القطعة الثامنة
***********
_أول مرة أشوفك بتاكلي كتير كده !
هتف بها هيثم بدهشة وهو يجلس معها في أحد المطاعم حيث فاجأته برغبتها في تناول الغداء معه بعيداً عن الجامعة ...
كانت ترتدي سروالاً أبيضا شديد الضيق مع قميص وردي ملفت فتحت أول وثاني أزراره بينما تركت شعرها دون حجاب كعهدها عند اطمئنانها لعدم وجود يامن ...
فبدت ملفتة جداً خاصة مع فتنتها الطبيعية التي جذبت لهما أنظار رواد المطعم عندما تعمدت إمالة رأسها بدلال لتجيبه:
_جرى إيه يا روميو ؟! هتعد عليّ الأكل من دلوقت ...امال لو وافقت واتجوزنا هتعمل إيه؟!
_ماتهزريش في الموضوع ده يا داليا ...مابحبش تستخفي بمشاعري كده .
قالها بضيق حقيقي وهو يشيح بوجهه متوقعاً منها محاولة جديدة لمشاكسته ...
لكنه فوجئ بصمتها التام بعدها ليلتفت نحوها فيجدها مطرقة برأسها بذاك المظهر البائس الذي يستنفر عاطفته نحوها....
زفر بقوة ليميل على المائدة قائلاً :
_احكي يا آخرة صبري ...مالك ؟!
لكنها ظلت مطرقة برأسها فأردف بنبرة أكثر رفقاً:
_أنا عارف إنك بتفشي غلك في الأكل ...وإنك خارجة
باللبس "الأوفر" ده النهارده عشان تغطي على حاجة معينة مزعلاكِ ...قولي بقا ...
ثم خبط ساعدها بكشكول محاضراتها ليستطرد :
_اتكلمي بقا هتلاقي حد غيري يستحمل رغيك ؟!
رفعت إليه عينيها أخيراً بابتسامة شاحبة ثم أزاحت طبقها بعيداً لتقول بنبرة بائسة:
_مخنوقة قوي يا هيثم ...من ساعة يامن ما اتجوز وأنا حاسة إن فيه حاجة غلط .
فهز رأسه ليقول مستنكراً:
_ياشيخة أنا قلت هتبقي مبسوطة إن الكتمة هتخف شوية لما ينشغل عنكم بمراته .
لكنها أشاحت بوجهها لتكمل اعترافها :
_بالعكس...أنا حاسة إنه "اتاخد" مني ...زي ماما وبابا الله يرحمهم...
ثم عادت إليه بملامح متنمرة لتردف بغيظ:
_معرفش البتاعة اللي اتجوزها دي فيها إيه عشان تعجبه كده .
فضحك ليجيبها مطيباً خاطرها:
_ولا فيها أي حاجة ...عادية جداً ...دي شبه لعب الأطفال.
هنا عقدت حاجبيها بشك لتسأله :
_وانت عرفت شكلها منين ؟!
حك رأسه بحرج للحظة ثم تنحنح ليجيبها :
_بصراحة ماقدرتش أقاوم أشوفك ليلتها ...عديت على القاعة بصيت بصة بسرعة من غير ماقوللك ...
ثم غمزها ليردف:
_كنتِ قمر كالعادة !
لكنها لم تستجب لمغازلته بل عادت تشرد من جديد لتقول بأسى:
_محدش بقا حاسس بيّ خالص...نبيلة دايماً مشغولة...رانيا بتجهز لفرحها ...وهانيا ملبوخة ببيتها...حتى يامن اللي كان بييجي يطمن علينا كل يوم شكله هينسانا...أول امبارح كان أول خميس كان يعدي علينا من غير ما يجتمع بينا كالعادة .
_مش عريس يا بنتي؟! عايزاه يسيب مراته أول كام يوم جواز وييجي يقعد وسطكم ...ده حتى يبقى شكله وحش !
نطق عبارته الأخيرة بشكل من المرح فابتسمت ليتنهد
قائلاً بجدية تامة:
_انتِ محتاجة تشغلي وقتك يا داليا ...انتِ مش ناقصك أي حاجة ...عندك كل حاجة أي بنت تتمناها ...جمال ...فلوس ..حرية ...وأنا!
قال كلمته الأخيرة مشيراً لصدره بفخر مصطنع فضحكت بانطلاق لتهز رأسها قائلة بدلال:
_مفيش فايدة يا روميو...هنلف نلف ونرجع لغرامياتك ....
ثم عادت لتتناول طعامها حيث غرست الشوكة في إحدى شرائح البطاطس المقلية لتقربها من فمه مردفة بنفس
الدلال:
_بطل كلام وكل أحسن ...مش...
انقطعت عبارتها عندما اصطدمت عيناها بعيني المرأة التي دخلت المطعم لتوها ...
والتي تراوحت نظراتها بين استياء واستنكار وهي تراها تطعم هيثم بهذه الطريقة الفجة !
احمر وجه داليا انفعالاً وهي ترى زوجة أستاذها تتقدم منهما لتتوقف أمامها قائلة بنبرتها التي صارت تكرهها:
_ازيك يا داليا؟! شايفاكِ أحسن المرة دي وبتقضي وقت لطيف.
رفع إليها هيثم عينيه بنظرات ضائقة ليقوم واقفاً وقد تعرف إلى هويتها ليقول بنبرة مهذبة:
_إزيك يا دكتورة ؟!
ردت المرأة تحيته باقتضاب بينما بقيت داليا جالسة مكانها وكأنما استنكفت أن تقف لتخاطب المرأة بقولها:
_أنا الحمدلله كويسة...وعلى طول بقضي وقت لطيف.
قالتها بتحدٍّ زاد شعورها بالاكتئاب من حدته لكن المرأة رمقتها بنظرة غامضة قبل أن تغادرها لمنضدة قريبة...
وما كادت تبتعد حتى عاود هيثم الجلوس ليقول لها عاتباً:
_انتِ بتعامليها كده ليه ؟! مش خايفة تقول لجوزها ويستقصدنا السنة دي في الامتحانات ؟!
لكن داليا رفعت أحد حاجبيها لترد بانفعال:
_هي اللي المفروض تخاف على جوزها مني مش أنا اللي أخاف منها !
اتسعت عيناه بصدمة من حديثها لتستدرك هي بارتباك:
_أقصد ...إنه...دكتور ياسر حقاني ...وأكيد مش هيستقصدنا عشان كلمتين سمعتهم.
التمع الشك في نظراته وهو يزداد يقيناً من فكرته السابقة عن مشاعرها الخفية نحو أستاذها ...
ليقول أخيراً بغضب مكتوم:
_ما تلعبيش بالنار يا داليا ...لحد دلوقت أنا فاهم الطفلة الدلوعة اللي جواكِ اللي عايزة تلفت نظر كل اللي حواليها ...لكن الموضوع لو زاد عن كده هيقلب عليكِ وهتخسري أكتر ما انتِ متوقعة .
ورغم أن حديثه كان مصيباً إلى حد كبير لكن مزاجها السئ ووجود تلك المرأة أجج طبيعتها المشتعلة أكثر لتهتف به بانفعال:
_بقوللك إيه يا هيثم ...دور "ست الناظرة" ده بيعصبني ...أنا كده ...عاجبك كده عاجبك ...مش عاجبك امشي...
ثم هبت واقفة لتتناول حقيبتها مردفة بنفس الانفعال:
_واللا أقوللك...أنا اللي هامشي!
قالتها ثم غادرت المكان بخطوات مندفعة غافلة عن المائدة القريبة منهما ...
والتي جلس عليها رجلان قال أحدهما لصاحبه بينما يمشط جسدها بنظراته:
_أهي دي البنت اللي قلت لك عليها .
التفت نحوها صاحبه بدوره ليبدو الاستحسان على
ملامحه وهو يرد بنبرة ماكرة:
_تستاهل... بس دي سكتها إيه ؟!
فابتسم صاحبه وهو يعود بظهره للوراء ليجيبه بثقة رغم غموض لهجته:
_سهلة ! سكتها سهلة ...قوي!
======
_إيه الشياكة دي ؟!
هتف بها رامز بإعجاب تعمد رفع إيقاعه مخاطباً غادة وهو يخرج إليها من غرفته ...
حيث جلست مع هانيا تنتظر أن يصطحبها في أول يوم عمل لهما معاً ...
وبينما لم تلتفت هانيا لمغازلته شبه الصريحة لصديقتها ...
خفضت غادة بصرها بارتباك لتتمتم بكلمات مبهمة وقد عجزت عن الرد عليه ...
فتقدم هو ليهتف بنفس النبرة التي حملت المرح مع الكثير من الإعجاب:
_فطرتِ واللا تفطري معايا في الشغل؟!
رمقته هانيا -الغافلة- بنظرة امتنان وهي تراه يحسن معاملة صديقتها أخيراً لتجيبه هي:
_مش راضية تفطر ...الله يخليك يا رامز خد بالك منها هناك .
نظر إليها بغيظ لم يستطع كبحه وهو يرى بشائر خطته تبوء بالفشل ...
هو يتعمد أن يزيد من اهتمامه المفتعل بغادة كي يجعل "لوح الثلج" هذه تشعر بالغيرة لعلها تتوقف عن إقحامها المبالغ فيه لها في حياتهما ...
لكن يبدو أنه ينقش على الماء!!
_ياللا بينا!
هتف بها يواري خيبته وهو يصطحب غادة التي تبعته باستسلام لتهبط معه الدرج ...
عندما فتح باب شقة والدته التي خرجت منها لتتهلل
ملامحها عندما رأت ابنها قبل أن تتجهم فجأة مع رؤية غادة لتهتف باستنكار:
_انتو رايحين فين سوا كده ع الصبح؟!
احمرت وجنتا غادة بحرج وهي تدرك من "سوء خبرتها" ما تظنه المرأة بها ...
هذه النظرة في عينيها تعرفها ...
وصمها بها الكثيرون قبلها وتنتظر الآن الأسوأ!
لاريب أن الأم تخشى على ابنها من الأرملة اللعوب التي تسللت لبيته كالأفعى لتلتف حوله وتخطفه من صديقتها ...
لكن لماذا تلومها؟!
هكذا يراها الجميع ...لطخة مدنسة تلوث أي مكان تذهب إليه !
