شحب وجهه بارتياع وهو يتذكر هذه المحادثة التي تحكي عنها ...
والتي انتهت بقول أبيه الصارم ...
_ما بقوللكش طلقها بس الشرع حلل الجواز التاني للأسباب اللي زي دي ...آخر كلام عندي لو ما شلتش ابنك اللي من صلبك بعد سنة م النهاردة لا انت ابني ولا أعرفك .
_أنا عارفة انت بتحب والدك أد إيه وصعب عليك تعصى أوامره ...وكمان مقدرة حقك إنك تشيل ابن ليك ولو من واحدة غيري ...أنا اخترت نشوى دي عشان حكيتلي زمان حكايتك معاها ...أفتكر ده هيخلليها تقبل الوضع من غير مشاكل كتير بيننا .
غمغمت بها بصلابة يدرك أنها مصطنعة فضغط على أسنانه بقوة وهو يحيط كتفيها بقبضتيه قائلاً :
_انتِ بتتكلمي بالساهل كده عشان لسة ع البر ...هتستحملي وقت الجد تشوفيني معاها حتى وانتِ متأكدة إني ما بحبهاش؟! فاكرة إنك هتفرحي لما تعرفي إنها حامل مني ؟! المشاكل اللي فاكراها مش هتبقى كتير دي مش هتبقى مشاكل ...دي هتبقى نار بتاكلنا أنا وانتِ ...وهي كمان ...
فدفنت وجهها في صدره وهي تتشبث بخصره بذراعيها لتغمغم بين دفقات دموعها :
_نصيبي وراضية بيه ...احنا جربنا كل الحلول الممكنة ومافيش حاجة جابت نتيجة ...أنا عمري ما هابقى أم ...انت ذنبك إيه ؟!
ثم رفعت رأسها نحوه لتردف بنبرة أقوى:
_برضايا أحسن ما يبقى غصب عني ...ودلوقت أحسن من بعدين ...لو انت صبرت والدك مش هيصبر .
قالتها لتغادره بخطوات مندفعة نحو غرفتهما ليلحق هو بها لكنها سبقته لتغلق الباب خلفها بالمفتاح هاتفة من ورائه :
_سيبني دلوقت يا ناصر ...أنا هابقى كويسة ...لو عايز ترضيني كلم والدك وراضيه ...قولله إنك هتعمل اللي هو عايزه .
زفر زفرة ساخطة وهو يطرق الباب بعدها طالباً منها فتحه لكنها رفضت بإصرار جعله يغادر البيت كله إلى سيارته التي ظل يجوب بها الشوارع غير مدرك لوجهته ...
جزء من "طبيعته العملية" يوافقها فيما تزعم أنها تريده ...
هو حقه على أي حال ...
نشوى لن ترفض عرضاً كهذا إن لم يكن لظروف طلاقها وامتنانها لمساعدته أخيها ...فلأجل حبها القديم له ...
لكنه لا يستسيغ فعلها حتى ولو طلبتها منه سها بنفسها ...
ماذا عن والده ؟!!
هو العقبة الحقيقية هاهنا !!
أصوله الصعيدية التي تفتخر بإنجاب الذكور لن تتقبل أن ينتهي نسل العائلة عند ابنه الوحيد ...
آه!!
الخيار صعب ...
لكن من قال إن حياتنا كلها ميسرة سهلة؟!
فليسلك الطريق الذي يرتضيه عقله والذي ارتضته سها قبله كرامة لأبيه ...
سيحدث أشرف بشأن نشوى في أقرب فرصة ...
وليقطع على نفسه طريق هذا التردد !!
======
تركيا ...
ولاية إغدير ...
في حديقة بيت صديقه "التركيّ"يجلس العم علاء مع إيناس وغادة وسيف الذي بدا وجهه مشرقاً حقاً وهو يتفحص جمال المكان حوله ..
يحتفل أهالي ولاية إغدير شرقي تركيا، بالنوروز الذي يوافق 21 مارس وفق طقوس على سبعة مراحل تشمل "الصيام عن الكلام السيء"، و"التنظيف"، و"عيد الموتى"، و"زيارة المسنين والمرضى"، و"يوم الطفل" و"يوم الشباب" و" الألوان السبعة".
ويبدأ الصيام عن الألفاظ السيئة، قبل اسبوعين من العيد، إذ يسعى الأهالي إلى نسيان آلام ومشاكل العام الماضي، وتحقيق المصالحة بين المتخاصمين.
ومع حلول النوروز، يبدأ الناس تنظيف حدائق منزلهم، وتجمع النفايات في منطقة معينة، وتضرم النيران فيها.
ويقفز الأهالي من فوق ألسنة اللهب، حيث يعتقدون أن المشاكل تحترق في تلك النار..
ويعد "عيد الموتى" من أبرز الطقوس، إذ يبدأ الأهالي بالتوجه إلى القبور قبيل الاحتفال بالعيد، ويقومون بتنظيف المقابر.
وعقب غسل القبور المزينة بالورود، تقرأ آيات من القرآن الكريم، وتوزع مأكولات على الزوار.
وبعد الانتهاء من عيد الموتى، تبدأ زيارة المسنين والمرضى، وبعدها تنظم فعاليات مختلفة من أجل الشباب والأطفال.
أما طبق الألوان السبعة فهو طبق خاص يعد من سبعة أنواع من الفواكه أوالمكسرات، ويقوم بإعداده الأشخاص الأكبر سنا في العائلة، ويقدم للأصدقاء والجيران والأقارب، خلال تبادل الزيارات بمناسبة العيد.
ويجري تقديم طبق "الألوان السبعة" على مدار ثلاثة أيام، إيمانا بأن هذه الخطوة، توطد العلاقات بين الجيران والأصدقاء.
هذا الذي قدمته الطفلة لغادة بينما تقول بالتركية :
_حلو ...مثلك !
ضحكت غادة وهي تقبل وجنة الصغيرة بحنان قبل أن يهتف علاء مخاطباً صديقه :
_كل عام وانت بخير .
_وأنتم بخير ...عيد النيروز هنا له طقوسه الخاصة التي ستستمتعون بها أكثر في الشوارع ...هناك حديقة عامة قريبة ...يمكننا التوجه نحوها مشياً على الأقدام ...هكذا نستمتع أكثر ...
قالها الرجل ب"التركية" التي فهمت غادة ما يكفيها من كلماتها ليبتسم سيف هاتفاً باستحسان :
_فكرة جيدة ...هيا بنا .
_سآخذ زوجتي الجميلة نستعيد ذكرياتنا وحدنا .
هتف بها العم علاء لصديقه فاحمر وجه إيناس بخجل خاصة عندما غمغم صديقه ببضع عبارات مجاملة قبل أن يدعو زوجته هو لفعل المثل ...
لتجد غادة نفسها تسير عفوياً جوار سيف في هذا الموكب القصير الذي زاده تجمع بعض الأطفال المتقافزين حولهم بهجة وانطلاقاً ...
ضحكاتها ذات النغم المميز تطرب قلب هذا الذي يسير جوارها فيبتسم عفوياً وهو يختلس نظرات جانبية نحوها ...
السماء الصافية ...ألوان الطبيعة التي بدت وكأنها خرجت في "كرنفال" تنافسي تثير عجب الناظرين ...
أصوات البهجة حوله تتجسد في ضحكات عالية متباينة المصادر ...
وأخيراً ...
جمالها "هي" الذي يطغى على كل هذا ...
_شكلك فرحانة .
لم يجد أكثر من هاتين الكلمتين يبدأ بهما حديثه معها لتلتفت نحوه هاتفة بعفوية :
_جداً ...ماكنتش متخيلة الجو هنا هيبقى بالجمال ده .
فابتسم وهو يتعمد أن يتلكأ في خطواته نوعاً كي يبتعد بها عن الموكب وكأنه شعر بسعادة خاصة أن يحتجز "هالتها" الخاصة له وحده ولو لدقائق ...
_وانت مش فرحان ؟!
سؤالها الذي حمل حناناً خفياً داعب جانباً ما بأوتار روحه جعل ابتسامته تتحول لضحكة قصيرة خجول مع قوله وهو يضع كفيه في جيبي سرواله بينما يرفع رأسه للسماء فوقه :
_الجو فعلاً حلو جداً ...كنت محتاج الأجازة دي .
قالها لينتبه لها وهي تركل حصاة صغيرة بقدمها لتتدحرج بعيداً فيجدها تعدو نحوها لتركلها من جديد ...
ضحك عفوياً وهو يعدو بدوره نحو الحصاة نفسها ليركلها في الاتجاه المعاكس فعلا صوت ضحكاتها وهي تلحق بها لتطيح بها نحوه من جديد فيما بدا كمباراة استمرت لدقائق بينهما قبل أن تنهيها هي بقولها بين أنفاسها اللاهثة :
_كفاية كده ...تعبت !
ورغم السعادة الصارخة في ملامحها لكنه لم يملك شعوره بالقلق حيالها متذكراً جرحها القريب ليجد نفسه يهرع نحوها هاتفاً بلهفة جزعة :
_أنا آسف جداً ...الموقف خدني وما افتكرتش إنك تعبانة .
خفق قلبها بقوة عاطفتها وهي تمنحه أجمل ابتساماتها قائلة :
_ما يبقاش قلبك خفيف كده يا دوك ...تعب عادي م الجري ...ما تقلقش...
ثم جلست على الرصيف المقابل بعفوية مردفة :
_نفسي تتخلص من إحساسك بالذنب ده ناحية الناس كلها .
فجلس جوارها محافظاً على مسافة مناسبة بينهما ليطرق برأسه مشبكاً أصابعه ...
كم يود الآن لو يخبرها أنه ليس مجرد شعور بالذنب ...
بل هو تعلُق روحه بروحها الذي يزداد يوماً بعد يوم ...
كم يود لو كان يملك جراءة التعبير ليخبرها ما الذي تعنيه له ضحكاتها ...كلماتها العفوية ...بل حتى حفيف خطواتها على الأرض ...
لكنه لا يزال مكبلاً بقيده القديم !!
الغريب أنها كانت جواره تستمع لكل كلمة جبن هو عن النطق بها !!
لم تكن يوماً خبيرة بالرجال لكنها كانت تستشعره بفطرتها ...
لهذا لم تشعر بالكثير من الإحباط بل تعمدت بدأ الحديث من جديد بقولها:
_انت فعلاً هتنزل مصر قريب ؟!
فتنهد بحرارة ليرفع بصره للطريق أمامه مجيباً بشرود :
_أكيد ...لو مش عشان أقف جنب إسلام فعشان أمي ...كل فترة تلح عليّ أنزل وأنا بتحجج بكلام فارغ ...بس الحقيقة نزول مصر بقى حمل تقيل قوي عليّ...
_عشان بتوحشك اسطنبول بذكرياتها ؟!
سألته غير غافلة عن مشاعر الغيرة الوليدة التي صارت تجتاحها من ماضيه ...
ليهز هو رأسه وهو يقول بنفس الشرود البائس:
_مش بس كده ...بس كمان بتصعب عليّ أمي وهي بتحاول تقنعني كل مرة بالجواز وأنا مش قادر أصارحها بالسبب الحقيقي اللي مانعني .
فأطلقت همهمة متفهمة ليلتفت هو نحوها متسائلاً باهتمام :
_لو عمو علاء و"أنّا" نزلوا معايا المرة الجاية ...انتِ هتنزلي معانا واللا هتفضلي لوحدك هنا ؟!