لهذا اكتفت بإطراقها الخانع كالعادة تتلقى سهام القدر بصمت بينما قال رامز وهو يغمز والدته خلسة:
_صباح الفل يا ست الكل...مش تباركي لغادة...جبت لها شغل معايا في الشركة .
_كمان؟!
هتفت بها المرأة باستنكار فتنحنح رامز بحرج وهو يكاد يتوسل أمه بنظراته كي لا تحرج غادة أكثر ...
فتمالكت المرأة نفسها لتقول بفتور:
_مبروك .
ردت غادة بنفس الخنوع وهي لاتزال مطرقة برأسها فهتف رامز بسرعة ليتدارك الموقف:
_معلش يا ماما عشان متأخرين ...سلام دلوقت.
قالها وهو يقبل جبينها بخفة ليستأنف هبوط الدرج تتبعه غادة التي كانت تشعر أن نظرات المرأة تكاد تخترق ظهرها ...
الموقف يسبب لها الكثير من الحرج لكنها لا تجد البديل!
لم تكن تتوقع وهي تطلب من هانيا البحث لها عن عمل أن تجعلها تعمل مع رامز الذي يسبب لها وجوده الكثير من الحرج ...
شعورها نحوه يتذبذب بين "شبه كراهية" لا تملك يداً فيها وعقلها يصور لها أنه كان سبب حرمانها من زوجها وحياتها كلها ، وبين "امتنان حقيقي" لرجل وقف جوارها في أزمتها بكل ما يملك .
لهذا ما كادت تصل معه لسيارته التي فتح لها بابها بحركة أنيقة حتى دمعت عيناها وهي تهمس له بصوت متحشرج:
_شكراً .
وفي النافذة وقفت هانيا تراقبهما وشعور "مستحدث"
بالضيق يعرف طريقه إليها..
وخزةٌ وجدتها في صدرها وهي ترى غادة تركب جواره سيارته في المكان الذي تحتله هي دوماً ...
وخزة لم ترد تفسيرها بأنها غيرة بل وأدت هذا الشعور في مهده وهي تهز رأسها لتخاطب نفسها بقولها:
_جرى إيه يا هانيا هتتهزي ليه؟! هتعملي زي المتخلفين اللي في الرايحة والجاية بيحذروكي من صاحبتك؟! انتِ عارفة كويس قيمتك عند جوزك وواثقة في صاحبتك اللي محتاجاكِ...بلاش تخذليها زي ما كل الناس خذلوها .
وفي السيارة جلست غادة مطرقة الرأس وقد شبكت أصابعها ترمق دبلتها التي لاتزال هناك بنظرة حسرة لم تعد تفارقها ...
تشعر بالخوف من هذا العمل الجديد الذي لا تعرف ماذا سيكون مصيرها فيه ...
تتوجس من مجتمع ينتظر أي هفوة منها كي يرجمها
بالحجارة ...
والمصيبة أنها لا تنتظر حتى هذه الهفوة كي تعنف نفسها ...
بل ترجم نفسها في كل وقت على ذنب لا تعرفه وإن كانت تشعر به يدنسها ...
ذنب عاقبتها عليه السماء "كما تظن" بحرمانها من سعادتها!
_ساكتة ليه؟!
سألها رامز بمرح خالطه الكثير من الإشفاق وهو يرى حالها البائس لتجيبه بصمت طويل لم تستطع قطعه ...
فأردف بنبرة متشحة بالذنب:
_انتِ لسه زعلانة مني؟! محملاني ذنب أحمد الله يرحمه؟!
كان هذا ما يملأ صدرها حقاً نحوه رغم ما يخالطه من شعور بالامتنان لوقوفه جوارها بعدها ...
لهذا تنحنحت بخفوت لتتجاهل سؤاله قائلة دون أن ترفع وجهها وقد أحيا حديثه عن أحمد مرارة الذكرى:
_انت آخر واحد شفته قبل الحادثة...قل لي إيه آخر كلمة قالها...آخر حاجة عملها...كان فرحان...كان...
تحشرج صوتها الخافت لتنقطع عبارتها فجأة ببكاء صامت لم يهتز به جسدها الذي اعتاد دموعها ...
فتنهد رامز بحرارة وهو لا يدري بماذا يجيبها وقد ساءه هذا الانهيار غير المبشر في أول يوم عمل...
قبل أن يختلس نظرة جانبية نحوها ليكتنفه شعور غريب أورثه المزيد من الضيق...
هذه المرأة كارثة حقيقية ليس فقط لأجل هالتها الأنثوية التي يستشعرها خبير بالنساء مثله ...
لكن لأجل هذا الضعف الكامن فيها الذي يستنفر "حمية" أي رجل -شريف- للدفاع عنها ...
و"شهية" أي ذكر -غير شريف- للاستحواذ عليها!
آه لو كان هناك "خلّاطٌ " ما يضربهما فيه هي وصديقتها "الفولاذية" زوجته لنحصل على امرأتين سويتين في النهاية؟!
ورغم هزلية الفكرة لكنه شعر بها الحل الوحيد لمشكلتهما معاً ...
لكنه للأسف غير متاح!
لهذا تنهد بحرارة ليجيبها وهو يحاول التركيز في الطريق:
_مش عارف أقوللك واللا لأ...بس إنتِ كنت آخر كلمة على لسانه...الحقيقة إنه ما بطلش كلام عنك طول الطريق...الله يرحمه.
شهقاتها الباكية بعدها زادت الأمر سوءاً فشعر بالندم على ما تفوه به ..
...
لكنه عاد يلتفت نحوها ليقول ببعض الحزم:
_غادة...اسمعيني كويس...أنا ممكن أقعد جنبك أسمعك بتعيطي لبكرة وأصبرك بكلمتين ...بس ده مش حل ...أنا مش بلومك على حزنك بالعكس ...لكن النهارده أول يوم شغل ليكِ...وأول درس لازم تتعلميه إنك تفصلي بين حياتك الخاصة وشغلك ...
ثم أوقف السيارة فجأة ليردف:
_لو مقتنعة بكلامي نكمل...لو مش مقتنعة ألف وأرجعك البيت.
رفعت إليه عينين مترددتين غارقتين بضعفهما فازدرد ريقه بتوتر وعيناه تنسحبان رغماً عنه لخصلات شعرها المصبوغة بلون أحمر داكن مثير يُظهر مع سواد ثيابها بياض بشرتها الناصع...
عجباً...هل صبغته حديثاً؟!
أم هو الذي لم ينتبه للونه هذا من قبل ؟!
لماذا لا تصبغه هانيا هكذا سيكون عليها أكثر ملاءمة خاصة مع لون بشرتها القمحي الذي يعشقه ...
فقط لو ترتدى معه قميصاً حريرياً بلون ذهبي ستكون...!
تنحنح بخفة وهو يدرك إلى أي حد جامح بلغت به أفكاره ليردع نفسه بقوله الساخر سراً:
_ريح نفسك ...الدكتورة بتاعتنا أشرف من الشرف مابتلبسش قمصان نوم ولا بتروح ل"كوافير"...آه...وبتطفي النور!
_خلاص ...ماشي!
قاطعت بها أفكاره فالتفت نحوها قائلاً بارتباك:
_ماشي إيه؟!
_نروح الشغل!
غمغمت بها بنبرتها الوديعة المتهالكة و...المهلكة!
فأشاح بوجهه ليعيد تشغيل السيارة منطلقاً بها بينما هي تمسح دموعها محاولة التماسك ...
هذا العمل فرصة لها الآن كي تعاود حياتها معتمدة على نفسها ...
فرصة ستسعى ألا تضيعها مهما حدث ...
هذا ما حاولت تذكير نفسها به طوال اليوم وهي تحرص على تناسي آلامها الخاصة ...
لكن أي اقتراب ذكوري من محيطها كان يصيبها
بالارتباك ...
كل نظرة من زملائها كانت ترى فيها سجناً...و"محرقة"!
كان يُهيأ إليها أن نظراتهم التي "أشعلتها" ثيابها السوداء الواشية بوضعها الضعيف "تنطفئ" فجأة عندما تنحدر نحو "دبلة" أحمد في إصبعها ...
أحمد لايزال يحميها ميتاً كما كان يحميها حياً!
وجع الفكرة الأخيرة كان يستجلب الدموع لعينيها لكنها تعود لتتذكر نصيحة رامز فتمنحها بعض التماسك .
وفي غرفة مكتبه كان هو يحاول التركيز في عمله مع أفكاره التي شغلته بشأنها ...
"الأرملة الفاتنة ذات الشعر النبيذي" صارت حديث الشركة منذ الصباح ...
حتى العامل العجوز الذي يحضر له القهوة سأله عنها بفم تساقطت أسنانه مشيراً إليها بوصفه "حتة القشطة"!
وهو يعرف كيف ستسير الأمور هاهنا...
ومع شخصية ضعيفة متحفظة كغادة لن يكون أمامها إلا ترك العمل أو الاستعانة بحارس شخصي.
"بودي جارد"!
ربما هذا هو الدور الذي اختارته لها زوجته المصون لهذا تعمدت أن تجعل صديقتها تعمل معه هنا!
الدور الذي أداه بجدارة وهو يغادر معها الشركة آخر النهار ليصطحبها معه في سيارته نحو البيت وقد بدأ يشعر أن ثقل صحبتها أشد عليه كثيراً مما كان يتوقع ...
كانت هانيا تنتظرهما في شقتها كما توقع كي تطمئن على غادة فتركهما لثرثرتهما ...
توجه نحو غرفته ليبدل ملابسه ولازال ذهنه مشغولاً بأفكاره...
عندما شعر بلمستها الخفيفة على كتفه فالتفت نحوها...
_شكراً يا رامز.
قالتها هانيا مبتسمة قبل أن تستطيل على أطراف أصابعها لتقبل وجنته مردفة بامتنان:
_غادة أحسن كتير ...ماتتصورش الشغل ده هيفرق في نفسيتها إزاي.
هز رأسه بلا معنى وهو يقول بعتاب ساخر:
_يعني الدكتورة راضية عني؟!
فاتسعت ابتسامتها وهي تحيط كتفيه بكفيها قائلة بتحفظها المعهود:
_انت راجل بجد...وأنا فخورة إني مراتك.
_طب زودي حتة صغيرة...وأوعدك أشيلها في المونتاج!