ارتجفت شفتاها بوهن زلزل قلبه خاصة وهو يخطف الشقاوة الطفولية من عينيها الجميلتين ليبذر مكانها الألم ...
_مش عارفة ...مابحبش أفكر في الحاجة كتير قبل ما تحصل ..
عبارتها المموهة لم تمنحه الرضا ليعاود قوله بإلحاح :
_ممكن تعذري فضولي وتقوليلي ...ليه انتِ ووالدتك بعاد عن بعض كده ؟!
عضت شفتها السفلى بقوة وكلماته تقذف بها في الجحيم القديم ...
لكنها نهضت واقفة وهي تكتف ساعديها قائلة ببساطة مصطنعة :
_هي شايفة إنها أدت رسالتها ناحيتي ...ربتني وعلمتني وجوزتني ...ودلوقت حقها تعيش لها يومين حلوين مع جوزها !
قالتها محاولة تخفيف الحقائق لكنه انتفض واقفاً بدوره هاتفاً بحمية :
_بس ده مش مبرر إنها تسيبك كده .
_انت مش شايفه مبرر ...هي شايفاه كده ...كل حاجة في الدنيا ممكن نشوفها بأكتر من طريقة حسب زاوية تفكيرنا.
قالتها بنفس البساطة المصطنعة وهي تتحرك خطوتين معاودة السير ليتحرك هو جوارها مستشعراً المزيد من الأسى نحوها ...
_أمي كانت دايماً تقول مش كل ست ينفع تبقى أم .
قالها بأسف حقيقي لترفع عينيها نحوه ...
وأخيراً يجد الجرأة ليعانق نظراتها بنظراته دون مزيد من الهروب ...
فقط عاطفته تقابل عاطفتها بحرارة أذابت روحيهما معاً ...
عناق دافئ لا تعترف به الأجساد...وحدها القلوب تميزه !!
_حاسس إنك هتبقى أم حنينة قوي .
لم يفكر فيها وهو يقولها كأنما ظنها مجرد أضغاث حديث مما يموج بها قلبه كعادته ...
لكنها مستها بصدقها لترد بشرود عبر ضحكة قصيرة :
_عمري ما فكرت في موضوع الأطفال ده ...حتى وأنا مع أحمد الله يرحمه ...كإني كنت حاسة إن ماليش نصيب فيه !
_ليه بتقولي كده ؟! لسه العمر كله قدامك .
يقولها بنفس النبرة الدافئة لتلتفت نحوه من جديد قائلة بعتاب رقيق:
_ممكن أسمع نصيحتك لو وعدتني انت كمان تنفذها ...
_الوضع مختلف يا غادة ...أنتِ حرة ...لكن أنا مربوط بذنبي !
قالها بقنوط وهو يطرق برأسه لكنها تحركت لتقترب منه خطوة قائلة بحرارة :
_ذنبك خلاص مابقاش مكتفك زي الأول ...يوم ورا يوم هتلاقيك بتكفر عنه بس بالطريقة الصح ...مش الغلط ...
فعاد يرفع عينيه نحوها من جديد بابتسامة شقت طريقها على شفتيه رويداً رويداً وحديث العيون بينهما يعاود تدفقه الصامت ...
قبل أن يغمغم هو بتحفظه المعهود :
_انتِ ...انتِ...مريحة !
ضحكتها المرحة تخترق قلبه قبل أذنيه وهي تعد له على أصابعها هاتفة بمرح :
_مرة تقوللي انتِ "كويسة" ومرة "مريحة" ...لا أنا كده هاتغر!
روحها الحلوة التي صارت معذبته تعاود بسط سلطانها عليه لتتسع ابتسامته على شفتيه وهو يسبل جفنيه بمزيج رجولته وخجله الآسر:
_تستاهلي أحسن من كده بس أنا... مابعرفش ...أعبر!
بوحُه المرتبك الذي تعتبره بعض النساء عيباً صادف المرأة الصحيحة هذه المرة !
هي التي كان يخفق قلبها الآن بجنون وهي تشعر بوجنتيها تكادان تحترقان من فرط خجلها ...
ومع هذا لم تكن ترغب في الابتعاد بل في المزيد من القرب من هذا الرجل الذي لا تدري كيف تزداد خطواته رسوخاً نحو قلبها بهذه السرعة !!
أفكارها تنقطع عندما رأت طفلة صغيرة تقترب منهما بابتسامة حلوة لتقدم لكل منهما زهرة ...
فتناولت خاصتها منها لتنحني وتمنحها قبلة ...
لكنها ما كادت ترفع رأسها نحوه حتى فوجئت به يمنحها هي زهرته وعيناه تصرخان بهذا الذي صمت عنه لسانه ...
لكنه وصل قلبها تاماً دون نقصان ...
هذا الذي تظلمه الحروف وتغبنه الكلمات حقه ...
هذا الذي يسمونه ..."الحب"!
=======
_هو كويس ...بس الحادثة عملت له فقدان مؤقت للذاكرة .
قالها الطبيب بالمشفى خارج غرفة هيثم أمام إسلام الذي وصل -لتوه- من المطار ليجد هذه الكارثة في انتظاره !!
انهارت جيلان في البكاء وهي تنعي مصائبها التي تتوالى واحدة تلو الأخرى ...
بينما تماسك إسلام ليسأل الطبيب بتوجس:
_والحالة هتفضل كده لحد امتى ؟!
فتنحنح الرجل ليقول بإشفاق :
_والدته حكت لي عن تفاصيل المشاكل اللي اتعرض لها مؤخراً ...المخ البشري معقد جداً ...ممكن يكون فقدانه للداكرة حيلة دفاعية من المخ عشان يحجب عنه ذكريات هو مش عايز يعيشها ...عموماً ما تقلقش ...أغلب الحالات بترجع لها الذاكرة تدريجياً بس عامل الوقت هو المختلف!
_ممكن نشوفه ؟!
هتف بها إسلام متسائلاً ليرد الطبيب بالإيجاب قبل أن يسمح لهما بالدخول لهيثم الذي رمقهما بنظرة خاوية كأنه لم يرهما من قبل ...
ولم يكد الطبيب يبتعد لبضع خطوات حتى فوجئ بهذه التي تقدمت منه لتسأله بين دموعها :
_هيبقى كويس؟!
_مش انتِ اللي جبتيه هنا بعد الحادثة ؟!
سألها الطبيب متذكراً هيئتها المثيرة للشفقة وهي تصل به فاقد الوعي إلى المشفى هنا ...
لترد بإيماءة خافتة وهي تتذكر كيف مرت بها الساعات السابقة ...
كيف اجتث قلبها من مكانه وهي ترى تلك السيارة تطيح بجسده قبل أن يسقط على الأرض غارقاً بدمائه ...
وكيف ماتت ألف مرة وهي تشعر بالذنب إذ كل ما يحدث له هذا بسببها هي !!
_اهدي يا بنتي ...وبطلي عياط ...انتِ تقربي له إيه ؟!
سألها الرجل مشفقاً أمام انهيارها الباكي لتهز رأسها بعجز دون أن تملك الجواب ...
فتنهد الرجل ليعيد على مسامعها ما قاله لإسلام وأمه ...
هذا الذي جعل ملامحها تتجمد فجأة قبل أن تغمغم بصوت خنقه بكاؤه :
_ماعادش فاكر حاجة ؟! خالص؟!
_مسألة مؤقتة ...بإذن الله يفتكر كل حاجة قريب .
قالها محاولاً تهوين الأمور عليها لكنه فوجئ بشبح ابتسامة طاف على ملامحها الشاحبة قبل أن ترمقه بنظرة زائغة لتغادر المكان بخطوات مرتبكة...
هو لم يعد يذكر شيئاً!!
لا اسمه ولا ماضيه...
والأهم ...
لا تاريخ والده ولا استغلالها هي له هو !!
هل هي منحة القدر لها؟!
هل يمكنها الآن الولوج لعالمه من جديد ببطاقة تعارف أخرى؟!
لكن ...ماذا لو تذكر بعدها الحقيقة ؟!
صرخة صامتة تنبعث بروحها ولا تتجاوز شفتيها ...
لكن نظرة عزم حلقت ببعض الأمل في عينيها وهي تقف أخيراً على سلم المشفى ...
غداً ستعود إليه لتجد فرصتها في الحديث معه وحده ...
ستغتنم الفرصة هذه وتعيش حلمها الوردي معه -ولو كذباً- للنهاية التي ستخطها أقدارهما ...
ربما وقتها فقط تتركه غير طامعة بالمزيد!
=======
مظاهرة جماهيرية !
هذا أبسط ما يمثله حادث نقل ثمر من بلدتها للتحقيق معها !!
أهل القرية الذين خرجوا خلفها رجالاً ونساء بل وبعض الأطفال يلاحقونها بسيارات كبيرة احتشدوا فيها حشداً ...
إجلالاً للعجوز التي عاشت عمرها وسطهم تزرع الحب والإيمان أينما حلت ...
التي كانت تغسل موتاهم دونما مقابل لتمنح نفسها قبلهم العبرة والعظة...
التي تقبلت قضاء ربها في مصاب ابنتها ووهبت عمرها لحفيدتيها بعدها ...
والتي -أخيراً- دافعت بحياتها عن ابنتهم الصغيرة رابحة التي -كاد- ذاك الوغد يهتك شرفها كما فعل ب"أشواق" قديماً !
لهذا لم يكن غريباً أن يحتشدوا بهذه الصورة خارج مبنى النيابة حيث يتم التحقيق في مشهد مهيب ...
ثمر ليست متهمة...
ثمر صارت رمزاً!!
هذا ما فكر به الضابط الذي يتولى التحقيق وهو يتابع مفردات القضية أمامه والتي لا يدري إلى أين ستنتهي ...
قبل أن يحيد ببصره نحو ثمر ليلقي عليها أسئلته وهو يشعر سراً بالإعجاب من رباطة جأشها رغم كبر سنها وما ينتظرها من في الأيام القادمة.
وخارج غرفة التحقيق وقفت لجين تبكي بانهيار على كتف ياقوت التي كانت تحاول الثبات لآخر لحظة ...
لو سقطت الآن فمن سيكون لثمر ولجين ؟!
لهذا اشتدت ملامحها وهي ترج لجين بين ذراعيها قائلة بصرامة :
_امسكي نفسك وما تخلليش ستّك تشوفك كده ...ما تزوديش حملها .
لكن لجين تهتف رغماً عنها بين شهقات بكائها:
_أنا السبب ...أنا اللي خفت منه ورضيت أدخلله البيت ...طول عمري مابيجيش ورايا غير المصايب ...
ثم انتفضت هاتفة بانهيار:
_أنا هاقوللهم إني أنا اللي خبيته عندنا وأنا اللي قتلته ...أنا هاستحمل السجن لكن ستي ثمر مش هتستحمل .
قالتها وهي تندفع نحو غرفة التحقيق لكن ياقوت جذبتها من ذراعها لتمسك كتفيها بقوة قائلة بنبرة ظاهرها القوة وباطنها الألم :
_ما ينفعش...أهل البلد كلهم شهدوا على ستي ثمر وهي بتعترف ...ورابحة كمان شهدت معاها ...خلاص !
_خلاص؟! يعني إيه خلاص؟! هيشنقوها؟! هتروح بلاش في واحد زي ده ؟!
هتفت بها لجين بارتياع لترتجف نظرات ياقوت التي تجاهد كي تبدو بهذا الثبات قبل أن تبتلع غصة حلقها لتقول بيقين لا تدري من حيث أتاها:
_ربنا مش هيضيعها ...هييسر لها الأمر من حيث لا تدري ولا تحتسب ...مش هي كانت دايماً تقول كده ؟!