قالها متهكماً من جفاف عبارتها فضحكت ضحكة صافية وعيناها تمنحانه سحر العاطفة المتدفق الذي جفت عنه كلماتها ...
قبل أن تتنهد بحرارة لتسند جبينها على كتفه قائلة بنبرة اعتذار شابت قوة نبرتها المعتادة:
_عشان منتكلمش في الموضوع ده تاني...وعشان تفهمني كويس لازم تفهم إن الحب عندي مالوش علاقة بالكلام ولا باللبس ولا دلع البنات...الحب عندي مسئولية ...مسئولية زي مسئولية اخواتي اللي شلتها مع يامن بعد وفاة بابا وماما...زي مسئولية دراستي اللي اتحملتها لغاية ما بقيت معيدة في الجامعة...
ثم رفعت إليه عينيها لتردف بنبرة أقوى:
_وزي مسئولية جوازنا اللي هاشيلها عشان ينجح بجد ونبقى سعدا سوا.
والصدق الحار في كلماتها انتقل إليه ليثلج صدره ...
فضمها إليه بقوة ليتخلل شعرها بأنامله مقرباً وجهها نحوه مع محاولته الأخيرة لاختراق حصون تحفظها هذا:
_والمسئولية دي لازم تشيليها بوش "الشاويش عطية" ده ؟! ما ينفعش تحسسيني شوية إنك ست ؟! ما ورثتيش جينات خالتك ليه ؟!
كان يقولها مازحاً ولا يدري أنه قد داس على الجرح القديم ...
لهذا اتسعت عيناه بإدراك عندما تنمرت ملامحها مع هتافها المنفعل:
_خالتي ؟! وصلت لإيه خالتي؟! جمال وشياكة وشهرة وأنوثة بتحسدها عليها أي ست لحد دلوقت في سنها ده ...لكن خسرت إيه في المقابل ؟! عايزني أبقى زيها ؟! عمري ما هابقى زيها ...عارف ليه ؟! لأني أكتر واحدة شاهدة هي دفعت تمن شكله إيه عشان كل ده .
عقد حاجبيه بقوة وهو يشعر أنه يقترب أكثر من صندوق ذكرياتها الأسود ...
ورغم تطرف أفكارها الشديد لكنه الآن قد بدأ يعذرها فيه ...
هي تحاول قدر استطاعتها الابتعاد عن صورة "بيللا" النجمة بكل تفاصيلها الصالح منها والطالح ...
ربما لهذا السبب تحاول وأد أنوثتها بهذا المظهر الجديّ الذي تتخذه حياتها كلها ...والبعيد تماماً عن طبيعتها العاطفية التي يستشعرها !
هذا الإدراك الذي جعله يشعر بالكثير من الارتياح ...
لكنه لم يجعله يعدل عن خطته !
هانيا يجب أن تتغير!
ستحبه بطريقته وتتنازل عن كل هذه الحواجز التي تختبئ خلفها ...
وهو وضع قدمه على أول الطريق ولن يبرح حتى يبلغ!
======
_اتأخرت ليه ؟! الماتش بدأ من بدري.
هتفت بها ياسمين وهي تنتظره أمام التلفاز عقب عودته من الخارج
فتحفزت ملامحه وهو يسألها بينما يتابع المباراة:
_إيه الأخبار؟!
_محدش لسه جاب جون بس اللعب حلو!
ابتسم وهو يجلس جوارها ليقول بفظاظته الساخرة بينما عيناه معلقتان بالتلفاز:
_خلليكِ في المطبخ يا حلوة...الستات مابتفهمش في الكورة!
لكنها أشارت نحو الشاشة لتقول بحماستها الحيوية:
_ده كلام الرجالة العنصريين اللي زيك...شايف محمد
صلاح ده مثلاً؟! أراهنك في خلال سنة هيكون له مستقبل عظيم .
رمقها بنظرة جانبية ساخرة لتلتفت نحوه متسائلة :
_اشمعنا في الكورة بتتفرج على فرق أجنبية ؟! مع إني لاحظت إن ذوقك شرقي في كل حاجة ...
_لا أنا في الكورة راشق في أي حاجة...كان حلم حياتي من صغري أطلع لاعب كورة بس ...أوووو...جووووووون!!!!
ضحكت بمرح وهو يقاطع عبارته بتصفيقة تبعها صفير طويل جعلها تواصل ضحكاتها المستمتعة بلا انقطاع ...
متلذذة بهذا الوجه الحماسي منه البعيد تماماً عن قناع سخريته الفظة في غالب أوقاته ...
حتى ولو لأجل لعبة!
بينما تظاهر هو بمتابعة المباراة لكن تركيزه كان مشتتاً بنظراتها المصوبة نحوه ...
حنان عاطفتها التي تغدقها عليه بسخاء لايزال يربكه ...
يخشى إدمانه لكنه يتلذذ بارتشافه قطرة قطرة ...
أناني؟!
هكذا يظن نفسه معها لهذا يلومه ضميره كثيراً لكنه يخرسه بزعمه أنه لا يطلب منها شيئاً...
هو يتظاهر بالصلابة أمام فيض عشقها الذي يجرف في تياره كل سدود وساوسه بشأنها ...
ولازال يصبر نفسه أن كل هذا مجرد عرض مؤقت ستنتهي صلاحيته بانتهاء مشكلته مع سيلين...
_هاحضر لك العشا وآجي نشوف الشوط الثاني.
قالتها وهي تقوم من مكانها عقب انتهاء شوط المباراة
الأول ليتابعها ببصره خلسة باستمتاع ...
منامتها الوردية شديدة الأنثوية رغم تصميمها المتحفظ الذي لا يبدي تفاصيل جسدها لكنه يفسح المجال للخيال مع حزام خصرها الضيق ...
الخيال الذي لم يكن ينقص رجلاً مثله على أي حال !
هو يزعم أنه "رجل التفاصيل" الذي تستهويه دقائق
الأمور ...
فكيف يغفل عن طلاء أظافرها الرقيق الذي حمل لون منامتها ؟!
وذاك الخف المنزليّ الذي تزينت مقدمته بالفرو الأنيق مع حبات اللؤلؤ الصغيرة لتبدو من خلفه أصابعها المنمنمة بمظهرها الشهيّ الذي لا يدري لماذا يثيره إلى هذا الحد !
عيناه تواصلان مراقبتهما الخفية لها ملاحظاً أنها لا تكاد تهتم بتصفيف شعرها ...ولولا نعومته الطبيعية لكان مظهرها كارثياً!
غريب!
هي تتركه دوماً حراً دون رباط بما يناسب طوله القصير لكنها لا تهتم به اهتمامها ببقية تفاصيل جمالها ...
يقولون إن الشعر الطويل لا يلائم القصيرات لكنه يود لو يرى شعرها هذا طويلاً كما يذكرها قديماً بجديلة ذهبية ثرية خلف ظهرها ...
جديلتها التي كانت غريبة على مظهر رفيقاتها في ذاك الوقت ...
ربما لهذا يذكرها جيداً ...
انقطعت أفكاره بتثاؤب طويل وهو يشعر بجفنيه
يتثاقلان فمال على جانبه ليرقد على الأريكة مسنداً رأسه على الوسادة التي كانت تحتلها هي منذ قليل ...
والتي علق بها عطرها "الملون" الذي طالما أثار حيرته ...
والآن يثير بداخله إحساساً آخر لا يدري كنهه ...
إحساس ب"الأمان"!
أمان؟!
من الطبيعي أن يكون الرجل "أمان" المرأة...
لكن الغريب أنه معها هي يشعر بالأمر منعكساً...
هو الذي يحتاج حبها ومع هذا يزعم فيه زهداً...
وهي التي تعطي وتعطي ...ولا تريد التوقف!
أخذته أفكاره بين يقظة ونوم غلبه أخيراً ليعود إليه إدراكه مع شعوره
بالغطاء الذي لامس جسده ...
أبقى عينيه مغلقتين وهو يشعر بها تقترب منه ...
تنحني عليه لبضع ثوانٍ مرت عليه في ترقبه كدهر ...
قبل أن يشعر بملمس شفتيها على جبينه في قبلة خاطفة لم تستغرق ثانية واحدة !
ثانية واحدة أشعلت به الاشتياق لمذاقها الذي يذكره كحلم بعيد ...
حلم ابتعد الآن مع ابتعادها وهي تغلق التلفاز والأضواء كي لا تزعج نومه!
صوت باب غرفتها يغلق فيفتح عينيه اللتين طار منهما النوم تماماً ...
الآن فقط يعترف أنه عاجز عن صد هجومها العاطفي...
وكيف يفعل؟!
وحبها يتشح بغلالة رقيقة من "أمومة" يهفو إليها "اليتيم" المنزوي بين أضلعه ...
أجل ...هذا حب "أم" وليس حب "امرأة" ....
ومن مثله يدرك الفارق؟!
لكن ...ماذا بعد؟!
هي "القوية" بعشقها ...وهو "الضعيف" بخوفه ...فكيف يلتقيان؟!
======
عاد من عمله مبكراً الليلة على غير عادته ...لماذا؟!
لو حسب الأمور بعقله لقال إن طبيعته "الوسواسية" جعلته يرغب في استكشاف حياتها في بيته في غيابه ...
لكنه لو استمع لهمس حواسه الخفيّ لأدرك أنه لا يريد مراقبتها شكاً بل...شغفاً!
أجل...
هي صارت هوسه الجديد بعدما زلزلت كل أركان عالمه وأشعلت الثورات في أوطان طالما ظنها خانعة !!
لهذا ركن سيارته بعيداً عن باب البيت الخارجي الذي فتحه ببطء حذر كي لا يحدث صوتاً ثم أغلقه خلفه بنفس الحذر ...
قبل أن يعبره بخطوات حذرة ليدور في الحديقة المحيطة به حتى توقف على بعد مناسب من نافذة المطبخ المطلة على الحديقة ...
المطبخ الذي يعلم أنها تقضي فيه أغلب أوقاتها بحكم عشقها للطهي...
المهارة التي يعترف لها بها بكل اقتدار!
أسند ظهره لجدار النافذة يتمالك أنفاسه المتسارعة وهو يشعر
بالمغامرة ...
جزء من ضميره يؤنبه لكنه يخرسه بزعمه أن لا ضير في مراقبة زوجته !
مال برأسه بحذر يحاول استكشاف ما يجري بالداخل قبل أن تتسع عيناه بصدمة وهو يميز جسدها الضئيل هناك تعطيه ظهرها منهمكة
بالطبخ !
جسدها الذي يراه لأول مرة بهذا الوضوح في منامة شديدة القصر ...
جزءها العلوي بحمالتيه الرفيعتين ينحسر كثيراً حتى يكاد يبدي ظهرها كله ...
بينما بدا جزءها السفلي بلا فائدة تقريباً مع قصره الشديد الذي التحم مع ضيقه ليصنعا معاً كارثة لعيني أي رجل!
هل جسدها مشوه كما كان يظن؟!
ضاقت عيناه بتفحص وهو يمعن في اقترابه الحذر لكنه لم يتبين أي تشوه !!
لكن ...مهلاً !
هناك تلك الندبة داكنة اللون قرب كتفها...
وهل تستحق وحدها كل هذا التحفظ الذي تفرضه هي على ملابسها؟!!
انقطعت أفكاره عندما استدارت فجأة فكتم أنفاسه وهو يبتعد برأسه ...
قبل أن يعود ببصره بحذر ليتفحص جسدها من الأمام مستغلاً انشغالها بما تفعله !
انفرجت شفتاه باستجابة حسية لما يراه لكن هذا لم يكن ما يؤرقه ...
بل سبب نفورها من الملابس المكشوفة!
لقد كان يظنها مشوهة الجسد أو ناقصة الأنوثة لكن ما يراه الآن يخالف كل توقعاته ...
هذه المرأة لو أرادت خطف الأبصار فستفعلها دونما جهد يذكر!
هل من المفترض أن يسعده هذا؟!
أن يجعله يشعر بالفخر وهو يرى هذه الفتنة المتجسدة تزعم أنها تعشقه هو دون مقابل؟!
لا!
العجيب أن رؤيته لها هكذا لم تؤجج في صدره سوى المزيد من الوساوس والشكوك ...
كيف ظن أن إدخال امرأة كهذه في حياته سيكون بتلك السهولة التي توقعها؟!
كيف وهي ببساطتها هذه إعصار غموض يجتاحه دونما رحمة؟!
تبدو وكأنها تعطيه بسخاء دونما مقابل والحقيقة أنها تحتله كله في كل دقيقة تمر عليهما معاً!!
لهذا كز على أسنانه بقوة كاتماً مشاعره قبل أن يعود بخطوات متمهلة نحو باب البيت الداخلي الذي فتحه بنفس الحذر ليتوجه نحو المطبخ ...
_السلام عليكم!
لم يكن يتوقع أن يثير الموقف عاصفة الهلع التي اجتاحتها ...
شهقتها العنيفة وهي تغطي جسدها بذراعيها للحظة واحدة قبل أن تفعل أغرب شيء توقع أن تفعله !!!
لقد اندفعت نحوه بسرعة لتلصق راحتيها بعينيه هاتفة بانفعال:
_اوعى تبص ...أرجوك!
ظلت تكررها بانفعال بدا له هستيرياً قبل أن يغلبها البكاء الذي لم يفهم له هو داعياً في موقف كهذا!
ربما كان سيتفهم لو كان شعورها خجلاً...مفاجأة من وجوده ...
لكن هذه الرهبة الخانقة حد البكاء غريبة حقاً!
_اهدي خلاص مش هابص!
قالها وهو يحاول التربيت على ذراعيها مهدئاً ولازالت راحتاها تغطيان عينيه لكنها ابتعدت عن مرمى ذراعيه بذاك النفور الذي يثير جنونه مع هتافها الباكي:
_هارجع أوضتي بس احلف إنك مش هاتبص ...احلف !
ربما في موقف آخر كان ليعتبر كل هذا مجرد دلال أنثوي متمنّع يستحق السخرية وبعض ال...جرأة!
لكنه يشعر الآن بحق أنها لا تدعي كل هذا ...وكيف تفعل؟!
وهو يكاد يسمع دقات قلبها الهادرة تعوي وسط كل هذا البكاء!!
لهذا ازدرد ريقه بتوتر ليهتف لها مهدئاً:
_والله هافضل مغمض لحد ما تروحي أوضتك...اهدي بقا!
صمتت للحظات وكأنها تتردد قبل أن ترفع كفيها عن عينيه ليبرّ هو بقسمه بينما هي تهرول نحو غرفتها التي أغلقت بابها خلفها بسرعة !
ورغم يقينه من أنها ابتعدت لكنه ظل مغمضاً عينيه على صورتها الأخيرة التي رآها ...
ليس فقط كونها أجمل وأشهى صورة رآها فيها ...
لكنها تلك "الحمية" التي أثارها فيه بكاؤها المذعور هذا!
انهيارها هذا الذي لم يشهده من قبل مع شخصية حيوية مثلها إلا....
إلا تلك الليلة التي تشاجرت فيها مع طليقها لتنتهي بعزلتها في مكانهما المفضل!!
تباً!!
يبدو أن ذاك الوغد فقط هو من يطفئ شعلة توهجها التي شهد عليها هو نفسه في تلك الفترة القصيرة التي عرفها فيها...
يجب أن يفهم تفاصيل ما كان وما يكون ...بل وما سيكون !!
اتفاقهما؟!
فلتذهب كل الاتفاقات للجحيم ...سيصاب بالجنون لو لم يحط بكل التفاصيل كالعادة!!
لهذا زفر بقوة ثم توجه نحو غرفتها التي طرق بابها منتظراً إذنها
بالدخول ...
ولم يكد يفعلها حتى وجدها جالسة على فراشها وقد ارتدت إحدى مناماتها الطويلة كالعادة ...
تحتضن ركبتيها بذراعيها وتخفي وجهها الباكي بينهما !
تقدم منها بقلب وجد صدى وجعها بداخله ليجلس جوارها على طرف الفراش ثم تنحنح بخشونة قائلاً:
_آسف عشان دخلت فجأة من غير ما أقوللك!
_أنا اللي آسفة...أنا اللي مش طبيعية!
قالتها بغمغمة باكية دون أن تغير وضعها فتنهد بحيرة ...
قبل أن يحسم أمره ليقترب منها أكثر ...
ثم ضمها إليه بذراع واحدة !
وكما توقع تماماً انتفضت مكانها بنفس النفور الذي يثير غيظه لكنه احتكر نظراتها الخائفة بفيض عينيه الذي مزج حنانه بقوته مع همسه:
_لو فاهماني كويس زي ما بتقولي هاتعرفي إني عمري ما هأذيكِ أو أعمل حاجة غصب عنك ...أنا بس عايزك تهدي...اهدي!
أغمضت عينيها بقوة بعدها وجسدها يستكين تدريجياً بينما أحد ذراعيه يضمها وبالآخر يربت على وجنتها...
حتى استكان رأسها على كتفه ولازالت شهقات بكائها تصم أذنيه ...
كم يود الآن لو تفك ارتباط ساعديها هذا لتتشبث به هو ...
لكنها لم تفعلها ...
وكأنها تأبى إلا أن تستمد قوتها من نفسها فحسب!
ظل يربت على وجنتها برفق صابراً حتى هدأت حدة بكائها فتنهد بارتياح ...
قبل أن تتوغل أنامله بين خصلات شعرها مع همسه الذي يبدو خشناً لكن كليهما كان يدرك ما يختفي وراءه:
_قصيتِ شعرك ليه ؟! أنا فاكر إنه كان طويل قوي ...يمكن عشان كده ما افتكرتكيش بسهولة.
قالها متوهماً أنه يغير الموضوع كي يصرفها عما يزعجها ...
لهذا تعجب عندما عاد جسدها لتشنجه بينما تجيبه بانفعال حار:
_عشان كرهته!...كرهته زي ما كرهت جسمي وكرهت إنه يبان !
نظر إليها مبهوتاً وهو يحاول التقاط نظراتها في هذه اللحظة لكنها كانت تخفي وجهها باستماتة في كتفه ...
يكاد يستصرخها بالبوح عما تخفيه لكنه كره -استغلال ضعفها- في هذه اللحظة ...
فاكتفى بتشديد ضمة ذراعيه لها تاركاً لها حرية الابتعاد متى شاءت !
ذاك الذي اختارته بعد بضع دقائق نسجها الصمت الصارخ بالمشاعر بينهما ...
قبل أن ترفع إليه عينيها أخيراً فهمس لها بنفس النبرة الخشنة:
_ممكن أرد لك حاجة ادتيهالي امبارح!
عقدت حاجبيها بتساؤل حائر لكنه لم يمنحها الفرصة للتفكير عندما مال على جبينها بقبلة ناعمة قصيرة كتلك التي منحتها له بالأمس ...
اتسعت عيناها بصدمة وهي تدرك أنه كان متيقظاً عندما فعلتها ...
هذا الإدراك الذي جعلها تذوب خجلاً لكن لم تكن لوجنتيها أن تحمرا أكثر فقد كانتا محترقتين تماماً بانفعالاتهما ...
لهذا ابتعدت مجفلة أخيراً لتغادر الفراش وهي تغمغم بارتباك:
_هاقوم أغسل وشي!
فقام ليقف قبالتها جاذباً ساعدها نحوه مع تساؤله :
_هتعيطي تاني؟!
عضت على شفتها بقوة وهي تطرق برأسها للحظات قبل أن تستجمع قوتها لتعاود رفع رأسها وهي تمسح وجهها ...
وبنفس القوة الحيوية التي يعرفها فيها رسمت على شفتيها ابتسامة شاحبة وهي تهز رأسها في جواب
بالنفي ...
قبل أن تغادره نحو الحمام الصغير المرفق بغرفتها ....
لازالت قوتها تبهره!
لا ...ليست قوتها فقط ...بل مزيج الضعف والتحدي الذي يشعر أنها تواجه به حياتها ...
لقد تعلم في عمره القصير أن تجاهلنا المبالغ فيه لأحزاننا يُكوّن حولنا قشرة واهية تجعلنا ننهار بسهولة عند أول ضغط إضافي...
ويبدو أنها هي الأخرى وعت هذا الدرس جيداً ...
هي لا تتجاهل حزنها ...لا تغض الطرف عنه...بل تعيشه ببساطة ...تواجهه...تبكي وتعطي قلبها حقه في التأثر ...لكنها تنهض بعد كل هذا من عثرتها بابتسامة قوية كهذه التي رسمتها على وجهها في النهاية !