_كانت ؟! ما تقوليش كانت دي ...ما تقوليهاش !!
هتفت بها لجين بالمزيد من الانهيار لتضمها ياقوت لصدرها بقوة فتمتزج دموعهما معاً !!
ومن بعيد وقف هو يراقبهما بشرود بعدما اجتاحته الحقيقة الأخيرة بمقتل أبيه بهذه الطريقة المخزية ...
نبضات قلبه تدوي هادرة في أذنيه وهذا الإحساس الغريب يكتسحه ...
مزيج من الضيق ...الإشفاق...الغضب...والذنب!!
ربما لو لم يهرب قديماً من مسئوليته تجاه الأمر ...
ربما لو كان قد واجه والده بعلمه بالحقيقة...
ربما لو كان قد تقرب منهما كما حاول هيثم...
لكانت الأمور الآن مختلفة !!
هيثم؟!!
صورته وهو طريح الفراش بعد الحادث لا تكاد تغادر مخيلته !!
شجارهما الأخير في آخر مكالمة بينهما لايزال يدوي في أذنيه ...
يتهمه بالجبن والتخاذل ...
أما آن الأوان أن يصلح الوضع ؟!!
يتقدم نحوهما فيرتجف قلبه أكثر وهو يضع نفسه مكانيهما بعدما علم الحقيقة كلها ...
جاءتا إلى هذه الدنيا بمجرد خطأ من أبيه دفعتا وحدهما ثمنه من البداية للنهاية...
أبيه الذي لم يكتفِ بأخطائه طوال حياته لينهيها بهذه الجريمة البشعة التي كاد يرتكبها ...
اغتصاب طفلة !!!
أي قلب أسود كان يحمله هذا الرجل الذي خدع الجميع طوال هذه السنوات ؟!!
لكن ...هل يملك الجرأة ليلومه ؟!!
ألم يعش هو بنفس الأنانية والفحش يبعثر عمره على طاولات اللذة دونما حساب لضمير ؟!!
والآن ينهار عالمه كله حوله وكأنما آن الأوان أن يسدد فواتير الماضي كاملة !!
تلتفت نحوه ياقوت بترقب وهي لا تعرف من هو ...
لكن نظرات عينيه تشتعل بحديث صاخب صمت عنه لسانه للحظات قبل أن تنفرج شفتاه بالاسم الذي لا يمثل له الآن أي شرف ...
لكنه مضطر للبوح به ...
_إسلام حسين رجائي.
تشهق لجين بانفعال وهي ترفع رأسها بدموعها من على كتف شقيقتها لتلتفت نحوه ...
إن كانت رؤيتها لأخيها الصغير أخافتها في أول مرة...
لكن رؤيتها لهذا "الأكبر" -وفي هذه الظروف بالذات- تكاد تقتلها رعباً!!
لماذا جاء الآن ؟!
يريد الانتقام لأبيه ؟!
نفس الخاطر الذي راود ياقوت وجعلها تشعر ك"أسد مكبّل"!!
ثمر لم تشعرهن يوماً بأي ضعف !!
رغم الفقر والظروف كانت كل واحدة منهن تمشي وسط الناس بفخر وعزة ...
والآن تتزلزل هذه الأرض تحتهن جميعاً لتدرك حقيقةً إلى أي مدى هن مستضعفات !!
ربما كان هذا المبرر للهجتها الخشنة بينما تخاطب من يدعونه أخاها :
_عايز إيه ؟!
لكن إسلام ابتسم ابتسامته الساخرة وهو يعيد خصلات شعره للوراء بحركة ظاهرها عبث وباطنها خواء !!
ماذا يريد ؟!!
سؤال صعب ...والجواب أصعب!!
عيناه تنتقلان بين الشقيقتين بدهشة ممزوجة بالألم !!
إحداهما سمراء البشرة تشبه أباه كثيراً لولا هذا الطيف البريئ الطفولي في عينيها اللتين حفرتا شعوراً عميقاً بقلبه بالحميّة نحوها ...
ربما لأنها الأضعف بينهما !!
والأخرى بيضاء البشرة مبهرة الجمال لا يعرف من تشبه ...لكن ملامحها المتنمرة القوية تثير بداخله نفس الحمية ...
ربما لأنه يدرك حجم هذا الألم الذي تحتاج أن تطحَن تحت عجلاته كي -تبدو- بكل هذه القوة بينما هي حقاً بكل هذا الوهن !!
لهذا تأخر جوابه قليلاً ما جعل ياقوت تهتف بذات التنمر :
_قبل ما تتعصب وتتحمق لأبوك اللي اتقتل اعرف الأول اتقتل ليه وفين وإزاي ...هو اللي جه لحد عندنا ولو كان الأمر بإيدي وقتها كنت بعدته عن حياتنا زي ما عشنا طول عمرنا بعيد عنه وعن كل اللي يخصه .
_بس خلاص ...ماعادش ينفع تبقوا بعيد .
اللهجة الساخرة المريرة التي تميز طريقة حديثه جعلت عبارته تحمل معنى مزدوجاً للشقيقتين اللتين تبادلتا نظرات حائرة ...
قبل أن يقترب هو منهما أكثر ليبسط كفه الأيمن على كتف لجين والأيسر على كتف ياقوت مع استطراده :
_لو هو فرط في دمه ولحمه وهو عايش فأنا مش هافرط فيه بعد ما مات .
كلماته غير المتوقعة جاءت كنسمة باردة وسط هذا الجحيم الذي فتح على مصراعيه في وجهيهما فجأة ...
لهذا لم تملك لجين شهقات بكائها وهي تلقي رأسها على كتف ياقوت من جديد ولايزال كفه يحط بقوة مؤازرة على كتفها ...
بينما أغمضت ياقوت عينيها بقوة وشفتاها ترتجفان فاضحتين رغبتها التي لم تستجب لها في البكاء...
لا وقت للضعف الآن ...
لامجال للهشاشة ...
يوماً ما ستتذكر هذه اللحظة جيداً وتبكي حلاوة شجنها ...
لكن ليس الآن ...
ليس وعالمها مهدد بفقد شمسه ...ثمر !!
لهذا دفنت فيض مشاعرها كله لتتجمد ملامحها وهي تقول بنبرة حاسمة :
_اللي عايز يكرمنا دلوقت يكرمنا في الست اللي جوه دي ...الست دي هي كل اللي باقي لنا في الدنيا ...معرفش ممكن تعمل إيه ...بس مش هاعترف بيك ولا بأخوك لو ستي ثمر اتأذت من ورا حسين ده تاني .
اتسعت عينا لجين بصدمة وهي ترفع وجهها لشقيقتها !
لا تصدق أن يكون هذا رد فعلها على تصرفه !!
ترفض هذا الغيث وهما اللتان عاشتا هذا العمر ترتجيان ولو قطرة !!
لكن إسلام أشاح بوجهه ليقول بأسى هزم اللكنة الساخرة :
_أخويا خلاص مش هيقدر يعمل أي حاجة دلوقت .
تبادلت ياقوت ولجين النظرات القلقة قبل أن تسأله الأخيرة عبر دموعها :
_ماله ؟!
لتتسع عيناهما بارتياع وهو يخبرهما عن الحادث الأخير ...
دموع لجين تعاود تدفقها وهي تشعر أنه حتى الفرحة الوحيدة التي حملتها لها الأيام السابقة قد اقتنصتها الغربان لتحلق بها بعيداً ...
بينما لا تزال ياقوت تحافظ على ثباتها الظاهري وهي تسأله بمهنية عن الوضع الطبي ليجيبها بما يعلمه منهياً الحديث بقوله :
_هو مش فاكر أي حاجة واحنا أكيد هانخبي عليه اللي حصل دلوقت ...رغم زعلي عليه بس باقول يمكن رحمة من ربنا إنه فعلاً ينسى كل ده .
هنا التقت عينا ياقوت وإسلام بمزيج غريب من مشاعر ...
أوله شتات وآخره دفء!!
دفء غريب سرى بينهما لتشعر به يشد بكفيه على كتفيهما معاً في حركة موحية قبل أن يقطع المشهد فتح باب الغرفة لتخرج منه ثمر ...
الشقيقتان تندفعان نحوها ليضمهما صدرها في عناق قبل أن تبعدهما الأيادي عنها ...
دموعهما تنهمر وهما تشاهدانها تبتعد مع الحارسين ووصيتها تسبقها :
_خللوا بالكو من بعض ...أمر الله نفد وأنا راضية بيه .
يتبعهما إسلام وقلبه يرتج بهذا المشهد المهيب الذي رآه بعدها ...
الحشد الذي تجمع حول سيارة الترحيلات التي تقود ثمر إلى السجن ...
والذي ذابت وسطه شقيقتاه تماماً !!
الدموع الحارة من عشرات النساء وهتافات الرجال الذين يحاول الأمن تفريقهم ...
و-أخيراً- هذه النظرة العميقة الراضية من تلك العجوز التي يبتعد وجهها مع تحرك السيارة ...
هذا المشهد الذي جعله يدرك في بضع ثوانٌ قيمة حياة المرء الحقيقية !
لقد مات حسين رجائي بكل جاهه وعزه فلم تلاحقه سوى الفضيحة ولعنات أبنائه ...
بينما هذه المرأة على بساطة حالها تكاد ترتج الأرض كلها لمصيبتها !
فأي حياة عاشها ذاك وهذه كي تنتهي بهما المصائر هكذا ؟!
يشعر بكف يوضع على كتفه فيلتفت ليجده...
ناصر!!
صديق قديم بوجه حمل الحزم القاسي كعهده وإن كان هذه المرة ممتزجاً بالكثير من الخزي !
الخزي الذي قابله هو بابتسامته الساخرة كالعادة وهو يزيح كفه عنه كتفه ببعض العنف ...
قبل أن يعطيه ظهره ليقول من خلف كتفيه بذات التهكم المرير:
_اعذرني إني مش طايق أشوف وشك دلوقت ...اديني يومين تلاته كده قبل ما تفكر تكلمني ...
_إسلام ...قدر موقفي ...أنا ...
هتف بها ناصر مدافعاً بانفعال ليقاطعه إسلام بقوله دون أن ينظر إليه :
_كلام الأفلام وشغل الواجب والضمير و"البُقّين" إياهم دول مالهمش لزوم دلوقت ...اعتبرني سمعتهم ونفض الليلة !
زفر ناصر زفرة ساخطة وإن كان يتوقع رد الفعل هذا منه ...
إسلام وإن تفهم موقفه لكن شعوره بالخزي والغضب سيبقى قائماً بينهما !!
لهذا تحرك ليقف قبالته قائلاً بصوته القوي الذي حمل أسفه :
_أنا مقدر موقفك بس انت كمان قدر موقفي ...الموضوع كله كان أكبر مننا احنا الاتنين .
قالها غير قادر على منع شعوره بالخزي أمام صديقه !
والده هذا الذي كان هو وراء القبض عليه طالما أكل هو في بيته !
صداقته لإسلام ربما لم تكن قوية لكنها لم تكن عابرة ...
فقد تشاركا الكثير من الذكريات عبر سنوات لم تكن بالقليلة ...
صداقتهما لم تكن واهنة سهلة التجاوز كأشرف ...
بل كانت ولا تزال تحمل أثرها في القلب .
لكن إسلام لم يكن في وضع يسمح له بالتفهم أو حتى المناقشة ...