تنهد بعمق وهو يشعر أنه يتورط بها أكثر قبل أن تحين منه التفاتة لحاسوبها المحمول هناك ...
فتردد للحظة قبل أن يغلبه سلطان وساوسه ليجد نفسه يقترب منه ليفتحه...
فيجد...صورته!
أجل...صورة قديمة له لا يدري من أين أتت بها !
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة وهو يشعر بالحنين كعهدنا مع صورنا القديمة...
صحيح أنه كان أنحف بدناً وأقل وسامة مما هو عليه الآن ...
لكن شيئاً ما في ابتسامته كان يمنحه شكلاً أجمل...
شيئاً من "براءة" نالت منها قسوة ظروفه التي لطمته بها
الأيام بعدها !
اتسعت ابتسامته وهو يلمح ملفاً كاملاً يحمل اسمه ...
فتحه ليجد العديد من صوره في تلك الفترة ...
مروراً بالعديد من الصور له قبل سفره لانجلترا ...
وانتهاء بصور حديثة له في رحلة الأقصر !
هذه المرأة مهووسة به حقاً!
لكن ما لفت نظره هو تلك الصورة التي وجدها لكليهما والتي يوقن أنها ليست حقيقية ...
صورة لهما معاً وهو يحتضنها بقوة !!
هو لم يكن معها بهذا الوضع أبداً حتى ليلة زفافهما!
زفافهما؟!
أين صور زفافهما؟!
لماذا لا تحتفظ بها في هذا الملف؟!
انقطعت أفكاره عندما وقع بصره على كيس البالونات جواره على الكومود...
فالتمعت عيناه بعبث وهو ينتوي أن يعد لها مفاجأة!
=========
فتحت باب الحمام لتخرج قبل أن تشهق بدهشة وهي تجد عدداً من البالونات الملونة جواره على الفراش بينما وجهه محمر وهو ينفخ واحدة أخرى!
ضحكت ببساطة تميزها وهي تقترب منه لتهتف بدهشة لم تخلُ من لمحة سعادة:
_بتعمل إيه؟!
انتهى مما يفعله ليربط البالون بخيط رفيع كي يضعه جوار صحبته
مكملاً لها مجموعة الألوان مع قوله الساخر:
_بنفخ بلالين! الله يسامحك ...بقى دي آخرة دكتور محترم زيي!
عادت ضحكتها تصدح جواره بسعادة يدرك الآن أنها حقيقية تماماً ...
عسل عينيها يلتمع ببريق أمل محا بريق الدموع التي
ملأته قبلاً وهي تجلس جواره على طرف الفراش لترفع البالونات واحدة تلو الأخرى فتطيرها لأعلى تاركة لها حرية السقوط حولها ...
قبل أن تلتفت له بهمسها الدافئ:
_شكراً يا يامن...متعرفش حركة بسيطة زي دي تساوي عندي إيه!
فاقترب بوجهه منها ليسألها بجدية:
_عايزة تشكريني بجد؟!
همهمتها المترقبة كانت الجواب فتناول حاسوبها المحمول ليدير شاشته نحوها قائلاً:
_يبقى جاوبيني...كل الصور بتاعتي عارفها ...إلا دي...فوتوشوب صح؟!
بدا على وجهها الارتباك للحظة قبل أن تطرق برأسها كطفلة مذنبة ...
لكنه رفع ذقنها نحوه ليهمس بحزم حنون:
_هتقوليلي وحالاً!
_ومش هتقول عليّ مجنونة بيك؟!
_وأنا لسه هاقول!
هتف بها مشاكساً ليزداد احمرار وجنتيها اللذيذ مع إجابتها :
_دي صورة قديمة ليك كنت بتحضن بنت صغيرة في النادي وقعت على رجلها وكانت بتعيط...ماتعرفش وقتها حسيت أد إيه انت حنين ...لقطت الصورة وكنت كل شوية أتفرج عليها لحد وقت قريب كنت حاسة فيه إني لوحدي ...
ارتفع حاجباه بتأثر وهو يدرك البقية قبل حتى أن تكملها :
_لقيتني بشيل صورة البنت وبحط صورتي!
كانت تهمس بها بمنتهى الخفوت وهي تتحاشى لقاء نظراته بينما تتلاعب أصابعها بحركة عصبية ...
أصابعها التي شبكها الآن بأصابعه وهو يسألها فجأة دون مقدمات :
_أنا كنت سبب من أسباب طلاقك؟! أنا عارف إننا اتفقنا ما نخوضش في تفاصيل ...قولي آه أو لا!
أغمضت عينيها بقوة ثم سحبت أناملها منه لتشيح بوجهها قائلة:
_ممكن أرضي غرورك وأقوللك آه...بس الحقيقة ...لا!
ثم رفعت رأسها لتردف بنبرة أقوى:
_أنا مابخونش يا يامن...لما اتجوزت كنت خدت قراري إني هارمي الماضي كله ورا ظهري...ربنا عالم إن أنا وقتها ما كنتش حتى بحاول أفكر فيك ...اعتبرتك حلم قصير صحيت منه ...حتى صورك خبيتها في "الفولدر" ده وما فتحتهاش تاني غير لما اتطلقت.
كم يود الآن لو ينعتها بالكذب!
لو يخبرها أنه لا توجد امرأة في هذه الدنيا بهذه المثالية!
لو يصرخ بها أنه لا يصدق حرفاً مما تزعمه !!
هذا أهون عليه بكثير من هذا الشعور الحارق الذي يعصف بقلبه الآن...
لكن المصيبة الحقيقية أنه يصدقها!
كل كلمة...بل كل حرف يغادر شفتيها إلى قلبه مباشرة دون حواجز !
_بتبص لي كده ليه ؟! مش مصدقني!
همست بها بتفهم وهي تعود ببصرها نحوه مدركة طبيعته المتشككة...
فرمقها بنظرة طويلة قبل أن يقوم ليقف قبالتها
متجاهلاً سؤالها الذي لا يريد إجابته...
_جعان!
ارتفع حاجباها بدهشة للحظة قبل أن تهتف بلهفة حانية:
_يا خبر! حالاً !
قالتها وهي تهرول لتغادر الغرفة بخطواتها شبه الراكضة التي تجعلها أقرب لطفلة عابثة ...
فتأوه بخفوت وهو يراقبها بمشاعر لم يعد يدرك ماهيتها لكنه قرر تجاهلها....
لحق بها إلى المطبخ ليجدها تعد المائدة بسرعة وما إن لمحته حتى هتفت :
_عارفة إنك مش بتحب الأكل سخن قوي ولا بارد ...نص نص...شوف كده مناسب؟!
قالتها وهي تتناول بالشوكة قطعة لحم وضعتها بين شفتيه ليجيبها باستحسان:
_جداً!
ابتسمت بفخر وكأنه قد منحها بإجابته المقتضبة شهادة تقدير لتشير بكفها نحو الطعام هاتفة:
_محشي ورق عنب..كرنب...كوسة...برنجان...فلفل...شوربة لسان عصفور...طاجن بامية باللحمة...وسلطات!
_ذنبي في رقبتك...كل اللي يشوفني يقوللي تخنت بعد الجواز...شكلي هحتاج كورس مكثف في الجيم عشان أنزل الكام كيلو اللي زدتهم!
قالها بلهجته الساخرة التي تعرفها بينما يجلس مكانه ...
فابتسمت وهي تسحب كرسيها لتجلس أمامه هاتفة:
_أعتبر دي شهادة منك بطعامة أكلي؟!
_مش محتاجة شهادتي...واضح إنك واخدة موضوع الأكل ده هواية مش مجرد طبيخ وخلاص...
ثم تنحنح بحرج ليردف:
_بس للأسف أنا ماليش في المحشي خالص...طول عمري مش بستلطفه !
ظهرت الخيبة على ملامحها لتقول بما يشبه الاعتذار:
_معقول؟! ماكنتش أعرف!
_ممكن أجرب المرة دي!
قالها وقد ساءته الخيبة التي كست وجهها فتهللت
ملامحها لتنسى حذرها المعهود بخصوص طباعه الوسواسية ....
فتناوله بأصابعها أحد أصابع المحشي التي قربتها من شفتيه هاتفة بحماس:
_أيوة كده جربه حرام أنا تعبت فيه!
هنا التمعت عيناه بحنان غريب وشعوره ب"أمومتها" نحوه يعود يغزوه...
هو لم يعرف امرأة في حياته تعبت لأجل أن تعد له -هو وحده- طعاماً!
لكن علامَ العجب؟!
هذه المرأة لم يعد شيء ما فيها يدهشه!
وكأنما خلقت لتضرب "ثوابته" في مقتل وتقصف كل معتقداته بينما تمنحه بكل سخاء ما عاش عمره محروماً منه ...
لهذا أمسك معصمها يقرب أصابعها الممسكة بالطعام من شفتيه فيتناوله بتلذذ مستمتعاً بمذاقه...
وبنظراتها العاشقة المرتبكة قبله!!
هذا الارتباك "اللذيذ" الذي أصر أن يزيده وهو يلعق أصابعها بخفة مدغدغاً بحركة لطيفة مع همسه العابث:
_انتِ عارفة إنه من السُنّة إن الواحد يلعق أصابعه بعد
الأكل!
_صوابعه مش صوابع اللي معاه !
غمغمت بها بحروف شبه ذائبة وهي تسحب أناملها منه فجأة ...
فضحك ضحكة طويلة جعلتها تغمض عينيها بحنان لتسأله:
_عجبك؟!
_لو كل مرة هاكله كده ...معنديش مانع!
ارتفع حاجباها بدهشة غلبت ارتباكها وهو يعاود الإمساك بمعصمها ليوجهه نحو الطعام ...
فترددت قليلاً قبل أن تعيد الكرّة وهي تتحاشى النظر نحوه ...
لتسأله بارتباك خجول:
_غريبة! داليا كانت بتقول إنك مش بتحب حد يمد إيده في أكلك.
رفع حاجبيه بدهشة للحظة وكأنه تنبه الآن فقط لصحة ما تقول ...
قبل أن يهز رأسه ليغمغم بمواربة:
_أكيد لكل قاعدة استثناء!
_صحيح؟!
همست بها بأمل أشرق في ملامحها واستجلب ابتسامة حنون لشفتيه بينما عيناهما تتعانقان بنظرات ليست
كالنظرات...
كلاهما في هذه اللحظة كان يتشبث بما يتسرب من حديث تفضحه عينا صاحبه دونما حذر...
بينما يقاوم كي لا تخونه عيناه هو!!
قلبها كان يخفق بقوة وهي تشعر بحنانه الذي طالما لمسته من بعيد يخصها هي الآن به...
وقلبه كان يحاول التحرر من سجون شكوكه التي تزويه بعيداً عن شمس عاطفتها ...
وبين هذا وذاك دار حديث العيون الذي قطعه هو أولاً بمحاولة هروبه من هذا الاعتداء العاطفي الغاشم على حصونه بقوله :
_سيلين هتوصل مصر بكرة أو بعده بالكتير!
توقفت أناملها عما تفعله للحظة قبل أن تعاود إطعامه بنفس الطريقة لتسأله وقد عادت العيون لغربتها:
_عايزنا نعمل إيه؟!
_هنسافر!
قالها بحزم وهو يمضغ الطعام بشرود ليردف:
_المفروض إننا عرسان وطبيعي نكون مسافرين نقضي شهر العسل ...ده اللي لازم هي تفهمه ...ولو عايزة تكلمني تستناني لما أرجع.
صمتت طويلاً تراقب شروده بعينيها الخبيرتين به ...
رغم ما توقن به من حنان طباعه الأصيل لكنها تدرك كذلك أن قسوته لن تقل عنه عمقاً...
قسوته التي لا تدري ماذا فعلت سيلين كي تستحقها بهذا الشكل الذي قد يدفعه للتخلي عن ابنه ...
_حبيتها؟!
سألته وهي تعاود الهرب من نظراته بالتشاغل بالطعام ليجيبها بنبرته الخشنة التي عادت إليها قوتها:
_لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين...الحب ده لعب عيال اديته مرة لواحدة ماتستاهلش ومعنديش استعداد أقع فيه تاني...
لم يكد يتفوه بها حتى انتبه لفظاظة ما قاله خاصة مع إطراقة اليأس التي نالها منها ...
لكنه لم يفكر في التراجع!
هو لم يخطئ فيما قاله ...ولا يريد أن يعلقها ب"قشة" غرام لن يمنحه لها !
هو آمن مادام على البر ...فما يلجئه ل"موج" المخاطرة؟!
لهذا أردف بنفس الخشونة:
_جوازنا كان اتفاق هي خانته...ومش ذنبي إنها فاكرة إننا ممكن نرجع تاني.
ظلت صامتة بعدها مطرقة الرأس لا تعقب فشعر بالضيق الذي جعله يسألها:
_تحبي تسافري فين؟!
_مش هتفرق.
قالتها وهي تعاود رفع رأسها بابتسامة مصطنعة نالت من حيويتها المعهودة فتنحنح كعادته ليسألها :
_مفيش مكان معين تحبي تروحيه؟!
هزت رأسها نفياً قبل أن تشحب ملامحها وقد بدت وكأنها تذكرت شيئاً جعلها تقول بارتباك:
_بلاش شرم والغردقة .
انعقد حاجباه وهو يفطن لسبب رفضها لهذين المكانين
بالذات ...
ورغماً عنه تسلل إليه شعور يجربه معها لأول مرة بهذه الصورة ...
شعور "الغيرة"!
ليست الغيرة عن "حب" بل عن رغبة في "التملك" وخوف من الفقد ...
هذا الذي جعله يسألها بنبرة فضحته:
_كان بياخدك هناك ؟!
كان لايزال ممسكاً بمعصمها الذي سحبته منه أخيراً لتتجاهل سؤاله وهي تقوم لتقول بتماسك مصطنع:
_اعذرني مش هاقدر أسهر أكتر من كده...دماغي مصدع ومحتاجة أنام ...تصبح على خير!
ازداد انعقاد حاجبيه وهو يراها تفر من أمامه لتعود لغرفتها ساحبةً من الهواء نكهة خاصة صارت تميزها لديه ...
نكهة يريدها...يحتاجها...يشتاقها ...
لكنه...يقاومها بكل ما أوتي من قوة !
لهذا زفر بقوة وهو ينظر إلى الطعام الذي أعدته والذي فقد مذاقه بمجرد ابتعادها ...
قبل أن يقوم ليدخل ما تبقى في الثلاجة محاولاً التشاغل عن التفكير عنها بأي شيء...
لكنه وجد خطواته تقوده لغرفتها بعد دقائق ...
أصابعه تطرق الباب بخفة مع قوله :
_نمتِ؟!
والإجابة تصله بعدها بقليل عن قريب جداً ليدرك أنها الآن خلف الباب تماماً:
_لسه.
_هتنامي وسط البالونات؟!
يسألها وابتسامته العابثة تعاود التراقص على شفتيه فتجيبه دون أن تفتح:
_آه.
لم يرَ ابتسامتها لكنه شعر بها في نبرتها ليعاود سؤالها ولايزال الباب -اللعين- يفصل بينهما:
_هتعيطي تاني؟!
_لأ.
نبرته الخشنة يتخللها بعض الحنان وهو يمر بأصابعه على الباب المغلق وكأنه يسترجع مذاق قربها ليقول أخيراً:
_تصبحي على خير.
_وانت من أهله.
يوماً ما ستخبره أنها في مصادفة قدرية كانت تتلمس الباب في نفس اللحظة بنفس الشغف ...
هو طريق سبقته هي فيه بآلاف الخطوات لكن يبدو... أنه سيلحق بها!
=======
طرق باب غرفة أمه برفق ليدخل قائلاً بحنانه المعهود:
_إزيك يا ست الكل ؟! أخبارنا إيه النهارده ؟!
فابتسمت المرأة الصابرة رغم شحوب ملامحها لتقول برضا:
_الحمدلله يا حبيبي ...انت عامل إيه ؟! ناقصك حاجة قبل الفرح؟!
هز رأسه نفياً وهو يتقدم منها ليقبل كفها قائلاً :
_ناقصني رضاكِ .
_راضية عنك يا حبيبي ليوم الدين ...رانيا عاملة إيه؟!
سألته بحنان ليجيبها وهو يجلس جوارها على الفراش غائب الذهن بينما هي مستمرة في أسئلتها التي تسألها كل يوم تقريباً ويجيبها هو بنفس الصبر مدركاً قلقها الخفي عليه ...
أسئلتها التي انتهت كالعادة بسؤالها الأخير:
_متأكد إنك مش مخبي عني حاجة يا حبيبي؟!
فيجيبها كالعادة بما يريحها:
_أبداً يا حبيبتي ...كله تمام وتحت السيطرة !
بقليل من المرح يقولها وهو ينهض من جوارها ليردف بنفس النبرة الخادعة:
_أقوم أنا بقا عشان مقتول من التعب...تصبحي على خير .
دعواتها الحارة تلاحق خطواته بينما يغادر الغرفة ليغلقها بابها خلفه قبل أن يتوقف لدقائق يستمع لأنّاتها المتوجعة التي يعلم أنها تخفيها عندما يكونون جوارها ...
زفر بضيق وهو يرفع رأسه لأعلى قبل أن يتوجه للغرفة الثانية التي كانت تحتلها شقيقته وابنتها ...
كان الباب مفتوحاً ليتبين على الإضاءة الخافتة مشهدهما وهما نائمتان متعانقتان ...
فارتسمت على شفتيه ابتسامة مرتجفة وهو يدعو الله أن يعينه على هذا الحمل ...
وأخيراً حملته قدماه لغرفته حيث استلقى على فراشه دون أن يجد القدرة حتى على تبديل ملابسه ...
قلبه يخفق بقلق ما عاد يفارقه والأفكار تتصارع في رأسه بجنون ...
لقد حكى لمساعده في المكتب عن كل ما يؤرقه ونصحه الرجل بالتريث في الأمر لأنه ليس هيناً ...
كما أنه استحسن موقفه بعدم إبلاغ الشرطة ليس فقط
لأنه لا يملك دليلاً واضحاً لكن لأن هذا سيؤثر على سمعة مصنعه الخاص بلعب الأطفال ...
من هذا الذي سيأمن أن يتعامل معه لو اكتشف أن في
الأمر شبهة تهريب مواد مخدرة؟!
هو الآن يعتمد أنها المرة الأولى لهم كما أخبرته سيدة ...
ربما لو أحبط محاولتهم وحده سراً بمعرفة الرأس المدبر ،يستطيع تدارك الأمر دون فضيحة تمس سمعة شركته !
هو يشك في المهندس الجديد المسئول عن الطلبيات ومساعده وعده بالتحري عن الأمر بأسرع وقت لهذا ترك له هذه المهمة فهو لا يملك الخبرة ولا الصلات العامة التي تمكنه من هذا .
انقطعت أفكاره برنين هاتفه فانعقد حاحباه بشدة وهو يرى اسم سيدة ...
وما إن فتح الاتصال حتى سمع صوتها يستغيث بحذر:
_الحقني يا أشرف بيه!
انتفض مكانه وهو يسألها بهلع عما يحدث لكنها غمغمت ببضع كلمات لم يتبينها قبل أن يسمع صوت ارتطام مكتوم تبعه انغلاق الخط!
اتسعت عيناه برعب وهو يغادر غرفته ليخرج نحو سيارته بسرعة غير آبه بشيء إلا هذه المسكينة التي وعدها بحمايتها هي وطفلها الذي غرر بها والده بعقد زواج عرفي .
والده الذي كان يعمل لديه في المصنع قبل أن يختفي تماماً بعدما علمت هي منه عن حقيقة ما تورط به.
لهذا لم تجد لها ملجأ سواه كي يساعدها في إيقاف هذا المخطط وإيجاد أبا طفلها كي يعترف ببنوته ...
صحيحٌ أنها ترددت في البداية خوفاً من أن ينالها ورجلها الأذى ...
لكنها لم تجد بديلاً آخر!
ترى ماذا حدث لها ؟!
هل آذوها؟!
انطلق بالسيارة كالمجنون يعبر الطرقات غير مكترث بتغيير هيئته ككل مرة ليتوجه نحو بيتها ...