لهذا رمقه بنظرة منهَكة طويلة قبل أن ينهي الحديث بقوله :
_لو عايز تخدم صاحبك اخدمه في الست الغلبانة دي....اللي راح راح وبهدلتها هي مش هتفيدنا بحاجة .
فارتفع حاجبا ناصر بدهشة وهو يتابع انصرافه عقب انتهائه من عبارته ...
لقد توقع أن يكون رد فعله مغايراً تماماً لهذا ...
لكن يبدو أن الحقيقة كانت أقوى من الصدمة ...
منكوبة حقاً هذه العائلة !!
القشرة الزائفة تلاشت ليتحول عز السنوات السابقة لخزي منتظر ...
لكن من يدري لعلها بداية لميلاد جديد لكل منهم!
"اختلاف" إسلام الآن خير دليل ...لكن السؤال هنا...
هل يمكن أن تعود صداقتهما حقاً ؟!
=======
يزورون القبور ليطلبوا الرحمة لساكنيها ...
فمالها اليوم جاءت لتلعنه ؟!
يرتدون السواد حداداً لكنها ترتديه اليوم يأساً...
حتى نظارتها التي ترتديها اعتزازاً بدلالتها اليوم خلعتها حزناٌ ..لا عليه بل على "ثمر"!!
مشهدها ووجهها يختفي تدريجياً في تلك السيارة عبر نافذة من القضبان لا يكاد يغادر مخيلتها ...
وصيتها لها ولشقيقتها بدت وكأنها وصية وداع !
ثمر وحدها من تستحق مكانة الأم والأب معاً في حياتها التي لم تعرف غيرها!!
ثمر التي قتلها -هو- بفعلته قديماً فلم يعاقبه أحد ...
واليوم يريدون لها عقاباً لأنها فقط اقتصت منه !!
لأنها منعته أن يقدم للعالم "أشواق" أخرى!!
أي ظلمٍ هذا ؟!
أي ظلم !!
تراقب اسمه المنقوش ب"أناقة" على اللوح الخرساني أمامها فتترنح ابتسامة ساخرة على شفتيها بطعم المرّ...
ماذا جنت من هذا الاسم إلا العار؟!!
عاشت عمرها كله تحاول دفنه تحت أنقاض بنت فوقها قصر مجدها ...
ولم تحسب أنه يوم ينهض كالعنقاء من تحت رماده سيهدم معه كل شيئ!!
مجرد اسم "ألصقوه" بها ظانين أنه يعصمها العار فكان هو "كل العار"!!
لماذا جاءت اليوم هنا؟!
لا تدري!!
هي وجدت قدميها مدفوعتين كي تشاهد نهاية الحكاية التي عاشت تفاصيلها بحجم عمرها كله ...
الآن ...حسين و"الخادمة" صارا سواء تحت التراب!!
فلا مقام ولا نسب !!
تشعر برائحة عطره تفوح خلفها لكنها لا تلتفت ...
هل تجرؤ على الاعتراف أنها وسط كل هذا كانت تنتظره ؟!!
اتصالاته لم تنقطع منذ تلك الليلة لكنها لم تكن تجيب ...
لم تكن تريد اقترابه الذي يشعرها بالخزي أكثر !
في كل مرة تشعر فيه أن "ياقوت سليمان" قد اقتربت من لمس نجوم مجدها ...
تكتشف أن قدميها مربوطتان بحجر يشدهما للقاع ...
حجر يذكّرها أنها "ياقوت حسين رجائي"!
فبأي وجه تلقاه وهي ترى فيه أطياف صورة "حسين" المتجبرة...
وفي نفسها -مهما أنكرت- مجرد صورة ل "أشواق" منتهَكة دونما ذنب جنته إلا ضعفها !!
الفضيحة الأخيرة تركت وصمة أخرى على الجبين الناصع ...
هي لم تعد فقط ابنة الخادمة التي أغواها سيدها ...
بل ابنة المجرم تاجر المخدرات المغتصب الذي قتلته جدتها متلبساً بجريمته !!
حكاية طريفة ستبقى مضغة في الأفواه لوقت طويل !!
بينما وقف زين مكانه يراقب جلستها بعينين مزجتا اشتياقه بالأسف!!
تهدل كتفيها ...إطراق رأسها ...سواد ثيابها ...
ورغم أنه كان لا يرى عينيها من مكانه لكن ارتجاف جسدها وشى له بانهيار بكائها !!
هذه الجلسة التي ذكرته بياسمين في ذات الموضع ...
وقتها لم يستطع إلا أن يمد لها كفاً رفضته ...واستنكف بكبريائه أن يعاود مدّه ...
لكن ...الآن شعوره مختلف !!
ياقوت ليست مجرد صورة ل"قوة امرأة أبهرته" كياسمين ...
بل هي "روح" و"ريح"!
"روحٌ"طوقته هالتها التي تسربت لمسامّه كما السحر ...و"ريحٌ" اجتاحته لتهوي به من علياء جواده فيسقط على ظهره في واديها!!
هو عشق "القوة" في كل امرأة أعجبته قبلاً ...
لكن معها -هي- هو مغرمٌ بكل التفاصيل!!
أي امرأة هذه التي يحمل ضعفها كل هذه الهيبة ؟!!
لهذا لم يشعر بنفسه وهو يتقدم منها أكثر ليقبض -بحنوّ- على كتفيها قبل أن يرفعها نحوه وكأنما تخبرها عيناه بلا كلمات أن هذه الجلسة لا تليق بها !
من مثلها لا يجثو على ركبتيه أمام المصائب بل يتلقاها واقفاً!
تغمض عينيها بقوة ليتسرب منهما الدمع الفاضح فلا تدري هل يرتجف جسدها ببكائها أم بأثر قربه ...
لا تدري كم مرة رآها باكية ...لكن ما تثق به أنه هو الرجل الوحيد الذي هتك ستر دموعها ليستبيح رؤيتها هكذا دون أن تملك مقاومة ...
مزيجٌ غريب من "الحميمية" و"الكراهية" له الآن ما يبرره !!
أنامله تنتقل من كتفيها لوجهها تمسح الدمع عنه فتفتح عينيها ببطء ...
نظراتها واهنة...كسيرة ... ذبيحة ...
وكأنما الشعلة التي خطفت "قبساً من الشمس" فيهما قد انطفأت!
نظراته دافئة...محتوية...مؤازرة...
وكأنما يعدها أن لو طلبت "الشمس" نفسها فسيضعها بين كفيها!
جسدها مرتجف ...شبه متهاوٍ ...كأنما صار السقوط هو القُربان المنتظر على مذبح البقاء !
وجسده ثابت راسخ في مكانه كأنما يمنحها من قوته هو ألف فداء!!
كلماتها تائهة...مفقودة ...
لتأتيها كلماته نبوءة...بشرى ...ودليلاً ...
_كل حاجة هترجع زي الأول وأحسن ...بكرة هيخللي كل اللي خسرتيه يبقى مكسب .
ابتسامتها المتشنجة بين سخرية ومرارة كانت الجواب لكنه نظر حوله ليسألها :
_لسه عايزة تفضلي هنا ؟!
ظلت ملامحها جامدة للحظات كأنما لا تعرف الجواب قبل أن تهز رأسها ببطء فيما لم تدرِ هل هو جواب بالنفي أم الإيجاب ...
فأزاح كفيه عن كتفيها ليستخرج من حافظته ما رفعه أمام عينيها للحظات اتسعت فيها عيناها بمزيج من صدمة وترقب ...
قبل أن ينحني بجذعه ليدفن ما بيديه في التراب جوار قبر أبيها تماماً!!
أجل ...إنها ورقة "العشر جنيهات" القديمة !!
لماذا يدفنها ؟!
إنها جزء من تاريخها ومستقبلها ...
إنها تحتاجها !!
تحتاج أن تبقى حرقة ذكراها جمرة في روحها تذّكرها دوماً كي لا تنسى!!
كي لا تضعف!!
لهذا انحنت بدورها تضع كفها فوق كفيه تمنعه وقد ماتت الكلمات على شفتيها الذابلتين لكنه التفت نحوها ليقول بحسم :
_انسيها بقا...وانسيه !
شيئ من التمرد يغزو العينين الكسيرتين لكنهما تعودان بألم عاجز لسجنهما القديم فيعود ليستقيم بجذعه نافضاً كفيه قبل أن يقول بنبرته الحاسمة :
_كده ممكن نمشي.
ترمقه بنظرة مشتتة ولاتزال منحنية بجسدها بينما مشهد ثمر وسط رجال الشرطة تصعد سيارة الترحيلات يعاود بسط سلطانه القاسي على قلبها ...
ماذا ستفعل امرأة بسنها ومرضها بين السجينات ؟!
لو تحملت يوماً ...أسبوعاً...شهراً...
كيف ستحتمل ما هو أكثر؟!
هذا لو اقتصرت العقوبة على السجن !!
قشعريرة باردة تسري على طول جسدها فينقبض لها قلبها وهي تتصور الأسوأ!!
تترنح مكانها وهي تحاول الاستقامة من انحنائها لكنه يسند كتفيها بذراعه ليخرج بها من المكان وقد غامت عيناها بالدموع من جديد ...
تشعر بسيارته تتحرك بهما فتراقب المرئيات بشرود عبر شريط من ذكريات الماضي وهواجس الغد ...
جسدها يرتجف من جديد ببرد تشعر به يأتي من الداخل لا من الخارج ...
صقيع يجمد حناياها كلها وتجعلها بأكملها عاجزة عن الحركة ...بل عن التفكير ...
_ياقوت!
تسمعه يناديها يحاول استخراجها من هذا البئر العميق الذي دفنت فيه روحها ...
لكنها لا تقوى على الالتفات نحوه ...
لاتزال تراقب الطريق بشرود عبر غمامة الدموع ...
تشعر بأصابعه الدافئة تحتضن برد أناملها فترتجف جفونها بين فتح وإغلاق...
_هتروحي فين دلوقت ؟!
_معرفش!
كلمة واحدة من بضعة أحرف لكنها وصفت له كم الشتات الرهيب الذي يتقاذفها الآن !!
خاصة عندما طال صمتها للحظات سبقت قولها بنبرة ميتة فقدت كل أثر للحياة :
_المركز؟! مش هاينفع... حتى لو اتجرأت أروح ...هيسألوا ألف سؤال مش هلاقي له رد ...البلد ؟! ....برضه مش هاينفع ...هادخل البيت إزاي ...وهي...هي مش فيه ؟!
انهارت بدموعها في عبارتها الأخيرة لتدفن وجهها بين كفيها وكأنها تريد عزلة عن هذا العالم ...
وعنه !!
هنا أوقف هو السيارة فجأة جانباً لتشعر هي به يقترب ...
"العناق السابع" بمذاق "السند" هذه المرة !!
الدعم...الاحتواء ...
القوة الحانية عندما تعدك بالبطش بكل من وما يهددك !!
هذا الذي فاض بين كلماته وهو يربت على ظهرها هامساً بنبرته المهيمنة التي امتزجت بحنان تسرب عبر شقوق روحها :
_اعتبريها مسألة وقت والحاجة هترجع بيتها ...أنا هاجيبلها أكبر محامي في البلد ...الحكم هيبقى من أول جلسة ...دي حالة دفاع عن الشرف واضحة ...ولو حاملة هم السجن لحد معاد الجلسة برضه ما تقلقيش...أنا ليّ معارف هناك ...أكلها ودواها هيوصلوا لها كأنها في بيتها ...ومحدش هناك هيضايقها ولو بكلمة....