ركن السيارة قريباً ثم ترجل ليهرول نحو باب بيتها الذي لم يكن يحتاج لجهد كبير كي يميزه...
فأمامه اصطف جمع غفير من أهل الحي الذين تعالت أصواتهم ليميز الخبر وسط هذه الجلبة...
_سيدة اتقتلت!
======
كاد ينتهي مما يفعله بحديقة البيت عندما شعر بخطواتها خلفه تهتف بلهجتها الحيوية:
_صباح الخير ...صحيت بدري ليه النها...!
قطعت عبارتها بصيحة استحسان عالية وهي تقترب منه لا تكاد تصدق عينيها من هذا الجمال أمامها ...
فهناك على الأرض تراصت بضعة إطارات سيارات كان قد أعاد طلاءها بألوان الطيف ثم جعلها تربة مناسبة ليغرس فيها نبتات بزهور ملونة جعلت مظهرها ساحراً...
ليس هذا فحسب ...
بل إنه صنع من أحدهم أرجوحة ثبتها بسلسلة معدنية في غصن شجرة ضخمة بعد طلائه هو الآخر بتلك الألوان الصاخبة !
_عجبوكِ؟!
لم يكن هناك جدوى من سؤاله فلأول مرة في حياته يفهم معنى أن تدمع عينا المرء فرحاً!
أجل...وجهها كله في هذه اللحظة كان صورة مجسدة للسعادة ...
حتى قبل أن تجد القدرة على النطق لتهتف أخيراً بانفعال:
_أنا مش مصدقة عينيّ...معقول الجمال ده ؟!
قالتها وهي تندفع نحوه لتمطره بنظراتها العاشقة مع استطرادها:
_عملتها عشاني؟!
ازدرد ريقه بتوتر وهو يحيد بعينيه عنها لا يجد جواباً...
سعادتها المشرقة في عينيها هذه تربكه !
بقدر ما تمنحه الرضا عن نفسه وهو يحاول إبهاجها بأي طريقة خاصة بعد ليلة الأمس ...
بقدر ما تثير سخطه وهو يرى نفسه يتورط بها أكثر ...
هو ما عاد يفهم نفسه ...ولا ماذا يريد ...
لكن الشيء الوحيد الذي يثق به أنه يريدها دوماً بهذه الفرحة التي تكاد تصرخ في ملامحها بعيداً عن صورتها المنهارة بالأمس ...
لهذا تنحنح بخشونة ليرد عليها بقوله الجاف كعادته:
_محدش غيرنا ساكن هنا ...وأكيد مش هاعمل الألوان دي لنفسي .
ورغم فظاظة الرد لكن من مثلها يفهم ما يخفيه خلف كلمات كهذه ؟!
لهذا ابتسمت بامتنان وهي تقترب منه أكثر هامسة:
_طول عمري أقول إن الهدية نفسها مش مهمة...المهم اللي قدامك يتعب عشان يوصل للي ممكن يسعدك ...أنا مبسوطة قوي عشان فهمت ذوقي وإن حاجة زي دي ممكن تفرحني .
لا يزال هجومها العاطفي هذا يدك حصون عناده لكنه هو الآخر لا يزال يتشبث بها ليقول ملوحاً بذراعه وهو يشير
للإطارات كي يتصنع عدم الاكتراث:
_كانوا مركونين من غير لازمة قلت أستفيد منهم .
فتحولت ابتسامتها لضحكة صافية وهي تقول له بمرح:
_برضه عملتهم عشاني ...وبرضه هافرح بيهم ...وهاشكرك .
كتم ابتسامته وهو يشيح بوجهه عندما تقدمت هي من
الأرجوحة تحاول الصعود إليها لتلتفت نحوه هاتفة بنفس المرح:
_بس ما عملتش حساب "النخلة" ...فاتت عليك دي!
قالتها مشيرة لقصر قامتها الذي طالما يعيّرها به مطلقاً عليها ذاك اللقب الساخر ..."النخلة"!
لكنه فاجأها عندما رفعها فجأة من خصرها ليجعلها تستقر مكانها على الأرجوحة تحت صرخاتها القصيرة المرحة قبل أن يقول بمكر :
_ومين قالك إنها مش مقصودة ؟! عشان ماتطلعيش من غير إذني!
ضحكت ضحكة عالية وهي تؤرجح ساقيها في الهواء بينما تمسك السلسلة المعدنية بذراعيها لتسأله بمرح ماكر:
_جبته لنفسك ...أنا زي العيال بشبط بسرعة....هتلاقيني كل شوية بقوللك تعال ركبني هنا !
فضحك بدوره وهو يؤرجحها قائلاً:
_حافظي بس على وزن الريشة ده...كيلو واحد زيادة والغصن هياخدك ويقع!
_بطّل سخافة يا دوك...طريقتك الناشفة دي مش هتضيع حلاوة اللي عملته النهارده !
ردت بمرح بين أنفاسها اللاهثة من فرط شعورها بالسعادة ثم كفت عن تحريك ساقيها مكتفية بدفعه هو لها ...
قبل أن تسند جبينها على ظاهر كفها الممسك بالأرجوحة لتقول وقد أغمضت عينيها باستمتاع:
_عارف امتى كانت آخر مرة فرحت فيها كده ؟! من زماااان ...قوي!
رفع حاجبيه بحنان ومشهد خصلات شعرها الذهبية المتطايرة في الهواء يكاد يذهب بعقله ...
كيف ظن يوماً أنه يكره لونه هذا ؟!
كيف يظلمها ويساوي بين شقرة شعرها وأي امرأة أخرى؟!
هل يعقل أن يتغير ذوقه هكذا في بضعة أيام ؟!
أم أن التغيير نابعٌ من نفسه هو؟!
_اوعدني تفضل دايماً كده .
انتشلته بها من أفكاره فالتفت نحوها بنظرة متسائلة لتردف:
_اوعدني تفضل روحك حلوة كده ...بالنقاء ده ...والحنان اللي بتغرق بيه كل اللي يخصوك مهما حاولت تداريه بصورة خشنة مش شبهك .
اتسعت عيناه بتأثر ليس فقط من سحر كلماتها التي وصفت -على قلتها -صراعاً يعيشه مع نفسه كل يوم ...
لكن لأنها بدت له ك"وصية وداع"!
إنها تصر دوماً ولو في أشد لحظاتهما صفاء أن تذكره بأنها راحلة ...
ولا يدري هل تفعلها استجداء لوعد منه بألا يسمح لها ...
أم هي تفهمه إلى هذا الحد الذي تدرك معه أنه لا يريد التورط بها أكثر؟!
لهذا أطرق برأسه صامتاً وهو مستمرٌ في أرجحتها بسرعة معقولة حتى سمع صوتها المرح يهتف به:
_كفاية عليّ كده النهارده عشان ما أطمعش...ياللا نفطر !
ابتسم ابتسامة واهنة وهو يوقف الأرجوحة لينزلها ...
كفاه يتشبثان بخصرها فتسند راحتيها على كتفه براحة فقدت نفورها القديم ...
عيناه تشكوان لعينيها هذا الشتات الذي يحياه بداخله فتجيبه عيناها ألا تخف...أنا معك!
هو الذي طالما ظن حب المرأة خديعة وحنانها سراباً ووفاءها معجزة ...
الآن يجد معها كل هذا مع وعد مطلق بعدم النفاد !
_ممكن أطلب منك حاجة بجملة الدلع النهارده ؟!
قالتها بنفس النبرة المرحة وهي تقطع لقاء عينيهما هذا بينما تبتعد بجسدها لتردف :
_ممكن نفطر هنا في الجنينة ؟!
عقد حاجبيه بضيق توقعته ليجيبها:
_مابحبش أغير عاداتي...بحب كل حاجة تمشي بنظامي .
فتنهدت باستسلام لتتحرك مبتعدة مع قولها:
_ماشي!
لكنه لحق بها بعد بضع خطوات وقد ساءه أن يرفض طلباً بسيطاً كهذا ليغمغم بفتور:
_لو النهارده بس ممكن.
تهللت أساريرها بفرحة طاغية لتتعلق بعنقه هاتفة بمرح :
_بجد؟! شكراً يا طيب!
قالتها واستدارت لتعود للداخل كي تعد للأمر لكنه جذبها من مرفقها ليقول باستنكار مشاكس:
_شكراً يا طيب؟!! بس كده ؟! ..ده أنا بعت مبادئي عشانك !
فضحكت بخجل وهي تتجاهل مغزى عبارته لتهتف بحماستها المتألقة:
_دلوقت تشكرني لما تشوف الجو اللي هاعمله .
قالتها ثم تملصت من ذراعه لتعدو بخفة نحو باب البيت بينما وقف هو يراقبها بابتسامة شاردة ...
هي لم تعد تنفر كما السابق من لمساته لها ...
لكنه يشعر كذلك أنها لا ترحب بها !
وكأنما هناك حاجز تحاول تخطيه بحبها القوي له فتنجح مرة...وتفشل مرات!
هو يكاد يكون واثقاً أن لزوجها السابق دوراً في الأمر خاصة مع أمر الجراحة التجميلية الذي يعرفه وتلك الندبة التي رآها بالأمس ...
تراه كان يضربها؟!
اقشعر جسده للفكرة وطبيعته "الحمائية" تسيطر عليه فلا يكاد يتصور كيف يؤذي رجل امرأة رقيقة كهذه ...
لكن وسواس ظنونه لايزال له بالمرصاد ...
حقاً...لن يفعل بها رجل عاقل هذا دونما سبب...
فما هو؟!
ولماذا ترفض هي الحديث عن الأمر بهذا التكتم الشديد ؟!
زفر بضيق عند الخاطر الأخير وهو يلعن طبيعته هذه التي تمنعه العيش بسلام ...
لكن ...هل يبغض هذا في نفسه حقاً ...أم يعتبره خط دفاعه الأخير كي لا يُخدع من جديد ...
انقطعت أفكاره عندما رآها من بعيد تعود بمفرش جلدي كبير ذي مربعات صغيرة ملونة ساعدها في بسطه على الحشائش ...
قبل أن يعاونها في نقل أطباق الطعام من المطبخ إلى هنا وحوارهما يتذبذب بين مرح ومشاكسة ...
ولم يكادا ينتهيان من الطعام حتى تنهدت بارتياح ليفاجأ بها تستلقى على ظهرها تماماً فاردة ذراعيها جوارها وهي تتطلع للسماء بنظرة ملؤها السعادة ...