ثم ألصق وجنته بوجنتها ليختفي وجهها كله في رحابه مردفاً :
_وده وعد مني .
لكنها ترفع عينيها إليه بطيف شاحب كسير لم يرضه هو من عينين بهذه العزة ...
فرفع كفها لشفتيه ببطء قبل أن تستقر فوقه شفتاه ب"قبلة"!
قبلة زلزلتها بقدر ما أرجفت جسدها وقلبها قبله !!
لم يقبّل "ظاهر" كفها بهذه الحركة "الأرستقراطية" الباردة التي طالما كانت تثير نفورها ...
بل مست شفتيه "باطنه" بمزيج من حنوّ وقوة فيما لم يبدُ لها كمجرد كقبلة ...
بل ك"عطاء غيث" يبدأ كقطرة ويعدك بالمزيد !!
لكن كبريائها لايزال يقف له بالمرصاد ...
لهذا ارتسم الغضب على ملامحها وهي تحاول سحب كفها منه هاتفة بنبرة عاد إليها عنفوانها :
_ما اتعودتش آخد حاجة من غير ما أدفع تمنها .
لكنه يتشبث بكفها بقوة بقدر ما آلمتها ...أراحتها !!
ولا يزال المزيج المتناقض الذي تغوص فيه مشاعرها يمزقها !!
خاصة عندما توهج سراجا الذهب في عينيه مع رده :
_التمن دفعتيه من زمان ومقدم كمان...انتِ نسيتِ اللي عملتيه مع همسة ؟!
همسة ؟!
لا يزال يصر أن هذا ما يجمعهما ...فحسب!!
يظنها حمقاء لا تعي إلى أين تصب أفعاله ؟!!
"ابن الأكابر" تعلق بها !
يظنها رهانه الجديد الذي صار الآن أكثر هشاشة وضعفاً مما يغريه بالفوز به !
أفكار عقلها تناحرها بطغيان آسر لكن طيفاً من القلب يقتحم الصورة على استحياء ...
يستحلفها أن تثق بحدسه القديم ...
أن تخفض راية الحرب هذه ولو لساعة واحدة ...
ساعة واحدة تعيش فيها هدنة وسط هذا الدمار الذي تحياه !!
ساعة واحدة تطفئ فيها كل أضواء الإنذار هذه ...تصم فيها عن كل هذا الضجيج ...
فلا ترى ولا تسمع إلا صوت روحها ...وروحه !!
_كنتِ عند قبره ليه ؟!
سؤاله المفاجئ ينتشلها من صراعها لتبتسم بسخرية وسط دموعها الشاردة :
_هتصدقني لو قلتلك زعلت عليه بس مش بالمعنى الدارج؟!
أنامله تعاود التربيت على ظهرها برفق ولا يزال يضمها بين ذراعيه دون أن يقاطعها بكلماته بينما هي تردف بنفس الشرود المرير :
_عارف لما تعيش حياتك كلها عشان هدف عايز توصلله وفجأة يروح ؟! خلاص ...ما عادش فيه حسين رجائي عايزة أثبت له أني نجحت من غيره ...ماعادش فيه حد عايزة أكافح عشان أحط راسي براسه ...مات قبل ما أشوف في عينيه النظرة اللي اتمنيتها العمر ده كله ...النظرة اللي تقوللي إنه ندمان إنه فرط فينا زمان ...
ثم أغمضت عينيها بقوة لتردف بين دموع عادت تدفقها :
_كان نفسي يديني فرصة أسامحه ...عارف ؟! كنت ساعات أسرح مع نفسي أتخيله واقع في أزمة والدنيا كلها اتخلت عنه ...وأنا وأختي نقف جنبه ...نحسسه باللي خسره فيندم ويردنا لحضنه ...بس كنت أرجع وأقول لنفسي الحنية ما بتتشراش...واللي فرقته سنين مش هتلمّه ساعة ...ماتصدقش إن فيه بنت ما بتحبش أبوها ...ما بتتمناش حضنه...أنا في عز ما كنت بكرهه كنت بحبه...في عز ما كنت ببعد عنه كنت بستناه ...ودلوقت أهه راح وياريته راح لوحده ده خد ستّي في الرجلين ...
تردد قليلاً ثم ضم رأسها لكتفه الذي انفطرت عليه شهقات بكائها بعدها :
_أنا مستعدة أخسر أي حاجة في حياتي إلا ستي ثمر ...والله العظيم...والله العظيم كنت هاقول إني أنا اللي قتلته عشان أفديها بنفسي بس هي اللي اتسرعت وشهدت البلد كلها ...حبيبتي كانت طول السنين دي عايشة وشايلة عارها على إيدها وما صدقت ترميه وتاخد بتارها !
لكنه يضمها لصدره أكثر وهو يهمس لها بما يوقن أنها تحتاج سماعه :
_مش قلتلك بكرة تعرفي إن كل اللي خسرتيه مكسب ...جدتك هتخرج من الموضوع ده كله رافعة راسها ...والناس هتتأكد إنكم مالكوش أي دخل بماضيه...صفحة وهتتقفل يا ياقوت ...هتتقفل وتنسيها بكل مرّها ووجعها ...صدقيني لو عايزة تنسي هتنسي .
استسلمت لبكائها للحظات على كتفه قبل أن يرفع وجهها نحوه قائلاً بنبرته التي تمزج الود بالهيمنة :
_جدتك هاخلليكي تزوريها في أقرب وقت وتطمني عليها بنفسك ...وأنا مش هيعدي يوم لحد معاد الجلسة إلا وأنا باعتلها اللي يطمننا عليها هناك.
ترددت قليلاً ونفسها تسول له شكراً لكنها لم تستطع !
لا تزال خبايا الصدور عالقة بينهما !!
لهذا نأت بجسدها عنه مكتفية بإشاحتها لوجهها عنه وكأن العناق -الذائب بحميمية البوح بينهما منذ قليل- لم يكن !!
فتنهد هو بحرارة قبل أن يعاود تشغيل السيارة بقوله :
_مادام مش عارفة تروحي فين ...خلليني أنا أقرر .
_لا.
تقولها بنبرة عاد إليها بعض العنفوان لتردف دون أن تنظر إليه :
_الشغل هو الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخرجني م اللي أنا فيه...والحالة الوحيدة اللي ممكن أتعامل معاها دلوقت بره المركز هي همسة .
فارتفع حاجباه بدهشة للحظة قبل أن تلين شفتاه بابتسامة إعجاب!!
هذا هو "شكرها غير المنطوق" له !!
امرأة مثلها لن تفرغ كلمات الثناء على مسامعه لهذا سترد له صنيعه بطريقتها !!!
لكن من يخبرها أنه لا يفعلها كمعروف ينتظر رده ...
بل كمجرد خطوة لإرضائها ...
لاعتذار لايزال هو الآخر عاجزاً عن البوح به !!
أجل إن كانت هي تشكر -بطريقتها- فهو الآخر يعتذر -بطريقته -!!
لهذا اتسعت ابتسامته أخيراً وهو يعاود تشغيل السيارة في طريقه لبيت رائد الذي لا يدري هل من الرشد أن يواجهه الآن ...
أم لا يزال سيكتفي بالمراقبة من بعيد ؟!!
=======
_ماما!
يهتف بها رائد بصدمة وهو يفاجأ بها عند بوابة البيت يمنعها حارس الأمن من الدخول لتجيبه هي بعصبيتها الهستيرية :
_كويس قوي إنك فاكر إن لسه عندك أم ...كنت هتفضل مخبي عليا لحد امتى إنك هنا مع البنت دي ؟!
شحب وجه رائد وهو يشعر بالخوف ...
لو وصلت إليه أمه فسيعرف زين حتماٌ ولن يضمن رد فعله !!
_عرفتي المكان إزاي؟!
يسألها بقلق وهو يتابع خطواتها المندفعة للداخل لتجيبه بنفس النبرة العصبية :
_صاحبك قاللي بعد ما لقى ضغطي علي وكنت هاروح فيها ...
ثم تلفتت حولها تراقب المكان بحسرة غاضبة مردفة :
_كل ده عامله عشانها ؟! هي مجنونة وانت أجن منها !!
صراخها العصبي يزيد انفعاله فيهتف بها مشيراً لداخل البيت :
_تعالي ندخل نتكلم جوه يا ماما ...همسة ممكن تسمعنا !
لكنها تعاود صراخها العصبي ورؤيتها لكوخ همسة القريب تزيد غضبتها :
_انت فعلاً اتجننت !! تودي نفسك في داهية عشان بنت زي دي ؟! مش عارف زين ممكن يعمل فيك إيه ؟!
_مش هيقدر يعمل حاجة ...مش هاسيب همسة مهما حصل .
يقولها بحزم قلق وهو يجذبها برفق كي يدخلها للبيت لكنها تنفض ذراعيه عنها هاتفة :
_مش بقوللك عقلك راح خلاص...سايب شغلك وحالك وقاعد هنا جنب واحدة مجنونة ...طب هي حياتها وقفت ...لكن انت توقف حياتك ليه ؟!
_همسة مش مجنونة ...أنا السبب في اللي حصللها ...وأقل حاجة أعملها إني أصلح غلطي!
يهتف بها مدافعاً لتصرخ هي به بينما تكزه بسبابتها في صدغه :
_تقوم تخطفها وتقعدها عنها غصب ؟! بصفتك إيه ؟!
_مراتي...مراتي يا ماما !!
صرخ بها هو الآخر بانفعال لتتجمد ملامح المرأة بصدمة قبل أن تتراجع خطوتين للخلف مكررة بذهول :
_مراتك ؟! مش ممكن ...
ثم هزت رأسها لتهتف باستنكار:
_مأذون مين ده اللي رضي يجوزك واحدة مجنونة ؟! العقد ده باطل !
لكنه زفر بسخط ليقترب منها مصارحاً ببقية الحقيقة :
_همسة مراتي من يوم ما هربنا سوا زمان ...بس أنا ماقدرتش أقول من وقتها .
شهقتها الملتاعة تسابق كفها الذي تحسس رأسها لتهتف وقد بدت على وشك فقدان الوعي:
_يادي المصيبة ...يادي المصيبة !!
_اهدي يا ماما عشان ضغطك ما يعلاش ...أرجوكِ ادخلي معايا جوه .
هتف بها بقلق راجٍ وهو ممزق بين خوفه الحقيقي على أمه التي يدرك أين يمكن أن يوصلها انفعال كهذا وبين همسة التي يخشى أن تكون قد وعت شيئاً من هذا ...
خاصة عندما ظهرت له الخادمة تفتح باب الكوخ لتشير لفمها محذرة بهلع...
فازدرد ريقه بتوتر ليسحب أمه برفق نحو البيت محاولاً تهدئتها ...
وفي مكانها كانت همسة تجلس معصوبة العينين أمام النافذة والصراخ الغاضب يصلها من الخارج بصوت لم تسمعه منذ زمن بعيد ...
قلبها يخفق بجنون وهي لا تكاد تعي من الصراخ إلا كلمات بعينها ...
مجنونة...
مراتي ...
هربنا سوا...
مجنونة ...مجنونة....مجنونة !!
الكلمة الأخيرة تتكرر بدوي منتظم في جنبات عقلها فترفع ركبتيها لصدرها على كرسيها تحتضنهما بذراعيها لتسند عليهما وجهها مع أنّات خافتة موجعة جعلت خادمتها تهرع نحوها تحاول تهدئتها ...
لكن "نداهة" عالمها القاهرة عاودت سحبها لذاك الجانب المظلم الذي لم تفق منه سوى عندما شمت رائحة عطره ...