فلم يشعر بابتسامته التي كست شفتيه وهو يتحرك ليستلقي جوارها تماماً متطلعاً مثلها للسماء التي امتلأت بسحبها البيضاء في هذا الوقت من الصباح ...
ظلا صامتين قليلاً قبل أن تقول هي دون أن تنظر إليه :
_عارف؟! فيه مشهد مشهور قوي في الأفلام الأجنبي لما بيبصوا للسما وكل واحد يتخيل هو شايف إيه في السحاب .
فمط شفتيه بضيق وهو يقول بشرود:
_مابحبش أي حاجة أجنبي ...بس معنديش مشكلة ألعب معاكِ اللعبة دي .
اتسعت ابتسامتها وهي تشير بإصبعها نحو السماء لتقول بمرح:
_شايف دي؟! شبه ملاك له جناحين وبيعزف على آلة موسيقية...
_أنا شايفها طفل حاطط ايده على خده وبيعيط .
لكن حديثه لم يحبطها بل قالت وهي تشير لغيمة بيضاء أخرى:
_ودي شبه عروسة البحر .
_تمساح.
ضحكت بانطلاق من المقارنة لتشير لأخرى هاتفة:
_سلم طالع لفوق!
_أنا شايفه نازل لتحت !
فالتفتت نحوه بنظرة عاتبة لم تخلُ من تفهم ليقوم هو من رقاده فيشرف عليها من علوّ مردفاً بينما يتأمل ملامحها العذبة:
_وده الفرق بيني وبينك ...أنا ماشي بنظارة سودا بنقل سوادها لكل حاجة عيني تشوفها لكن انتِ...
ثم امتدت أنامله تزيح خصلات شعرها الثائرة من على
ملامحها ليتحسس ملامح وجهها بنعومة مردفاً بنبرة تعجبها في نفسه قبلها:
_انتِ جميلة قوي ...لدرجة إنك بتخللي كل حاجة حواليكِ جميلة زيك ...حتى أنا !
اتسعت عيناها بدهشة وكأنها لا تصدق أنه يقول لها هي هذا ...
قبل أن تنفرج شفتاها ولا تجد عليه رداً إلا همسها باسمه!
المسافة بين وجهيهما تقصر فيتقاتل "الحب"و"الخوف"على عسل عينيها اللتين أغمضتهما أخيراً وكأنما ملت هذا الصراع فتركت حسمه له ...
هو الذي تمنى استجابتها في هذه اللحظة كما لم يفعل من قبل ...
أن يشعر بحبها شيء وأن تنصهر به في لقاء كهذا شيء آخر ...
شفتاه تتراقصان على شفتيها رقصة حذرة لم تلبث أن تحولت لأخرى شغوف يتعالى إيقاعها متزامناً مع خفقات قلبه ...
رقصة انتهت فجأة كما بدأت فجأة...
أنهتها دمعتها!
مذاقها المالح الذي امتزج على شفتيه بمذاق ألم لم يدرك سببه وإن أدرك حجمه ...
لهذا تمالك نفسه بصعوبة ليبتعد بوجهه عنها ماسحاً دمعتها مع همسه :
_أنا آسف!
عمّ يعتذر؟!
عن نقضه اتفاقه معها الذي يزداد ثقله على قلبه يوماً بعد يوم ؟!
عن أنانيته في رغبته أن ينهل من بئر عطائها السخي هذا لآخر قطرة دون أن يكترث بجفافه بعده ؟!
عن وساوس ظنونه التي لاتزال تلبسها أبشع الأقنعة ؟!
أم عما هو أبعد من هذا ...
عن غفلته عنها طوال هذه السنوات بينما هي غارقة في فيض عاطفة يائسة أسلمتها لزواج بائس مزق روحها كما يبدو ؟!
الاعتذار يبدو هاهنا صفراً كبيراً على اليسار ...
وليس أقسى على قلب رجل مثله اعتاد العطاء أن يجد كفه -معها هي بالذات- خاوية !!
لكنها فتحت عينيها أخيراً لتقرأ كل ما عجز عن قوله في صفحة عينين لا تكذبان على خبيرة به مثلها ...
لهذا نهضت حيويتها -كالعنقاء- من رماد ألمها لتشيح بوجهها للحظات هي فقط ما احتاجته لتستعيد طبيعتها المقاتلة ...
قبل أن تعود إليه ببصرها لتغير الموضوع بقولها:
_انت عارف إن القعدة على الأرض بتخرج الطاقة السلبية من الجسم عشان كده بحبها قوي.
ابتسم بإعجاب وهو يعتدل بجلسته ليسمح لها هي
الأخرى بهذا لتردف بنفس النبرة المتماسكة وكأن الدموع لم تملأ عينيها منذ دقائق:
_تحب نعمل جلسة يوجا سوا؟!
اتسعت ابتسامته وطبيعته الساخرة تعاود احتلال نبراته:
_هنبدأ شغل الدجل والشعوذة والكلام الفاضي بقا!
لكنها هزت رأسها بتحدٍّ لتشير بسبابتها في وجهه هاتفة:
_جرب المرة دي بس ...أتحداك هاتفرق!
تنهد باستسلام عندما رآها تستخرج هاتفها من جيبها
لتتلاعب به أناملها للحظات قبل أن تنبعث منه موسيقا هادئة يتخللها صوت هدير أمواج وزقزقة عصافير ...
وضعته على الأرض جوارها ثم قالت له :
_اقعد زيي كده وغمض عنيك !
جلس القرفصاء يقلدها بينما يفرد ذراعيه بوضع اليوجا الشهير وقد قرر مجاراتها في اللعبة مهادنة ...
قبل أن يصله صوتها:
_خذ نفس عميق ...طلعه ببطء!
كاد يبتسم ساخراً لكنه أكمل المهادنة لتردف هي بنفس النبرة الحالمة:
_فكر في أكتر مكان بتحبه...في أكتر حاجة بتحبها ...
هنا عقد حاجبيه بشدة وكأن الأمر كان مفاجئاً له !!
أكثر مكان يحبه؟!
أكثر شيء يحبه ؟!
العجيب أن السؤالين رغم بساطتهما أوجدا تجويفاً عميقاً بصدره ...
هو لا يملك أي مكان تجمعه به ذكريات جيدة ...
ماضيه الممزق بين أمومة مفقودة وأبوة صارمة يلطخ كل الأماكن بكآبة لا يريد تذكرها ...
وبعدها لم تكن رحلة حياته سوى مجموعة من العثرات ...
لكن ...مهلاً!
هناك مكانٌ يحمل له ذكرى طيبة رغم قصر عهده بها ...
قريته!
بالتحديد ...بيت عمه الذي صدق يوم قال له بعد وفاة أبيه أنه لن يغلق في وجهه أبداً ...
لماذا هو بالذات؟!
ربما لأنه يرمز بالنسبة إليه ل"العودة للجذور"!
للحياة الطبيعية التي كانت ستنتظره لو لم تتخلّ عنه أمه ويضطر أبيه للهرب به إلى المدينة مصوراً له أمومتها كعار ...
لو لم تنبذه نبيلة...لما عانى صرامة أبيه التي ولدها خوفه عليه ...لما تمرد على كل ثوابته بعد موته ليصير لعبة في يد حقيرة كبسنت...وربما لما ترك بلده لآخر كي يذوق عذاب الخيانة من جديد ...
لهذا يصور له خياله دوماً قريته "الفردوس المفقود" الذي لفظه ليكتوي بعده بنيران الجحيم !
_انت بتبتسم...سرحان بقى لك خمس دقايق بحالهم ...احنا كده ماشيين صح!
همسها الرقيق جواره يجعله يفتح عينيه لتمتزج صورتها مع الصوت المسجل لزقزقة العصافير وموج البحر .
ما هذا السحر الذي تملك روحه ذرة ذرة؟!
هو يشعر أنه قد انفصل عن واقعه هذه الخمس دقائق التي تحكي عنها ...
فلم يعد يرى يامن الطبيب بلحيته المهذبة وطبيعته الساخرة السوداء ...
بل يرى نفسه طفلاً يعدو حافي القدمين بين الحقول ...
الشمس تلوح بشرته فلا يبالي سوى بالعدو خلف رفاقه حتى ينهاروا جميعاً جالسين على كومة قش قبل أن تمتد أناملهم ل"كيزان الذرة" الساخنة جوار فرن طيني جلست أمامه امرأة تبتسم بحنان وحجابها الأسود يناقض بياض قلبها وضحكتها ...
_يامن ...انت كويس؟!
همست بها بقلق وهي تشاهد ملامحه التي ارتخت ارتخاء عجيباً مع شروده الواضح فالتفت نحوها ليهمس بارتياح :
_جداً...
ثم ضحك ليداعب لحيته بحركة تدرك أنه يداري بها خجله ليردف:
_اليوجا دي شكلها بجد واللا إيه؟!
_سرحت في إيه؟!
قالتها بلهفة وهي تغير وضعها لتجلس على ركبتيها أمامه فتراقص حاجباه بلمحة مشاكسة جعلتها تهتف برجاء طفولي:
_عشان خاطري يا يامن ...قوللي!
_عايزة تعرفي ليه؟!
_مبحبش يبقى فيه حاجة عنك مش عارفاها !
بمنتهى العفوية نطقتها وكأنها تملك الحق فيما تريده!
ربما في ظروف غير هذه لكان نصيبها عبارة ساخرة وحركة مراوغة ...
لكنه الآن يجد نفسه يحيط وجنتيها بكفيه ليخبرها بما كان يثير شروده ...
كانت عيناها تتسعان مع كل تفصيلة يحكيها عن قريته وشعوره بها ...
تلك الزيارات الخاطفة التي كان يصطحبها فيها أبوه لقريتهم والتي كانت تترك أثرها في نفسه ...
والآن تترك أثرها في نفسها كذلك ...
لماذا؟!
هي أجابت السؤال عندما ردت عليه أخيراً بقولها:
_دي أول حاجة عنك أعرفها منك انت....انت اللي تقولهالي .
فابتسم وأنامله تربت على وجنتيها لتبتسم هي الأخرى بينما تردف بنبرة ذات مغزى:
_كنت بتسألني امبارح عايزة نسافر فين!
=======
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!