عطره الذي اكتسح حجبها السوداء لتنتفض مكانها فجأة وهي تهرع نحوه ...
لا تراه بعينيها لكن قلبها يميز إيقاع حضوره ...
ذراعاها يتعلقان بعنقه بأقصى قوتها فيضمها نحوه وهو يكاد يبكي عجزاً!!!
هو -بالكاد - تمكن من تهدئة أمه الغاضبة التي رجاها البقاء بداخل البيت ليتمكن من الخروج إليها هي ليجدها في هذه الحال !!
صوت أنينها الموجع يكاد يشق أذنيه وهي تمرغ وجهها في عنقه كأنما تشكو إليه بصمت فينعقد لسانه في حلقه وهو يخشى الكلام!!
يخشى ألا تتقبل صوته من جديد بعدما سمعته !!
لهذا اكتفى باحتضانه الصامت لها مع تربيت شفتيه المتبتل على وجنتيها بينما همسها المتضرع يذبحه ...
_رائد...خايفة...
كلمتان فقط لكنهما زلزلتا قلبه بمعناهما وهما تبددان خوفه من انتكاستها لتنساب كلماته في أذنيها بينما ذراعاه يتحركان على طول ظهرها كأنه يود لو يلتصق بها في كيان واحد فلا يفرقهما شيئ:
_ما تخافيش يا حبيبتي ...أنا معاكِ...خلاص مفيش حاجة في الدنيا ممكن تبعدنا تاني .
دموعها الحارة تلهب بشرته فيبعد وجهها قليلاً ليمسحها بأنامل مرتجفة هامساً بصوت جاهد ليكون هادئاً:
_بتعيطي ليه ؟! مفيش حاجة حصلت ...لسه انتِ في بيتك...معايا...لسه عندنا كل الحاجات الحلوة اللي بتحبيها ...اللي عملتها مخصوص عشانك انتِ بس...
ثم أخذ نفساً عميقاً يتمالك به انفعاله ليردف وشفتاه تدللان شفتيها :
_تحبي تنزلي البيسين زي ما وعدتك امبارح ؟!
يشعر بجسدها يستكين نوعاً فيتنهد ببعض الارتياح وهو يربت على وجنتيها هامساً :
_هننزل سوا عشان ما تخافيش ...بس توعديني تبطلي عياط ...اتفقنا؟!
إيماءتها الخافتة تمنحه جواباً مرضياً فيبتعد بجسده عنها لكن ذراعيها يتشنجان حول عنقه أكثر فيعاود ضمها إليه هامساً :
_بس الجو النهارده برد عليكي ...ممكن بلاش "مايوه "ونبل رجلينا بس ؟!
زمة شفتيها الغاضبة بطفولية ترد إليه بعض السكينة فيضحك ضحكة قصيرة أفرغ فيها توتره لينحني فيحملها فجأة !!
ضحكاتها التي عادت لصفائها وكأنما تبدلت مشاعرها في لحظات تسكره بصوتها العذب وهو يتحرك بها ليتوجه نحو المسبح القريب الذي استقر بها جالساً على طرفه قبل أن يمدد ساقيها أمامه لتلامس الماء ...
تعاود الضحك بطفولية وجسدها يقشعر من البرودة المفاجئة لتتعلق بذراعيها في عنقه أكثر ...
فيضحك بدوره وهو يشدد ضغط ذراعيه على خصرها هامساً في أذنيها بحنان :
_بكرة الجو هيبقى أحسن ...هاعوم بيكِ زي ما اتفقنا .
تبتسم ابتسامة نقية وهي تحاول مد ساقها في الماء أكثر دون أن تتفلت من ذراعيه فيبتسم بدوره وهو يشعر أنها تستعيد روحها الشقية المغامرة من جديد ...
يتأوه بخفوت وهو يضمها نحوه أكثر ليسند رأسها على صدره محاولاً التغلب على قلقه ليسألها بحذر:
_اوصفيلي المنظر حواليكي يا همسة...شايفة إيه ؟!
يسألها ولا أمل لديه في الجواب مع ما يعرفه عن ندرة كلامها ...
لكنه كان يريد بحق في هذه اللحظة أن يعرف كيف تشعر ...
كيف ترى ما حولها حتى وهي معصوبة العينين ...
لهذا ارتجف جسده بقوة مع جوابها ...
_جنة !
آهة عميقة تنبعث من صدره وهو يعتصرها بين ضلوعه بينما يحني رأسه على رأسها ...
آهة هي مزيج من تعب وراحة...
من خوف وأمان ...
من ذنب عاش عمراً يتلظى بجحيمه والآن يبدو له صك الغفران قريباً ...
قريباً جداً ...بقربها هي!!!
_فعلاً جنة يا حبيبتي ...جنة بتبدأ وتنتهي عندك انت وبس...جنة بتبنيها ضحكتك ...لمستك...كلامك اللي بتقوليه واللي حتى مابتقوليهوش ...بس بحسه بقلبي اللي ملكتيه ...اوعي تخافي حبيبتي وأنا معاكي...عمري كله فداكِ.
الصدق الحار الذي ذابت به كلماته يغمرها بدفئه فتسحب ساقها من الماء لتلتصق بكليتها به ...
تنكمش بين ذراعيه أكثر وكأنما تجد بغيتها من الأمان بين ضلوعه ...
تمرغ وجهها في صدره بينما ترفع أناملها تتحسس ملامح وجهه كأنما تعيد رسمها ...
لينبعث همسها من جديد كأعذب لحن في أذنيه :
_ماعدتش خايفة.
عيناه تدمعان بتأثر وهو يقبل وجنتها بعمق قبل أن تحين منه التفاتة قلقة نحو مبنى البيت القريب حيث تنتظره مواجهة ساخنة مع أمه لا يدري أين ستنتهي لكن ما يثق به أن الأولوية لهمسة ...
هي فقط دون سواها !
بينما كانت أمه في النافذة تراقب جلستهما بعينين مشتعلتين غضباً وحقداً !!
"ابنة الخائن والأفعى" نجحت في الاستحواذ على قلب ابنها حتى وهي في هذا الحال المتدني ...
خاطر بعمله ومستقبله كي ينعزل بها في مكان كهذا ...
لكنها لن تسمح لها ...وله !!
ابنها يستحق من هي أفضل من فتاة وضيعة فاقدة الأهلية كهذه ...
وإن كان هو لا يعرف مصلحته فهي تعرفها ...
هذه الزيجة-التي يزعمها- لن تستمر ...ولو على رقبتها !!
======
_اوف! ده اللي عملت حسابه !
هتف بها زين بقلق غاضب وهو يتوقف أمام البوابة الخارجية لبيت رائد وقد تعرف على سيارتها لتسأله ياقوت بتوتر:
_فيه إيه ؟!
_سوزان هنا!
هتف بها باقتضاب وهو يغادر السيارة متجهاً بخطوات شبه راكضة نحو البوابة لتهرع هي خلفه هاتفة :
_سوزان مين ؟!
_والدة رائد !
جوابه ينقل الغضب القلق إليها وهي تتصور تأثير وجودها على همسة في هذا التوقيت لتلحق به هاتفة بانفعال عبر أنفاسها اللاهثة :
_ما تقلقش رائد مش هيخللي حد يأذيها ...
حدجها بنظرة غاضبة لتردف هي بنفس الانفعال وهي تشير لحارس البوابة :
_أنا واثقة فيه وعارفة إنه هيتصرف كويس .
كز على أسنانه بغضب وهو يشاهد البوابة تفتح ليطل وجه رائد من خلفها فتتسع عيناه بصدمة للحظة وهو يرى زين أمامه ...
قبل أن يرمق ياقوت بنظرة متهمة عاصفة جعلتها تهتف مدافعة بعصبية :
_ما تبصليش ...هو عرف لوحده وكان مسيره يعرف ...المهم دلوقت والدتك عملت إيه مع همسة ؟!
زفر رائد بسخط وهو يحكي لها عن الأمر لينهي الحديث بقوله :
_همسة نايمة دلوقت بعدما الموقف عدى بس ماما لسه جوه ...مصرة إن الوضع ده ما يستمرش وإني أرجع معاها البيت .
_أنا سكتت ع الوضع ده عشان كان في مصلحة همسة لكن مادام الأمور وصلت لكده فأنا ...
هتف بها زين بانفعال ليقاطعه رائد بهتافه الثائر:
_مالكش تسكت أو ما تسكتش ...همسة مراتي ومش هتسيب بيتي إلا على جثتي.
_ما تستفزنيش أقلب الترابيزة على دماغك يا رائد ...أنا ماسك نفسي بالعافية !
صرخ بها زين بانفعال بعيد عن بروده المعهود لتدرك ياقوت أن الأمور توشك أن تخرج عن السيطرة قريباً لهذا وقفت بينهما لترفع كفيها هاتفة بصرامة :
_أموركم العائلية دي تحلوها بعدين ...اللي يهمني دلوقت هي همسة والكلمة الأولى والأخيرة لي أنا ...وأنا بقول إنها هتفضل هنا مع رائد ...
رمقها زين بنظرة مشتعلة لتلتفت هي نحو رائد مردفة بنفس الصرامة :
_بشرط توعدني إن مفيش حد يضايقها هنا ...لأن ده لو حصل فأنا اللي هامشيها من هنا بنفسي .
زفر رائد زفرة ساخطة وهو يشيح بوجهه لكن زين تخطاه ليتوجه نحو الداخل بخطوات راكضة فتحرك مع ياقوت ليلحقا به ...
ولم يكد يدلف إلى داخل البيت حتى استقبلته سوزان بملامح عاصفة ناسبت هتافها الثائر:
_الوضع ده لازم يتصلح يا زين ...لو مش عشان ابني فعشان سمعة أختك اللي هتبقى في الأرض لو الناس عرفت إنها هنا معاه ...خلليه يطلقها ورجع أختك لبيتك ويا دار ما دخلك شر !
لكن زين يأخذ نفساً عميقاً لتعود ملامحه لبرودها القاسي مع قوله :
_ياريت حضرتك تتفضلي بره...والبيت ده ما تدخليهوش تاني .
اتسعت عينا ياقوت بترقب وهي تشعر للحظة بالإشفاق نحو المرأة التي ازداد احمرار وجهها مع هتافها وهي تشير لرائد :
_انت بتطردني من بيت ابني ؟!
اشتعل وجه رائد بالمزيج من الغضب والعجز وهو لا يدري بماذا يرد ...
ولا كيف سيتصرف لو استيقظت همسة ليصل لسمعها كل هذا ...
لكن ياقوت تقدمت من المرأة لتقول برباطة جأش زادتها مهنيتها قوة :
_بعد إذن حضرتك ...أنا ياقوت سليمان الدكتورة المسئولة عن حالة همسة ...
رمقتها المرأة بنظرة مستهينة وهي تتفحصها من أسفل لأعلى بهيئتها الهزلية لتشير لها بسبابتها هاتفة بازدراء:
_انتِ بقا اللي هتعالجيها ؟!
فتحرك زين ليقف خلف ياقوت تماماً في دعم واضح هاتفاً بنبرته المهيمنة :
_ياقوت فعلاً عملت اللي محدش قبلها عمله ...واللي يتكلم معاها يعاملها باحترام تستاهله .
نقلت المرأة بصرها بينهما للحظات وقد أخبرها حدسها الأنثوي أن شيئاً ما يدور بينهما أكبر من كونها مجرد طبيبة ...
نظراتهما تحمل معاني أكبر مما يفترَض!
لكن ...أيعقل أن ينجذب زين لامرأة كهذه ؟!
وما يمنع ؟!
ألم يفعل مثلها أبوه يوماً ؟!
لهذا نفثت حقدها القديم في وجهيهما معاً وهي تهتف بنفس العصبية الساخرة :
_ومحموق عليها قوي كده ليه دي كمان ؟! معقول يكون اللي في بالي صح ؟!
احمر وجه زين بانفعال نفرت له عروق جبينه خاصة عندما نقلت سبابتها بينهما مردفة :
_وليه لا؟! من شابه أباه فما ظلم !!
العبارة القاسية ارتدت في صدره ...وصدر ياقوت قبله !!
الآن فقط تدرك أنها صورة من "ماضيه المشوه " كما هو كذلك صورة ممسوخة لماضٍ مشابه لديها!!
هي ...أمام زوجة أبيه...
وهو ...أمام والدها ...
فيالسخرية الوضع!!
ربما في ظروف أخرى غير هذه لكانت دفعتها طبيعتها النارية لرد إهانة المرأة بمثلها لكن ...الآن !
الآن يمنعها انكسار روحها بمصابها في ثمر من الانتصار لأي شيئ ولو لكبريائها العزيز ...
لهذا ما كادت تشعر بتقدم زين العصبي نحو المرأة وانفراج شفتيه المنذر بهجوم قاسٍ تعرفه حتى بادرت هي لتقف بينهما ...
قبل أن تخاطب سوزان بنبرة لم تفقد قوتها رغم كل شيئ:
_من غير جدال ومشاكل جانبية أنا بطلب منك بصورة انسانية وبحكم مهنتي إنك تمشي من هنا لإن وجودك ممكن يسبب لها انتكاسة واحنا ما صدقنا حالتها تتحسن .
زفر رائد بقوة وهو يشعر أنه محاصر بين جميع الأطراف ...
يعلم أن والدته تمادت كثيراً بحديثها لكنه لا يملك أن يطردها من بيته ...
ياقوت استجدت انسانيتها ...لعله التصرف الصحيح الآن!
بينما توهجت عينا سوزان بنظرة مشتعلة ليراودها ذهنها بما جعلها تهدأ قليلاٌ قبل أن تقول لزين بنبرة مستفزة :
_ع العموم ابني مش هيخسر حاجة ...حتى لو اتجوز واحدة مجنونة ...نصيبها في ورث أبوها هيعوضه !
_ماما!
صرخ بها رائد باستنكار وهو يشعر أن "السيناريو" القديم على وشك أن يعاد بحذافيره باختلاف أن زين من يقف الآن وليس أباه...
لكن المرأة صرخت بابنها بعصبيتها الهستيرية :
_أنا خارجة وسايباهالك ...بكرة تندم ع الجنان اللي انت فيه ده .
قالتها وهي تسحب حقيبتها لتغادر بخطوات مندفعة لتصطدم بالخادمة التي دلفت لتوها للداخل تخبرهم باستيقاظ همسة ...
فتنحنحت ياقوت لتنقل بصرها بين "الأسدين الجريحين" اللذين كانا في هذه اللحظة على وشك الصراع فتقول بصرامة لم تخلُ من طيبتها المعهودة :
_أنا هاروح لهمسة وانتو صفوا اللي بينكم ...بس حطوها هي في الأول قبل أي حسابات ...لو جرالها حاجة محدش فيكم هيسامح نفسه .
قالتها ثم رمقت زين بنظرة ذات مغزى لتغادر بعدها مع الخادمة نحو الكوخ الخارجي الذي تشغله همسة ...
بينما وقف كلاهما يناظر الآخر بنظرات مشتعلة حملت ما حملته من التناقض الذي جعل زين يقترب منه ليجذبه من قميصه فجأة نحوه ليغمغم من بين أسنانه :
_انت عارف أنا عايز دلوقت أعمل فيك إيه ؟! طول السنين اللي فاتت دي وانت مستغفلني ...مديك الأمان وانت تضربني في ظهري ...رغم انك اكتر واحد عارف ان دي الحاجة اللي ما بسامحش فيها !
لكن رائد نفض ذراعه عنه ليهتف بعينين متقدتين :
_لو بطلت تشوف بعينيك أبعد من زين بيه العظيم اللي الدنيا كلها المفروض تلف حواليه هتفهم إني ما عملتش أي حاجة إلا وحاطط همسة بس قدام عيني ...يمكن غلطت زمان لما هربت بيها لكن كل السنين دي بكفر عن ذنبي ...ومش هاسمح لأي حد ..أي حد يحرمني منها تاني .
هنا ضاقت عينا زين وهو يستعيد ما ذكرته سوزان منذ قليل ليقول ببرودة صوته القاسية :
_ماشي...واهي معاك...وريني هتحافظ عليها إزاي ...
كز رائد على أسنانه بقوة ليردف زين بنفس النبرة :
_وابقى بلغ الست والدتك إني أنا الوصي على ورث همسة ...لحد ما تخف بالسلامة وتاخده بنفسها ...يعني أختي مش مطمع لأي حد !
_وانت عارف كويس إني مش طمعان فيها ...زي ماانت عارف كويس مين اللي ظلمها من الأول للآخر ...بس انت بتكابر عشان ماتعترفش ...
هتف بها رائد بحدة وهو يشير نحوه بسبابته ليردف بنبرة أقسى:
_زي ما بتكابر طول السنين دي وانت بتقنع نفسك ان اللي بتديهولها كفاية ...انك الاخ الحنين اللي مفيش زيه ...وان مفيش حاجة تتعمل اكتر م اللي بتعمله ...لكن الحقيقة جواك وانت عارفها ...انت لسه مشيلها الذنب القديم ...لسه شايف في حياتها موت والدتك زمان ...
_كفاية !
صرخ بها زين بانفعال ليصرخ فيه رائد بدوره :
_لا مش كفاية وان كان كلامنا المرة اللي فاتت مافوقكش يمكن يفوقك المرة دي ...أنا ما خطفتش همسة ...أنا خدت حقها وحقي اننا نعيش بره السجن اللي عملتهولها وسكتّ بيه ضميرك ...همسة ليها حق في بيت الفايد زيها زيك بالضبط ...حقها تدخله وتعيش فيه مش تفضل منبوذة في أوضة براه...حقها تطلع للنور والناس تشوفها معاك مش تتحبس لوحدها ...حقها اللي خلاص ماعادتش محتاجاه وهي دلوقت في بيتي ...في بيتها ...وان كنت مكسوف تطلعها للناس وتقول انها اختك فانا مش هتكسف أقول للدنيا كلها انها مراتي .
كلماته لم تكن مجرد كلمات !!
بل كانت نصالاً قاسية تمزق قلب هذا الذي يقف أمامه يدعي الشموخ بمكابرة !!
هو محق !!
للأسف محق!!
كل كلمة بل كل حرف قاله عرّى له حقيقة ذنبه !!
ذنبه الذي لايزال يخجل من الاعتراف به !!
لهذا غص حلقه بمرارته وهو يتحرك ليعطي رائد ظهره قبل أن يتحرك نحو النافذة القريبة ...
عيناه تصطدمان بذاك الكوخ المزهر هناك فيجد نفسه دون وعي يقارنه بغرفتها الكئيبة في بيت الفايد ...
شعور رهيب بالخزي يجتاحه وهو يشعر ب"التقزم"في هذا الموقف ...
ماذا فعل هو لهمسة كي يتبجح ويعاتب رائد ؟!
رائد الذي تقدمت حالتها معه في أيام ما لم تحققه في سنوات بقائها معه !!
رائد الذي واجه لأجلها والدته ...بل وواجهه هو قبلها ...
في حين عاش هو عمره يشعر بالخزي منها باطناً وإن أظهر عكس ذلك !!
لكن كبرياءه الغاشم جعله يقول بنبرة صقيعية حادة :
_هتقول للناس انها مراتك إزاي دلوقت ؟! هتفضح إنك هربت بيها زمان ؟! هي دي الطريقة اللي هترفع بيها راسها دلوقت زي ما بتقول؟!
أطرق رائد برأسه وهو يدرك أن زين -كعهده- يجيد اختراق الثغرات ...
إعلان زواجه بهمسة الآن بهذه الطريقة لن يزيد موقفهما إلا سوءاً !!
لهذا تحرك نحو زين ليقترب منه بخطوات متثاقلة وعيناه تحطان بدورهما على ذات الكوخ بالخارج صامتاً للحظات ...
قبل أن يقول له بنبرة متثاقلة :
_يوم ما اتجوزنا وعدتها إني ما ألمسهاش إلا لو أعلنت جوازنا قدام الناس كلها ...
ثم أغمض عينيه ليردف :
_وأنا لسه عند وعدي !
فالتفت نحوه زين بحدة وكلامه الأخير يؤكد صدق ظنه بنُبل قريبه رغم كل شيئ!
إذن همسة لا تزال عذراء !
حافظ عليها كل هذه السنوات لأجل وعد قطعه لها ألا ينالها إلا مرفوعة الرأس!
حتى وهي الآن في بيته لايزال قادراً على حمايتها حتى من نفسه !
من هو كي يأتي الآن ويحرمه منها ؟!!
لقد ظن أنه يفعلها -تفضلاً- منه لأجل مصلحة أخته...
لكنه يعترف الآن فقط أن رائد يستحق أن تبقى معه لأجل خاطره هو !!
هذا الإدراك الأخير الذي منعه كبرياؤه من الاعتراف به كذلك ليعاود الإشاحة بوجهه قائلاً بصوت هدّه انفعاله :
_يبقى تحافظ على وعدك لحد ما تخف ونقدر نعلن للناس جوازكم ...ولحد ده ما يحصل هاسمح لها تفضل هنا بس من غير ما أي مخلوق يدخل لها ...ولا حتى والدتك .
تنهد رائد بمزيج من تعب وارتياح وهو يشعر بأن أحداث اليوم العصيبة استنزفته تماماً ...
خبرته بزين تؤكد له أن حديثه الأخير بمثابة وعد لن يخلفه ...
زين صار في جانبه وهو مكسب عظيم في معركته لنيل أميرته ...
لكن تبقى العراقيل كثيرة ...
لن تكون أمه أولها ولا آخرها !!
لهذا صمت طويلاً قبل أن يضع كفه على كتف زين الذي التفت نحوه ليبادره رائد بسؤاله المفاجئ:
_اتجوزت ياقوت ليه ؟!
اتسعت عينا زين بصدمة وهو لا يستوعب السؤال لأول وهلة ...
قبل أن تلتوي شفتا رائد بابتسامة ماكرة ناسبت قوله :
_انت أذكى من إنك تكدب عليّ أنا بالذات في حاجة زي كده .
فالتمعت عينا زين بغضب للحظات قبل أن ترتخي ملامحه عائدة لبرودها المعهود مع جوابه :
_وعشان بحترم ذكاءك وذكائي مش هارد ع السؤال ...
ثم شرد ببصره مردفاً ببطء :
_لأني ...ببساطة...ماعرفش !
_بس أنا عارف!
يقولها رائد بنفس النبرة الماكرة ليزيح زين كفه عن كتفه ببرود دون رد ...
لكن لهجة رائد تغيرت للكثير من الرجاء الممتزج بتحذير خفي :
_ياقوت مش زي غيرها ...لو مش هتحافظ عليها ماتكسرهاش .
ورغم أن العبارة وخزت قلبه بتأنيب خفي لكنه تعمد تغيير الموضوع بقوله الصارم :
_اتصرف مع والدتك وخلليها تمسك لسانها ...أي شوشرة على همسة مش هتسامح فيها .
فزفر رائد بقوة قبل أن يومئ برأسه وقد أنبأته خبرته به أنه لن يسمح بالمزيد من الحديث عن "الموضوع الآخر"!
وفي مكانها وقفت همسة لاهثة عقب الكابوس الرهيب الذي رأته في نومها تتلفت حولها بخوف ...
تود لو تعصب عينيها كي يعود فارسها مع عناق بمذاق الأمان ...
لكن حتى هذا تجبن عنه الآن !!
لهذا لم تكد تلمح الباب يفتح لتدخل منه ياقوت حتى اندفعت نحوها تطوقها بذراعيها بقوة كادت تسقطها أرضاً !!
هنا لم تستطع ياقوت منع دموعها وهي تشعر بعناق همسة هذه المرة يحمل لها طعماً آخر ...
كم تشفق عليها ...وكم تغبطها !!
تشفق عليها من ماضٍ يشبه ماضيها ...وتغبطها على قوة عاشق -كرائد- لم تحظَ هي بمثله!!
قديماً كانت تجد نفسها أكثر حظاً منها هي ب"ثمر"...
لكن الآن ؟! الآن !!
لم تملك دموعها عند الخاطر الأخير ودرع "مهنيتها" الذي طالما تحامت خلفه يسقط تحت قدميها لتجد نفسها تضم همسة بقوة وسط شهقات بكائها التي علا صوتها للحظات لم تشعر هي بها حتى سمعت همسة تسألها بصوتها البريئ:
_بتعيطي ليه ؟!
ربما لو كانت ترى الأمور الآن بعين "مهنيتها" لابتسمت فخراً بتقدم الحالة حد وصولها هذا الإدراك والاهتمام ...
لكن انهيارها الداخلي غير المسبوق جعلها تخفي وجهها في كتف همسة لتغمغم بين دموعها :
_انتِ كويسة ؟!
لكن همسة ربتت على ظهرها برفق لتعاود سؤالها بنفس النبرة البطيئة :
_بتعيطي ...ليه ؟! أنا...صاحبتك !
هنا لم تملك ياقوت نحيبها المرتفع وهي تشدد قوة عناقها لها هامسة بانهيار :
_حد عزيز عليّ قوي غاب عني ...ادعيلي يرجع لي .
ورغم أن ما فعلته لم يكن ينتمي بأي حال لقواعد مهنيتها ...
لكن تجاوب همسة الصادق معها منحها العزاء وهي تربت على ظهرها قبل أن ترفع وجهها للسماء بتمتمة شفتيها التي بدت كدعاء صادق بريئ جعل ياقوت تبتسم ببعض الأمل ...
قبل أن تشعر بذراعه -هو- على خصرها !!!
أجل...أحد ذراعيه كان يستريح الآن على خصرها هي بينما الآخر يطوق خصر همسة التي فوجئت به لتلتفت نحوه قبل أن تطلق صيحة عالية قبل أن تترك ياقوت لتتعلق بعنقه هو !!
ثانية واحدة...أو ربما بضع ثوانٍ شغلها هذا العناق الثلاثي الذي زلزلها قبل أن تبتعد عنه منتفضة وهي تتلفت حولها تطمئن ألا أحد رآها!!
ثانية واحدة...أو ربما بضع ثوانٍ ...من أمان "مختلس" سبق شعورها بالخزي !!
ثانية واحدة...أو ربما بضع ثوانٍ ...تشبه شعورها الخاص جداً به...
شهياً كثمرة محرمة...لكنه خادع كسراب!
ثانية واحدة أو ربما بضع ثوانٍ لخصت حكايتها- التي تدرك أنها قصيرة العمر- معه !
لهذا أطرقت بوجهها تمسح دموعها بأناملها وربما لو رفعت عينيها إليه لرأت في نظراته ما يرضيها !!
قلبه كان يخفق بجنون مضطرب بين لقائه الدافئ بهمسة التي اشتاقها ...
وبين فورة إحساسه التي اجتاحته عندما رأى عناقهما معاً منذ قليل في صورة أخبرته أنهما -معاً- صارتا أغلى ما في حياته قيمة !!
_زين...وحشتني!
تنتزعه بها همسة من اجتياح مشاعره ليضمها لصدره أكثر هامساً لها بحنان :
_وانتِ كمان وحشتيني قوي ...ووحشتني حكاياتنا بتاعة زمان ...
ثم ابتعد بوجهه ليحتضن وجنتيها بين راحتيه مردفاً بابتسامة :
_انتِ مبسوطة هنا ؟!
_قوي!
الجواب السريع مع لمعة عينيها منحه الكثير من الرضا ليقبل جبينها بعمق قبل أن يجذبها ليجلسها على كرسيها فيجلس قبالتها على ركبتيه في جلستهما المعهودة ليقول لها بينما يحتضن كفها بين راحتيه :
_عندي حاجات كتير عايز أقولهالك .
ضحكتها الصافية تعلو ببراءة وقد نسيت كل ما بقي من رواسب كوابيسها لتستمع إليه باهتمام لم ينل منه شرودها الذي اعتاده من قبل في جلسات مشابهة...
"ندّاهة" عالمها القاهرة لم يعد لها نفس السلطان القديم كالسابق !!
هذا الذي شعر به جلياً هذه المرة ليثلج صدره وهو يدرك أنها حقاً تتحسن هنا ...
حديثه ينتقل من موضوع لآخر ولمعة عينيها المتلهفة الغريبة عن شرودها القديم تزيد من سعادته ...
عيناه تنتقلان خلسة لياقوت التي وقفت مكانها ترقبهما بعينين شاردتين وملامح أرهقها التعب ...
متى نامت هذه آخر مرة ؟!
متى ارتاحت منذ وقوع تلك الكارثة ؟!!
إعياء جسدها الواضح يمنحه الجواب فيتنحنح بخفوت ليقف مكانه قبل أن يخاطب همسة بقوله الحاني:
_هاضطر أمشي دلوقت وهاجيلك تاني .
لكن همسة تنظر لياقوت نظرة مشفقة قبل أن تهمس بخفوت :
_وانتِ ؟!
ياقوت التي ارتجفت شفتاها بشبه ابتسامة وهي تجلي صوتها لتقول بنبرة منهكة :
_ما تقلقيش ...هاجيلك كل يوم باذن الله .
ابتسامة همسة الراضية تشرق في محياها وهي تودعهما قبل أن تعود إلى كرسيها لتعصب عينيها من جديد في انتظار "طيفها العاشق"!
بينما عادت ياقوت لشرودها وهي تستقل معه سيارته في طريقهما للعودة ...
لا تزال لا تعرف أين تذهب ...
لجين عادت للقرية كي تكون جوار رابحة وأهلها بعدما حدث ...
رغم أن القدر أنقذ الفتاة بيد ثمر في اللحظة الأخيرة لكنها تبقى مجرد طفلة تعرضت لأقسى تجربة قد تعرفها يوماً ...
لهذا أصرت لجين ألا تتركها بينما لا تزال هي عاجزة عن العودة للقرية دون ثمر!!
صوت هاتفها يقاطع أفكارها فتنتفض مكانها وهي تجده رقم مدير المركز...
تفتح الاتصال لترد بصوت شاحب لكن عبارات الرجل جاءت قاطعة ...
_أجازة مفتوحة لحد ما تخلصي مشاكلك...أنا مقدر ظروفك بس انتِ عارفة إن الدكتور في الأول والآخر سمعة...ربنا يوفقك .
تغلق الاتصال بأنامل مرتعدة وكل كلمة منها تصلها كصفعة على وجهها ...
ليصلها صوته المؤازر جوارها وقد أدرك ما الذي قد تفعله بها محادثة كهذه :
_كده أحسن عشان تتفرغي لهمسة....وهيثم كمان ...أنا عرفت اللي حصل له .
لم تشعر بالدهشة من معرفته للخبر فقد بدا لها كثير الاهتمام حقاً بكل ما يخصها ...
وربما لأنها عطلت شعورها بأي شيئ ...
حتى الخسارة !
لهذا عادت تستند برأسها المثقل بهمه وتعبه لظهر كرسيها دون رد ليستخرج هو من جيبه مفتاحاً منحه لها قائلاً:
_ده مفتاح "شقتنا" التاني...كده المفتاحين معاكي عشان تبقي مطمنة ...اعتبريها بتاعتك وخدي راحتك فيها ...وأنا لو جيت هستاذنك قبلها .
فالتفتت نحوه هاتفة باستنكار:
_انت بتقول إيه ؟! انت عايزني أعيش في شقتك ؟!
لكنه أوقف السيارة جانباً ليلتقت نحوها بملامح صارمة معتقلاً نظراتها بعينيه التي وازنتا الحزم بالعاطفة :
_أكلمك بطريقتي وأفكرك إنك حالياً مراتي ولو على الورق وإنها "شقتنا" مش "شقتي"؟! واللا أكلمك بطريقتك وأقوللك إن صوت العقل دلوقت يحكم إنك لازم تفضلي في مكان مستقر قريب من همسة وهيثم ؟!
_أنا هاتصرف بعيد عنك !
هتفت بها بمكابرة وعيناها تزيغان في الفراغ بشعور رهيب بالعجز ...
لكنه تنهد بحرارة ليرتكز بمرفقه على مقود السيارة بينما يقترب بوجهه منها قائلاً بنفس النبرة :
_اعتبريني مأجرهالك قصاد علاج همسة...أفتكر الأتعاب بتاعتك تغطي الإيجار وزيادة ...صح ؟!
انفرجت شفتاها وهي على وشك الاعتراض من جديد لكن المزيد من شعور العجز جعلها تغمض عينيها بقهر قبل أن تشيح بوجهها ليردف هو بنبرة أكثر رفقاً:
_اعتبريها شقتك وانتِ حرة التصرف فيها ...زي ما قلتلك ...لو جيت -وأكيد هاجي- هستأذنك قبلها .
فالتفتت نحوه لتحدجه بنظرة كسيرة رغم ما حملته من حدة :
_متأكد إنهم مفتاحين بس ؟! مش هلاقي الست إياها في يوم قاعدة هناك مستنية توضبني أو توضب غيري عشان تليق ب"البيه"؟!
انعقد حاجباه بشدة وهو يدرك أن أحداث تلك الليلة البشعة لن تغادر مخيلتها يوماً ...
ولا يلومها كثيراً لهذا !!
لهذا كان دوره ليشيح هو بوجهه هذه المرة قائلاً بخشونة لم يتعمدها :
_أنا مش مجبور أكدب في حاجة زي كده ...طالما قلتلك ...
عبارته تنقطع بصوت إطلاق نار قريب لتطلق هي صيحة رعب وهي تتلفت حولها لترى السيارة التي تقترب منهم ...
وقد كان هذا آخر ما رأته قبل أن تشعر به يجذبها نحوه ليطوقها بذراعيه قبل أن ينحني فوقها بجسده يحميها من طلقات الرصاص ...
"العناق الثامن" بمذاق "الحماية" هذه المرة !
لهذا جاء إحساسها به بقوة الحياة نفسها !!
صرخاتها المكتومة لا تنقطع وقلبها يكاد يتوقف رعباً حتى شعرت بالسكون حولها فجأة فرفعت رأسها أخيراً لتجد السيارة قد اختفت فجأة كما ظهرت فجأة ...
قبل أن تتلون عيناها بلون دمه هو أمامها !
========
انتهى الفصل الثالث عشر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!